«قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ألا نَغْزُو ونُجاهِدُ معكُمْ؟ فقال: لَكنَّ أحْسنَ الجهادِ وأجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ؛ فقالت عائشةُ: فلا أَدَعُ الحَجَّ بعدَ إذْ سَمِعْتُ هذا مِن رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم».
رواه البخاري برقم: (1861)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ له برقم: (1520): «قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، نَرَى الجهادَ أفضلَ العملِ، أفلا نُجاهدُ؟ قال: لا، لَكِنَّ أفضلَ الجِهادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«مَبْرُورٌ»:
أي: المقبول، وقيل: الذي لم يُخالِطه إثم، وقيل: الخالص. فتح الباري (1/ 87).
وقال النسفي -رحمه الله-:
الْحَجُّ المبْرُورُ، أي: المقبُولُ، يُقالُ: بَرَّهُ اللَّهُ بِرًّا مِنْ حَدِّ: عَلِمَ، أَيْ: قَبِلَهُ. طلبة الطلبة (ص: 29).
شرح الحديث
قولها: «قلتُ: يا رسول اللَّهِ، أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ألا نغزو؟» (ألا) كلمة تُستعمل في مثل هذا الموضع للعرض والتحضيض، ويجوز أنْ تكون للتمني؛ لأنه من جملة مواضعها التي تُستعمل فيها. عمدة القاري (10/ 220).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ألا نغزو» أي: نقصد الجهاد، «ونجاهد» نبذل المقدور في القتال، «معكم» أو الغزو والجهاد مترادفان، فيكون ذكر الجهاد بعد الغزو للتأكيد، كذا في الفرع، وفي له: «نغزو أو نجاهد» بـ(أو) بدل الواو، وعليه شرح البرماوي كالكرماني وغيره. إرشاد الساري (3/ 324).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ألا نغزو أو نجاهد» هذا شك من الراوي، وهو مسدد شيخ البخاري، وقد رواه أبو كامل عن أبي عوانة شيخ مسدد بلفظ: «ألا نغزو معكم» أخرجه الإسماعيلي. فتح الباري (4/ 74).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: الغزو والجهاد هما لفظان بمعنى واحد فما الفائدة فيه؟ قلتُ: ليسا بمعنى واحد، فإنَّ الغزو: القصد إلى القتال، والجهاد: هو بذل المقدور في القتال، أو ذكر الثاني تأكيد للأول. الكواكب الدراري (9/ 57).
وقال ابن حجر -رحمه الله- تعليقًا على الكرماني:
أغرب الكرماني فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنى واحد، فإنَّ الغزو: القصد إلى القتال، والجهاد: بذل النفس في القتال، قال: أو ذكر الثاني تأكيدًا للأول، ا. هـ.
كأنه ظن أنَّ الألف تتعلَّق بـ«نغزو» فشرح على أن الجهاد معطوف على الغزو بالواو، أو جعل (أو) بمعنى الواو. فتح الباري (4/ 74).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- تعليقًا على ابن حجر:
قلت: لم يظن الكرماني ذلك، وإنما اعتمد في كلامه على نسخة ليس فيها كلمة الشك، وفرق بين الغزو والجهاد، وهو فرق حسن. عمدة القاري(10/ 221).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله- بعد نقله كلام ابن حجر السابق:
فالغرابة إنَّما هي في العطف بالواو، من حيث الرواية، وإلا فالعطف بها، أو بـ(أو) صحيح معنى، وما علَّل به الكرماني صحيح. منحة الباري (4/ 302).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«نغزو ونجاهد» جمع بينهما لتغايرهما، فإنَّ الغزو: القصد إلى القتال، والجهاد: بذل المقدور في القتال، ويحتمل الترادف، فيكون تأكيدًا. اللامع الصبيح (6/ 312).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أفلا نجاهد» لحوز ثوابه. دليل الفالحين (7/ 76).
قوله: «لَكِنَّ أحْسنَ الجهادِ وأجْمَلَهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ»:
قال العيني -رحمه الله-:
«لكُنَّ» في رواية الأكثرين بضم الكاف والنون لجماعة النساء خطابًا لهن، وقال القابسي: هذا هو الذي تميل إليه نفسي، وفي رواية الحموي: «ولكِن» بكسر الكاف، وزيادة الألف قبلها بلفظ الاستدراك.
قلتُ: فعلى هذه الرواية اسم (لكن) هو قوله: «أفضل الجهاد» بالنصب، وخبرها هو قوله: «حج مبرور» والمستدرك منه يُستفاد من السياق، تقديره: ليس لكُنّ الجهاد، ولكُنَّ أفضل الجهاد في حقكن حج مبرور، وعلى الرواية الأولى: أفضل الجهاد مرفوع على الابتداء، وخبره هو قوله: «لكن» تقديره: أفضل الجهاد، لكُنَّ حج مبرور، وفي لفظ النسائي: «ألا نخرج فنجاهد معك؟ فإني لا أرى عملًا في القرآن العظيم أفضل من الجهاد؟ فقال: لكنّ أحسن الجهاد، وأجمله: حج البيت حج مبرور»، وفي رواية ابن ماجه: عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قلتُ: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»، وعنده أيضًا عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الحج جهاد كل ضعيف»، وفي رواية النسائي -رحمه الله تعالى- بسند لا بأس به عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: «جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة». عمدة القاري (9/ 134).
وقال العيني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «لكنَّ أفضل الجهاد حج مبرور» تفسير قوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ} الأحزاب: 33 الآية، ليس على الفرض لملازمة البيوت، كما زعم مَن أراد تنقيص أم المؤمنين في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها؛ لأنه قال: «لكنَّ أفضل الجهاد حج مبرور» فدل أنَّ لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه، فإنْ قيل: النساء لا يحل لهن الجهاد؟ قيل له: قالت حفصة -رضي الله تعالى عنهما-: قَدِمتْ علينا امرأةٌ غزت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ست غزوات، وقالت: كنا نداوي الكَلمَى، ونقوم على المرضى. عمدة القاري (9/ 135).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«لكُنَّ» بضم الكاف وتشديد النون ضمير النسوة، وهو خبر «أحسن الجهاد» بالرفع مبتدأ (وأجمله) عطف عليه «الحج» بدل من أحسن «حج مبرور» خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من البدل، وفي نسخةٍ: (لَكِن) بكسر الكاف، وألف قبلها، وتخفيف النون، للاستدراك، و«أحسن» مبتدأ، و«الحج» خبره، وفي أخرى كذلك: «لكنَّ» بتشديد النون، فيكون ما بعدها منصوبًا. منحة الباري (4/ 302).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال: لكنَّ» باللام الجارة لضمير خطاب النسوة، وهو حال، «أفضل الجهاد حج مبرور» و«أفضل» مبتدأ خبره «حج»، وقال الدماميني في المصابيح معترضًا الزركشي في إعرابه «أفضل» مبتدأ خبره «حج»، بأنه على ظن أنَّ «لكنّ» ظرف لغو، متعلق بأفضل، والمانع موجود، فالصواب: أنَّ الخبر قوله: «لكن» و«حج» بدل أو خبر لمحذوف تقديره: هو حج مبرور، والضمير عائد إلى أفضل الجهاد، ا. هـ، ثم هذا الضبط هو الذي عند أبي ذر، وعند غيره (لكِنْ) بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها وبتسكين النون، فعليها «أفضل» مبتدأ خبره «حج مبرور» وبتشديدها فـ«أفضل» اسمها و«حج» خبرها، ولا بد عليها من تقدير مستدرك عليه، وظرف بعد الاستدراك دل عليه المقام، أي: ليس لكُنّ الجهادُ أفضل، ولكن أفضل منه، لكن حج مبرور، قال المهلب: وهذا بيّن، على أن قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} الأحزاب: 33، ليس على الفرض لملازمة البيوت...، وفي التعبير عنه بالجهاد إيماء إلى عظيم فضله، وحض عليه النساء فكيف بالرجال؟! دليل الفالحين (7/ 76).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
الحج المبرور: وهو الحج الذي لا يخالطه إثم. الكواكب الدراري (8/ 59).
وقال الأسطواني -رحمه الله-:
«حج مبرور» أي: مقبول، أي: لا يخالطه إثم ولا رياء، وعلامة قبوله: أنْ يكون حاله بعد الرجوع خيرًا مما كان قبله. أصل الزراري (ص: 10).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وحجٌّ مبرورٌ» المبرورُ: مفعولٌ مِن (بَرَّ) إذا أحسنَ، وقيل: الطاعة، و«حجٌّ مبرورٌ» أي: مقبول، وعلامة كونِه مقبولًا: إتيانُ الرجلِ بجميع أركانِه وواجباتِه، معَ إخلاصِ النية، واجتناب ما نُهِيَ عنه في الحَجِّ. المفاتيح (3/ 254).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال المهلب: وقوله: «لَكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور» يبطل إفك المتشيعين، وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب عليه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لأزواجه في حجة الوداع: «هذِه ثم ظهور الحُصُر».
قلتُ: قد أسلفنا أنَّ أبا داود أخرجه، قال: وهذا ظاهر الاختلاف؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- حضّهن على الحج، وبشرهن أنَّه أفضل جهادهن، وأذِن عمر لهن في الحج، ومسير عثمان وغيره من أئمة الهدى معهن حجة قاطعة على الإجماع على ما كَذَّب به الشارع في أمر عائشة، والتسبب إلى عرضها المطهر.
وكذا قولهم: تقاتلي فلانًا، وأنت ظالمة، إفك وباطل لا يصح.
وأما سفرها إلى مكة مع غير ذي محرم منها من النسب؛ فالمسلمون كلهم أبناؤها، وذوو محارمها بكتاب الله. التوضيح (12/ 482).
وقال العيني -رحمه الله-:
إنَّما قيل للحج: جهاد؛ لأنه يجاهد فيه نفسه بالكف عن شهواتها والشيطان، ودفع المشركين عن البيت باجتماع المسلمين إليه من كل ناحية. عمدة القاري (9/ 134).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فأما إذ ظهر الإسلام وفشا، وصار الجهاد من فروض الكفاية على من قام به؛ فالحج حينئذٍ أفضل، ألا ترى قوله لعائشة: «إنَّ أفضل جهادكنّ الحج» لما لم يكنَّ من أهل القتال والجهاد للمشركين، فإن حلَّ العدو ببلدة، واحتيج إلى دفعه، وكان له ظهور وقوة، وخيف منه؛ توجه فرض الجهاد على العِيان، وكان أفضل من الحج -والله أعلم-. شرح صحيح البخاري (4/ 190).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على أنَّ النساء لا جهاد عليهن واجب، وأنهن غير داخلات في قوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} التوبة: 41، وهذا إجماع من العلماء، وليس في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «جهادكن الحج» دليل أنَّه ليس لهن أنْ يتطوعن بالجهاد، وإنَّما فيه أنه الأفضل لهن، وإنَّما كان الحج أفضل لهن من الجهاد؛ لأنهن لسن من أهل القتال للعدو، ولا قدرة لهن عليه، ولا قيام به، وليس للمرأة أفضل من الاستتار، وترك المباشرة للرجال بغير قتال، فكيف في حال القتال التي هي أصعب؟ والحج يمكنهن فيه مجانبة الرجال والاستتار عنهم؛ فلذلك كان أفضل لهن من الجهاد -والله أعلم-. شرح صحيح البخاري (5/ 75-76).
قولها: «فلا أَدَعُ الحَجَّ بعدَ إذْ سَمِعْتُ هذا مِن رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فلا أدع الحج» أي: لا أتركه. منحة الباري (4/ 302).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
كان عمر يتوقف أولًا في الإذن لأمهات المؤمنين في الحج؛ اعتمادًا على قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} الأحزاب: 33، فكان يرى تحريم السفر عليهن، ثم ظهر له الجواز، فأذن لهن في آخر خلافته، ثم كان عثمان يحج بهن في خلافته أيضًا، ووقف بعضهن عند ظاهر الآية، وهي زينب وسودة، فقالا: لا تُحرَّك لنا دابة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. التوشيح (4/ 1395).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه الله تعالى- (النسائي) وهو بيان فضل الحج.
ومنها: أنَّ الحج للنساء أفضل من الجهاد في سبيل الله تعالى.
ومنها: ما قاله البيهقي -رحمه الله تعالى-: هذا دليل على أنَّ المراد بحديث أبي واقد -رضي الله تعالى عنه- يعني قوله: «هذه، ثم ظهور الحصر» وجوب الحج عليهن مرة واحدة، كما بيَّن وجوبه على الرجال مرة، لا المنع من الزيادة، انتهى.
ومنها: أنَّ الأمر بالقرار في البيوت في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} الأحزاب: 33، ليس على سبيل الوجوب، كذا قيل، لكن الذي يظهر أنَّ الأمر للوجوب، لكن المراد به: عدم الخروج متبرجات تبرج الجاهلية، بدليل قوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} الأحزاب: 33، فإذا خرجن محتجبات غير متبرجات بزينتهن، فلا منع عليهن والله تعالى أعلم-.
ومنها: أنَّه يدل على جواز خروجهن للجهاد مع محارمهن؛ لقوله: «لكن أفضل الجهاد» فإنه يدل على جواز الجهاد لهن؛ لأن ثبوت الأفضلية للشيء على الشيء يستلزم ثبوت الفضل لعكسه، ويؤيد ذلك حديث أم عطية -رضي الله تعالى عنها- المتفق عليه: «كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى» والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (23/ 320-321).