السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

عنِ ابنِ عُمرَ -رضي اللَّه عنهما- أنَّه كان يرمي الجمرةَ الدُّنيا بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ على إِثْرِ كلِّ حَصَاةٍ، ثم يتقدَّمُ حتَّى يُسْهِلَ، فيقومَ مُستقبِلَ القبلةِ، فيقومُ طويلًا، ويدعو ويرفعُ يديْهِ، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذُ ذاتَ الشِّمالِ فَيَسْتَهِلُ، ويقومُ مُستَقبِلَ القبلةِ، فيقومُ طويلًا، ويدعو ويرفعُ يديْهِ، ويقومُ طوِيلًا، ثم يرمي جمرةَ ذاتِ العقبةِ مِن بَطْنِ الوادي، ولا يقفُ عندَها، ثم ينصرِفُ، فيقولُ: «هكذا رأيتُ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يفعلُهُ».


رواه البخاري برقم: (1751).
وفي لفظٍ له برقم: (1752): «فيأخذُ ‌ذاتَ ‌الشِّمال ‌فيُسهل» بدل «ثم يأخذُ ذاتَ الشِّمالِ فيسْتَهِلُّ».  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الجمرةَ الدُّنيا»:
أي: القريبة إلى منى، وهي فُعْلَى من الدنو. والدنيا أيضًا: اسم لهذه الحياة لبُعد الآخرة عنها، والسماء الدُّنيا لقربها من ساكني الأرض. لسان العرب (14/ 273)
وقال ابن حجر-رحمه الله-:
وهي أول الجمرات التي تُرمى من ثاني يوم النحر. فتح الباري، لابن حجر (3/ 583).

«على إِثْرِ»:
الإِثْرُ: خِلاصُ السَّمنِ. وأُثْرُ السيف: ضَرْبَتُهُ، وذهبتُ في إثْرِ فلانٍ، أي: اسْتَقفَيتُهُ. العين (8/ 237).

«حتَّى يُسْهِلَ»:
أسهل يسهل إذا صار إلى السَّهل من الأرض، وهو ضد الحَزْن، أراد أَنه صار إلى بطن الوادي. النهاية في غريب الحديث(2/ 428).

«الجمرة ذاتِ العَقبةِ»:
العَقَبةُ واحدة عَقَبات: الجبال. مختار الصحاح (ص: 467)


شرح الحديث


قوله: «أنَّه كان يرمي الجمرةَ الدُّنيا»:
قال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الرمي: هو القذف والدفع، والمراد به: القذف بالحجارة الصغيرة، وأما مجرد وضعها فلا يُسَمَّىْ رَمْيًا.منحة العلام (ص: 245) .
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
شرط الرمي: أن يُسَمَّى رميًا اتباعًا لاسم الرمي، فلا يكفي الوضع، وفي وجه يكفي بحصوله في المرمى، ولا بد مع الرمي من القصد إلى المرمى، فلو رمى في الهواء فوقع في المرمى لم يُعْتَدَّ به، بخلاف ما لو رمى سهمًا إلى الهواء فأصاب صيدًا حل على أحد الوجهين، والفرق أن الذكاة لا يشترط فيها النية، ولا يفتقر الرمي إلى نية على المذهب (الشافعي)، ولا ينافي هذا اشتراط قصد المرمى، فإنه قد يقصد المرمى، ولا يقصد النسك. شرح سنن أبي داود(9/٩٧).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «الجمرة الدُّنيا» بضم الدّال، أو بكسرها، أي: القريبة إلى جهة مسجد الخَيْف، وهي أولى الجمرات التي تُرمى من ثاني يوم النحر، وهي أقرب الجمرات من منى، وأبعدها من مكة. عمدة القاري (10/ 91).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
جمرة العقبة هي الجمرة الكبرى، وليست من منى، بل هي حدُّ منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة: اسم لمجتمع الحصى، سُمِّيت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: تجمَّر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل: إنَّ العرب تُسمي الحصى الصغار جمارًا، فسُمِّيت تسمية الشيء بلازمه، وقيل: لأنَّ آدم أو إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه جَمَرَ بين يديه، أي: أسرع، فسُمِّيت بذلك. فتح الباري (3/ 581-582).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«أنه كان يرمي الجمرة الدنيا» من الدنو، وهو القُرْب، واعتبر الدنو باعتبار الرجوع من عرفات. الكوثر الجاري (4/ 157).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«جمرة الدُّنيا» جمرة العقبة الدُّنيا، ووصفها بالدُّنيا لدنوها من منازل النازلين عند مسجد الخَيْف. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 2017).

قوله: «بسَبْعِ حَصَيَاتٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «بسبعِ حصيات» في كل يوم من أيام التشريق. مرقاة المفاتيح (5/ 1837).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله-:
قوله: «بسبع حصيات» دليل على أنَّه لا يجزئ الرمي بغير الحصى، ولو كان ثمينًا كالجواهر. إيقاظ الأفهام (4/ 100).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
الأَولى أنْ لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى بسبع حصيات، فإنْ نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك، نص عليه (أي: أحمد) وهو قول مجاهد وإسحاق.
وعنه (أي: أحمد): إنْ رمى بست ناسيًا فلا شيء عليه، ولا ينبغي أنْ يتعمده، فإنْ تعمد ذلك تصدَّق بشيء، وكان ابن عمر يقول: ما أبالي رميتُ بستٍّ أو سبعٍ، وقال ابن عباس: ما أدري رماها النبي -صلى الله عليه وسلم- بستٍّ أو سبعٍ.
وعن أحمد: أنَّ عدد السبع شرط، ونسبه إلى مذهب الشافعي وأصحاب الرأي؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى بسبع. المغني (3/ 400).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اتفقت الأمة على أنَّ مَن رمى كل جمرة بسبع حصيات فقد أحسن، واختلفوا إذا رماها بأقل من سبع، فذكر الطبري عن عطاء أنه إنْ رمى بخمس أجزأه، وعن مجاهد: إنْ رمى بستٍّ فلا شيء عليه، وذكر ابن المنذر: أنَّ مجاهدًا احتج بحديث سعد بن أبي وقاص قال: «رجعنا مع النبي -عليه السلام- وبعضنا يقول: رميتُ بستٍّ، وبعضنا يقول: رميتُ بسبعٍ، فلم يَعِبْ بعضهم على بعض» وبه قال أحمد وإسحاق، وعن طاوس: إنْ رمى ستًّا يُطْعِم تمرة أو لقمة، وذكر الطبري قال: قال بعضهم: لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة بسبع تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جُعل الرمي في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات السبع، كما جُعل عَقْدُ الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد.
وذُكر عن يحيى بن سعيد أنه سُئل عن الخرز والنوى يُسبَّح به، فقال: حسن، قد كانت عائشة زوج النبي -عليه السلام- تقول: "إنما الحصى للجمار ليُحفظ به التكبير"، وقال الشافعي وأبو ثور: إنْ بقيت عليه حصاة فعليه مُدٌّ من طعام، وفي حصاتين مُدَّان، وإنْ بقيت ثلاث فأكثر فعليه دم، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (ابن الحسن): إنْ ترك أقل من نصف جميع الجمرات الثلاث، فعليه في كل حصاة نصف صاع من طعام إلا أنْ يبلغ ذلك دمًا، فيُطعم ما شاء ويجزئه، وإنْ كان تَرَكَ أكثر مِن نصف جميع الجمرات الثلاث فعليه دم، وعلَّتهم إجماع الجميع أنَّ على كل تارك رمي الجمرات الثلاث في أيام الرمي حتى تنقضي دمًا، فلما كان ذلك إجماعًا، كان الواجب أنْ يكون لترك رمي ما دون جميع الجمرات الثلاث من الدم بقسطه، وأنْ يكون ذلك مردودًا إلى القيمة؛ إذ كان غير ممكن نسك بعض الدم، فجعلوا ذلك طعامًا، وجعلوا ما يُعطى كل مسكين من ذلك قوت يومه، وجعلوا تارك ما زاد على نصف جميع الجمرات الثلاث بمنزلة تارك الجمرات كلها؛ إذ كان الحُكم عندهم للغالب، مع أنَّ ذلك إجماع من الجميع.
وقال الحكم وحماد: مَن نَسِي جمرة أو جمرتين، أو حصاة أو حصاتين يهريق دمًا، وقال عطاء: مَن نَسِي شيئًا مِن رمي الجمار فذكر ليلًا أو نهارًا فليرمِ ما نَسِي، ولا شيء عليه، وإنْ مضت أيام التشريق فعليه دم، وهو قول الأوزاعي، وقال مالك: إنْ نَسِي حصاة من الجمرة حتى ذهبت أيام الرمي ذبح شاة، وإنْ نَسِي جمرة تامة ذبح بقرة، قال الطبري: والصواب عندنا (الشافعية) أنَّ رمي جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات، ورمي الجمرات الثلاث أيام التشريق الثلاثة كل جمرة منها بسبع حصيات من مناسك الحج التي لا يجوز تضييعها؛ لنقل الأمَّة جميعًا وراثة عن النبي -عليه السلام- أنَّ رميهن كذلك مما عَلَّمَ أمَّته، وقد جعل الله بيان مناسكه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعُلم بذلك أنه من الفروض التي لا يجوز تضييعها، وعُلم أنَّ مَن ترك شيئًا مما علَّمهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى فات وقته فعليه الكفارة؛ إذ كان قد نص في محكم كتابه على وجوب ذلك في تضييع بعض المناسك، فكان في حكمه حكم ما لم ينص الحكم فيه، مما نص الحكم فيه في كتابه. شرح صحيح البخاري (4/ 416-417).

قوله: «يُكبِّر على إِثر كل حصاة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يكبر على إِثْر كل حصاة» بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، وبفتحهما، أي: عقيب كل واحدة من الحصى، وفي رواية: «مع كل حصاة» وفي رواية: «عند كل حصاة» وهو أعم.
والمراد بالمعيَّة: خروج الجمرة من اليد، فهو مع الرمي باعتبار الابتداء، أو أثره باعتبار الانتهاء. مرقاة المفاتيح (5/ 1837).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«يكبرُ مع كلِّ حصاةِ» كيفية التكبير: أنْ يقول: الله أكبُر، الله أكبرُ، لا إله إلا الله، والله أكبرُ، ولله الحمدُ، كما نقله الماوردي عن الشافعي. منحة الباري (4/ 210).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
قوله: «ويكبر مع كل حصاة» كذا روى ابن مسعود وابن عمر، (و) تقدَّم الرواية عنهما آنفًا...، وظاهر المرويات من ذلك: الاقتصار على: الله أكبر، غير أنه روي عن الحسن بن زياد أنه يقول: الله أكبر رغمًا للشيطان وحزبه، وقيل: يقول أيضًا: اللهم اجعل حجِّي مبرورًا، وسعيي مشكورًا، وذنبي مغفورًا.
قوله (المرغيناني الحنفي صاحب الهداية): "ولو سبَّح مكان التكبير أجزأه"، وكذا غير التسبيح مِن ذكر الله تعالى كالتهليل؛ للعلم بأنَّ المقصود من تكبيره -صلى الله عليه وسلم- الذِّكْر لا خصوصه.
ويمكن حمل التكبير في لفظ الرواة على معناه من التعظيم، كما قلنا في تكبير الافتتاح، فيدخل كل ذكر لفظًا لا معنى فقط، لكن فيه بُعْد، بسبب أنَّ المعروف من إطلاقهم لفظ: "كبَّر الله" ونحوه إرادة ما كان تعظيمًا بلفظ التكبير، فإنه إذا كان غيره قالوا: سبَّح الله ووحَّده، أو ذَكَر الله، فهذا المعتاد يُبْعِد هذا الحَمْل. فتح القدير (2/ 486).
وقال الباجي -رحمه الله-:
عبد الله بن عمر كان يكبر عند رمي الجمرة كلما رمى بحصاة؛ وذلك أنه إذا كان التكبير مشروعًا عند الرمي، فإنه يتكرر عند كل رمية، وكذلك كل عبادة شُرع فيها التكبير، فإنه يتكرر بتكرر محله، كالانتقال من ركن إلى ركن في الصلاة، وشعار الحج مواضع تعظيم لله، وتكبير.
وقد قال مالك: يكبِّر مع كل حصاة، والأصل في ذلك ما رُوي «عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يكبر مع كل حصاة»، وخُصَّ التكبير بهذا من بين سائر ألفاظ الذِّكر؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما خُصت الصلاة، فإنْ سبَّح فقد قال ابن القاسم: ما سمعتُ فيه شيئًا، والسُّنة التكبير.
قال القاضي أبو الوليد -رضي الله عنه- (الباجي): والذي عندي أنه لا شيء عليه؛ لأن ابن القاسم قد قال في المبسوط فيمن رمى ولم يُكبِّر: هو مجزئ، ومعنى ذلك: أنه ذِكرٌ مشروع في أثناء الحج، كسائر الأذكار والأدعية. المنتقى شرح الموطأ (3/ 46).
وقال النووي -رحمه الله-:
استحباب التكبير مع كل حصاة وهو مذهبنا ومذهب مالك والعلماء. المنهاج شرح مسلم (9/ 42).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أجمعوا أنَّ مَن لم يُكبِّر لا شيء عليه، والتكبير هنا برفع الصوت، وكان بعض السلف يدعو مع ذلك. إكمال المعلم (4/ 372).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله-:
قوله: «يُكبِّر مع كل حصاة» دليل على أنَّه يُستحب أنْ يكبر مع كل حصاة، وقد قال جابر في صفة حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-: «... حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة» رواه مسلم، وأما البسملة فلا تُستحب. إيقاظ الأفهام (4/ 100).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اختلفوا فيمَن رمى سبع حصيات في مرة واحدة، فقال مالك والشافعي: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها ستًّا، وقال عطاء: يجزئه عن السبع، وهو قول أبي حنيفة، كما في سياط الحد سوطًا سوطًا أو مجتمعة، إذا عُلم وصول الكل إلى بَدَنِهِ، حُجَّة الأول: أنَّ الشارع رمى بحصاة حصاة، وقال: «خذوا عني مناسككم». التوضيح (12/ 167).

قوله: «ثم يتقدَّمُ حتَّى يُسْهِلَ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«ثم يتقدَّم» أي: ثم يذهب قليلًا من ذلك الموضع. المفاتيح (3/ 331).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«حتى يُسهلَ» مضارع أَسْهَلَ: إذا أتى السَّهْلَ من الأرض، وهو خلافُ الجبل. مصابيح الجامع (4/ 206).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«حتى يُسهِلَ» ينزل إلى السهل من بطن الوادي، بحيث لا يصيبه المتطاير من الحصى التي يُرمى به. إرشاد الساري (3/ 249).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -رحمه الله-:
«ثم يُسهِل» يعني: يصل إلى المكان السهل؛ لأنَّ المنطقة كانت وَعِرَة، فيقصد المكان السهل المريح البعيد عن محل الرمي؛ لئلا يتأذى بازدحام الحجيج؛ لأنه يريد أنْ يطيل الدعاء. شرح بلوغ المرام كتاب الحج (ص: 178).

قوله: «فيقومَ مُستقبِلَ القبلةِ»:
قال رشيد الكنكوهي -رحمه الله-:
يعني: بذلك أنَّه يستقبل القبلة للدعاء بعد رمي الجمرتين، فلا يخالف ذلك ما تقدَّم من أنَّه يجعل الكعبة على يساره وقت الرمي. لامع الدراري (5/266).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيقوم مستقبل القبلة» أي: حال كونه مقابل الكعبة، وفي التعبير بالقبلة إشعار باعتبار الجهة. مرقاة المفاتيح (5/ 1838).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ويقومُ» حال كونه «مستقبل القبلة» في مكان لا يصيبه الرمي. إرشاد الساري (3/ 250).

قوله: «فيقومُ طويلًا»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فيقومُ طويلًا» اختلف في مقدار ما يقف عند الجمرة الأولى، فكان ابن مسعود يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعن ابن عمر: كان يقف قدر سُورة البقرة عند الجمرتين...، قال ابن القاسم وسالم: إذا قرأها الرجل السريع، وهو مُفسِّر لما في البخاري من الطول. التوضيح (12/ 174).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الوقوف سُنة، وليس بواجب، فلو أنَّ إنسانًا رمى ولم يقف بين الأولى والثانية، والثانية والثالثة، فلا حرج عليه. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 65).

قوله: «ويدعو ويرفعُ يديْهِ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ويرفع يديه» استُشكل بخبر: «لم يكنِ النبي -صلى الله عليه وسلم- يرفعُ يديه في شيءٍ من دعائه إلا في الاستسقاء».
وأُجيب: بأنَّ الرفعَ في الاستسقاء فوقَ الرفعِ في غيرهِ، فنفيُه في هذا الخبرِ نفيٌ لمبالغته، لا لأصله. منحة الباري (4/ 211-212).
وقال عبد الرحمن بن قدامة -رحمه الله-:
ولا نعلمُ في جميع ذلك خِلافًا، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: ليس بمَوْضِعٍ لرَفْعِ اليدينِ. الشرح الكبير على المقنع (9/ 238).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
قد كان ابن عمر وابن عباس يرفعان أيديهما في الدعاء إذا رميا الجمرة، وبه قال مجاهد والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي.
ولا نعلم أحدًا أنكر ذلك غير مالك، فإنَّ ابن القاسم حكى أنه قال: لم يكن يرفع اليدين هنالك.
قال أبو بكر (ابن المنذر): واتِّبَاع السُّنة أفضل. الإشراف (3/ 332).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وردَّه ابنُ المنير: بأنَّ الرفع لو كان هنا سُنة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة.
وغفل -رحمه الله تعالى- عن أنَّ الذي رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة، ثم الشام في زمانه، فمَن علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟! والله المستعان. فتح الباري (3/ 583-584).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: (أي: النووي في الإيضاح): "ولا ترفع المرأة" أي: والخنثى. حاشيته على الإيضاح (ص: 355).

قوله: «ثم يرمي الوسطى»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله: -
«ثم يرمي الوسطى» أي: الجمرة الوسطى، وهي التي بين الجمرة الدُّنيا وبين جمرة العقبة؛ ولذللك سُميت الوسطى. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 158).

قوله: «ثم يأخذُ ذاتَ الشِّمالِ فَيَسْتَهِلُ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ذات الشِّمالِ» بكسر المعجمة، أي: جانب الشمال، (و) في نسخةٍ: «بذات الشمال» بزيادة الباء. منحة الباري (4/ 211).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ذات الشِّمال» بكسر الشِّين، أي: جانِب الشِّمال. اللامع الصبيح (6/ 204).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ثم يأخذ بذات الشِّمال» أي: يذهب على شمال الجمرة الوسطى. شرح المصابيح (3/ 323).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم يأخذ ذات الشمال» أي: يمشي إلى جهة شماله. سبل السلام (1/ 648).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«ثم يأخذ ذات الشمال» أي: ليقف داعيًا في مكان لا يصيبه الرمي. فتح الباري (3/ 583).

قوله: «ويقومُ مُستَقبِلَ القبلةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويقوم مستقبل القبلة...» كما تقدَّم (أي: فعْلُه في الجمرة الأولى). مرقاة المفاتيح (5/ 1838).

قوله: «فيقومُ طويلًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فيقومُ» بالفاء؛ ولأبي ذر: «ويقوم» قيامًا «طويلًا» كما وقف في الأولى. إرشاد الساري (3/ 250).

قوله: «ويدعو ويرفعُ يديْهِ، ويقومُ طوِيلًا»:
قال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
أي: فيصنع عند الجمرة الوسطى كما صنع عند الأولى من الوقوف واستقبال القبلة؛ والدعاء؛ ورفع اليدين عند الدعاء. منار القاري (3/ 147).

قوله: «ثم يرمي جمرةَ ذاتِ العقبةِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ثم يرمي جمرة ذات العقبة» هي جمرة العقبة، وفي رواية عثمان بن عمر: «ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة». عمدة القاري (10/ 92).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«ذات العقبة» بفتح العين والقاف والباء، اسم للجبل الصغير، فيه ثنية، كانت الجمرة الكبرى في سفحه الجنوبي، فأُزيلت تلك العقبة عام: 1377هـ، لغرض توسعة شارع الجمرات. توضيح الأحكام (4/ 170).

قوله: «مِن بَطْنِ الوادي»:
قال العيني -رحمه الله-:
أي: فيرمي الجمرة من أسفل الوادي إلى أعلاه، هكذا رواه ابن عمر وابن مسعود في الصحيحين والترمذي عن ابن مسعود أنه -عليه السَّلام- «لما رمى جمرة العقبة جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه» وفي رواية: «أنه اسْتَبْطَنَ (أي: الوادي)» وقال ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-: "هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة". البناية شرح الهداية (4/ 239).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«من بطن الوادي» هي سُنة رمي جمرة العقبة: أنْ يكون من أسفلها، وحيث ما رمى فواسع. إكمال المعلم (4/ 284).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمعوا على أنَّه من حيث رماها (جمرة العقبة) جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو عن يساره، أو رماها من فوقها، أو أسفلها، أو وقف في وسطها ورماها.
وأما رمي باقي الجمرات في أيام التشريق فيستحب من فوقها. المنهاج شرح مسلم (9/ 42-43).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
قوله (المرغيناني الحنفي صاحب الهداية): "ولو رماها من فوق العقبة أجزأه" إلا أنه خلاف السُّنة، ففعله -عليه الصلاة والسلام- من أسفلها سُنة، لا لأنه المتعين؛ ولذا ثبت رمي خلق كثير في زمن الصحابة من أعلاها، كما ذكرناه آنفًا من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-، ولم يأمروهم بالإعادة، ولا أعلنوا بالنداء بذلك في الناس.
وكان وجه اختياره -عليه الصلاة والسلام- لذلك هو وجه اختياره حصى الخذف، فإنه يتوقع الأذى إذا رموا من أعلاها لمن أسفلها، فإنه لا يخلو من مرور الناس، فيصيبهم، بخلاف الرمي من أسفل مع المارين من فوقها إنْ كان. فتح القدير (2/ 485-486).

قوله: «ولا يقفُ عندها»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولا يقفُ عندها» للدعاء، برفع الفاء، ولأبي ذر: «ولا يقفْ» بجزمها على النهي. إرشاد الساري (3/ 250).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ولا يقف» بالرفع على الاستئناف، وبالجزمِ على النهي. منحة الباري (4/ 211).
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«ولا يقف عندها» أي: عقيب رميها، بخلاف ما فعل بعد رمي الجمرة الدُّنيا، والجمرة الوسطى. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 158).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«ولا يقف عندها» ويحتمل أنْ يكون ذلك -والله أعلم- من جهة المعنى: أنَّ موضع الجمرتين الأوَّلتين فيه سعة للقيام للدعاء، ولمن يرمي، وأما جمرة العقبة فموضعها ضيق للوقوف عندها للدعاء، لا لامتناع الرمي على من يريد الرمي؛ ولذلك الذي يرميها لا ينصرف على طريقه، وإنما ينصرف من أعلى الجمرة، ولو انصرف من طريقه ذلك لمنع من يأتي للرمي. المنتقى شرح الموطأ (3/ 46).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله (أي: النووي في الإيضاح): «ولا يقف عندها للدعاء» أي: لا في يوم النحر، ولا فيما بعده؛ لضيق محلِّها، فيضر بغيره، لكن هذا باعتبار ما كان، على أنه لو عُلِّل بالتفاؤل بالقبول مقارنًا لفراغه منها لم يبعُد. حاشيته على الإيضاح (ص: 468).
وقال المرغيناني الحنفي -رحمه الله-:
ثم الأصل أنَّ كل رمي بعده رمي يقف بعده؛ لأنه في وسط العبادة، فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف؛ لأنَّ العبادة قد انتهت؛ ولهذا لا يقف بعد جمرة العقبة في يوم النحر أيضًا. الهداية (1/ 146).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
لعله إنَّما لم يقف عندها؛ لأنه بوقوفه الطويل عند الجمرتين، وكثرة الدعاء يكلُّ الخاطر، وإنَّما لم يعكس لأنَّ الخاطر في الابتداء أنشط، وآخر الأمر يلائم الاختصار أيضًا. الكوثر الجاري (4/ 158).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
اختُلف في تعليل ذلك على أقوال: ففي المحلَّى: السِّر في الوقوف والدعاء بعد الأوليين دون العقبة: أنْ يقع الدعاء في وسط العبادة، وقيل: إنَّها وقعت في ممر الناس، فكان في الوقوف هناك قطع للسبيل على الناس، انتهى.
وعامة أهل العلم على الثاني، قال القاري في شرح اللباب: إذا فرغ من الرمي لا يقف للدعاء عند هذه الجمرة في الأيام كلها، بل ينصرف داعيًا، ولعلَّ وجه عدم الوقوف للدعاء ها هنا على طبق سائر الجمرات تضييق المكان...
وقد ظهر من هذا كله: أنَّ ترك الوقوف للدعاء بعد العقبة ثابت بالأحاديث المرفوعة، وآثار الصحابة، ومجمع عليه عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وإنما الاختلاف في تعليله:
فقيل: وقوع الدعاء في الوسط.
وقيل: ضيق المكان.
وقيل: التفاؤل بالقبول. مرعاة المفاتيح (9/190- 191).

قوله: «ثم ينصرِفُ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ثم ينصرف» عقب رميها (أي: ولا يقف للدعاء). إرشاد الساري (3/ 250).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«ثم ينصرف» أي: عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما-. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 158).

قوله: «فيقولُ: «هكذا رأيتُ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يفعلُهُ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فيقول» أي: ابن عمر. إرشاد الساري (3/ 250).
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«هكذا» أي: مثل ما فعلتُ في رمي الجمار، قد فعله رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد رأيته وهو يفعل ذلك -صلى اللَّه عليه وسلم-. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 158).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُشترط الترتيب بين الجمرات، فيبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ‌ثم ‌جمرة ‌العقبة ولا خلاف في اشتراطه. المجموع(8/٢٣٩).
وجاء في الموسوعة الفقهية:
يبدأ بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ‌ثم ‌جمرة ‌العقبة.
وهو مذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) فهذا الترتيب شرط لصحة الرمي.
فلو عَكَسَ الترتيب فبدأ من العقبة ثم الوسطى ثم الصغرى وجب عليه إعادة رمي الوسطى والعقبة عندهم ليتحقق الترتيب .
ومذهب الحنفية: أن هذا الترتيب سُنة، إذا أخلَّ به يُسن له الإعادة. وهو قول الحسن وعطاء .
استدلوا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رتبها كذلك، كما ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع ‌حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلًا ...». موسوعة الفتاوى(23/155).
وقال الشنقيطي -رحمه الله-:
هذا الترتيب على النحو الذي ذكرنا هو الذي فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمر بأخذ المناسك عنه، فعلينا أنْ نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب المذكور، ففي صحيح البخاري -رحمه الله- من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على إِثْر كل حصاة، ثم يتقدَّم حتى يُسْهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله» اهـ.
روى البخاري هذا الحديث في ثلاثة أبواب متوالية، وهو نص صحيح صريح في الترتيب المذكور، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لتأخذوا عني مناسككم»، فإنْ لم يُرتِّب الجمرات، بأنْ بدأ بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منكسًا؛ لأنه خالف هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي الحديث: «مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وتنكيس الرمي عمل ليس من أمرنا، فيكون مردودًا، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم، وقال أبو حنيفة: الترتيب المذكور سُنة، فإن نكَّس الرمي أعاده، وإن لم يعد أجزأه، وهو قول الحسن (البصري) وعطاء، واحتجوا بأدلة لا تنهض.
وعلى الصحيح الذي هو قول الجمهور: إنَّ الترتيب شرط لو بدأ بجمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الأُولى، أو بدأ بالوسطى، ورمى الثلاث لم يجزه إلا الأُولى؛ لعدم الترتيب في الوسطى والأخيرة، فعليه أن يرمي الوسطى ثم الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة، ثم الأُولى، ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة وحدها، هذا هو الظاهر. أضواء البيان (4/ 464-465).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قال بعض أهل العلم: إن الترتيب ليس بشرط، لكنه ندب، وقال: إن هذا ليس أولى من عدم الترتيب في أنساك يوم العيد، وأنساك يوم العيد لا يشترط فيها الترتيب، وعُورض هذا بأن الرمي عبادة واحدة فلا بد أن تُفعل كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، بخلاف أنساك يوم العيد، فإنها عبادات متنوعة، كل عبادة مستقلة عن الأخرى. ولكن نقول: ما دام الإنسان في سعة فيجب الترتيب، وأنه لو سأَلَنَا في أيام التشريق، فقال: إنه رمى منكسًا لَسَهل علينا أن نقول: اذهب وارم مرتبًا، لكن إذا كان الأمر قد فات بفوات أيام التشريق، وجاء وسأل فقال: إني رميت من غير أن أعلم فبدأت بجمرة العقبة، فلا بأس بإفتائه بأن رميه صحيح؛ لأنه ليس هناك قول عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بوجوب الترتيب بينها، وليس هناك إلا مجرد الفعل، وعموم: «لتأخذوا عني مناسككم»،
ولا سيما أن كثيرًا من العلماء قالوا: يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل والنسيان، وبين الفوائت بالجهل والنسيان، وبين الصلاتين المجموعتين بالجهل، فهذا يدل على أنه إذا اختل الترتيب لعذر من الأعذار، فإنه يسقط عن الإنسان؛ لأنه أتى بالعبادة لكن على وجه غير مرتب. الشرح الممتع(7/355).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
الأحوط مراعاة الترتيب؛ لأنه واجب عند الشافعي وغيره، ثم الظاهر أنَّ الموالاة سُنة كما في الوضوء، أو واجب وفق مذهب مالك -رحمه الله- هنالك. مرقاة المفاتيح (5/ 1838).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على أنَّ من السُّنة أنْ يبدأ بالجمرة الدنيا يعني القريبة إلى عرفات، ويستهل أي ينحدر إلى الأرض السهلة المنخفضة، وإنما يقف في الأخيرة؛ لأنها آخر الجمار، فهي كالتشهد في الصلاة. الإفصاح (4/ 203).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في الحديث: مشروعية التكبير عند رمي كل حصاة، وقد أجمعوا على أنَّ مَن تركه لا يلزمه شيء، إلا الثوري فقال: يُطعم وإن جبره بدم أحب إليَّ.
وعلى الرمي بسبع وقد تقدم ما فيه.
وعلى استقبال القبلة بعد الرمي والقيام طويلًا، وقد وقع تفسيره فيما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء: "كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة".
وفيه: التباعد من موضع الرمي عند القيام للدعاء؛ حتى لا يصيب رمي غيره.
وفيه: مشروعية رفع اليدين في الدعاء، وترك الدعاء والقيام عند جمرة العقبة. فتح الباري (3/ 584).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: ما قد دلت عليه الأدلة الماضية من الرمي بسبع حصيات لكل جمرة، والتكبير عند كل حصاة.
وفيه زيادة أنه يستقبل القبلة بعد الرمي للجمرتين، ويقوم طويلًا يدعو الله تعالى...، وأنه يرفع يديه عند الدعاء، قال ابن قدامة: ولا نعلم في ذلك خلافًا إلا ما يروى عن مالك أنه لا يرفع يديه عند الدعاء، وحديث ابن عمر دليل لخلاف ما قال مالك. سبل السلام (1/ 648-649).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
1. مشروعية رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق الثلاثة، فهنَّ وقت الرمي، فإن لم يرم فيهن لعذر أو غيره، فاته الرمي، وعليه دم.
2. البداءة بالجمرة التي تلي مسجد الخَيْف، ثم الثانية، ثم العقبة، وهذا الترتيب واجب، فإن اختلَّ لم يصح الرمي.
3. أن يكون الرمي بسبع حصيات لكل جمرة، وهذا مذهب جمهور العلماء خلافًا لقلة، منهم عطاء ومجاهد، فقد أجازوا الرمي بالخمس والست.
4. التكبير عقب كل حصاة يرميها.
5. التقدم عن مكان الرمي في الجمرة الأولى، والانصراف إلى جهة الشمال في الجمرة الوسطى، ثم استقبال القبلة، والدعاء طويلًا رافعًا يديه، متحريًا للإجابة والقبول؛ لأنَّ هذا الموطن من مواطن قبول الدعاء.
6. أما جمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي، أي: يجعل مكة عن يساره، ومنًى عن يمينه، ولا يقف عندها للدعاء.
وقد علَّل العلماء عدم مشروعية الوقوف هنا: لضيق المكان في ذلك الوقت، على أنَّ سعة المكان عند جمرة العقبة الآن لا يبرر الوقوف عندها للدعاء؛ إذ إن العلل والأسرار ظنية، والخير في الاتِّباع، وخير الهدي هدي محمَّد -صلى الله عليه وسلم-.
7. الرمي على الصفة المذكورة في الحديث هي الصفة الواردة، فتكون المفضلة على أنَّ رمي الجمار الثلاث جائز من أي جهة كانت ما دام الحصى يقع في المرمى. توضيح الأحكام (4/ 171).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ