«أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وقَفَ في حجَّةِ الوداعِ بمِنى للناسِ يسألونَه، فجاءَهُ رجلٌ فقالَ: لم أَشعُرْ فحَلَقْتُ قبلَ أن أذبحَ؟ فقالَ: اذبحْ ولا حَرَجَ، فجاءَ آخرُ فقالَ: لم أشعُرْ فنَحَرْتُ قبلَ أن أرميَ؟ قالَ: ارْمِ ولا حَرَجَ، فما سُئِلَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قالَ: افعلْ ولا حَرَجَ».
رواه البخاري برقم: (83)، ومسلم برقم: (1306) من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ للبخاري: «رأيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عندَ الجمرةِ وهو يُسْألُ».
وفي لفظ للبخاري برقم: (1735): «قالَ: رميتُ بعدَما أمسيتُ، فقالَ: لا حرجَ»، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لمسلم: «قال: فما سمعتُه يُسألُ يومَئِذٍ عن أمرٍ مما يَنسى المرءُ ويجهلُ من تقديمِ بعضِ الأمورِ قبلَ بعضٍ وأشباهِها، إلا قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: افعلوا ذلك، ولا حَرَجَ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«حَرَجَ»:
الحَرَجُ في الأصل: الضِّيقُ، ويقع على الإثم والحَرام، وقيل: الحَرَج أَضْيَقُ الضِّيقِ. النهاية، لابن الأثير (1/ 361).
«الجَمْرةُ»:
معروفة وهي موضع رمي الجمار بمكة، وهي ثلاث جمرات، والجمرة الكبرى بالعقبة وطرفها أقصى منى، وسميت الكبرى لأنها تُرمى يوم النحر، قاله الداودي. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 168).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
وسُميت الجمرة جمرةً لاجتماع الذي فيها من الحصى، يقال: اسْتَجْمَرُوا: إذا تَجَمَّعُوا. حلية الفقهاء (ص: 120).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وأما موضع الجمار بمنى فسُمي جمرة لأنها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنها مجمع الحصى التي يُرمى بها، مِن الجمرة وهي اجتماع القبيلة على مَن ناوأها، وقيل: سميت به من قولهم: أَجْمَرَ إذا أسرع. النهاية (1/ 292).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَفَ في حَجَّةِ الوداعِ بمِنى للناسِ يسألونَه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وقف في حجة الوداع» لم يعين المكان ولا اليوم، لكن تقدم في كتاب العلم عن إسماعيل عن مالك: «بمنى» وكذا في رواية معمر، وفيه من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري: «عند الجمرة» وفي رواية ابن جريج وهي الطريق الثانية هنا: «يخطب يوم النحر» وفي رواية صالح ومعمر كما تقدم: «على راحلته». فتح الباري (3/ 570).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
هذا الوقوف كان بمنى يوم النحر، وكان بعد صلاة الظهر، وقف على راحلته للخطبة، وهي إحدى خطب الحج المشروعة الأربع، وهي الثالثة منها، والله أعلم...
واعلم أنه قد يُشعر التقييد كثيرًا في الأحاديث، بإضافة حجته -صلى الله عليه وسلم- إلى الوداع؛ حيث أَشْعَرَت بانتقاله أنه يحج غيرها، ولم يحج -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، وقد نقل ابن إسحاق: أنه حج أخرى -يعني: قبل الهجرة- من مكة، وروي في حديث في غير الصحيح: أنه -صلى الله عليه وسلم- حجَّ قبل الهجرة حجتين، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 1057- 1058).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بمنى» هو قرية بالقرب من مكة تُذبح فيها الهدايا، وتُرمى فيها الجمرات، وهو مقصور مذكَّر مصروف. عمدة القاري (2/ 89).
قوله في لفظ للبخاري: «رأيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عندَ الجمرةِ وهو يُسْألُ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الجمرة» اللام إما للجنس فيشمل كل جمرة كانت من الجمرات الثلاث، أو للعهد فالمراد جمرة العقبة؛ لأنها إذا أُطلقت كانت هي المرادة. الكواكب الدراري (2/ 148).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ومعنى هذا الباب: أنه يجوز أن يُسأل العالم عن العلم ويجيب وهو مشتغل في طاعة الله؛ لأنه لا يترك الطاعة التي هو فيها إلا إلى طاعةٍ أخرى. شرح صحيح البخاري (1/ 204).
قوله: «فجاءَهُ رجلٌ فقالَ: لم أَشعُرْ فحَلَقْتُ قبلَ أن أذبحَ؟ فقالَ: اذبحْ ولا حَرَجَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فجاء» وفي نسخة: «فجاءه» بالضمير «رجل فقال: لم أشعر» أي: ما عرفتُ تقديم بعض المناسك وتأخيرها، فيكون جاهلًا؛ لقُرب وجوب الحجّ، أو فعلتُ ما ذكرتُ من غير شعور؛ لكثرة الاشتغال؛ فيكون مخطئًا، «فحلقْتُ قبل أن أذبح، فقال: اذبح» أي: الآن، «ولا حرج» أي: لا إثم عليك، ولا يلزم منه عدم الفدية. مرقاة المفاتيح (5/ 1832).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فقال رجل» لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد، ولا على اسم أحد ممن سأل في هذه القصة، وسأُبيّن أنهم كانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: «كان الأعراب يسألونه»، وكأنّ هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم.
قوله: «لم أشعر» أي: لم أفطن، يقال: شعرتُ بالشيء شعورًا إذا فطنتُ له، وقيل: الشعور العلم، ولم يُفصح في رواية مالك بمتعلق الشعور، وقد بيّنه يونس عند مسلم ولفظه: «لم أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرتُ قبل أن أرمي» وقال آخر: «لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقتُ قبل أن أنحر»، وفي رواية ابن جريج: «كنتُ أحسب أن كذا قبل كذا»، وقد تبيّن ذلك في رواية يونس، وزاد في رواية ابن جريج وأشباه ذلك، ووقع في رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم: «حلقتُ قبل أن أرمي»... قوله: «اذبح ولا حرج» أي: لا ضِيْقَ عليك في ذلك. فتح الباري (3/ 570- 571).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وقوله: «لم أشعر» أصل الشعور: العلم، وهو مأخوذ من المشاعر، وهو الحواس، فكأنه يستند إلى الحواس في عدم العلم.
واعلم: أن النحر ما يكون في اللَّبَّة، والذبح ما يكون في الحلق.
والوظائف يوم النحر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، والسنة ترتيبها هكذا، فلو خالف وقدّم بعضها على بعض جاز، ولا فدية عليه، وعلى ذلك دلّ قوله: «فما سئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر، إلا قال: افعل ولا حرج».
ومعنى قوله: «لا حرج»: لا شيء عليك مطلقًا، لا إثم ولا فدية، والله أعلم، وقوله: «فحلقتُ قبل أن أذبح، فقال: اذبح ولا حرج»، إلى آخر الحديث؛ معناه: افعل ما بقي عليك، وقد أجزأك ما فعلتَه، ولا حرج عليك في التقديم والتأخير.
واعلم: أن نفي الحرج يُستعمل لغة في نفي الضيق، وهو معنى قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: 78 أي: من ضيق، وقد استعمل كثيرًا عرفًا وشرعًا في نفي الإثم، فاستعماله في عدم الفدية فيه نظر، فهو خلاف الظاهر، لكن وجوب الفدية ضيق، وتركه إثم، على تقدير الوجوب، فحَسُنَ تفسير قوله: «ولا حرج» بنفيهما -أعني: الإثم والفدية-. العدة في شرح العمدة (2/ 1057).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«لم أشعر» -بضم العين- أي: لم أعلم ترتيب أعمال النحر، وهو أن يرمي ثم يذبح، ثم يحلق، ثم يطوف، واختُلف في أنه محبوب لا شيء في تركه، أو واجب يتعلق الدم بتركه، وإلى الأول ذهب أكثر علماء الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي أحمد وإسحاق؛ لهذا الحديث وأمثاله، وإلى الثاني مال ابن جبير، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأوّلوه، وقوله: «ولا حرج» على رفع الإثم لجهله دون الفدية، ويدلّ على هذا: أنّ ابن عباس روى مثل هذا الحديث وأوجب الدم، فلولا أنه فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 171).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أما السعي فلا يجوز تقديمه على الطواف، بل يجب تأخيره على الطواف، فإن سعى بعد طواف القدوم فلا يلزمه الإعادة بعد طواف آخر، وإن لم يسعَ بعد طواف القدوم فإن سعى بعد طواف الفرض فهو المراد، وإن سعى قبل طواف الفرض ثم طاف بعده لم يجزئه، بل يلزمه الإعادة بعد الطواف، إلا عند عطاء؛ فإنه يجزئ السعي قبل الطواف. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 326- 327).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ولا حرج» أي: لا شيء عليك مطلقًا من الإثم، لا في الترتيب ولا في ترك الفدية، هذا ظاهره، وقال بعض الفقهاء: المراد نفي الإثم فقط، وفيه نظر؛ لأن في بعض الروايات الصحيحة: «ولم يأمر بكفارة». النكت على صحيح البخاري (2/ 156- 157).
قوله: «فجاءَ آخرُ فقالَ: لم أشعُرْ فنَحَرْتُ قبلَ أن أرميَ؟ قالَ: ارْمِ ولا حَرَجَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فجاء آخر» غيره «فقال»: يا رسول الله «لم أشعر فنحرتُ» هديي «قبل أن أرمي» الجمرة، «قال» -عليه الصلاة والسلام-، وفي رواية أبي ذر: «فقال: ارمِ» الجمرة «ولا حرج» عليك في ذلك. إرشاد الساري (1/ 182).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ذبحتُ» وفي نسخة: «نحرت»، والذبح في الحلق، والنحر في اللَّبَّة بفتح اللام والموحدة، وهي موضع القلادة من الصدر، والفاء في «فحلقتُ»، وفي «نحرتُ» سببية لتسبب كلٍّ عن عدم الشعور، وحُذفت مفاعيل هذه الأفعال لقرينة المقام. اللامع الصبيح (1/ 411).
قوله: «فما سُئِلَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلا قالَ: افعلْ ولا حَرَجَ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فما سُئل» على صيغة المجهول، و«النبي»، مفعول ناب عن الفاعل، و«عن شيء»، يتعلق بالسؤال، قوله: «قُدّم» على صيغة المجهول، جملة في محل الجر؛ لأنها صفة لـ«شيء»، قوله: «ولا أُخّر» أيضًا على صيغة المجهول، عطف على: «قُدّم»، والتقدير: لا قُدّم ولا أُخّر؛ لأنّ الكلام الفصيح قلّ ما يقع: لا، الداخلة على الماضي فيه إلا مكررة، وحَسُنَ ذلك هنا؛ لأنه وقع في سياق النفي، ونظيره قوله تعالى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} الأحقاف: 9. عمدة القاري (2/ 89).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فما سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شيء قُدِّمَ ولا أُخّر إلا قال: افعل ولا حَرَج» إما قاله وحيًا أو اجتهادًا، والظاهر الأول؛ لأنّ في الاجتهاد لا بدّ من تربُّص الوحي زمانًا، وفي رواية مسلم: «قُدّم أو أُخّر»، ومعنى العبارتين واحد، أي: سواء أُخّر أو قُدّم لا ضرر فيه، قال بعضُ الشارحين: لا بُدَّ من تقدير «لا» في الأول؛ لأن: «لا» إذا دخلت على الماضي لا بدّ من تكررها، هذا كلامُهُ، وهو سهوٌ ظاهر؛ لأن ذلك إنما يكون إذا أُريدَ نفي الأمرين مثل قوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} القيامة: 31، وهنا المراد إثبات الأمرين كما فسره رواية مسلم، فلو قيل: ما سئل عن شيءٍ لا قُدم ولا أُخر، فَسَد المعنى، والتحقيقُ أنّ «لا» زائدة، والواو بمعنى: أو. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (1/ 187).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شيء قُدّم»: بصيغة المجهول، أي: وحقه التأخير «ولا أُخّر» أي: ولا عن شيء حقه التقديم. مرقاة المفاتيح (5/ 1833).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر» في رواية يونس عند مسلم وصالح عند أحمد: «فما سمعتُه سئل يومئذٍ عن أمر مما يَنْسَى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض أو أشباهها إلا قال: افعلوا ذلك ولا حرج»، واحتجّ به وبقوله في رواية مالك: «لم أشعر» بأن الرخصة تختصّ بمن نسي أو جهل لا بمن تعمّد. فتح الباري (3/ 572).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
واستدل بالحديث الشافعيُّ وأحمدُ، فلم يوجبا الترتيب في هذه الأشياء، وأوجب مالك وأبو حنيفة الترتيب، وحَمَلا قوله: «لا حرج» على رفع الإثم فأوجبا الفدية على تارك الترتيب. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (1/ 187).
قوله: وفي لفظ لمسلم: «قال: فما سمعتُه يُسألُ يومَئِذٍ عن أمرٍ مما يَنسى المرءُ ويجهلُ من تقديمِ بعضِ الأمورِ قبلَ بعضٍ وأشباهِها، إلا قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: افعلوا ذلك، ولا حَرَجَ»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
وقوله: «مما ينسى المرء ويجهل» دليل على أنه أجاب جميع السائلين بجواب واحد، سواء كانوا قدَّموا وأخروا لأجل الجهل أو لأجل النسيان، وأن حكمهما واحد. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (2/ 311).
قوله: وفي لفظ للبخاري: «قالَ: رميتُ بعدَما أمسيتُ، فقالَ: لا حرجَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال: رميتُ بعدما أمسيتُ» والمساء من بعد الزوال إلى الغروب «فقال: لا حرج» عليك، وخرج بالغروب ما بعده، فلا يكفي الرمي بعده؛ لعدم وروده كذا صرح به في الروضة، واعتُرض بأنهم قالوا: إذا أخّر رمي يوم إلى ما بعده من أيام الرمي يقع أداء، وقضيته أن وقته لا يخرج بالغروب.
وأجيب: يُحمل ما هنا على وقت الاختيار وهناك على وقت الجواز، وقد صرح الرافعي بأن وقت الفضيلة لرمي يوم النحر ينتهي بالزوال فيكون لرميه ثلاثة أوقات: وقت فضيلة ووقت اختيار ووقت جواز. إرشاد الساري (3/ 231).
وقال المظهري -رحمه الله-:
أراد بقوله: «أمسيتُ» أي: بعد العصر، واعلم أنّ آخر وقت رمي يوم النحر غروب الشمس من يوم النحر، فإذا غربت الشمس فات رمي يوم النحر، ولزمه في قولٍ دمٌ، وأما أول وقت رمي هذا اليوم بعد نصف ليلة النحر عند الشافعي، وبعد طلوع فجر يوم النحر عند أبي حنيفة ومالك وأحمد. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 327).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «بعدما أمسيتُ» أي: بعد العصر. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 2012).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
فقوله: «أمسيتُ» ضد أصبحتُ على ما في القاموس، فظاهره أنه بعد الغروب، وأما تفسير الطيبي -رحمه الله- بما بعد العصر فغريب، ثم الوقت المسنون في اليومين اللذين بعده بعد الزوال إلى غروب الشمس، وما بعد المغرب إلى طلوع الفجر وقت مكروه، وإذا طلع الفجر فقد فات وقت الأداء عند الإمام (أبي حنيفة) خلافًا لهما (محمد بن الحسن وأبي يوسف)، وبقي وقت القضاء اتفاقًا، وإذا غربت الشمس من اليوم الرابع فقد فات وقت الأداء والقضاء بالإجماع. مرقاة المفاتيح (5/ 1834).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«رميتُ بعدما أمسيتُ» أي: دخلتُ في المساء وهو الليل. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (4/ 148).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«رميتُ بعدما أمسيتُ، فقال: لا حرج» أي: بعد غروب الشمس. مرقاة المفاتيح (5/ 1833).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«رميتُ بعدما أمسيتُ» أي: بعدما دخلتُ في المساء؛ والمساء: من بعد الزوال إلى الغروب، فـ«قال» له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا حرج» أي: لا ذنب ولا دم عليك. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (18/ 22).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «رميتُ بعدما أمسيتُ» فيه دليل على أنّ مَن رمى بعد دخول وقت المساء وهو الزوال صحّ رميه ولا حرج عليه في ذلك. نيل الأوطار (5/ 90).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وفى يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، والسنة ترتيبها هكذا؛ فإنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رتبها كذلك وصَفَه جابر في حج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وروى أنس: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى، ثم نحر، ثم حلق» رواه أبو داود، فإن أخلّ بترتيبها ناسيًا أو جاهلًا بالسنة فيها فلا شيء عليه في قول كثير من أهل العلم، منهم: الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن جرير الطبري، وقال أبو حنيفة: إن قدَّم الحلق على الرمي أو على النحر فعليه دم، فإن كان قارنًا فعليه دمان، وقال زفر (من الحنفية): عليه ثلاثة دماء؛ لأنه لم يوجد التحلل الأول، فلزمه الدم، كما لو حلق قبل يوم النحر، ولنا: ما روى عبد الله بن عمرو قال: قال رجل: يا رسول الله، حلقتُ قبل أن أذبح، قال: «اذبح، ولا حرج»، فقال آخر: ذبحتُ قبل أن أرمي؟ قال: «ارمِ، ولا حرج» متفق عليه... قال: «فما سمعتُه يُسأل يومئذٍ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعضها، وأشباهها، إلا قال: افعلوا ولا حرج» رواه مسلم... وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن تُتَّبع، على أنه لا يلزم من سقوط الدم بفعل الشيء في وقته، سقوطه قبل وقته، فإنه لو حلق في العمرة بعد السعي لا شيء عليه، وإن كان الحلّ ما حصل قبله، وكذلك في مسألتنا، إذا قلنا: إن الحلّ يحصل بالحلق، فقد حلق قبل التحلل، ولا دم عليه، فأما إن فعله عمدًا عالمًا بمخالفة السُّنة في ذلك، ففيه روايتان: إحداهما: لا دم عليه، وهو قول عطاء وإسحاق؛ لإطلاق حديث ابن عباس، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو، من رواية سفيان بن عيينة، والثانية: عليه دم، روي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد وقتادة والنخعي؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} البقرة: 196، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رتَّب، وقال: «خذوا عني مناسككم»، والحديث المطلق قد جاء مقيدًا، فيُحمل المطلق على المقيد، قال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) يُسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح، فقال: إن كان جاهلًا فليس عليه، فأما التعمد فلا؛ لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سأله رجل، فقال: «لم أشعر»... وقال مالك: إن قدّم الحلق على الرمي فعليه دم، وإن قدمه على النحر أو النحر على الرمي فلا شيء عليه؛ لأنه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الأول، ولا يحصل إلا برمي الجمرة، فأما النحر قبل الرمي فجائز؛ لأنّ الهدي قد بلغ محله، ولنا (أي: دليلنا) الحديث؛ فإنه لم يفرق بينهما، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قيل له في الحلق، والنحر، والتقديم، والتأخير، فقال: «لا حرج»، ولا نعلم خلافًا بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تُخرج هذه الأفعال عن الإجزاء، ولا تمنع وقوعها موقعها، وإنما اختلفوا في وجوب الدم، على ما ذكرنا، والله أعلم. المغني (5/ 320- 323).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وأما قول إبراهيم (النخعي) وجابر بن زيد في أن مَن حلق قبل الذبح والنحر فعليه دم أو الفدية، واحتجاجهم بقول الله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} البقرة: 196، فغفلة ممن احتج بهذا؛ لأن محل الهدي هو يوم النحر بمنى ذَبَحَ أو نَحَرَ، أو لم يذبح ولا نحر إذا دخل يوم النحر والهدي بمنى أو بمكة فقد بلغ محله فحلّ الحلق، ولم يقل تعالى: حتى تنحروا أو تذبحوا، وبيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّ كل ذلك مباح، ولا حُجَّة في قول أحد سواه -عليه السلام-. المحلى بالآثار (5/ 193).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال الطبري: لم يُسْقِط النبي -صلى الله عليه وسلم- الحرج إلا وقد أجزأ الفعل؛ إذ لو لم يجزئ لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحج كما لو ترك الرمي ونحوه فإنه لا يأثم بتركه جاهلًا أو ناسيًا لكن يجب عليه الإعادة. فتح الباري (3/ 571).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
ونُقل عن أحمد: أنه إنْ قدَّم بعض هذه الأشياء على بعض فلا شيء عليه إن كان جاهلًا، وإن كان عالمًا ففي وجوب الدم روايتان، وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قويٌّ، من جهة أن الدليل دلّ على وجوب اتباع أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحج، بقوله: «خذوا عني مناسككم»، وهذه الأحاديث المرخِّصة في التقديم لما وقع السؤال عنه إنما قُرنت بقول السائل: «لم أشعر» فيُخَصص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج، ومَن قال بوجوب الدم في العمد والنسيان عند تقدم الحلق على الرمي فإنه يحمل قوله -عليه السلام-: «لا حرج» على نفي الإثم في التقديم مع النسيان، ولا يلزم من نفي الإثم نفي وجوب الدم.
وادعى بعض الشارحين: أن قوله -عليه السلام-: «لا حرج» ظاهر في أنه لا شيء عليه، وعنى بذلك نفي الإثم والدم معًا، وفيما ادعاه من الظهور نظر، وقد ينازعه خصومه فيه بالنسبة إلى الاستعمال العرفي، فإنه قد استُعمل «لا حرج» كثيرًا في نفي الإثم، وإن كان من حيث الوضع اللغوي يقتضي نفي الضيق، قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} الحج: 78. إحكام الأحكام (2/ 92- 93).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
أفلا ترى أنه أمرهم بتعلم مناسكهم؛ لأنهم كانوا لا يحسنونها؟ فدلّ ذلك أن الحرج والضيق الذي رفعه الله عنهم، هو لجهلهم بأمر مناسكهم، لا لغير ذلك. شرح معاني الآثار (2/ 237).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: قد جاء في بعض الروايات الصحيحة: «ولم يأمر بكفارة»، قلتُ: يحتمل أنه لم يأمر بها لأجل نسيان السائل، أو أمر بها وذهل عنه الراوي. عمدة القاري (2/ 90).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وأجاب بعض الشافعية (على التفريق بين الناسي والمتعمد): بأن الترتيب لو كان واجبًا لما سقط بالسهو كالترتيب بين السعي والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف وجب إعادة السعي، وأما ما وقع في حديث أسامة بن شريك فمحمول على مَن سعى بعد طواف القدوم ثم طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف أي: طواف الركن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء فقالا: لو لم يطف للقدوم ولا لغيره وقدَّم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه، أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عنه. فتح الباري (3/ 572).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفي حديث أسامة بن شريك الآتي في الفصل الثالث السؤال عن السعي قبل الطواف، وقد تقدم... أنّ الجمهور القائلين بعدم إجزاء السعي قبل الطواف حملوا حديث أسامة على مَن سعى بعد طواف القدوم قبل طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أنه سعى قبل الطواف أي: طواف الركن، قيل: ولا إشكال في الحديث على مذهب الحنفية، فإنهم يحملونه كسائر الأحاديث الواردة في الباب على نفي الحرج بمعني نفي الإثم لعذر الجهل أو النسيان. مرعاة المفاتيح (9/ 275).
وقال النووي -رحمه الله-:
واتفق العلماء على أنّ الأفضل في الحلق والتقصير أن يكون بعد رمي جمرة العقبة وبعد ذبح الهدي إن كان معه وقبل طواف الإفاضة، وسواء كان قارنًا أو مفردًا شرح صحيح مسلم (9/ 51- 52).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال: إنه يختصّ الحكم بحالة عدم الشعور ولا يجوز إطراحها بإلحاق العمد بها، ولهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب. نيل الأوطار (5/ 89).
قوله: «زرت قبل أن أرمي» «أفضت إلى البيت قبل أن أرمي»:
قال الشيخ حمزة قاسم -رحمه الله-:
أي طفت طواف الإِفاضة قبل رمي جمرة العقبة، فقدَّمت الطواف على الرمي. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 139)
وقال الدماميني –رحمه الله-:
أي: طفتُ طوافَ الزيارة، وهو طوافُ الإفاضة. مصابيح الجامع (4/ 196)
قال الخطابي –رحمه الله-:
وإنما رفع عنه الحرج لأن الإثم موضوع عن الناسي، ثم إنه لم يكن تَرَكَ من أعيان هذه المناسك، إنما تَرَكَ فيها الترتيب.
وفي قوله: «لا حرج»، دليل على أنه لا يلزم في ذلك دم، ولا فدية، وكان ابن عباس يقول: من قدَّم من نسكه شيئًا أو أخره فعليه دم. والمستحب للحاج أن يطوف يوم النحر اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويكره له تأخيره عن أيام التشريق. أعلام الحديث (2/ 899).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واختلفوا فيمَن طاف للزيارة قبل أن يرمي؛ فقال الشافعي: إن ذلك يجزئه ويرمي، على نصّ الحديث، وروى ابن عبد الحكم عن مالك: أنه يرمي ثم يحلق رأسه، ثم يعيد الطواف؛ فإن رجع إلى بلده فعليه دم، ويجزئه طوافه، وهذا خلاف نصّ ابن عباس، وأظنّ مالكًا لم يبلغه الحديث. شرح صحيح البخاري (4/ 398).