الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

عن مُجاهدٍ قال: دخلتُ أنا وعروةُ بنُ الزُّبيرِ المسجدَ، فإذا عبدُ اللَّهِ بنُ عُمرَ -رضي اللَّه عنهما- جالسٌ إلى حُجرةِ عائشةَ، وإذا ناسٌ يُصلُّونَ في المسجدِ صلاةَ الضُّحى، قال: فسأَلناه عن صلاتهم، فقال: «بدعةٌ، ثم قال له: كم اعتمرَ رسول اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-؟ قال: أربعًا، إحدَاهُنَّ في رجبٍ، فكرِهنَا أنْ نرُدَّ عليه، قال: وسمِعنا اسْتِنَانَ عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ في الحُجرةِ، فقال عروةُ: يا أُمَّاهُ، يا أُمَّ المؤمنينَ ألا تَسْمَعِينَ ما يقولُ أبو عبدِ الرَّحمنِ؟ قالت: ما يقولُ؟: قال: يقولُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- اعتمر أربعَ عُمَراتٍ، إحداهُنَّ في رجبٍ، قالت: يرحمُ اللَّهُ أبا عبدِ الرَّحمنِ، ما اعتمرَ عُمْرَةً إلَّا وهو شاهِدُهُ، وما اعتمر في رجبٍ قَطُّ».


رواه البخاري برقم: (1775) واللفظ له، ومسلم برقم: (1255)، من حديث ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهم-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«حُجْرة»:
بضمِّ الحاء المهملة، وسكون الجيم، وبالراء: الموضع المنفرد من الدار. إرشاد الساري، للقسطلاني (7/ 54).
وقال الرازي -رحمه الله-:
الحُجْرةُ حظيرة الإبل، ومِنه حُجرة الدار، تقول: احْتَجَرَ حُجْرةً أي: اتخذها، والجمع حُجَرٌ كغرفة وغرف، وحُجُراتٌ بضم الجيم. مختار الصحاح(ص: 167)

«اسْتِنَانَ»:
استَنَّ الرجل إذا استاك. مختار الصحاح (ص: 326)
أي: استياكها، مأخوذٌ من السَّن. اللامع الصبيح، للبرماوي (6/ 227).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
وكذلك (يُقال): سَنَنْتُ الماء على وجهي: إذا أرسلتُه إرسالًا من غير تفريق. الصحاح (5/ 2141)


شرح الحديث


قوله: «عن مجاهد، قال: دخلتُ أنا وعروةُ بنُ الزُّبيرِ المسجدَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«عن مجاهد» هو ابن جبر المفسِّر. إرشاد الساري (3/ 262).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» مجاهد: «دخلتُ أنا وعروة بن الزبير المسجد» النبوي. الكوكب الوهاج (14/ 178).

قوله: «فإذا عبدُ اللَّهِ بنُ عُمرَ -رضي اللَّه عنهما- جالسٌ إلى حُجرةِ عائشةَ»:
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإذا عبد الله بن عمر جالسٌ» في المسجد، مستندًا ظهره «إلى» جدار «حجرة عائشة» وبيتها. الكوكب الوهاج (14/ 178).

قوله: «وإذا ناسٌ يُصلُّونَ في المسجدِ صلاةَ الضُّحى، قال: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صلاتِهِم، فقال: بدعةٌ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فسألناه» أي: فسألنا ابن عمر «عن صلاتهم» الضحى، مجتمعين لها، هل فعلهم هذا سُنة أم لا؟ الكوكب الوهاج (14/ 178).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال» أي: ابن عمر: صلاتهم على هذه الصفة من الاجتماع لها في المسجد «بدعة». إرشاد الساري (3/ 262).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
ثم إنَّ صلاة الضحى في المسجد ليست بدعةً على الإِطلاق، وإنَّما حَكَمَ عليها ابنُ عمر بكونِها بدعةً لبعض أمور عَرَضتْ هناك. فيض الباري (3/ 278).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بدعة» أي: صلاتهم بدعة، وإنما قال: بدعة، وإنَّما البدعة إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى صلاة الضحى في بيت أم هانئ...؛ لأن الظاهر أنها لم تثبت عنده، فلذلك أَطْلَق عليها البدعة، وقيل: أراد أنها من البدع المستحسنة، كما قال عمر -رضي الله تعالى عنه- في صلاة التراويح: «نعمت البدعة هذه»، وقيل: أراد أنَّ إظهارها في المسجد، والاجتماع لها هو البدعة، لا أنَّ نفس تلك الصلاة بدعة، وهذا هو الأوجه. عمدة القاري (10/ 111).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
فقال: «بدعة» لعل مراده: قصد المسجد لها، يخرج الإنسان من بيته ويذهب إلى المسجد ليصليها، أو أنَّ الاجتماع لها وأَدَاءَهَا جماعة وقصد ذلك هو البدعة. شرح كتاب الحج من صحيح مسلم (12/ 21).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أَخَذَ قومٌ من السلف به (أي: بحديث مورق: قلتُ لابن عمر: تصلي الضحى؟ قال: لا، قلتُ: فعمر؟ قال: لا، قلتُ: فأبو بكر؟ قال: لا، قلتُ: فالنبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: لا) وبحديث عائشة (أي: قولها: «ما رأيتُ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يسَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى، وإني لأسَبِّحُهَا») ولم يروا صلاة الضحى، وقال بعضهم بأنها بدعة...
وقد قيل: إنَّ صلاته -صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح ثمان ركعات لم تكن صلاة الضحى، وإنما كانت من أجل الفتح، وأنَّ سُنَّة الفتح أنْ يصلي عنده ثمان ركعات، ذكره الطبري في التاريخ عن الشعبي، قال: لما فتح خالد بن الوليد الحِيْرَة صلى صلاة الفتح ثمان ركعات، ولم يسلِّم فيهن، ثم انصرف.
(و) هذا تأويلٌ لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن الرسول، وفعل السلف بعده.
قال الطبري: وذهب قومٌ من السلف أنَّ صلاة الضحى تُصلى في بعض الأيام دون بعض، واحتجوا بما رواه الجريري عن عبد الله بن شقيق، قلتُ لعائشة: «أكان رسول الله يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أنْ يجيء من مغيبه»، وروى... عن فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد، قال: «كان رسول الله يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها». شرح صحيح البخاري (3/ 168-169).
وقال ابن القيم -رحمه الله- بعد أنْ ذَكَرَ الأحاديث المثبِتة والنافية لصلاة الضحى:
فاختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق، منهم من رجَّح رواية الفعل على الترك بأنها مثبتة، تتضمن زيادة علم خفيت على النافي، قالوا: وقد يجوز أنْ يذهب علم مثل هذا على كثير من الناس، ويوجد عند الأقل، قالوا: وقد أخبرت عائشة وأنس وجابر وأم هانئ وعلي بن أبي طالب أنه صلاها، قالوا: ويؤيد هذا الأحاديث الصحيحة المتضمنة للوصية بها، والمحافظة عليها، ومدح فاعلها، والثناء عليه...
وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك، ورجحتها من جهة صحة إسنادها، وعمل الصحابة بموجبها، فروى البخاري عن ابن عمر «أنه لم يكن يصليها، ولا أبو بكر، ولا عمر، قلتُ: فالنبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: لا إخاله»، وقال وكيع: حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال: «ما رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى صلاة الضحى إلا يومًا واحدًا»...
وذهبت طائفة ثالثة إلى استحباب فعلها غِبًا (نادرًا)، فتُصلى في بعض الأيام دون بعض، وهذا أحد الروايتين عن أحمد، وحكاه الطبري عن جماعة، قال: واحتجوا بما روى الجريري عن عبد الله بن شقيق، قال: قلتُ لعائشة: «أكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أنْ يجيء من مغيبه» ثم ذكر حديث أبي سعيد: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى حتى نقول: لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها» وقد تقدم، ثم قال: كذا ذكر من كان يفعل ذلك من السلف...
قال هؤلاء: وهذا أولى؛ لئلا يَتوهم متوهِّم وجوبها بالمحافظة عليها، أو كونها سُنة راتبة؛ ولهذا قالت عائشة: «لو نُشِرَ (بُعث وأُحيي) لي أبواي ما تركتها» فإنها كانت تصليها في البيت حيث لا يراها الناس.
وذهبت طائفة رابعة إلى أنها تُفعل بسبب من الأسباب، وأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- إنَّما فعلها بسبب، قالوا: وصلاته -صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح ثمان ركعات ضحى إنما كانت من أجل الفتح، وأنَّ سُنة الفتح أنْ تُصلى عنده ثمان ركعات، وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح...
فهذا أصل هذه الصلاة وقصتها، ولفظ البخاري فيها، فاختصره بعض الرواة عن عتبان فقال: «إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى في بيتي سُبحة الضحى، فقاموا وراءه فصلوا»، وأما قول عائشة: «لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الضحى إلا أنْ يقدم من مغيبه» فهذا مِن أبين الأمور أنَّ صلاته لها إنما كانت لسبب، فإنه -صلى الله عليه وسلم- «كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين» فهذا كان هديه، وعائشة أخبرت بهذا وهذا، وهي القائلة: «ما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الضحى قط»...
فالذي أثبتته فعلها بسبب، كقدومه من سفر، وفتحه، وزيارته لقوم ونحوه، وكذلك إتيانه مسجد قباء للصلاة فيه، وكذلك ما رواه يوسف بن يعقوب، حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا سلمة بن رجاء، حدثتنا الشعثاء، قالت: «رأيتُ ابن أبي أوفى صلى الضحى ركعتين يوم بُشِّر برأس أبي جهل» فهذا إنْ صح فهي صلاة شكر وقعت وقت الضحى، كشكر الفتح.
والذي نفَتْهُ هو ما كان يفعله الناس، يصلونها لغير سبب، وهي لم تقل: إنَّ ذلك مكروه، ولا مخالِف لسُنته، ولكن لم يكن من هديه فعلها لغير سبب، وقد أوصى بها، وندب إليها، وحضَّ عليها، وكان يستغني عنها بقيام الليل، فإنَّ فيه غُنية عنها، وهي كالبدل منه...
قالوا: وفعل الصحابة -رضي الله عنهم- يدل على هذا، فإن ابن عباس كان يصليها يومًا، ويدعها عشرة، وكان ابن عمر لا يصليها، فإذا أتى مسجد قباء صلاها، وكان يأتيه كل سبت...
ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة وجدها لا تدل إلا على هذا القول، وأما أحاديث الترغيب فيها، والوصية بها، فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدل على أنها سُنة راتبة لكل أحد، وإنما أوصى أبا هريرة بذلك؛ لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلًا من قيام الليل؛ ولهذا أمره ألا ينام حتى يوتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة.
وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال، وبعضها منقطع، وبعضها موضوع لا يحل الاحتجاج به، كحديث يُروى عن أنس مرفوعًا: «مَن داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلا عن علة كنتُ أنا وهو في زورق من نور في بحر من نور» وضعه زكريا بن دويد الكندي عن حميد. زاد المعاد (1/ 334-346).
قال ابن حجر-رحمه الله-:
وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى؛ لأن نفيه محمول على عدم رؤيته لا على عدم الوقوع في نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة... قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المساجد وصلاتها جماعة لا أنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قومًا يصلونها فأنكر عليهم وقال: إن كان ولا بد ففي بيوتكم. فتح الباري لابن حجر (3/ 53).

قوله: «ثم قال له: كم اعْتَمَرَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-؟ قال أربعًا»:
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قال: أربعٌ» كذا للأكثر، ولأبي ذر «قال: أربعًا» أي: اعتمر أربعًا، قال ابن مالك: الأكثر في جواب الاستفهام مطابقة اللفظ والمعنى، وقد يكتفى بالمعنى، فمن الأول قوله تعالى: {قَالَ هِيَ عَصَايَ} طه: 18، في جواب: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} طه: 17، ومن الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أربعين» في جواب قولهم: كم يلبث؟ فأضمر يلبث، ونصب به أربعين، ولو قصد تكميل المطابقة لقال: أربعون؛ لأن الاسم المستفهم به في موضع الرفع، فظهر بهذا أنَّ النصب والرفع جائزان في مثل قوله: «أربع» إلا أنَّ النصب أقيس، وأكثر نظائر. فتح الباري (3/ 601).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«أربع» لأبي ذر: «أربعًا» وهن: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي في حجته. التوشيح (3/ 1348).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
وروى الشيخان عن أنس -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اعتمر أربع عُمَرٍ كلهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية، أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة حجته». تحفة الأحوذي (2/ 488).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اعتمار النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أربع عُمَر لا شك:
العمرة الأولى: عُمرة الحديبية، وصُد عنها.
والعمرة الثانية: عمرة القضاء، القضاء يعني المقاضاة، أي: المصالحة التي جرت بينه وبين قريش، وهي بعدها بسنة، وبقي في مكة ثلاثة أيام حتى أخرجه قريش.
والعمرة الثالثة: عمرة الجعرانة حين رجع من غزوة حنين، وهذه العمرة خفيت على كثير من الصحابة؛ لأنها كانت ليلًا، نزل النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلى مكة، واعتمر، ولم يعلم به كثير من الصحابة.
العمرة الرابعة: في حجته، فإنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يقول: «لبيك عمرةً وحجةً». شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 83).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن التين: في عدهم عمرة الحديبية التي صُد عنها ما يدل على أنها عمرة تامة.
وفيه إشارة إلى صحة قول الجمهور: إنه لا يجب القضاء على مَن صُدَّ عن البيت خلافًا للحنفية، ولو كانت عمرة القضية بدلًا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنَّما سُميت عمرة القضية والقضاء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاضى قريشًا فيها، لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صُد عنها؛ إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة. فتح الباري (3/ 602).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
لكن يبقى الإشكال في الرابعة متى كانت؟ لأن الأُولى عمرة الحديبية في ذي القعدة، والثانية: عمرة القضاء في ذي القعدة، والثالثة: عمرة الجعرانة في ذي القعدة، والرابعة: ذكر أنس أنها التي كانت مع حجَّته، وهذا على تأويل أنس أنه كان قارنًا، وقد ذكرناه، ورد الصحابة ذلك عليه، وأنَّ الصحيح أنه كان مفرِدًا، وقد ردت عائشة على ابن عمر أنه اعتمر في رجب، فجاء أنَّ الصحيح من هذا ثلاث عمر...، ولا يُعلم للنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- اعتمار إلا ما ذكرناه مما اتفق عليه، واختلف فيه، وقال الداودي: وقد قيل: إنَّ عمرتيه كانتا في شوال، (و) عمرة في ذي القعدة، وعلى أنها ثلاث عمر اعتمد مالك -رحمه الله- في موطئه، وأَدْخَل الآثار بذلك، وأنَّ أخراها في شوال، وجاء من رواية أبي الحسن الدارقطني أنه -عليه السلام- خرج معتمرًا في رمضان، فلعلها التي عملها في شوال، وكان ابتداء خروجه لها في رمضان، والله أعلم. إكمال المعلم (4/ 330-331).
وقال النووي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وهو قول ضعيف، بل باطل، والصواب أنَّه -صلى الله عليه وسلم- اعتمر أربع عمر، كما صرَّح به ابن عمر وأنس، وجزما الرواية به، فلا يجوز رد روايتهما بغير جازم.
وأما قوله (عياض): إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في حجة الوداع مفردًا لا قارنًا، فليس كما قال، بل الصواب أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مفردًا في أول إحرامه، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارنًا، ولا بد من هذا التأويل، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (8/ 235).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
فالحاصل: من رواية أنس وابن عمر: اتفاقهما على أربع عمر، وكانت إحداهن في ذي القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وصُدُّوا فيها، فتحللوا، وحُسبت لهم عمرة، والثانية في ذي القعدة، وهي سنة سبع، وهي عمرة القضاء، والثالثة في ذي القعدة سنة ثمان، وهي عام الفتح، والرابعة مع حِجته، وكان إحرامها في ذي القعدة، وأعمالها في ذي الحجة. المنهاج شرح مسلم (8/ 235).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: وإنَّما اعتمر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه العمرات في ذي القعدة لفضيلة هذا الشهر؛ ولمخالفة الجاهلية في ذلك، فإنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور...، ففعله -صلى الله عليه وسلم- مرات في هذه الأشهر؛ ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها، وأبلغ في إبطال ما كانت الجاهلية عليه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 235-236).
وقال موسى شاهين -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- كانت عمراته تلك في هذا الشهر بحكم الظروف، دون قصد لفضيلة الشهر، فسيأتي أنَّ عمرة في رمضان تعدل حجَّة، ودون قصد لإبطال عادة الجاهلية وعقيدتهم؛ إذ لو كان كذلك لما عَظُم عليهم في حجة الوداع أنْ يعتمروا في أشهر الحج؛ ولما تردَّدُوا حينذاك، حين أمروا بالعمرة، حتى أغضبوه، والله أعلم. فتح المنعم (5/ 267).

قوله: «إحدَاهُنَّ في رجبٍ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«إحداهن» أي: العمرات كانت «في» شهر «رجبٍ» بالتنوين. إرشاد الساري (3/ 263).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «إحداهن في رجبٍ» وهو ها هنا نَكِرَةٌ قطعًا؛ لزوال العلمية، نحو جاء عمرُ، وعمرٌ آخر. فيض الباري (3/ 278).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «إحداهن في رجبٍ» كذا وقع في رواية منصور عن مجاهد، وخالفه أبو إسحاق فرواه عن مجاهد عن ابن عمر، قال: «اعتمر النبي -صلى الله عليه وسلم- مرتين، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: اعتمر أربع عمر» أخرجه أحمد وأبو داود، فاختلفا، جعل منصور الاختلاف في شهر العمرة، وأبو إسحاق الاختلاف في عدد الاعتمار، ويمكن تعدد السؤال؛ بأنْ يكون ابن عمر سُئل أولًا عن العدد، فأجاب، فردت عليه عائشة، فرجع إليها، فسُئل مرة ثانية، فأجاب بموافقتها، ثم سُئل عن الشهر، فأجاب بما في ظنه، وقد أخرج أحمد من طريق الأعمش عن مجاهد قال: «سأل عروة بن الزبير ابن عمر: في أي شهر اعتمر النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: في رجب». فتح الباري (3/ 601).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
ثم إنَّ الشارحين اتفقوا على كونِهِ غلطًا من ابن عمر.
وتبيَّنَ لي مَنْشأ غلطه، وهو أنَّ العمرة في الملَّة الإِبراهيمية كانت في رجب، وكان الحج في ذي الحجة، فجعل ابن عمر عمرتَه أيضًا في رجب؛ بناءً على المِلة الإِبراهيمية. فيض الباري (3/ 278).
وقال ابن حجر رحمه الله-:
قد تعسف مَن قال: إنَّ ابن عمر أراد بقوله: «اعتمر في رجب» عمرة قبل هجرته؛ لأنه وإنْ كان محتملًا، لكن قول عائشة: «ما اعتمر في رجب» يلزم منه عدم مطابقة ردها عليه لكلامه، ولا سيما وقد بيَّنت الأربع، وأنها لو كانت قبل الهجرة فما الذي كان يمنعه أنْ يفصح بمراده، فيرجع الإشكال، وأيضًا فإنَّ قول هذا القائل: لأنَّ قريشًا كانوا يعتمرون في رجب يحتاج إلى نقل، وعلى تقديره، فمن أين له أنه -صلى الله عليه وسلم- وافقهم؟ وهَبْ أنه وافقهم، فكيف اقتصر على مرة؟ فتح الباري (3/ 602).

قوله: «فَكَرِهْنَا أنْ نَرُدَّ عليه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فكرهنا أنْ نرد عليه» زاد إسحاق في روايته: «ونكذِّبه». فتح الباري (3/ 601).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
ما كان لهما أنْ يكذِّباه، أو يردَّاه؛ لعِظَم قَدْرِه. فتح المنعم (5/ 264).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
(وهذا) يدلُّ على أنَّ عندهم بذلك علمًا، فسؤالهم امتحان، ففيه جواز الامتحان، لكنه مذهب صحابي، وفي الاحتجاج به خلاف، وكان مالك -رحمه الله- إذا عرف أنه سؤال امتحان لا يجيب، ولا يحتج له بحديث: «أخبروني عن شجرة لا يسقط ورقها»؛ لأنَّ ذلك من الشارع تعليم لما اشتمل عليه من الأحكام، وترجم عليه أبو نعيم: باب إلقاء العالِم المسألة على طلبته؛ ليختبر أذهانهم. إكمال إكمال المعلم (4/318).
وقال الزرقاني -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
لكن في قوله: "مذهب صحابي" نظر؛ إذ هو كما رأيتَ إنَّما فعله عروة ومجاهد، وهما تابعيان اتفاقًا، فلا حُجَّة فيه بلا خلاف. شرحه على المواهب اللدنية (11/ 480).

قوله: «قال: وسمعنا استنان عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ في الحُجرةِ»:
قال ابن حجر –رحمه الله-:
وسمِعنا استنان عائشة أي: حسّ مرور السواك على أسنانها. وفي رواية عطاء عن عُروة عند مسلم. «وإِنا لنسمع ضربها بالسواك تستنُّ». فتح الباري لابن حجر (3/ 601)
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وسمعنا استنان عائشة» قيل: استنانها سواكها، وقيل: استعمالها الماء، قال ابن فارس: سننتُ الماء على وجهي إذا أرسلتُه إرسالًا، إلا أنْ يكون استنَّ، لم تستعمله العرب إلا في السواك، وقيل: معناه: سمعنا حسَّ مرور السواك على أسنانها، قلتُ: فيه ما فيه. عمدة القاري (10/ 111).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وسمعْنَا استنانَ عائشةَ» تَسَوُّكها، وهذا يدل على قُربها منهم؛ لأنه لا يمكن يستمع استنانها إلا عن قُرْب...، فيه المبالغة بالتسوك لكن بشرط أنْ لا يلحق اللثة ضرر، كما نص عليه العلماء -رحمهم الله- قالوا: يُكره أنْ يتسوك بما يضر اللثة؛ لأن الإنسان مأمور بالمحافظة على بدنه. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 83).

قوله: «فقال عروةُ: يا أُمَّاهُ، يا أُمَّ المؤمنينَ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«يا أمَّاهُ» بهاء مضمومةٍ أو ساكنة، وفي نسخةٍ: «يا أمَّهْ» بحذف الألف، وسكون الهاء، وفي أخرى: «يا أمَّ المؤمنين» وفي أخرى: «يا أمَّاه، يا أمَّ المؤمنين». منحة الباري (4/ 230).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: ما فائدة قوله: «يا أم المؤمنين» بعد أنْ قال: «يا أماه» أراد بقوله: «يا أماه» المعنى الأخص؛ لكون عائشة خالته، وأراد بقوله: «يا أم المؤمنين» المعنى الأعم؛ لكونها أم المؤمنين. عمدة القاري (10/ 111).
وقال العجلوني -رحمه الله-:
ورأيتُ في بعض الأصول: «يا أمَّةِ» بتاء مكسورة، ويُوجَّه: بأنَّها إحدى اللغات في يا أبتِ، ويا أمَّة. الفيض الجاري (10/433).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: ما أصل قولهم في عائشة وغيرها من أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-: أم المؤمنين؟
قلتُ: أخذوه من قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} الأحزاب: 6، وقرأ مجاهد: «وهو أبٌ لهم» وقيل: إنها قراءة أُبي بن كعب.
وهن أمهات في وجوب احترامهن وبرهن، وتحريم نكاحهن، لا في جواز الخلوة والمسافرة، وتحريم نكاح بناتهن، وكذا النظر في الأصح، وبه جزم الرافعي، ومقابله حكاه الماوردي، وهل يقال لإخوتهن: أخوال المسلمين، ولأخواتهن: خالات المؤمنين، ولبناتهن: أخوات المؤمنين؟ فيه خلاف عند العلماء، والأصح المنع؛ لعدم التوقيف، ووجه مقابله: أنه مقتضى ثبوت الأمومة، وهو ظاهر النص، لكنه مؤول، قالوا: ولا يُقال: آباؤهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم، وهل يقال فيهن: أمهات المؤمنات؟ فيه خلاف، والأصح أنه لا يُقال؛ بناءً على الأصح أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال، وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «أنا أم رجالكم لا أم النساء». عمدة القاري (1/ 38-39).

قوله: «ألا تَسْمَعِينَ ما يقولُ أبو عبدِ الرَّحمنِ؟»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أبو عبد الرحمن» هو كنية عبد الله بن عمر. عمدة القاري (10/ 111).
وقال العجلوني -رحمه الله-:
وَذَكَرَهَ لعائشة بكنيته؛ تعظيمًا له. الفيض الجاري (10/433).

قوله: «قالت: ما يقولُ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقالت» عائشة «وما يقول» أبو عبد الرحمن؟ الكوكب الوهاج (14/ 179).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالت: وما يقول؟» و"ما" هنا استفهامية، أي: أي شيء يقوله؟ البحر المحيط الثجاج (23/ 396).

قوله: «قال: يقولُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- اعْتَمَرَ أربعَ عُمَرَاتٍ»:
قال العجلوني -رحمه الله-:
«قال» أي: عروة. الفيض الجاري (10/432).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «عُمُرات» يجوز ضم الميم فيها، وسكونها، وبضمها كما في عرفات وحُجُرات. عمدة القاري (10/ 111).

قوله: «إحدَاهُنَّ في رجبٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
لم تُنكِر عائشة على ابن عمر إلا قوله: «إحداهن في رجب». فتح الباري (3/ 601).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فعائشة أنكرت كونه اعتمر في رجب، وما أنكرت كونه اعتمر أربع عمر، فقد اتفقت عائشة وابن عمر على أنه اعتمر أربع عمر، كما روي ذلك عن أنس. مجموع الفتاوى (26/ 74).
وقال ابن عابدين الحنفي -رحمه الله-:
نَقَل بعضُهم عن الملا علي (القاري) في رسالته المسماة "الأدب في رجب" أنَّ كون العمرة في رجب سُنة؛ بأنْ فعلها -عليه الصلاة والسلام- أو أمر بها، لم يثبت، نعم رُوي أنَّ ابن الزبير لما فرغ من تجديد بناء الكعبة قبيل سبعة وعشرين من رجب نحر إبلًا، وذبح قرابين، وأمر أهل مكة أنْ يعتمروا حينئذٍ؛ شكرًا لله تعالى على ذلك، ولا شك أنَّ فعل الصحابة حُجة، وما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، فهذا وجه تخصيص أهل مكة العمرة بشهر رجب، اهـ ملخصًا. رد المحتار (2/ 473).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
قول ابن عمر: «... إحداهن في رجب» أبين البيان أنَّ الخَيِّر المتقِن الفاضل قد ينسى بعض ما يَسمع من السُّنن أو يشهدها. صحيح ابن حبان (9/ 261).

قوله: «قالت: يرحمُ اللَّهُ أبا عبدِ الرَّحمنِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقالت» عائشة «يرحم الله أبا عبد الرحمن» بالمسامحة له عن زلته وخطئه. الكوكب الوهاج (14/ 179).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قولها: «يرحم الله أبا عبد الرحمن» هو عبد الله بن عمر، ذكرته بكنيته تعظيمًا له، ودعت له إشارة إلى أنه نسي. فتح الباري (3/ 601).

قوله: «ما اعْتَمَرَ عُمْرَةً إلَّا وهو شاهِدُهُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قولها: «ما اعتمر» أي: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمرةً إلا وهو» أي: ابن عمر «شاهده» أي: حاضر معه، وقالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان. فتح الباري (3/ 601).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
لقد عُلِمَ بهذه الرواية بتمامها أينما تذكر أنَّ الرد على العالم وإنْ كان أدون من الراد رتبة، ينبغي أنْ يكون بأحسن وجه، كما فعلته عائشة -رضي الله عنها-، فإنها بيَّنت فضله أولًا بأنه لم يتخلَّف عنه -صلى الله عليه وسلم- في عمرة حتى يُظن به الجهل عن حاله -صلى الله عليه وسلم-، ثم بيَّنت أنه اعتراه في ذلك سهو. الكوكب الدري (2/ 144-145).

قوله: «وما اعْتَمَرَ في رجبٍ قَطُّ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قولها: «وما اعتمر في رجب قط» زاد عطاء عن عروة عند مسلم في آخره: «قال: وابن عُمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم، سكت». فتح الباري (3/ 601).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: مَن المصيب منهما؟ قلتُ: عائشة.
فإنْ قلتَ: إذا تعارض النفي والإثبات، فالمثبِت مُقدَّم.
قلتُ: ذلك إذا لم يكن خطَؤه يقينًا من قبل كل أحد، وهذا كان كذلك؛ ألا ترى إلى قول عروة: «كرهنا أنْ نردَ عليه»؟ فإنه يدل على أنه كان مشهورًا معروفًا عندهم. الكوثر الجاري (4/ 171).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: نفت عائشة وأثبت ابن عمر، والقاعدة تقديم الإثبات على النفي، فهلَّا حكم لابن عمر على عائشة؟
قلتُ: إنَّ إثبات ابن عمر كونها في رجب يعارضه إثبات آخر، وهو كونها في ذي القعدة، فكلاهما نافٍ لوقت، ومثبِت لوقت آخر، فعائشة وإنْ نفت رجب فقد أثبتت كونها في ذي القعدة، وقد اتفقت عائشة وابن عمر وابن عباس على نفي الزيادة في عدد عُمَره -صلى الله عليه وسلم- على أربع، وأثبتت عائشة كون الثلاثة في ذي القعدة، خلا التي في حجته، فترجح إثبات عائشة لذلك، فإن إثبات ابن عباس أيضًا كذلك، وانفرد ابن عمر بإثبات رجب، فكان إثبات عائشة مع ابن عباس أقوى من إثبات ابن عمر وحده، وانضم لذلك كون عائشة أنكرت عليه ما أثبته من الاعتمار في رجب، وسكت، فوجب المصير إلى قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-. عمدة القاري (10/ 113).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
قولها: «وما اعتمر في رجب قط» قالته عائشةُ بحضرةِ ابن عمر، فسكت. منحة الباري (4/ 230).
وقال النووي -رحمه الله-:
قول ابن عمر: «إنَّ إحداهن في رجب» فقد أنكرته عائشة، وسكت ابن عمر حين أنكرته، قال العلماء: هذا يدل على أنه اشتبه عليه، أو نسي، أو شك؛ ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة، ومراجعتها بالكلام، فهذا الذي ذكرَتْه هو الصواب الذي يتعين المصير إليه. المنهاج شرح مسلم (8/ 235).
وقال القسطلاني -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وبهذا يُجاب عما استُشكل من تقديم قول عائشة النافي على قول ابن عمر المثبِت، وهو خلاف القاعدة المقررة. إرشاد الساري (3/ 263).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: دلالة على جواز الاعتمار في أشهر الحج بخلاف ما كان عليه المشركون.
وفي هذا الحديث: أنَّ الصحابي الجليل المكثر الشديد الملازمة للنبي -صلى الله عليه وسلم- قد يخفى عليه بعض أحواله، وقد يدخله الوهم والنسيان؛ لكونه غير معصوم.
وفيه: رد بعض العلماء على بعض.
وحسن الأدب في الرد.
وحسن التلطف في استكشاف الصواب إذا ظن السامع خطأ المحدِّث. فتح الباري (3/ 602).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أنَّه ينبغي للإنسان أنْ يدعو لأخيه إذا أخطأ بالعفو والرحمة، وما أشبه ذلك، خلافًا لما يفعله بعض الناس حيث يتتبع أغلاط إخوانه، وينشرها، ولا يترحم عليه، ولا يسأل له العفو، والذي ينبغي للمؤمن إذا أخطأ أخوه بشيء ولم يتمكن من مناقشته أنْ يسأل الله له الرحمة والعفو، لا سيما إذا كان عالمًا يأخذ الناس بقوله، فإنَّ زلة العالم أخف من زلة الجاهل بلا شك.
وفيه أيضًا: الكنية، أنَّ الكنية تكريم؛ لقولها: «يرحم الله أبا عبد الرحمن» ولم تقل: عبد الله بن عمر، وهي امرأة، لكن الكنية عند العرب فيها تفخيم وتكريم. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 83).


إبلاغ عن خطأ