أتيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بالمزدلفةِ حينَ خرجَ إلى الصلاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني جئتُ من جَبَلَيْ طَيِّئٍ، أَكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي، واللهِ ما تركتُ من حَبْلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حجٍّ؟ فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَن شَهِدَ صلاتَنا هذِهِ، ووقفَ معنا حتى نَدْفَعَ، وقد وقفَ بعرفةَ قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد أتمّ حجَّهُ، وقضى تَفَثَهُ».
رواه أحمد برقم: (16208) وأبو داود برقم: (1950) والترمذي برقم: (891) واللفظ له، والنسائي برقم: (3043) وابن ماجه برقم: (3016) من حديث عروة بن مضرِّس -رضي الله عنه-.
إرواء الغليل برقم: (1066)، صحيح سنن الترمذي برقم: (891).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«المزْدَلِفَة»:
الزُّلفة والزُّلْفَى: القُرْبة، وأَزْلَفَهُ: قرَّبه...، ومنه مزدلفة؛ لاقترابها إلى عرفات، وأَزْلَفْتُ الشيء: جمعتُه، وقيل: سُميت مزدلفة من هذا؛ لاجتماع الناس بها، وهي علم على البقعة. المصباح المنير، للفيومي(1/ 254).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ويقال: بل سُميت مُزْدَلِفَة؛ لأنها منزلة وقُربة من الله -عز وجل- وهو قول أبي العباس ثعلب. غريب الحديث (2/ 24).
«أَكْلَلْتُ»:
أي: أعييتُ. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (9/ 46).
قال الأزهري -رحمه الله-:
كَلَّ الرجُل: إذا أُتعِبَ. تهذيب اللغة (9/ 330).
«نَدْفَعَ»:
دَفَعَ: أي: انصرف من عرفة، قيل: وإنَّما يُستعمل الدَّفْع في الإفاضة؛ لأن الناس في مسيرهم ذلك يدفع بعضهم بعضًا، وقيل: حقيقة "دَفَعَ" أي: دفع نفسه عن عرفة ونحَّاها. مرقاة المفاتيح، للقاري (5/ 1807).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
ودَفَعَ: أي ابتدأ السَّيْر، ودَفَعَ نفسَه منها ونَحَّاها، أو دَفَع ناقَتَه وحَمَلها على السَّيْر. النهاية في غريب الحديث (2/ 124).
«تَفَثَهُ»:
وهو ما يفعلُه المُحْرم بالحج إذا حَلَّ، كقصِّ الشارب والأظفار، ونَتْف الإِبط، وحلْق العانة، وقيل: هو إذْهاب الشَّعَث والدَّرَن والوسَخ مطلقًا. النهاية، لابن الأثير (1/ 191).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قيل: هو استباحة ما حُرِّم عليهم بالإحرام بعد التحلل. المصباح المنير(1/ 75).
شرح الحديث
قوله: «أتيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بالمزدلفةِ حينَ خرجَ إلى الصلاةِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى بالمزدلفة ثلاث صلوات: المغرب والعشاء والفجر، والمراد هنا الفجر. التحبير (3/ 367).
قوله: «فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني جئتُ من جَبَلَيْ طَيِّئٍ»:
قال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «من جبلي طيئ» هُما جبل سَلْمَى وجبل أَجَا، قاله المنذري. نيل الأوطار (5/ 70).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
و«سَلْمَى» كسَكْرَى: جبلٌ لطيِّءٍ، شرقيّ المدينة، و«أَجَأ» كجبَلٍ وزنا ومعنى، جبل لطيِّئٍ، أفاده في القاموس، و«طيّئ» بفتح الطاء المهملة، وتشديد الياء، بعدها همزة: اسم قبيلة. ذخيرة العقبى (26/ 9).
قوله: «أَكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أكللتُ» أي: أعييتُ من المشي «مطيتي» أي: راحلتي كما في الترمذي، «وأتعبتُ نفسي» في طول المسير إليك. شرح سنن أبي داود (9/ 46).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أكللتُ راحلتي» أي: أتعبتُها وأعييتُها، من الإكلال، مِن كلَّ يَكِلُّ كلالًا، يقال: كَلَّ السيف فهو كللٌ إذا لم يقطع. نخب الأفكار (9/ 502).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وأتعبتُ» أي: وقعتُ في التعب «نفسي». بذل المجهود (7/ 420).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأتعبتُ نفسي» بطول السفر. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 406).
قوله: «واللهِ ما تركتُ من حَبْلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حجٍّ؟»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«والله ما تركتُ من حبل» بفتح الحاء المهملة، وإسكان الباء: أحد حبال الرمل، وهو ما اجتمع واستطال وارتفع، قال الجوهري: يقال للرمل المستطيل: حبل، «إلا وقفتُ عليه» في مجيئي إليك «فهل لي من حج؟» أي: هل يصح حجي؟ شرح سنن أبي داود (9/ 46).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«والله ما تركتُ من حبل» كذا في نسخ أبي داود بالحاء المهملة، وفي مسند أحمد بالجيم، وكذا بالجيم في رواية الدارقطني والترمذي، فالحبل بالحاء: ما ارتفع وطال من الرمل، وأما بالجيم فمعروف. بذل المجهود (7/ 420).
وقال الروياني -رحمه الله-:
«والحبل» هو التلّ من التراب، والتلّ إذا كان من حجارة فهو جبل. بحر المذهب (3/ 512).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وكأنه يريد من حبال عرفة؛ لأنه لا يُشرع الوقوف إلا بها. التحبير (3/ 367).
وقال السندي -رحمه الله-:
«لم أدع حبلًا» بحاء مهملة مفتوحة وموحدة ساكنة هو المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه، وقيل: الحبال من الرمل كالجبال في غير الرمل، وقيل: الحبال ما دون الجبال في الارتفاع. حاشيته على سنن النسائي (5/ 263- 264).
قوله: «فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: مَن شَهِدَ صلاتَنا هذِهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-» في جواب سؤاله: «مَن شهد» وحضر «معنا» هذه «الصلاة» أي: صلاة الفجر في مزدلفة...، أي: مَن شهد معنا صلاة الصبح بمزدلفة ليلة النحر. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 406- 407).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «مَن صلى معنا هذه الصلاة» أراد بها صلاة الغداة بالمزدلفة. نخب الأفكار (9/ 503).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «هذه الصلاة» يعني: صلاة صبح يوم النحر بالمزدلفة، وفي رواية: «مَن صلّى صلاة الغداة ها هنا معنا». ذخيرة العقبى (26/ 10).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «مَن شَهِدَ صلاتَنا هذِهِ» هذا دليل على أنَّ شهود صلاة الفجر بالمزدلفة نُسك لا يتم الحج إلا به، وقد أطلنا البحث فيه في حواشي ضوء النهار، وذكرنا أقوال الناس في ذلك. التحبير (3/ 367).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث ما يدل على أنَّ الكون بالمزدلفة بعد الوقوف بعرفة من شعائر الحج ومناسكه ولا خلاف في ذلك؛ إلا خلافًا شاذًّا روي عن عطاء والأوزاعي: أنَّ جَمْعًا منزل كسائر منازل السَّفر، من شاء طواه، ومن شاء نزل به، ورحل متى شاء.
ثم اختلف القائلون: بأنه مشروع، فمنهم مَن ذهب إلى أنَّه ركن يَبطل الحج بفواته، وإليه ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام، وقال علقمة والشعبي والنخعي: مَن فاته جَمْع ولم يقف به؛ فقد فاته الحج، والجمهور على أنه يلزمه بفواته دم، والحج صحيح.
ثم اختُلف في القدر الذي يجزئ من ذلك، فقال الشافعي: إنْ خرج منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وإنْ كان قبل ولم يعد إليها افتدى بشاة، وقال مالك: مَن نزل بها فلا دم عليه في أي وقت دفع منها، وإنْ مرّ ولم ينزل فعليه الدم.
وأما الوقوف بالمشعَر الحرام: فقد صار الشافعي والنخعي والأوزاعي إلى أنه إنْ فاته الوقوف به؛ فقد فاته الحج، واختلف فيه عن الثوري، والجمهور على أنه ليس بواجب، ثم اختلفوا، فقال الكوفيون وفقهاء أصحاب الحديث: على تاركه دم، وذهب مالك: إلى أنه مستحب، ولا يجب بتركه دم، وسبب هذا الخلاف: معارضة ظاهر قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضتُم مِن عَرَفَاتٍ فَاذكُرُوا اللَّهَ عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ} البقرة: 198؛ لما ثبت من السُّنة في إذنه -صلى الله عليه وسلم- لضعَفَة أهله في الدفع من المزدلفة قبل طلوع الفجر إلى منى، ولم يأمرهم بالوقوف، ولا بالدم على الترك، فدلّ ذلك على أنه ليس بواجب، ولا في تركه دم، وما أمر به عبد الله بن عمر مَن قدَّمه من ضعفة أهله من الوقوف عند المشعر الحرام، فذلك على جهة الاستحباب منه، وهو حسنٌ لمن فعله، وهذه الأحاديث تدل على أنَّ الدفع للضَّعفة من المزدلفة قبل طلوع الفجر رخصة، ولا خلاف في أنَّ الأولى والأفضل المكث بالمزدلفة إلى أنْ يُصلِّي الفجر بها، ثم يقف بالمشعر الحرام، ثم يدفع منها بعد ذلك، كما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم هل تلك الرخصة تختص بالإمام أو تتعدَّى إلى غيره ممن يحتاج إلى ذلك؟ قولان عندنا (المالكية)، وابن عمر راوي الحديث فهم التعدِّي، وأنَّ مَن احتاج إلى ذلك فعله، وهو الصحيح. المفهم (3/ 395-396).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
ظاهر قوله: «مَن أدرك معنا هذه الصلاة» شرط لا يصح الحجّ إلا بشهوده جَمْعًا (مزدلفة) وقد قال به غير واحد من أعيان أهل العلم، قال علقمة والشعبي والنخعي: إذا فاته جَمْع (مزدلفة) ولم يقف به فقد فاته الحجّ، ويجعل إحرامه عمرة، وممن تابعهم على ذلك أبو عبد الرحمن الشافعي، وإليه ذهب محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأحسب محمد بن جرير الطبري أيضًا، واحتجوا أو مَن احتجّ منهم بقوله سبحانه: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} البقرة: 198، وهذا نصّ، والأمر على الوجوب، فتركُه لا يجوز بوجه، وقال أكثر الفقهاء: إن فاته المبيت بالمزدلفة والوقوف بها أجزأه، وعليه دم. معالم السنن (2/ 208).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
الوقوف بالمشعر الحرام بعد صلاة الصبح من يوم النحر سُنة، وهذا إجماع إلا ما حكاه أبو عبيد (القاسم بن سلام) أنه مَن لم يقف بالمزدلفة مع الإمام فقد فاته الحج.
ويرد هذا القول تقديم النبي -صلى الله عليه وسلم- ضعَفَة أهله من المزدلفة إلى منى بالليل قبل أنْ يقفوا بالمشعر الحرام، وهذا يدل على أنَّ الوقوف بالمزدلفة ليس بفرض، وإنَّما هو سُنة، فإذا طلعت الشمس يوم النحر فلا وقوف بالمزدلفة، كما إذا طلع الفجر ليلة النحر لم يكن وقوف بعرفة. تفسير الموطأ (2/ 647-648).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واحتجّ أيضًا مَن لم يرَ الوقوف بالمزدلفة فرضًا من غير أصحابنا بأنْ قال: ليس في حديث عروة بن مضرس دليل على ما ذكر من وجوب الوقوف بالمزدلفة فرضًا؛ لأنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما قال فيه: «مَن صلى صلاتنا هذه، وكان قد أتى قبل ذلك عرفة من ليل أو نهار فقد قضى حجّه، وتمّ تفثه» فذكر الصلاة بالمزدلفة، وكلٌّ قد أجمع أنه لو بات بها ووقف، ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجّه تامّ، فلما كان حضور الصلاة مع الإمام المذكور في هذا الباب ليس من صلب الحجّ، كان الوقوف بالموطن الذي تكون فيه الصلاة أحرى أن يكون كذلك، قالوا: فلم يتحقق بهذا الحديث ذلك الفرض إلا بعرفة خاصة، قالوا: فإن احتجّ محتجّ بقول الله -عز وجل-: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} البقرة: 198، وقال: قد ذكر اللهُ المشعر الحرام كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سُنته، فحكمهما واحد لا يجزئ الحجّ إلا بإصابتهما، قيل له: ليس في قول الله -عز وجل-: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} البقرة: 198 دليل على أنَّ ذلك على الوجوب في الوقوف، وكلٌّ قد أجمع أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله أن حجّه تامّ، فإذا لم يكن الذكر المأمور به من صلب الحجّ فشهود الموطن أولى بألا يكون كذلك، قال: وقد ذكر الله في كتابه أشياء من الحجّ لم يُرِدْ بذكرها إيجابها، هذا ما احتجّ به أبو جعفر الأزدي، وذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الحج عرفات» وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: «الحج يوم عرفة، فمَن أدرك جَمْعًا قبل صلاة الفجر فقد أدرك». التمهيد (6/ 421- 422).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
المبيت بمزدلفة واجب يجب بتركه دم، سواء تركه عمدًا أو خطأً، عالمًا أو جاهلًا؛ لأنه ترك نسكًا، وللنسيان أثره في ترك الموجود كالمعدوم، لا في جعل المعدوم كالموجود، إلا أنه رخص لأهل السقاية ورعاة الإبل في ترك البيتوتة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخّص للرعاة في ترك البيتوتة في حديث عاصم بن عدي، وأرخص للعباس في ترك المبيت لأجل سقايته؛ ولأنّ عليهم مشقة في المبيت؛ لحاجتهم إلى حفظ مواشيهم وسقي الحاجّ، فكان لهم ترك المبيت فيها كليالي منى، ولأنها ليلة يُرمى في غدها، فكان لهم ترك المبيت فيها كليالي منى، وروي عن أحمد: أن المبيت بمزدلفة غير واجب، ولا شيء على تاركه، والأول المذهب. المغني (5/ 394).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الأحناف): إذا ترك المبيت بالمزدلفة وتعجَّل منها بليل من غير عذر فعليه دم، فإن كان من عذر فلا شيء عليه، قالوا: إذا ترك الوقوف ثم وقف بها قبل طلوع الشمس بعد ما أفاض الناس فإنه يجزئه ولا شيء عليه، وكذا لو وقف بعد طلوع الفجر قبل الصلاة ثم دفع قبل الناس أجزأه وقد أساء حين تعجل قبل الناس ولا شيء عليه، وهو قول الثوري في ترك المبيت والوقوف بمزدلفة، وكذلك الأوزاعي، وقال الشافعي: مَن خرج من مزدلفة قبل نصف الليل فعليه دم، وقال مالك: الوقوف بمزدلفة بعد صلاة الصبح، فمَن وقف قبل أن يصلي الصبح فكأنه لم يقف وإن كان بعد الفجر، وقال مالك: فيمَن مرّ بالمزدلفة مارًّا ولم ينزل بها فعليه دم، ومَن نزل بها ثم دفع من وسط الليل أو أوله أو آخره وترك الوقوف مع الإمام فقد أجزأه ولا دم عليه، ويستحبّ أن يقف مع الإمام، روى سفيان: حدثني إسماعيل بن أبي خالد وزكريا وداود بن أبي هند عن الشعبي: سمعتُ عروة بن مضرس يقول: أتيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمزدلفة فقلتُ: يا رسول الله جئتُ من جبلي طيِّئٍ ووالله ما تركتُ جبلًا من هذه الجبال إلا وقفتُ عليه، فهل لي من حجّ؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن شهد معنا هذه الصلاة صلاة الفجر بالمزدلفة، وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه»، وقال داود بن أبي هند: «أتيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين برق الفجر» فثبت بذلك أن وقت الوقوف قبل طلوع الفجر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يذكر له حكم الوقوف بالمزدلفة ليلًا، ولم يأمره فيه بتركه شيء؛ ولما قال: «فصلى معنا هذه الصلاة» فعلق تمام الحجّ بذلك عُلِمَ أن لا معنى لقول مالك في أن الوقوف بعد الصلاة وقبلها لا يجزئ، وعلمنا أن ما بعد طلوع الفجر وقت الوقوف إلى طلوع الشمس بما روى سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون: كنا وقوفًا عند عمر بجَمْعٍ (مزدلفة) فقال: «إنَّ أهل الجاهلية كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أَشْرِقْ ثَبِيْر، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالفهم فأفاض من قبل طلوع الشمس». مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (2/ 148- 150).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وأما (الوقوف) بمزدلفة فذهب الجمهور إلى أنه يتم الحج وإن فاته ويلزم فيه دم، وذهب ابن عباس وجماعة من السلف إلى أنه ركن كعرفة، وهذا مفهوم دليله، ويدل له رواية النسائي: «ومن لم يدرك جمعًا فلا حج له»، وقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} البقرة: 198. وفعله - صلى الله عليه وسلم – وقوله: «خذوا عني مناسككم».
وأجاب الجمهور: بأن المراد من حديث عروة مَن فَعَلَ جميع ما ذكر فقد تم حجه وأتى بالكمال من الحج، ويدل له ما أخرجه أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي أنه أتاه -صلى الله عليه وسلم- وهو واقف بعرفات ناس من أهل نجد فقالوا: كيف الحج؟ فقال: «الحج عرفة، من جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه» وفي رواية لأبي داود: «من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج»، ومن رواية الدارقطني «الحج عرفة الحج عرفة»، قالوا: فهذا صريح في المراد، وأجابوا عن زيادة «ومن لم يدرك جمعًا فلا حج له» باحتمالها التأويل أي: فلا حج كامل الفضيلة، وبأنها رواية أنكرها أبو جعفر العقيلي وألَّف في إنكارها جزءًا وعن الآية أنَّها لا تدل إلا على الأمر بالذِّكر عند المشعر لا على أنه ركن، وبأنه فعله - صلى الله عليه وسلم - بيانًا للواجب المستكمل الفضيلة. سبل السلام(2/٦٤٦).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
زاد بعض العلماء (على أركان الحجّ) المبيت بالمزدلفة، واستدلوا بقوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} البقرة: 199، وبقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عروة بن المضرس -رضي الله عنه-: «مَن شهد صلاتنا هذه -يعني الفجر- ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تمّ حجّه وقضى تفثه»، ففُهم منه أنَّ مَن لم يقف بالمزدلفة لم يتمّ حجّه، وإلى هذا ذهب بعض السلف والخلف، وهو بلا شك قول قوي، وقد مال إليه ابن القيم.
لكن الذين قالوا: إنه ليس بركن، قالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الحج عرفة، مَن جاء قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك»، وأجابوا عن حديث عروة -رضي الله عنه- بأن الإتمام يكون على وجوه: تارة يكون إتمامًا لا يصح الشيء إلا به، وتارة يكون إتمامًا يصحّ الشيء بدونه مع التحريم، وتارة يكون إتمامًا يصح الشيء بدونه مع نفي التحريم، والمراد بالإتمام في حديث عروة بالنسبة للمزدلفة: إتمام الواجب الذي تصحّ العبادة بدونه، وهذا هو رأي الجمهور.
ومن العلماء مَن قال: إن الوقوف بالمزدلفة سنة وليس بركن ولا واجب؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الحج عرفة»، لكن أعدل الأقوال وأصوبها أنه واجب، وليس بركن، والإنسان يتحرج أن يقول لشخص وقف بعرفة وطاف وسعى ولكنه (لم) يقف بالمزدلفة: إنه لا حجّ لك، ولكن يقول له: حجّك صحيح، وعليك دم. الشرح الممتع (7/ 385- 386).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ومَن لم يدرك مع الإمام بمزدلفة صلاة الصبح فقد بطل حجّه إن كان رجلًا، وأما النساء فإن وقفنَ بعرفة إلى قبل طلوع الفجر من يوم النحر أو دفعنَ من عرفة بعد ذكرهنّ الله تعالى فيها أجزأهنّ الحجّ؛ ومَن لم يقف منهنّ بعرفة لا يوم عرفة ولا ليلة يوم النحر حتى طلع الفجر، فقد بطل حجّها، ومَن لم تقف منهنّ بمزدلفة بعد وقوفها بعرفة وتذكر الله تعالى فيها حتى طلعت الشمس من يوم النحر، فقد بطل حجّها. المحلى(5/ 112).
وقال العيني -رحمه الله- معلقًا:
قلنا: ظاهر الحديث (أي: حديث عروة بن مضرس) متروك بالإِجماع، ألا ترى أنهم أجمعوا على أن مَن وقف بالمزدلفة ليلًا إذا دفع منها قبل الصبح أن حجّه تامّ؟ فلو كان حضور الصلاة مع الإِمام فرضًا من فرائض الحج ما أجزأه، فلم يبق إلا أنه من سنن الحجّ. نخب الأفكار (9/ 503).
قوله: «ووقفَ معنا حتى ندفعَ، وقد وقفَ بعرفةَ قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وقد وقف معنا» جملة حالية، أي: والحال أنه قد وقف معنا. نخب الأفكار (9/ 503).
وقال المغربي -رحمه الله-:
يعني: وقف في مزدلفة. بدر التمام(5/٣٣١).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «قبل ذلك» أي: قبل المبيت والوقوف بالمزدلفة. ذخيرة العقبى (26/ 10).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
عرفة كلها موقف يصح الوقوف فيها، وقد أجمع العلماء على أنّ مَن وقف في أي جزء كان من عرفات صحّ وقوفه، ولها أربعة حدود: حدّ إلى جادّة طريق المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبِل الكعبة، والرابع وادي عُرنة بضم العين وبالنون، وليست هي نمرة ولا من عرفات ولا من الحرم. نيل الأوطار (5/ 72).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ليلًا أو نهارًا» يدلُّ على أنَّ الجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل ليس بشرط، بل لو أدرك جزءًا من النهار وحده لكفى في حصول الحجّ. فتح الودود (2/ 405).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ليلًا أو نهارًا...» فيه حجة لأحمد على أنَّ وقت الوقوف لا يختصّ بما بعد الزوال، بل بما بين طلوع الفجر الثاني يوم عرفة وطلوعه يوم العيد؛ لأنّ لفظ النهار في الحديث مطلق، يحمل على ما قبل الزوال، واستدل أصحابنا (الشافعية) والجمهور على أنه -عليه السلام- والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله.
وأجابوا عن الحديث بأنَّ المراد به ما بعد الزوال. شرح سنن أبي داود (9/ 47).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
هذا حديث قد تكلَّم الناس فيه وعلَّلوه، ولم يأخذ به مالك، والوقوف بعرفة يكون بالنهار وبالليل، ويجزئ الوقوف فيها بالليل دون النهار، ولا يجزئ الوقوف فيها بالنهار دون الليل، ومَن دفع مِن عرفة قبل غروب الشمس يوم عرفة فلم يرجع إليها، ويدرك الوقوف بها قبل الفجر من ليلة المزدلفة فقد فاته الحج، ويكون عليه الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ويحلق بمكة، وعليه حج قابل والهدي. تفسير الموطأ (2/ 647-648).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أنَّ مَن وقف بعرفات وقفة ما بين الزوال من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج.
وقال أصحاب مالك: النهار تبع الليل في الوقوف، فمَن لم يقف بعرفة حتى تغرب الشمس فقد فاته الحج، وعليه حجّ من قابل، وروي عن الحسن (البصري) أنه قال: عليه هدي من الإبل وحجّه تامّ.
وقال أكثر الفقهاء: مَن صدر من عرفة قبل غروب الشمس فعليه دم، وحجّه تامّ، وكذلك قال عطاء وسفيان الثوري وأصحاب الرأي وهو قول الشافعي وأحمد.
وقال مالك والشافعي فيمَن دفع من عرفة قبل غروب الشمس ثم رجع إليها قبل طلوع الفجر: فلا شيء عليه.
وقال أصحاب الرأي: إذا رجع بعد غروب الشمس ووقف لم يسقط عنه الدم. معالم السنن (2/ 208).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قال إسماعيل القاضي (المالكي): ظاهر هذا الحديث إن كان صحيحًا -والله أعلم- يدلّ على أنَّ الرجل سأله عمَّا فاته من الوقوف بالنهار بعرفة، فأعلمه أن مَن وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تمّ حجّه، فدار الأمر في الجواب على أن الوقوف بالنهار لا يضره إن فاته؛ لأنه لما قيل: «ليلًا أو نهارًا» فالسائل يعلم أنه إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف بالنهار أنَّ ذلك لا يضره، وأنه قد تمّ حجّه؛ لأنه رأى له بهذا القول أن يقف بالنهار دون الليل، قال: ولو حمل هذا الحديث أيضًا على ما يحتجّ به مَن احتجّ به، لوجب على مَن لم يدرك الصلاة مع الإمام بجَمْع (مزدلفة) أن يكون حجّه فاسدًا، ولكن الكلام يُحمل على صحته وصحة المعنى فيه؛ لأنّ الرجل إنما سأل وقد أدرك الصلاة بجَمْع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا، فأُعْلِم أن حجّه تامّ.
وقال أبو الفرج (الليثي): معنى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عروة بن مضرس: «وقد أفاض قبل ذلك ليلًا أو نهارًا» أراد -والله أعلم-: ليلًا أو نهارًا وليلًا، فسكت عن أنْ يقول: ليلًا؛ لعلمه بما قدم من فعله؛ لأن مَن وقف نهارًا فقد أدرك الليل؛ لأنه أراد بذكر النهار اتصال الليل به، قال: وقد يحتمل أن يكون قوله: «ليلًا أو نهارًا» بمعنى: ليلًا ونهارًا، فتكون «أو» بمعنى الواو، كما قال الله -عزّ وجلّ-: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} الإنسان: 24، أي: آثمًا وكفورًا، والله أعلم. (أهـ).
(و) لو كان كما ذكر، كان الوقوف واجبًا ليلًا ونهارًا، ولم يغنِ أحدهما عن صاحبه، وهذا لا يقوله أحد، وقد أجمع المسلمون أن الوقوف بعرفة ليلًا يجزئ عن الوقوف بالنهار، إلا أن فاعل ذلك عندهم إذا لم يكن مراهقًا (المراهق: هو الذي تأخَّر عن حضور الموقف) ولم يكن له عذر فهو مسيء، ومن أهل العلم مَن رأى عليه دمًا، ومنهم مَن لم يرَ عليه شيئًا، وجماعة الفقهاء يقولون: إنَّ مَن وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا بعد زوال الشمس من يوم عرفة أنه مدرك للحجّ، إلا مالك بن أنس ومَن قال بقوله، فإن الفرض عنده الليل دون النهار، وعند سائر العلماء الليل والنهار بعد الزوال في ذلك سواء في الفرض، إلا أنَّ السُّنة أن يقف كما وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهارًا يتصل له بالليل.
ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ الوقوف بعرفة فرض، لا حجّ لمن فاته الوقوف بها يوم عرفة كما ذكرنا، أو ليلة النحر على ما وصفنا. التمهيد (6/ 420- 421).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا وقف (بعرفة) في النهار ودفع قبل غروب الشمس ولم يعد في نهارهِ إلى عرفات هل يلزمه الدم؟ فيه قولان سبقا؛ الأصح أنه لا يلزمه، وقال أبو حنيفة وأحمد: يلزمه، فإن قلنا: يلزمه فعاد في الليل سقط عندنا وعند مالك، وقال أبو حنيفة وأبو ثور: لا يسقط، وإذا دفع بالنهار ولم يعد أجزأه وقوفه، وحجه صحيح سواء أوجبنا الدم أم لا، وبه قال عطاء والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور وهو الصحيح من مذهب أحمد، قال ابن المنذر: وبه قال جميع العلماء إلا مالكًا، وقال مالك: المعتمد في الوقوف بعرفة هو الليل، فإن لم يدرك شيئًا من الليل فقد فاته الحجّ، وهو رواية عن أحمد، واحتجّ مالك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «وقف حتى غربت الشمس وقال: لتأخذوا مناسككم» واحتجّ أصحابنا بحديث عروة بن مضرس السابق إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن شهد صلاتنا هذه -يعني: الصبح- وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمّ حجُّه» وهو حديث صحيح، والجواب عن حديثهم: أنه محمول على الاستحباب، أو أن الجمع بين الليل والنهار يجب لكن يجبر بدم، ولا بدّ من الجمع بين الحديثين، وهذا الذي ذكرناه طريق الجمع، والله أعلم...
ــــ وقت الوقوف (بعرفة): بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر ليلة النحر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، وقال القاضي أبو الطيب (الطبري) والعبدري: هو قول العلماء كافة إلا أحمد فإنه قال: وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم النحر، واحتجّ بحديث عروة السابق قريبًا...، واحتجّ أصحابنا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف بعد الزوال، وكذلك الخلفاء الراشدون فمَن بعدهم إلى اليوم، وما نُقل أن أحدًا وقف قبل الزوال، قالوا: وحديث عروة محمول على ما بعد الزوال. المجموع (8/ 119- 120).
قوله: «فقد أتمَّ حَجَّهُ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «فقد تمّ حجّه» يريد به معظم الحج، وهو الوقوف بعرفة؛ لأنه هو الذي يُخاف عليه الفوات، فأما طواف الزيارة فلا يُخشى فواته، وهذا كقوله: «الحج عرفة» أي: معظم الحج هو الوقوف بعرفة. معالم السنن (2/ 209).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«فقد تمّ حجّه...» يعني: أن مَن أدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تمّ حجّه، ويبقى الشيء الذي لا يفوت، مثل الطواف والسعي والأعمال الأخرى. شرح سنن أبي داود (227/ 14).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وتمّ حجّه» أي: أمن من الفوات على أحسن وجه وأكمله، والأصل التمام بهذا المعنى بالوقوف كما هو صريح الحديث السابق، وأيضًا شهود الصلاة مع الإمام ليس بشرط للتمام عند أحد. كفاية الحاجة (2/ 240).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
وحقيقة التمام غير مرادة لبقاء طواف الزيارة، وهو ركن. المهيأ في كشف أسرار الموطأ(2/٥٠٢)
قوله: «وقَضَى تَفَثَهُ»:
قال السندي -رحمه الله-:
(«وقضى تفثه») أي: أتمّ مدة إبقاء التَّفَث من الوسخ وغيره مما يناسب المحرم، فحلّ له أن يزيل عنه التفث بحلق الرأس، وقص الشارب والأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وإزالة الشَّعَث والدَّرَن والوسخ مطلقًا. فتح الودود (2/ 405).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «وقضى تفثه» فإن التفث زعم الزجَّاج أن أهل اللغة لا يعرفونه إلا من التفسير، قال: وهو الأخذ من الشارب، وتقليم الظفر، والخروج من الإحرام إلى الإحلال، وقال ابن الأعرابي في قوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} الحج: 29، أي: قضاء حوائجهم من الحلق والتنظف. معالم السنن (2/ 209).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وقضى تفثه» أي: ما عليه من الحجّ والمناسك كلها، قاله ابن عمر، والمشهور أنّ التفث ما يصنعه المحْرِم عند حِلِّه من تقصير شعر أو حلقه، وحلق عانته، ونتف إبطه، وغيره من خصال الفطرة، كما في الحديث، ويدخل فيه نحر البُدْن، وفي ضمن ذلك قضاء جميع مناسكه؛ إذ لا يُقضى التفث إلا بعد ذلك، وأصل التفث: الوسخ والقذر، وعن قُطْرب: تَفِثَ الرجل: كثر وسخه، وقال أبو محمد البصري: التفث أصله من التَّفَف بفاءين، وهو وسخ الأظفار، وقُلبت الفاء الثانية ثاء مثلثة. شرح سنن أبي داود (9/ 47).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «وقضى تفثه» يعني: قضى الأشياء التي يُطلب منه أن يأتي بها، كتقليم الأظفار وحلق الرأس، وما إلى ذلك من الأشياء التي يباح للإنسان أن يأتي بها بعدما يكون قد أدى ما هو مطلوب منه، ولكن كما هو معلوم إنما يكون ذلك بعد الرمي. شرح سنن أبي داود (227/ 14).
وقال العيني -رحمه الله-:
يُستفاد منه أحكام:
فرضية الوقوف بعرفة؛ لأنه علَّق تمام الحجّ بالوقوف بها.
وجواز الوقوف بها ليلًا ونهارًا؛ لأنّ وقته من زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر.
ووجوب الوقوف بالمزدلفة...
واستدلت به الظاهرية على أن صلاة الغداة بالمزدلفة مع الإِمام من فروض الحجّ كالوقوف بعرفة. نخب الأفكار (9/ 503).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)