«أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كانَ يُكَبِّرُ يومَ الفِطْرِ مِن حينِ يخرجُ مِن بيتِهِ حتَّى يأتيَ المُصلَّى».
رواه الحاكم برقم: (1105)، والدارقطني في السنن برقم: (1714)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: (6131)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وقد ورد الحديث موقوفًا على ابن عمر -رضي الله عنهما- عند البيهقي في الكبرى برقم: (6129)، والحاكم برقم: (1106)، والدارقطني في السنن برقم: (1712)، ولفظ البيهقي: «أنَّ ابنَ عُمرَ كانَ يَغدُو إلى العيدِ مِنَ المسجدِ، وكان يرفعُ صوتَهُ بالتَّكْبِيرِ حتَّى يأتيَ المصلَّى، ويُكَبِّرُ حتَّى يأتيَ الإمامُ».
صحيح الجامع برقم: (5004)، إرواء الغليل برقم: (650)، وقال فيه: فالحديث صحيح عندي موقوفًا ومرفوعًا.
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يُكَبِّرُ يومَ الفِطْرِ مِن حينِ يخرجُ مِن بيتِهِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان يُكَبِّر يوم الفطر من حين يخرج من بيته» رافعًا به صوته. التنوير (8/ 614).
قوله: «حتَّى يأتيَ المصلَّى»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«المصلى» بضم الميم، وفتح اللام: موضع الصلاة. الشافي (2/ 307).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يأتي المصلى» وهو مبينٌ لقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} البقرة: 185. التنوير (8/ 614).
وقال أبو عبد الله الحاكم -رحمه الله-:
هذه سُنة تداولها أئمة أهل الحديث، وصحت به الرواية عن عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة. المستدرك (1/ 437).
وقال المغربي -رحمه الله-:
التكبير في العيدين مشروع إجماعًا إلا عن النخعي. البدر التمام (4/ 48).
وقال الروياني -رحمه الله-:
روي لعلي بن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: يكبر يوم الأضحى في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر، وبه قال ابن عباس -رضي الله عنه-، وروي عن أبي حنيفة مثل قولنا (الشافعية)...، وأما قول ابن عباس يعارضه فعل علي وابن عمر وأبي أمامة -رضي الله عنه- أنهم كانوا يكبرون؛ ولأنَّ ابن عباس كان يقول: يكبرون مع إمامهم، ولا يكبرون منفردين، وهذا خلاف أصلكم (يعني: الأحناف). بحر المذهب (2/ 456).
وقال النووي -رحمه الله-:
حكى العبدري وغيره عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وداود (الظاهري) أنهم قالوا: التكبير في عيد الفطر واجب، وفي الأضحى مستحب. المجموع (5/ 41).
وقال الروياني -رحمه الله-:
قال داود (الظاهري): التكبير يوم الفطر واجب؛ لظاهر الآية (يعني: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} البقرة: 185، وهذا غلط؛ لأنه ليس بأمر، بل هو إخبار عن إرادة الله تعالى؛ لقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} البقرة: 185؛ ولأنه تكبير شرع في يوم العيد فلا يجب، كالتكبير في عيد الأضحى. بحر المذهب (2/ 456).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الأحناف): إنه يكبر في طريق الأضحى، ويجهر في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر. مختصر اختلاف العلماء (1/ 377).
وقال البابرتي الحنفي -رحمه الله-:
لا يُكبِّر عند أبي حنيفة في طريق المصلى، يعني: جهرًا في الطريق الذي يخرج منه إلى عيد الفطر، وهذه رواية المعلَّى عنه (يعني: عن أبي حنيفة) وروى الطحاوي عن أستاذه ابن عمر البغدادي عنه: أنه يُكَبر في طريق المصلى في عيد الفطر جهرًا، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد اعتبارًا بالأضحى. العناية شرح الهداية (2/ 72).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
اختلف فقهاء الأمصار في ذلك فروى المعلى (معلى بن منصور الرازي الحنفي) عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: يُكبِّر الذي يذهب إلى العيد يوم الأضحى، ويجهر بالتكبير، ولا يكبر يوم الفطر، وقال أبو يوسف: يكبر يوم الأضحى والفطر، وليس فيه شيء مؤقت. أحكام القرآن (1/ 279).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
القياس أنْ يُكبَّر في العيدين جميعًا؛ لأن صلاة العيدين لا يختلفان في التكبير والخطبة بعدهما وسائر سننهما، كذلك في سنة التكبير في الخروج إليهما، قال: وكان ابن أبي عمران يحكي عن أصحابنا جميعًا أنَّ السُّنة عندهم في يوم الفطر أنْ يُكبر في الطريق إلى المصلى حتى يأتوه، ولم يكن يعرف عندهم ما حكاه المعلَّى (معلى بن منصور الرازي الحنفي). مختصر اختلاف العلماء (1/ 378).
وقال الملطي الحنفي -رحمه الله-:
روي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه أتى يوم الأضحى ببغلته، فركبها فلم يزل يكبر حتى الجَبَّانَة، وعن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه كان يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى فيكبر، ويرفع بذلك صوته حتى يجيء المصلى، ولا يخرج حتى تطلع الشمس، وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- أنه كان يكبر يوم العيد حتى يبلغ المصلى، وعن ابن الزبير أنه خرج يوم العيد فلم يرهم يكبرون، فقال: ما لهم لا يكبرون؟! أما -والله- لإن فعلوا ذلك لقد رأيتنا في عَسْكَر ما يُرى طرفاه، فيكبر فيكبر الذي يليه حتى يرتج العَسْكَر، وإنَّ بينكم وبينهم كما بين الأرض السفلى إلى سماء الدنيا.
ففي هذا الحديث عن ابن الزبير في التكبير في الطريق إلى المصلى كما في حديث علي وابن عمر وأبي قتادة -رضي الله عنهم-، فدل ذلك على الحال التي يكون فيها التكبير المأمور بإظهاره في حديث الحسن المذكور، وأما قول ابن عباس حين سمع الناس يكبرون: ما شأن الناس؟ أَكَبَّرَ الإمام؟ فقيل: لا، فقال: أَمَجَانِيْن الناس؟
يحتمل: أنْ يكون إنكاره تكبير من في المصلى، وليس لهم إلا أنْ يكبر الإمام، فهذا من أحسن محامِلِهِ.
وما روي عن النخعي أنه سُئل عن التكبير يوم الفطر، فقال: إنما يفعله الحواكون (جمع حائك، ويُجمع على حاكة) فإسناده غير متصل به؛ لأن علي بن حيي رواه عنه ولم يلقه، ولا سمع منه، وقد روي عن زيد بن أسلم في {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} البقرة: 185 قال: التكبير يوم الفطر، وروي عن عطاء أنه سنة، فيجب التمسك به، وترك خلافه. المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (1/ 89).
وقال أبو الوليد ابن رشد -رحمه الله-:
التكبير عند الغدو إلى صلاة عيد الفطر محمول على ذلك (يعني: من بعد طلوع الشمس كالرمي) عند جميع من يرى التكبير من العلماء، وهم الجمهور؛ لقوله -عز وجل-: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} البقرة: 185، فيكبر عند مالك في العيدين إذا غدا إلى المصلى. البيان والتحصيل (1/ 287).
وقال المازري -رحمه الله-:
قد نقلنا رواية أشهب: أنَّ التكبير من حين يغدو، ولم يقيِّد الغدوِّ بوقتٍ. شرح التلقين (1/ 1068).
وقال الفاكهاني المالكي -رحمه الله-:
لم يُعين وقتُ الابتداء بالتكبير، أما إذا سعى بعد طلوع الشمس وهو المشروع في ذلك في حق مَنْ يمكنه إدراكُ الصلاة، كَبَّرَ بلا خلاف، وإنْ كان سعيُه قبل طلوع الشمس فقد اختلف المذهب عندنا في التكبير وعدمِه على ثلاثة أقوال: ثالثها: يكبر إن أسفر، وإلا فلا -واللَّه أعلم-. رياض الأفهام (3/ 75).
وقال سحنون -رحمه الله-:
قال مالك: والتكبير إذا خرج لصلاة العيدين، يكبر حين يخرج إلى المصلى؛ وذلك عند طلوع الشمس، فيكبر في الطريق تكبيرًا يسمع نفسه ومن يليه، وفي المصلى إلى أنْ يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع.
قلتُ لابن القاسم: فهل يكبر إذا رجع؟ قال: لا، قلتُ: وهو قول مالك؟ قال: نعم هو قوله، قال ابن القاسم: ألا ترى أنه قال: إذا خرج الإمام قطع. المدونة (1/ 245).
وقال ابن عرفة المالكي -رحمه الله-:
في ابتدائه (التكبير) بطلوع الشمس، أو الإسفار، أو انصراف صلاة الصبح، رابعها: وقت غدو الإمام تحرِّيًا؛ للَّخمي عنهما، وعن ابن حبيب ورواية المبسوط وابن مسلمة، وللعتبي عن رواية ابن القاسم كابن حبيب. المختصر الفقهي (1/ 408).
وقال محمد الشنقيطي المالكي -رحمه الله-:
استحباب التكبير في الخروج لصلاة العيد فطرًا أو أضحى إنَّما هو لمن خرج بعد طلوع الشمس؛ لأنه الوارد عن السلف، وإنْ خرج قبل طلوع الشمس فإنه يؤخر التكبير إلى أنْ تطلع الشمس على مذهب المدونة: قال عبد الباقي: لأنه ذِكْرٌ شُرِعَ للصلاة فلا يؤتى به قبل وقتها؛ إذ وقتها من حل النفل للزوال، وإلى هذا أشار بقوله: لا قبله؛ أي: لا إن خرج قبل طلوع الشمس، فلا يستحب له التكبير في خروجه، بل يؤخره إلى أنْ تطلع الشمس؛ لأنه ذِكْرٌ شُرِعَ لصلاة فلا يؤتى به قبل وقتها، وتعقب بناني (أي: محمد بن الحسن البناني، فقيه مالكي) هذا التعليل بأنَّ طلوع الشمس ليس وقت صلاة العيد، وصحّح خلافه؛ يعني: أنَّ في المبسوط عن مالك: أنَّ من خرج بعد صلاة الصبح لصلاة العيد يكبر: خلاف قوله: "لا قبله"، وقال ابن عبد السلام: إنه الأولى، فأشار بالتصحيح إلى قول ابن عبد السلام: إنه الأولى.
واعلم أنَّ في المسألة أربعة أقوال ذكرها ابن عرفة بقوله: وفي ابتدائه بطلوع الشمس، والإسفار، أو انصراف صلاة الصبح، رابعها: وقت غدو الإمام تحرِّيًا، الأول للخمي عنهما، والثاني لابن حبيب، والثالث لرواية المبسوط، والرابع لابن مسلمة. لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (2/ 732-733).
وقال العدوي المالكي -رحمه الله-:
قوله: (استحب له التكبير) أي: فرادى، وخلاصته: أنَّ كل واحد يُكبر في الطريق على حِدَتِهِ لا جماعة، فإنَّه بدعة، كما في تت (أي: كما في تنوير المقالة للتتائي المالكي). حاشيته على شرح مختصر خليل (2/ 102).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
إذا رأوا هلال شوال أحببتُ أنْ يُكبر الناس جماعة وفرادى في المسجد والأسواق، والطرق والمنازل، ومسافرين ومقيمين، في كل حال، وأين كانوا، وأن يظهروا التكبير، ولا يزالون يكبرون حتى يغدوا إلى المصلى، وبعد الغدو حتى يخرج الإمام للصلاة، ثم يَدَعُوا التكبير. الأم (1/ 264).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
يُكبِّر الناس في الفطر حين تغيب الشمس ليلة الفطر فرادى وجماعة في كل حال، حتى يخرج الإمام لصلاة العيد، ثم يقطعون التكبير.
وأحبُّ أنْ يكون الإمام يُكبِّر خلف صلاة المغرب والعشاء والصبح وبين ذلك، وغاديًا حتى ينتهي إلى المصلى، ثم يقطع التكبير، وإنَّما أحببتُ ذلك للإمام أنَّه كالناس فيما أحب لهم، وإنْ تركه الإمام كبَّر الناس. الأم (1/ 275).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
التكبيرات المرسلة من غروب الشمس ليلة العيد مستحبة على ما قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} البقرة: 185، وفي الأثر عن ابن عمر أنه كان يكبر إذا غدا إلى المصلى، ويرفع الصوت، وفي الرواية الثانية: أن غدوه كان إذا طلعت الشمس، وأنه كان يكبر في ذهابه إلى المصلى، وبعد وصوله إليه. شرح مسند الشافعي (2/ 13).
وقال العمراني الشافعي -رحمه الله-:
أول وقت التكبير في عيد الفطر إذا غابت الشمس من آخر يوم من رمضان، وبه قال فقهاء المدينة السبعة.
وقال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق: لا يكبر ليلة الفطر، وإنما يكبر عند ذهابه إلى المصلى؛ لحديث ابن عمر.
دليلنا: قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} البقرة: 185، وإكمال العدة بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، ولا يمكن حمل الواو -ها هنا- على الجمع؛ لأن أحدًا لا يقول: إنه يكبر مع جمع العدة، فثبت أنَّ المراد بها الترتيب، فيكون تقدير الآية: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} البقرة: 185، ثم لتكبروا الله.
وأما حديث ابن عمر (أنه كان يكبر عند ذهابه إلى المصلى) فلا يعني: أنه لم يكبر قبله. البيان (2/ 653).
وقال عبد الرحمن المقدسي -رحمه الله-:
يُستحب أنْ يكون في خروجه مظهرًا للتكبير يرفع به صوته.
قال أحمد: يُكبر جهرًا إذا خرج من بيته حتى يأتي المُصلَّى، وروي ذلك عن علي وابن عمر وأبي أمامة، وناس من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وفعله ابن أبي ليلى والنخعي، وسعيد بن جبير، وهو قول الحكم وحماد ومالك وإسحاق وابن المنذر. الشرح الكبير على متن المقنع (2/ 231).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قال ابن أبي موسى: يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهرًا، حتى يأتي الإمام المصلى، ويكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما سوى ذلك. المغني (2/ 273).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل -رحمه الله-:
خرجتُ مع أبي في يوم الفطر إلى العيد إلى مسجد الجامع، وكان يكبر في الطَّريق، وأسمع تكبيره، وربما كانَ يخفى عليّ بعض تكبيره، وأنا خَلفه، وكان أبي يكبر في يوم العيد إذا خرج في الطَّريق، ورُوِيَ عن ابن عمر وأبي قتادة كانَا إذا خرجا كبَّرا. مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ص: 129).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلف أهل العلم في التكبير ليلة الفطر ويوم الفطر، فقال أكثر أهل العلم: يكبِّرون إذا غدوا إلى المصلى، كان ابن عمر يفعل ذلك، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وأبي أمامة الباهلي، وأبي رُهم، وناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وفعل ذلك إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو الزناد، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وإبَّان بن عثمان، وأبي بكر بن محمد والحكم وحماد بن سليمان ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور، وحكى الأوزاعي ذلك عن أناس.
وكان الشافعي يقول: إذا رأى هلالَ شوال، أحبَّ أن يُكبِّر الناسُ جماعةً وفُرادى، فلا يزالون يُكبِّرون ويُظهرون التكبير، حتى يغدُوا إلى المُصلّى، وحتى يخرج الإمامُ للصلاة. وكذلك أحبُّ في ليلة الأضحى لمن لم يحُجّ.
ورُوينا عن ابن عباس: أنه سمع الناس يُكبِّرون، فقال: "يُكبِّر الإمام؟"
قيل: لا، قال: "أمَجانينَ الناس؟!"
قال أبو بكر: بالقول الأول أقول، لأن ذلك قد رُوينا عن جماعة من أصحاب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم-، وجماعة من التابعين، وهو قول أكثر أهل العلم.
وإن كبَّر ليلةَ الفطر، فلا بأس به، لأنه ذِكرٌ لله – عزَّ وجلَّ. الإشراف (2/ 159).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
الخلاف بين الفقهاء في أوقاته (يعني: التكبير) وكيفيته، وله مواطن:
الموطن الأول: في عيد الفطر: من مغرب ليلة العيد إلى الخروج لصلاة العيد، والشافعية على استحبابه.
الموطن الثاني: إذا خرج من بيته إلى الصلاة حتى يبلغ المصلى، أو حتى يجلس الإمام، استحبه جماعة من الصحابة والسلف، فكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، فيرفعون أصواتهم، وقد روي أن ابن عمر كان يغدو إلى المصلى يوم الفطر إذا طلعت الشمس، فيكبر حتى يأتي المصلى يوم العيد، ثم يكبر بالمصلى، حتى إذا جلس الإمام ترك التكبير، وكان يرفع صوته حتى يبلغ الإمام، رواه الدارقطني، وهو مستحب عند مالك والشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه فقالوا بقول الجمهور، قال بعضهم: والقياس أن يكبر في العيدين جميعًا؛ لأن صلاتي العيدين لا تختلفان في التكبير فيهما، والخطبة بعدهما، وسائر سننهما، فكذلك التكبير في الخروج إليهما...
الموطن الثالث: التكبير في افتتاح الخطبة، ويستحب في افتتاح الأولى تسع تكبيرات متواليات، وفي افتتاح الثانية سبع تكبيرات متواليات، ويكثر في خطبتي العيد من التكبير.
أما تكبير الناس بتكبير الإمام في الخطبة فمالك يراه، وغيره يأباه.
الموطن الرابع: التكبير في عيد الأضحى، وللعلماء فيمن يستحب له اختلاف كبير، فمنهم من قصره على أعقاب الصلوات المكتوبات وغير المكتوبات، ومنهم من قصره على أعقاب المكتوبات، ومنهم من خصه بالرجال دون النساء، ومنهم من خصه بالجماعة دون المنفرد، ومنهم من خصه بالمؤدَّاة دون المقضية، ومنهم من خصه بالمقيم دون المسافر، ومنهم من خصه بساكن المصر دون ساكن القرية، ونختار شمول الجميع، والآثار تُؤَيِّده. فتح المنعم (4/ 116-117).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
كان ابن عمر مع شدة اتباعه للسُّنة، لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويُكبِّر من بيته إلى المصلى. زاد المعاد (1/ 427).
وقال المازري -رحمه الله-:
أما وقت انقطاع التكبير في عيد الفطر فقد ذكرنا قول مالك في المدونة: أنه إذا خرج الإِمام انقطع، وحكي عن سحنون أنَّ معناه: إذا أتى المصلى يريد الصلاة، وأشار إلى أنه بأخذه في الصلاة ينقطع التكبير، وأشار في حكاية أخرى أنه ينقطع بأخذه في الخطبة، وقد ذكرنا رواية أشهب أنه يكبِّر من حين يغدو إلى المصلى إلى أنْ يرقى الإِمام المنبر. شرح التلقين (1/ 1068).
وقال الروياني -رحمه الله-:
أما وقت قطع التكبير قال (يعني: الشافعي) في الأم: لا يزال وقته قائمًا حتى يخرج الإمام إلى المصلى.
وقال (يعني: الشافعي) في البويطي: حتى يفتتح الإمام الصلاة.
وقال في القديم: حتى يفرغ الإمام من الصلاة والخطبتين معًا، هكذا حكاه أبو حامد، وحكى غيره عن القديم حتى ينصرف الإمام من الصلاة.
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: ثلاثة أقوال:
إحداها: إلى خروج الإمام؛ لأنه إذا خرج الإمام يستحب الاشتغال بالصلاة، والتأهب لها، فيقطع التكبير قبل الابتداء بالصلاة حتى يتأهب لها.
والثاني: إلى افتتاح الصلاة، وهو اختيار المزني، قال: هذا أَقْيَس؛ لأن من لم يكن في صلاة ولم يحرم إمامه ولم يخطب، أي: ولم يشرع في الخطبة، فجائز أن يتكلم، يعني: فإذا جاز أن يتكلم في هذا الوقت فالأولى به أن يكبر، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا.
والثالث: إلى انصراف الإمام من الصلاة؛ لأن فيها تكبيرًا. بحر المذهب (2/ 457).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
اختلف في انتهائه (التكبير) فقالت المالكية: ينتهي بخروج الإمام إلى الصلاة، وهو قول الشافعية، وللحنفية في انتهائه قولان:
أحدهما: ينتهي بالوصول إلى المصلى.
ثانيهما: بشروع الإمام في الصلاة، وهو أصح الأقوال عند الشافعية.
وقالت الحنابلة: ينتهي بالفراغ من الخطبة. المنهل العذب المورود (6/ 334).
وقال الألباني -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرًا في الطريق إلى المصلى، وإنْ كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السُّنة، حتى كادت أنْ تصبح في خبر كانَ؛ وذلك لضعف الوازع الدِّيني منهم، وخجلهم من الصَّدع بالسُّنة، والجهر بها، ومن المؤسف أنَّ فيهم من يتولى إرشاد الناس وتعليمهم، فكأنَّ الإرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون، وأما ما هم بأمسِّ الحاجة إلى معرفته، فذلك مما لا يلتفتون إليه، بل يعتبرون البحث فيه، والتذكر به قولًا وعملًا من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملًا وتعليمًا، إنَّ لله وإنا إليه راجعون.
ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة: أنَّ الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد، كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت أو لا يشرع، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور. السلسلة الصحيحة (1/ 331).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ما يفعله المؤذنون وغيرهم من التكبير في ليلة العيد من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد صلاة الصبح، فما رأيتُ له أصلًا. مرقاة المفاتيح (3/ 1073).
وقال العيني -رحمه الله-:
قال أبو بكر الرازي: قال مشايخنا: التكبير جهرًا في غير هذه الأيام لا يُسن، إلا بإزاء العدو واللصوص معينًا له، وقيل: وكذا في الحريق والمخاوف كلها، وفي جميع النوازل، ويكبر كلما لقي جمعًا، أو هبط واديًا، كالتلبية. البناية شرح الهداية (3/ 104).