«إذا أتاكُمُ المُصَدِّقُ فَلْيَصْدُرْ عنكم وهو عنكم راضٍ».
رواه مسلم برقم: (989)، من حديث جرير -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«المصَدِّق»:
بكسر دال: الساعي. مجمع بحار الأنوار، للفتني (3/ 303).
وقال الفيروزآبادي -رحمه الله-:
والمُصَدِّقُ، كمُحَدِّثٍ: آخِذُ الصَّدَقات، والمُتَصَدِّقُ: مُعْطيها. القاموس المحيط (ص: 900).
شرح الحديث
قوله: «إذا أتاكُمُ المُصَدِّقُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إذا أتاكم» أي: جاءكم يا أرباب الأموال «المصدِّقُ» بكسر الدال المشددة على صيغة اسم الفاعل أي: الساعي، وهو الذي يأخذ الصدقات عمَّن وجبت عليه بنصب الإمام له. الكوكب الوهاج (12/ 322).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
وقوله: «إذا أتاكم المصَدِّق» بضم الميم، وتخفيف الصاد، وكسر الدال المشددة: هو الذي يأخذ الصدقات ممن وجبت عليه بنصب الإمام له. البحر المحيط الثجاج (20/ 359).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«المصَدِّق» ها هنا: هو الساعي لجمع الزكاة، ومُصَدِّقو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا من خيار مُصَدَّقِيه، فلا غش فيهم ولا كدر، فكأنه عرَّض للمعطين بأنكم أنتم المقصرون في أداء الحق حين قال وقد شَكَوا مُصَدِّقيه: «أرضوا مُصَدِّقيكم». كشف المشكل (1/ 432).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«المصَدِّق» الساعي، وهو الذي يجمع الزكاة للمستحقين. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 481).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «إذا أتاكم المصَدِّق» بكسر الدال المشددة مع تخفيف الصاد أي: آخذ الصدقة، وهو الساعي العامل، وأما المصّدِّق بتشديد الصاد فهو دافع الصدقة أي: معطيها، وهو رب المال. مرعاة المفاتيح (6/ 20).
قوله: «فَلْيَصْدُرْ عنكم وهو عنكم راضٍ»:
قال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلْيصدُر» بضم الدال أي: فليرجع «عنكم وهو» أي: والحال أن المصدِّق «عنكم راضٍ» أي: راضٍ عنكم لا غضبان عليكم بأداء الواجب الكامل السليم، والجملة الاسمية حال من فاعل «يصدر». الكوكب الوهاج (12/ 322).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فليصدرْ» أي: فليرجع؛ يعني: حصّلوا رضاه. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 481).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فلْيصْدُر عنكم» ذَكَر المسبِّب وأراد السبب؛ لأنه أمر للمزكِّي أي: تلقّوا العامل بالترحيب، وأدُّوا زكاة أموالكم تامة، فهذا سبب لصدوره عنهم راضيًا، وإنما عدل إلى هذه الصيغة مبالغة في استرضاء المصدق وإن ظَلَمَ، كما سيجيء في الفصل الثاني في حديث جرير أيضًا: «أرضوا مصدقيكم وإن ظُلمتم». الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1476).
وقال النووي -رحمه الله-:
معناه: ببذل الواجب وملاطفتهم وترك مشاقهم، وهذا محمول على ظلم لا يَفْسُقُ به الساعي؛ إذ لو فسق لانعزل ولم يجب الدفع إليه، بل لا يجزئ، والظلم قد يكون بغير معصية، فإنه مجاوزة الحد، ويدخل في ذلك المكروهات. شرح صحيح مسلم (7/ 73).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
يعني -والله أعلم-: أن يوفُّوه طائعين ولا يلووه، لا أن يعطوه من أموالهم ما ليس عليهم، فبهذا نأمرهم ونأمر المصدق. الأم (2/ 62).
وقال البيهقي -رحمه الله- معلقًا:
وهذا الذي قاله الشافعي -رحمه الله- محتمل لولا ما في رواية عبد الرحمن بن هلال العبسي من الزيادة (وهي: قالوا: يا رسول الله! وإن ظلمونا؟ قال: «أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم»)، وفي هذا كالدلالة على أنه رأى الصبر على تعدّيهم. السنن الكبرى (4/ 230- 231).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيه الحضّ على طاعة الأمراء وترك مخالفتهم، ومخارجتهم وإرضائهم، كل هذا حضٌّ على الألفة، وأمرٌ بجمع الكلمة التي جعلها الله أصلًا لصلاح الكافة، وعمارة هذه الدار ونظام أمر الدنيا والآخرة. إكمال المعلم (3/ 636).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
مقصود الحديث: الوصاية بالسُّعاة، وطاعة ولاة الأمور وملاطفتهم، وجمع كلمة المسلمين، وإصلاح ذات البين، وهذا إذا لم يطلب جورًا، وإلا فلا طاعة له؛ لما أخرجه البخاري عن أنس -رضي الله عنه- مرفوعًا: «فمَن سُئلها على وجهها فليعطها، ومَن سُئل فوقها فلا يعطِ» فقيل: المراد لا يعطِ الزيادة، بل يعطي الواجب، وقيل: لا يعطيه شيئًا أصلًا؛ لأنه يفسق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا شيئًا، وهذا القول أقرب إلى ظاهر الحديث، فتأمل، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (20/ 359).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده (أي: الحديث):
1-منها: بيان وجوب إرضاء الساعي في الصدقة، وإن ظنَّ ربُّ المال أنه يظلمه، وهذا محمول على ما إذا كان المصَدِّق معروفًا بالورع، لا يظلم الناس، ولكن صاحب المال لحرصه ظن أنه يظلمه، وأما إذا طَلب فوق الواجب من دون تأويل فلا يجب إرضاؤه؛ لما أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن أبا بكر -رضي الله عنه- كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فمَن سُئلها من المسلمين على وجهها فلْيعطها، ومَن سُئل فوقها فلا يعطِ...» الحديث.
وخلاصة القول: أن نقول: إنه -صلى الله عليه وسلم- عَلِمَ أن عامليه لا يظلمون الناس، ولكن أرباب الأموال لشدة محبتهم للأموال يعدُّون ما يأخذونه منهم ظلمًا، فقال لهم: «أرضوا مصدقيكم» أي: وإن ظلموكم في زعمكم، فليس فيه تقرير للعاملين على الظلم، ولا تقرير للناس على الصبر عليه، وعلى إعطاء الزيادة على ما حده الله تعالى في الزكاة، والحاصل أن الجمع بين الحديثين بما ذكر متعين، والله تعالى أعلم بالصواب.
2-ومنها: أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يظن أحيانًا المصَدِّقَ ظالمًا له، ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإرضاء المصدق؛ لأنه لا يظلم؛ حيث إنه -صلى الله عليه وسلم- لا يرسل إلا العالِم الوَرِعَ، ومع ذلك يوصيه بتوقي كرائم أموال الناس. البحر المحيط الثجاج (19/ 193).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)