السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«فيما ‌سقتِ ‌السماءُ والعُيُونُ أو كان عَثَرِيًّا العُشرُ، وما سُقِيَ بالنضحِ نصفُ العُشرِ».


رواه البخاري برقم: (1483)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-
ورواه بنحوه مسلم برقم: (981)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«عَثَرِيًّا»:
وهو الذي يَشرب بعروقه من ماء يجتمع في حفير؛ وسمى به لأن الماشي يتعثر به. المجموع المغيث، للمديني (2/ 404).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
هو من النخيل الذي ‌يَشرب ‌بعروقه ‌من ‌ماء ‌المطر يجتمع في حفيرة، وقيل: هو العذي (بالذال)، وقيل: هو ما يُسقى سَيْحًا، والأَوَّل أَشْهَر. النهاية (3/ 182).

«بالنَّضْحِ»:
النَّضْحُ: الرَّشُّ. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 96).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: وفيما سقي ببعير أو ثور، أو غير ذلك من بئر أو نهر، والنَّضْحُ في الأصل مصدر بمعنى: السقي. مرقاة المفاتيح (4/ 1286).


شرح الحديث


قوله: «فيما ‌سقتِ ‌السماءُ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
«فيما سقت السماء والعيون» ما سَقت السماء هو ما لم يكن له سقي إلا بالمطر. المنتقى شرح الموطأ (2/ 163).
وقال الوقشي -رحمه الله-:
قوله: «فيما ‌سقت ‌السماء» يقال لما سقت السماء: عذي، وعثري، ولما كان من الأنهار والعين: غَيْلٌ وسَيْحٌ، ولما شَرب بعروقِه مِن ثرى الأرض ورطوبتها ونداها من غير سَقي سماء ولا غيرها لا عيون، ولا ماء مسرب، ولكنه يستمد من رطوبة الثرى، ويمتص من ندوته: بعل، هذا قول الأصمعي.
و«السقي» مصدر سَقَيت، و«السقي» بكسر السين: الماء الذي يُستقى به، وسمي المسقي أيضا سقيًا -بالكسر- كالرعي للنبات الذي يُرعى. التعليق على الموطأ (1/ 290).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «فيما سقت السماء» السقي بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وليس للعدد فعل، والسماء المطر. المسالك (4/ 96).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«فيما ‌سقت ‌السماء» أي: المطر، سماه سماء لنزوله من السماء. فتح الباري (1/ 134).
وقال السندي -رحمه الله-:
المراد ما لا يحتاج سقيه إلى مؤنة. حاشية السندي على سنن النسائي (5/ 41).

قوله: «والعُيُونُ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
وما سَقت العيون فهو ما سُقي بالعيون الجارية على وجه الأرض التي لا يتكلف في رفع مائها آلة ولا عملًا وهو السَّيْحُ...، فهذا فيه العُشْر لقلَّة مؤنة سقيه. المنتقى شرح الموطأ (2/ 163).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
المراد بالعيون: ما سُقي من غير ترقية الماء منه بكلفة. الإفصاح (4/ 197).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«والعيُونُ» أي: الآبار، أي: ماؤها. فتح العلام (ص: 326).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
المراد بها: الأنهار الجارية التي يُستقى منها من دون اغتراف بآلة، بل تُساح إساحة، والمراد بهما: ما لا يحتاج سقيه إلى مؤنة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 494).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
العيون: هي الجارية على وجه الأرض التي لا يُتكلف في رفع مائها لآلة ولا لجمل، واعلم أن هذا الحديث وحديث معاذ على التفرقة بين الأمرين، ووجهه واضح وهو: الرِّفق بما زادت مؤنته، ثم عمومها ظاهر في عدم شرط النصاب، وفي إيجاب الزكاة في كل ما يسقى بمؤنة، ولكن قيَّد هذا المطلق حديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»؛ جمعًا بين الدليلين الخاص والعام، ولم يقيده به أبو حنيفة ومن وافقه، ورده البخاري بأن المفسَّر يقضي على المبهم، والخاص يقضي على العام، وهي القاعدة الأصولية المتفق عليها.
إلا أن أبا حنيفة على ظاهر كلامه هنا ينازع فيها، فلا تقوم عليه الحجة، بخلاف الهادوية؛ فإنهم قائلون بالقاعدة الأصولية، فلا عذر لهم عن موافقة الجمهور، وأنها لا تؤخذ الزكاة إلا من خمسة أوسق. التحبير (4/ 497).

قوله: «أو كان عَثَرِيًّا العُشرُ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
العَثَرِيُّ: هو البَقل الذي يَشرب بعروقه من غير سقي، جعل -صلى الله عليه وسلم- الصدقة فيما تخفُّ مؤنته على الضِّعف، وفيما لا تخف على النصف؛ رفقًا بأرباب الأموال والفقراء، ونظرًا لهم في الوجهين معًا. أعلام الحديث (2/ 814).
وقال القاسم بن سلام -رحمه الله-:
أما ‌العَثَرِيُّ فما تسقيه السماء لا اختلاف فيه، وهو الذي يسميه العامة العذري، وأما الغيل فكل ماء جارٍ كماء الأنهار والعيون والقَنَا والكظائم -وهي نحو من القَنَا-، وكذلك الفَتْحُ -وهو مثل الغيل-، وإنما سمي فتحًا لتشقيق أنهاره في الأرض، وفتح أفواهها للشرب، فهذه كلها أسقاء العُشر. الأموال (ص: 578).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قال القاضي (أبو يعلى): ‌هو (‌العَثَرِيُّ) ‌الماء ‌المستنقع ‌في ‌بركة أو نحوها، يصب إليه ماء المطر في سَوَاقٍ (جمع ساقية) تُشَقُّ له، فإذا اجتمع سُقي منه، واشتقاقه من العاثور، وهي الساقية التي يجري فيها الماء؛ لأنها يَعثر بها من يمر بها. المغني (4/ 165).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«‌العَثَرِيُّ» بفتح المهملة والمثلثة، وحكي إسكان ثانيه، قال الأزهري وغيره: ‌العَثَرِيُّ ‌مخصوص ‌بما ‌سُقي ‌من ‌ماء السيل، فيجعل عاثورًا، وهو شبه ساقية تُحفر ويجري فيها الماء إلى أصوله. التلخيص الحبير (2/ 374).
وقال العيني -رحمه الله-:
يسمى به كأنه عَثَرَ على الماء عَثْرًا بلا عمل من صاحبه، وهو منسوب إلى العَثْرِ. عمدة القاري (8/ 261).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «أو كان عَثَرِيًا»...، قال الداودي: وهو ما يسيل إليه ماء المطر وتحمله إليه الأنهار، سمي بذلك لأنه يكسر حوله الأرض ويعثر جريه إلى أصول النخل بتراب هناك يرتفع...
ولفظ الحديث يردُّ عليهم؛ لأنه عطف العَثَرِيَّ على قوله: «فيما سقت السماء والعيون» والمعطوف غير المعطوف عليه، والصواب ما قاله الخطابي...
قوله: «العُشر» مبتدأ، وخبره هو قوله: «فيما سقت السماء» تقديره: العُشر واجب، أو: يجب فيما سقت السماء.
قوله: «أو كان» الضمير فيه يرجع إلى لفظ: مسقي مقدر تقديره: أو كان المسقي عَثَرِيًا، ودل على ذلك قوله: «فيما سقت»...
وقال الطبري: العُشْرُ: بضم العين وسكون الشين، ويُجمع على: عُشور، قال: والحكمة في فرض العُشر: أنه يكتب بعشرة أمثاله، فكأن المخْرِج للعُشر تصدق بكل ماله، فافهم. عمدة القاري (9/ 72).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنما سمي عَثَرِيًا لأنهم يجعلون في مجرى السيل عاثورًا، فإذا صَدَمَهُ الماء تَرَادَّ فدخل في تلك المجاري حتى يبلغ النخل ويسقيه. كشف المشكل (2/ 570).
وقال الملا على القاري -رحمه الله-:
«أو كان عثريًّا» بفتح العين والمثلثة المفتوحة المخففة...، وقيل: ما يزرع في الأرض تكون رطبة أبدًا؛ لقربها من الماء، مِن عَثَرَ على الشيء يَعْثُر عثورًا، وعثر أي طلع عليه، لأنه تهجم على الماء فنُسب إلى العثرة، «العُشْرُ» أي: يجب عُشْرُهُ. مرقاة المفاتيح (4/ 1286).
وقال المظهري -رحمه الله-:
لكن قالوا: المراد منه ها هنا: ما يَشرب بالعروق؛ يعني: ما يزرع في أرض أبدًا رطبة؛ لقربها من الماء، فلا تحتاج إلى السقي. المفاتيح (2/ 497- 498).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
الحديث لفظه: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًّا» وهو دال على أنَّ العَثَرِيَّ غير ما سقته السماء والعيون، والصواب ما قاله الخطابي: إنَّ العثري ما شَرِبَ بعروقه من غير سقي، وعبارة الداودي: «مما سقت السماء» أي: اكتفى بسقي ماء السماء، والعَثَرِيُّ: ما يسيل إليه ماء المطر، وتحمله إليه الأنهار، سمي بذلك؛ لأنه تُكسر حوله الأرض، ويعثر جريه إلى أصول النخل بتراب يرتفع هناك، قاله القرطبي.
وقال صاحب المطالع: قيل له ذلك لأنه يُصنع له شبه الساقية يجمع فيه الماء من المطر إلى أصوله، ويسمى ذلك العاثور. التوضيح (10/ 554- 555).
وقال المغربي -رحمه الله-:
اختُلِف في معناه، فقيل: هو الذي يشرب بعروقه: لأنه عَثَر على الماء قاله الخطابي، وهو ما كان الماء قريبًا من وجه الأرض فيُغرس فتصل العروق إلى الماء فتستغني عن السقي.
وقيل: العَثَرِيُّ هو الماء المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في سواقٍ تساق إليه، وسمى بذلك لأن الماء تتغير فيها. البدر التمام (4/ 327- 328).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«العُشْر» مبتدأ خبره ما تقدم من قوله: «فيما سقت»، أو أنه فاعل محذوف أي فيما ذُكر يجب. سبل السلام (1/ 528).

قوله: «وما سُقِيَ بالنضحِ نصفُ العُشرِ»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «وما سقي بالنضح» أي: بالإبل والبقر، وأصل النضح: رش الماء على الشيء، والمراد من هذا الحديث بيان قدر الحق الواجب، وأنه يختلف بالكُلَف وعدمها. كشف المشكل (2/ 570).
وقال القاسم بن سلام -رحمه الله-:
أما النواضح فالإبل التي تُستقَى لشرب الأرضين، وهي السواني بأعيانها، وكذلك الغَرْب إنما هو دلو البعير الناضح، وكذلك الرّشا إنما هو حبله الذي يستقى به، فالمعنى في النواضح والسواني والغروب والرشا واحد، وأما الدالية فهي هذه الدِّلاء الصغار التي تديرها الأرحاء، وكذلك الناعورة هي مثلها، فهذه أسقاء نصف العُشر. الأموال (ص: 578).
وقال الباجي -رحمه الله-:
أما النضح فهو الرش والصب، فما سُقي بالنضح هو ما يسقى بما يستخرج من الآبار بالغرب أو بالسانية ويستخرج من الأنهار بآلة ففي هذا نصف العُشر لكثرة مؤنته، وهذا أصل في أن لشدة النفقة وخفَّتها تأثيرًا في الزكاة. المنتقى شرح الموطأ (2/ 163).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
النضح: أراد به ها هنا: الاستقاء، والناضح: البعير الذي يُستقَى عليه، يقولون: فلان يسقي نخيله بالنضح، وهو مصدر نَضَحْتُ أَنْضَحُ نضحًا، وهو في الأصل الماء القليل، وهو الشُّرب دون الرِّيِّ، هذا الأصل، فكان مما يسقى بالاستقاء يكون شربه قليلًا، خلاف ما يشرب من الأنهار والعيون. الشافي (3/ 61).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
النَّضْحُ: السقي بالسواقي، والفارق بينه وبين أخواته: كثرة المؤنة، ولم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم. تحفة الأبرار (1/ 469- 470).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
هكذا كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فيما ‌سقت ‌السماء العُشر، وفيما سقي بالدوالي والنواضح فنصف العشر» فإنه قَصَدَ به الفرق بين ما يجب فيه العُشر وبين ما يجب فيه نصف العشر، ولم يقصد به بيان ما يجب فيه أحدهما، وما لا يجب واحد منهما، فلهذا لا يحتج بعمومه على وجوب الصدقة في الخضراوات. منهاج السنة النبوية (4/ 217).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
الفرق بين الحكمين: خِفَّة المؤنة في الأول، وكثرتها في الثاني، كما في السائمة والمعلوفة بالنظر إلى الوجوب وعدمه، ولا عبرة بمؤنة القناة والساقية؛ لأنها لعمارة الضيعة لا لنفس الزرع، فإذا تهيَّأَت وصل الماء بنفسه بخلاف النضح، ونحوه. فتح العلام (ص: 326).
وقال المناوي -رحمه الله-:
الفرق: ثقل المؤونة في الثاني وخفتها في الأول، والناضح ما يُسقى عليه من نحو بعير، واستدل به الحنفية على وجوب الزكاة في قليل الزرع وكثيره، وقال الشافعية: مخصوص بحديث الشيخين أيضًا: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، فقوله: «فيما ‌سقت ‌السماء العُشر» أي: فيما لا يمكن التوسيق فيه؛ جمعًا بين الدليلين، وفيه رد على منع تخصيص السُّنة بالسُّنة. فيض القدير (4/ 460).
وقال المغربي -رحمه الله-:
ظاهر الحديث أنه يجب العُشر فيما يسقي بما ذُكِر، ونصف العُشْر بالنضح، حيث كان جميعه، وأما إذا كان بعض السقي من السَّني (البعير) وبعضه من غيره وجب الزكاة بالتقسيط.
وقال المؤيد وأبو طالب وأحمد بن حنبل: العبرة بالأكثر، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
والقول الثاني: يؤخذ بالتقسيط، وعن ابن القاسم صاحب مالك: العبرة بما تم به الزرع، وانتهى، ولو كان أقل، وعلى القول بالتقسيط إذا استوى أو التبس فنصفان؛ إذ لا مخصِّص، واختلف في التقسيط فقيل: حسب الغرامة، وهو ظاهر اللُّمع، وقيل: يعتبر بالأوراد، وهو أحد قولي الشافعي. البدر التمام (4/ 328).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قد استدل أبو حنيفة بهذا الحديث: على عدم اشتراط النصاب في زكاة الخارج من الأرض، وعلى وجوب الزكاة في جميع ما يخرج من الأرض...
فائدة: إن وجد ما يُسْقَى بالنضح تارة، وبغير النضح أخرى، فإن كان ذلك على جهة الاستواء وجب فيه ثلاثة أرباع العُشر، وهو قول أهل العلم. مرعاة المفاتيح (6/ 124- 125).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هذا الحديث دل على التفرقة بين ما سقي بالسَّواني (الدواب)، وبين ما سقي بماء السماء والأنهار، وحكمته واضحة، وهو زيادة التعب والعناء، فنقص بعض ما يجب رفقًا من الله تعالى بعباده، ودل على أنه يجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره الزكاة، وهذا معارَض بحديث جابر وحديث أبي سعيد واختلف العلماء في الحكم في ذلك.
فالجمهور أنَّ حديث الأوساق مخصِّص لحديث سالم، وأنه لا زكاة فيما لم يبلغ الخمسة الأوساق.
وذهب جماعة منهم زيد بن علي وأبو حنيفة إلى أنه لا يُخص، بل يُعمل بعمومه، فيجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره.
والحق مع أهل القول الأول؛ لأن حديث الأوساق حديث صحيح، ورد لبيان القدر الذي تجب فيه الزكاة، كما ورد حديث مائتي الدرهم لبيان ذلك مع ورود «في الرقة ربع العُشر»، ولم يقل أحد: إنه يجب في قليل الفضة وكثيرها الزكاة.
وإنما الخلاف هل يجب في القليل منها إذا كانت قد بلغت النصاب كما عرفت؛ وذلك لأنه لم يرد حديث «في الرقة ربع العشر» إلا لبيان أن هذا الجنس تجب فيه الزكاة، وأما قدر ما يجب فيه فموكول إلى حديث التبين له بمائتي درهم؛ فكذا هنا قوله: «فيما سَقَت السماء العُشر» أي: في هذا الجنس يجب العُشر، وأما بيان ما يجب فيه فموكول إلى حديث الأوساق، وزاده إيضاحًا قوله في الحديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» كأنه ما ورد إلا لدفع ما يتوهم من عموم «فيما سقت السماء ربع العشر»، كما ورد ذلك في قوله: «وليس فيما دون خمسة أواقي من الورق صدقة».
ثم إذا تعارض العام والخاص كان العمل بالخاص عند جهل التاريخ، كما هنا، فإنه أظهر الأقوال في الأصول. سبل السلام (1/ 528- 529).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أجمع العلماء على القول بظاهر هذا الحديث في المقدار المأخوذ؛ وذلك العُشر في البعل، وفيما سقت العيون والأنهار؛ لأن المؤنة فيه قليلة، وما سُقي بالدلو فنصف العشر في الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة على ما نذكره إن شاء الله، فأما مقدار المأخوذ منه فهو في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، واتفق جمهور العلماء بالحجاز والعراق والشام على أن التأويل عندهم في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فيما ‌سقت ‌السماء والعيون العُشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر» إذا كان الذي سَقَتْهُ السماء خمسة أوسق، وهو مثل قوله: «في الرقة ربع العشر» مع قوله: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة»؛ لأنا نقضي بالخاص على العام، والعام قوله: «فيما ‌سقت ‌السماء العشر» وقوله: «وفي الرقة ربع العشر»، والخاص قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة» هذا قول مالك والثوري والأوزاعي والليث وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقال النخعي وأبو حنيفة وزفر: الزكاة في كل ما أَخرجت الأرض من قليل ذلك وكثيره العُشر أو نصف العشر، ولم يعتبروا خمسة أوسق في مقدار المأخوذ منه، وهذا خلاف السُّنة والعلماء، وقد تناقض أبو حنيفة في هذه المسألة؛ لأنه استعمل المجمل والمفسر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «في الرقة ربع العشر» مع قوله: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ولم يستعمله في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فيما سقت السماء العشر» مع قوله: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» وكان يلزمه القول به. شرح صحيح البخاري (3/ 529- 530).
وقال المازري -رحمه الله-:
قال بعضهم أيضًا: إنه ظهر مِن حُسن ترتيب الشريعة التدريج في المأخوذ من المال الذي يزكَّى بالجزء على حسب التعب فيه؛ فأعلى ما يؤخذ الخمس مما وجد من مال الجاهلية ولا تعب في ذلك، ثم ما فيه التعب من طرف واحد يؤخذ فيه نصف الخمس، وهو العُشر فيما سقت السماء والعيون، وفيما سقي بالنضح فكان فيه التعب في الطرفين يؤخذ فيه ربع الخمس، وهو نصف العشر، وما فيه التعب في جميع الحول كالعين، يؤخذ فيه ثمن ذلك، وهو ربع العشر، فالمأخوذ إذًا الخمس، ونصفه، وربعه، وثمنه. المعلم (2/ 7).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
دل حديث الباب على التفرقة في القدر الْمُخْرَج الذي يُسقى بنضح أو بغير نضح، فإن وجد ما يسقى بهما فظاهره أنه يجب فيه ثلاثة أرباع العشر إذا تساوى ذلك، وهو قول أهل العلم. فتح الباري (3/ 349).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا الحديث: يدل على أنَّ العُشر في كل شيء لم يُسْقَ بمؤونة، وما سقي بمؤونة فنصف العشر، وقد استنبط الفقهاء من هذا أنه إذا كان يُسقى بعض العام بالمؤونة، وبعضه بلا مؤونة، ففيه ثلاثة أرباع العشر، فإن كان أحدهما أغلب كان الحكم له، فإن جُهل أغلبهما غُلِّب موجب العُشر؛ احتياطًا للفقراء. الإفصاح (4/ 197).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
الحديث يدل على أنه يجب العشر الكامل فيما سقي بماء السماء والأنهار وغيرهما مما ليس فيه مؤنة كثيرة، ونصف العشر فيما سُقي بالنضح والسانية وغيرهما مما فيه كلفة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (10/ 494).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يُفيده الحديث:
1. أنَّ ما سُقي بغير آلة، فيه العُشر، يعني إذا بلغ النصاب.
2. وأنَّ ما سُقي بآلة، فيه نصف العشر، يعني: إذا بلغ النصاب. فقه الإسلام (3/ 118).


إبلاغ عن خطأ