«غَدَا رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن مِنًى حينَ صلَّى الصُّبحَ صبِيحَةَ يومِ عرفةَ حتَّى أَتَى عرفةَ، فنزل بِنَمِرَةَ، وهي مَنْزِلُ الإمامِ الَّذي كان يَنْزِلُ به بعرفةَ، حتَّى إذا كان عندَ صلاةِ الظهرِ راحَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مُهَجِّرًا، فجَمعَ بين الظهرِ والعصرِ، ثم خَطَبَ الناسَ، ثم رَاحَ فَوَقَفَ على المَوْقِفِ مِن عرفةَ».
رواه أحمد برقم: (6130) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1913)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح أبي داود برقم: (1671).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«غَدَا»:
أي: ذهب في الغدوة. مرقاة المفاتيح، للقاري (2/ 546).
(و) الغدوة: الْمَرَّة مِن الغُدُوِّ، وهو سير أول النهار، نقيض الرواح، وقد غَدَا يغْدُو غُدوًا، والغُدوة بالضم: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، وقد تكرَّر في الحديث اسمًا وفعلًا واسمَ فاعلٍ ومصدرًا. النهاية (3/ 346).
«بِنَمِرَةَ»:
بفتح النون، وكسر الميم، موضع بقُرْب عرفات، خارج الحرم، بين طرف الحرم وطرف عرفات. فتح الباري، لابن حجر (3/ 511).
وقال النووي -رحمه الله-:
نَمِرَة: هي بفتح النون، وكسر الميم، هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها، وهو إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، وهي موضع بجنب عرفات وليست من عرفات. المنهاج شرح مسلم (8/ 181).
«مُهَجِّرًا»:
بتشديد الجيم المكسورة. نيل الأوطار، للشوكاني (5/ 70).
قال الجوهري -رحمه الله-:
التَّهْجِيرُ والتَهَجُّرُ: السَّير في الهاجرةِ (وقال أيضًا): والهَجْرُ والهاجِرَةُ: نصف النهار عند اشتداد الحرّ. الصحاح (2/ 851).
شرح الحديث
قوله: «غَدَا رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن مِنًى»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«غَدَا» بالغين المعجمة، أي: سار غدوةً «رسول الله -صلى الله عليه وسلم - من منى». شرح سنن أبي داود (8/ 657).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«غَدَا» الغدو: سير أول النهار، نقيض الرواح، وهو ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منى» أي: إلى عرفات. بذل المجهود (7/ 370).
قوله: «حينَ صلَّى الصُّبحَ صَبِيحةَ يومِ عرفةَ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «حين صلَّى الصبح صبيحة يوم عرفة» أي: لتاسعِ ذي الحجة. بذل المجهود (7/ 370).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «صبيحةَ» ظرف زمان بالنصب، بدل مما قبله، بدل كلٍّ مِن كلٍّ؛ جيء به لبيان ما أُجْمِلَ قبله وهو الصبح. شرح سنن أبي داود (8/ 657).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «حينَ صلَّى الصُّبحَ صَبِيحَةَ يومِ عرفةَ» ظاهره: أنَّه توجه من منى حين صلى الصبح بها، لكن في حديث جابر الطويل عند مسلم أنَّ توجهه -صلى الله عليه وسلم- منها كان بعد طلوع الشمس (ولفظه: «فصلَّى بها -أي بمنى- الظُّهرَ والعصرَ والمغْرِبَ والعِشاءَ والفجرَ، ثم مكثَ قليلًا حتَّى طَلَعَتِ الشَّمسُ، وأمرَ بِقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ تُضْرَبُ له بنمِرَةَ، فسارَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»). فتح الباري (3/ 511).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
تقدَّم في حديث جابر المذكور في زوائد الباب السابق رواية مسلم أنَّه كان بعد طلوع الشمس، فهو مُفسِّرٌ لما هنا. الفتح الرباني (12/ 114).
وقال الشيخ العباد -حفظه الله-:
الخروج من منى إلى عرفة يكون في صبيحة يوم عرفة، ويكون ذلك بعد طلوع الشمس، كما جاءت في ذلك السُّنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
قوله: «حتَّى أَتَى عرفةَ، فنزل بِنَمِرَةَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«حتى أتى» أرض «عرفة، فنزل بنَمِرَةَ» بفتح النون، وكسر الميم...، موضِعٌ بقُرْب عرفات، خارج الحرم، بين طرف الحرم وطرف عرفات. شرح سنن أبي داود (8/ 657-658).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«حتى أتى عرفة» أي: قريبًا منها. بذل المجهود (7/ 370).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «حتى أتى عرفة» مجازٌ، والمراد: قارب عَرفة، بدليل «فنزل بنمرة»...، ونمرة موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات. الفتح الرباني (12/ 114).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
جزم النووي -رحمه الله- وجماعة من أهل العلم بأنها (نمرة) ليست من عرفة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-، وهذا هو الصواب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَذِنَ ببناء الخيمة فيها، ولو كانت مِشْعَرًا لم يأذن ببناء الخيمة فيها؛ ولهذا ما بُني له خيمة في عرفة، ولا بني له خيمة في منى، حتى إنه يروى أنه قيل له: ألا نبني لك خيمة في منى؟ فقال: «لا، منى مناخ من سبق» هكذا روي عنه، وكونه يأذن أنْ يُبنى له خيمة في نمرة يدل على أنَّها ليست من المشاعر، وإلا لما أذن فيها. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (24/ 478-479).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ونمرة كانت قرية خارجة عن عرفات من جهة اليمين، فيقيمون بها إلى الزوال، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يسيرون منها إلى بطن الوادي، وهو موضع النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي صلى فيه الظهر والعصر، وخطب وهو في حدود عرفة، ببطن عُرَنَة، وهناك مسجد يقال له: مسجد إبراهيم، وإنما بُني في أول دولة بني العباس. مجموع الفتاوى (26/ 129-130).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(نمرة) هي قرية قرب عرفة، فضُربت له القبة بنمرة، فنزل بها حتى زالت الشمس؛ وهذا النزول فيه استراحة بعد التعب من المشي من منى إلى عرفة؛ لأن هذه هي أطول مسافة في الحج -من منى إلى عرفة-، فبقي النبي -صلى الله عليه وسلم- هناك واستراح. مجموع الفتاوى (24/ 478).
وقال النووي -رحمه الله-:
يخرج بهم (الإمام) من الغد إلى منى، ويبيتون بها، فإذا طلعت الشمس قصدوا عرفاتًا، قلتُ: ولا يدخلونها، بل يقيمون بنمرة بقُرْب عرفات، حتى تزول الشمس، والله أعلم. المنهاج (ص: 128).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
السُّنة أنْ ينزل الإمام بنمرة، ونزول النبي -صلى الله عليه وسلم- بها لا نزاع فيه. فتح القدير (2/ 468).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
ثم ينزل بنمرة حيث نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل عرفة، وهو منزل الخلفاء اليوم ، وهو إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل على يمين الذاهب إلى عرفة، فهناك نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأُلقي له على الصخرة ثوبٌ استظل به من حر الشمس. الحاوي الكبير (4/ 409).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال الماوردي: يُستحب أنْ ينزل بنمرة حيث نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو عند الصخرة الساقطة بأصل الجبل على يمين الذاهب إلى عرفات.
وتحت جبل نمرة غار أربعة أذرع أو خمسة أذرع، ذُكِر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينزله، قال الأزرقي: ويُروى أنَّ جبريل أنزل إبراهيم الخليل بنمرة حين حج به، وعرَّفه المناسك. شرح سنن أبي داود (8/ 658).
وقال العيني -رحمه الله-:
ونزوله -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- فيه لم يكن عن قصد. البناية (4/ 214).
وقال الشيخ العباد -حفظه الله-:
الرسول -عليه الصلاة والسلام- نزل بنمرة، وهي قريبة من عرفة، ولكن النزول بها ليس أمرًا لازمًا، فالناس يمكن أنْ يذهبوا إلى عرفة، وينزلوا بها، ومَن تيسر له أنْ يأتي ويحضر إلى المسجد، ويصلي مع نائب الإمام الذي يصلي في مسجد نمرة، ويستمع الخطبة فهذا حسن، وإلا فإنَّ الإنسان يكون في أي مكان من عرفة، ويستقر به، ويبقى حتى غروب الشمس. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قد أجمع العلماء على أنَّ مَن وقف في أي جزء كان من عرفات صح وقوفه، ولها أربعة حدود: حد إلى جادة طريق المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبِل الكعبة، والرابع وادي عُرنة، بضم العين وبالنون، وليست هي ولا نمرة من عرفات، ولا من الحرم. نيل الأوطار (5/ 72).
قوله: «وهي مَنْزِلُ الإمامِ الَّذي كان يَنْزِلُ به بعرفةَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وهي منزل الإمام الذي ينزل به بعرفات» أي: بقُرْب، قال ابن الحاج المالكي: وهو الموضع الذي يُقال له: الأراك. شرح سنن أبي داود (8/ 658).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وهي مَنْزِلُ الإمامِ الَّذي كان يَنْزِلُ بهِ» الموصول صفة منزل. حاشيته على مسند أحمد (1/171).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «وهو منزل الإمام» يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومَن بعده الخلفاء الراشدين، أي: بعد الزوال. الفتح الرباني (12/ 114).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
في قول ابن عمر: «وهي منزل الأمراء الذي تنزل بعرفة» ما يدل أنَّها (أي: نمرة) من عرفة. التحبير (3/ 365).
قوله: «حتَّى إذا كان عندَ صلاةِ الظُّهرِ راحَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مُهَجِّرًا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «راح» أي: بعد زوال الشمس «رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُهجِّرًا» بتشديد الجيم المكسورة، قال الجوهري: التهجير والتهجر السَّيْر في الهاجرة، والهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحر.
والتوجه وقت الهاجرة في ذلك اليوم سُنة؛ لما يلزم من تعجيل الصلاة في ذلك اليوم.
وأشار البخاري إلى هذا الحديث في صحيحه في التبويب فقال: باب التهجير بالرواح يوم عرفة، أي: من نمرة. شرح سنن أبي داود (8/ 658-659).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«حتى إذا كان عند صلاة الظُّهر» أي: وقت زوال الشمس «راح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُهَجِّرًا» أي: مبتكرًا ومبادرًا إلى الصلاة، أو معناه: داخلًا بالهاجرة. بذل المجهود (7/ 371).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
التّهْجيرُ هنا: السير عند الهاجرة، وهي شدَّة الحر. التحبير (3/ 365).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «مهجرًا» من التهجير، أي: مبكرًا مبادرًا. فتح الودود (2/ 388).
قوله: «فجمعَ بينَ الظهر والعصرِ»:
قال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «فَجَمَعَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ» أي: جمع تقديم، ببطن عُرنة. الفتح الرباني (12/ 114).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
أجمع أهل العلم على أنَّ الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة في يوم عرفة، وكذلك يفعل مَن صلى مع الإمام. الإشراف (3/311).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فجمع بين الظهر والعصر» واختُلف في الجمع بين الصلاتين بعرفة هل هو للسفر أو للنُّسك؟ بذل المجهود (7/ 371).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد ذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك الجمع المذكور يختص بمن يكون مسافرًا بشرطه.
وعن مالك والأوزاعي وهو وجهٌ للشافعية: أنَّ الجمع بعرفة جمعٌ للنُّسك، فيجوز لكل أحدٍ. فتح الباري (3/ 513).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
اعلم أنَّ هذا الجمع للنُّسك عندنا (الحنفية) فيستوي فيه المسافر والمقيم، خلافًا للشافعي، ومَن تبعه في تخصيصه بالمسافر. شرح المناسك مع حاشيته إرشاد الساري (ص: 129).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم (يوم عرفة)، وقد أجمعت الأمَّة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل: بسبب النسك، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحاب الشافعي: هو بسبب السفر، فمن كان حاضرًا أو مسافرًا دون مرحلتين كأهل مكة لم يجز له الجمع كما لا يجوز له القصر. المنهاج شرح مسلم (8/ 184-185).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يجوز الجمع لكل مَن بعرفة، من مكيٍّ وغيره.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك مَن صلى مع الإمام، وذكر أصحابنا (الشافعية) أنَّه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخًا؛ إلحاقًا له بالقصر، وليس بصحيح؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع، فجمع معه مَن حضره من المكِّيِّين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجمع، كما أمرهم بترك القصر حين قال: «أتموا، فإنَّا سَفْر».
ولو حرم الجمع لبينه لهم؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يقرُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على الخطأ، وقد كان عثمان يتم الصلاة؛ لأنه اتخذ أهلًا، ولم يترك الجمع، وروي نحو ذلك عن ابن الزبير، قال ابن أبي مليكة: وكان ابن الزبير يعلِّمنا المناسك، فذكر أنه قال: إذا أفاض فلا صلاة إلا بجمع، رواه الأثرم، وكان عمر بن عبد العزيز والي مكة، فخرج فجمع بين الصلاتين، ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلافٌ في الجمع بعرفة ومزدلفة، بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره، والحق فيما أجمعوا عليه، فلا يعرج على غيره. المغني (3/ 366-367).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الجمع بين الصلاتين -يعني صلاة الظهر والعصر-، فالجمع بينهما ثابت بالسُّنة وهو جمع تقديم، مع أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان مقيمًا بعرفة، لكن هذا الجمع له أسباب، منها: أنَّ الناس مجتمعون، وسيتفرقون إلى مواقفهم، وصلاتهم جماعة مجتمعين أفضل من كونهم يصلون الظهر مجتمعين، والعصر متفرقين. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (1/ 128).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
يجمع الناس بعرفة ومزدلفة المكي وغير المكي، مع أنَّ أهل مكة سفرهم قصير، وكذلك جمع -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه الراشدون بعرفة ومزدلفة، ومتى قصروا يقصر خلفهم أهل مكة وغير أهل مكة. مجموع الفتاوى (24/ 14).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فأما قصر الصلاة، فلا يجوز لأهل مكة، وبهذا قال عطاء ومجاهد والزهري وابن جريج والثوري ويحيى القطان والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر.
وقال القاسم بن محمد وسالم ومالك والأوزاعي: لهم القصر؛ لأن لهم الجمع، فكان لهم القصر كغيرهم.
ولنا: أنهم في غير سفر بعيد، فلم يجز لهم القصر كغير مَن في عرفة ومزدلفة، قيل لأبي عبد الله (أحمد): فرجل أقام بمكة، ثم خرج إلى الحج؟ قال: إن كان لا يريد أن يقيم بمكة إذا رجع صلى ثَمَّ ركعتين، وذكر فعل ابن عمر، قال: لأنَّ خروجه إلى منى وعرفة ابتداء سفر، فإن عزم على أن يرجع فيقيم بمكة أتم بمنى وعرفة. المغني (3/ 367).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
يصلي بعرفة ومزدلفة ومنى قصرًا، ويقصر أهل مكة وغير أهل مكة، وكذلك يجمعون الصلاة بعرفة ومزدلفة ومنى، كما كان أهل مكة يفعلون خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرفة ومزدلفة ومنى، وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا خلفاؤه أحدًا من أهل مكة أنْ يتموا الصلاة، ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة ومنى: أتموا صلاتكم، فإنَّا قومٌ سَفْرٌ، ومَن حكى ذلك عنهم فقد أخطأ، ولكن المنقول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال ذلك في غزوة الفتح؛ لما صلى بهم بمكة. مجموع الفتاوى (26/ 130).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
يجمع ويقصر بمزدلفة وعرفة مطلقًا، وهو مذهب مالك وغيره من السلف، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، واختاره أبو الخطاب في عباداته. الاختيارات الفقهية (ص: 435).
وقال ابن رشد -رحمه الله-:
اختلفوا إذا كان الإمام مكيًّا هل يقصر بمنى الصلاة يوم التروية، وبعرفة يوم عرفة، وبالمزدلفة ليلة النحر إنْ كان من أحد هذه المواضع؟
فقال مالك والأوزاعي وجماعة: سُنة هذه المواضع التقصير، سواء أكان من أهلها أو لم يكن.
وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وداود: لا يجوز أنْ يقصر من كان من أهل تلك المواضع.
وحُجَّة مالك: أنَّه لم يُرْوَ أنَّ أحدًا أتم الصلاة معه -صلى الله عليه وسلم-، أعني: بعد سلامه منها.
وحُجَّة الفريق الثاني: البقاء على الأصل المعروف: أنَّ القصر لا يجوز إلا للمسافر، حتى يدل الدليل على التخصيص. بداية المجتهد (2/ 113).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يقصر أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُصلي بالناس في حجة الوداع في هذه المشاعر ومعه أهل مكة، ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان الإتمام واجبًا عليهم لأمرهم به، كما أمرهم به عام الفتح، حين قال لهم: «أتموا يا أهل مكة، فإنَّا قومٌ سَفْرٌ»، لكن حيث امتد عمران مكة فشمل منى وصارت كأنها حي من أحيائها، فإنَّ أهل مكة لا يقصرون فيها. مجموع الفتاوى (24/ 293).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
هل هذا الحكم -القصر والجمع- خاص بأهل الآفاق أو لهم ولأهل مكة؟
المذهب ليس لأهل مكة قصر ولا جمع؛ لأنهم ليسوا مسافرين؛ إذ إنَّ السفر ما بلغ ستة عشر فرسخًا، ومقداره بالكيلو نحو ثلاثة وثمانين كيلو، ومعلوم أن عرفة لا تبلغ ثلاثة وثمانين كيلو؛ ولذلك يقولون: لا يجوز لأهل مكة أن يجمعوا في مزدلفة وفي عرفة، ولا أن يقصروا في منى.
والصحيح: أنَّ أهل مكة كغيرهم من الحجاج، ولكن بشرط أن يكونوا مسافرين، أي: خارجين عن مكة، وفي يومِنا هذا إذا تأمل المتأمل يجد أنَّ منى حي من أحياء مكة، وحينئذٍ يقوى القول بأنهم لا يقصرون في منى، وفي مزدلفة وفي عرفة لهم الترخص برخص السفر؛ لأنهم مسافرون، فهم يتأهبون لسفر الحج بالطعام والرحل والماء؛ ولذلك كان أهل مكة مع النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يقصرون في منى وعرفة ومزدلفة، ويجمعون في مزدلفة وعرفة، ولم يأمرهم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أن يتموا، لكن اختلف الوضع الآن.
وقال بعض أهل العلم: إن القصر والجمع في الحج ليس سببه السفر وإنما سببه النسك، وعلى هذا القول الحجاج من أهل مكة يقصرون، ويجمعون في موضع الجمع، لكن هذا القول ضعيف؛ إذ لو كان سببه النسك لكانوا إذا حلوا التحلل الثاني -وهذا يمكن أن يكون يوم العيد- لم يحل لهم أن يقصروا في منى، ولو كان سببه النسك؛ لكانوا إذا أحرموا في مكة بحج أو عمرة جاز لهم الجمع والقصر، فالقول بأنه هو النسك ضعيف جدًّا، ولا ينطبق على القواعد الشرعية. الشرح الممتع (7/ 284-285).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أصح أقوال العلماء: إنَّ أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-. زاد المعاد (2/ 216).
قوله: «ثم خَطبَ الناسَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ثم خطب الناس» أي: بمسجد إبراهيم (مسجد نمرة). شرح سنن أبي داود (8/ 660).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ثم خطب الناس» فيه دليل على أنه -صلى الله عليه وسلم- خطب بعد الصلاة. نيل الأوطار (5/ 70).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ثم خطب الناس» وهذا مخالفٌ لما تقدَّم في حديث جابر: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- خطب قبل الصلاة. بذل المجهود (7/ 371).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ثم خطب الناس» يدلُّ على أنَّ الخطبة كانت بعد الصلاة، وحديث جابر الطويل المتقدِّم يدلُّ على خلافه، وعليه عملُ العلماء. فتح الودود (2/ 388).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد: سمعتُ ابن الزبير يقول: «إنَّ من سُنة الحج أنَّ الإمام يروح إذا زالت الشمس فيخطب الناس، فإذا فرغ من خطبته نزل فصلى الظهر والعصر جميعًا»...، وروى الشافعي من رواية إبراهيم بن أبي يحيى -وتفرد به كما قال البيهقي- قال: «راح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الموقف بعرفة، فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال، ثم أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة، وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر» وهذان الحديثان من جملة الأدلة الدالة على تقديم الصلاة على الخطبة؛ خلافًا لما دل عليه الحديث (أي: حديث ابن عمر هذا). شرح سنن أبي داود (8/ 660).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
الكافةُ كلها نَقَلَت من رواية جابر: أنَّ الخطبة كانت ذلك اليوم (يوم عرفة) قبل الصلاة، نقلًا يقطع العذر، ويرفع الشك، فلا شك في أنَّ عمل جميع الأئمة المقيمين للحج عامًا بعد عام من ذلك الوقت إلى الآن إنما جرى على رواية جابر، فصح بذلك أنَّ الرواية عن ابن عمر التي ذكرنا لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما:
إما أنْ يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب كما روى جابر، ثم جمع بين الصلاتين، ثم كلَّم -صلى الله عليه وسلم- الناس ببعض ما يأمرهم به، ويعظهم فيه، فسمّي ذلك الكلام خطبة، فيتفق الحديثان بذلك، وهذا حسن لمن فعله، فإنْ لم يكن هذا فحديثُ ابن عمر -والله أعلم- وهمٌ بين أحمد بن حنبل وبين نافع، والله أعلم. حجة الوداع (ص: 277).
وقال عبد الحق الأشبيلي -رحمه الله-:
ذَكَرَ أبو داود عن ابن عمر «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جَمَع بين الظهر والعصر، وخطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة».
وقد تقدَّم من حديث جابر أنَّه -عليه السلام- خطب قبل الصلاة وهو المشهور الذِّكْر عمل به الأئمة والمسلمون. الأحكام الوسطى (2/ 307).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
بل (قد) أفاد أنه خطب قبل صلاة الظهر من حديث جابر الطويل وحديث عبد الله بن الزبير من المستدرك.
وحديث أبي داود عن ابن عمر -رضي الله عنهما- يفيد أنهما بعد الصلاة، وقال فيه: «فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة» وهو حُجَّة لمالك في الخطبة بعد الصلاة.
قال عبد الحق (الأشبيلي): وفي حديث جابر الطويل أنه خطب قبل الصلاة، وهو المشهور الذي عمل به الأئمة والمسلمون.
(و) أعلَّ هو وابن القطان حديث ابن عمر -رضي الله عنه- بابن إسحاق.
نعم ذكر صاحب المنتقى (أبو البركات ابن تيمية) عن جابر قال: «راح النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الموقف بعرفة، فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال، ثم أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة الثانية وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر» رواه الشافعي، وهذا يقتضي أنه -عليه الصلاة والسلام- ساوق الأذان بخطبته، فكأنها -والله أعلم- إذا كان الأمر على ظاهر اللفظ كانت قصيرة جدًّا، كتسبيحة وتهليلة. فتح القدير (2/ 469).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
النبي -صلى الله عليه وسلم- نزل بنمرة؛ ولمَّا زالت الشمس تقدَّم وصلى بالناس، ثم خطب بهم، وقد سبق في حديث جابر أنه خطبهم قبل الصلاة، ولم يخطب بعد الصلاة، فيحتمل أنْ تكون هذه الخطبة الثانية غير محفوظة، وأنَّ الخطبة الأولى التي قبل الصلاة هي المحفوظة، أو أنه تحدث معهم بشيء يتعلَّق بالمناسك، فقيل له: خطبة، وإلا فإنه ليس هناك خطبتان خطبة قبل الصلاة، وخطبة بعد الصلاة، وإنما الخطبة قبل الصلاة، كما سبق في حديث جابر الطويل الذي ذكر فيه جملة مما اشتملت عليه الخطبة: «إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام...» إلخ، فإما أنْ تكون هذه الخطبة التي بعد الصلاة غير محفوظة، أو أنَّ المقصود بها أنه تحدث معهم بشيء يتعلَّق بالمناسك، فسُمِّي خطبة. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
يخطب بهم الإمام (يوم عرفة) كما خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- على بعيره، ثم إذا قضى الخطبة أذن المؤذن وأقام، ثم يصلي كما جاءت بذلك السُّنة. مجموع الفتاوى (26/ 130).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
موضع خطبته لم يكن من الموقف، فإنه خطب بعُرَنة، وليست من الموقف، وهو -صلى الله عليه وسلم- نزل بنمرة، وخطب بعُرنة، ووقف بعرفة، وخطب خطبة واحدة، ولم تكن خطبتين جلس بينهما، فلما أتمها أمر بلالًا فأذَّن، ثم أقام الصلاة، فصلى الظهر ركعتين، أسرَّ فيهما بالقراءة، زاد المعاد (2/ 214).
قوله: «ثم رَاحَ فوقَف على الموقِف مِن عرفةَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «ثم راح» أي: بعد الخطبتين والصلاة من مسجد إبراهيم (مسجد نمرة) مسرعًا «فوقف على الموقف» أي: عند جبل الرحمة «من عرفة». شرح سنن أبي داود (8/ 661).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ثم راح» إلى موقف من عرفات «فوقف على الموقف من عرفة» عند جبل الرحمة عند الصخرات، كما في حديث جابر الطويل، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس. بذل المجهود (7/ 372).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «ثم راح فوقف على الموقف بعرفة» يعني: مشى -صلى الله عليه وسلم- بعد الزوال حتى وقف في المكان الذي وقف فيه، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- كما سبق: «وقفتُ ها هنا، وعرفة كلها موقف». شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقت الوقوف بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر ليلة النحر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، وقال القاضي أبو الطيب (الطبري) والعبدري: هو قول العلماء كافة، إلا أحمد، فإنه قال: وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم النحر، واحتج بحديث عروة (ابن المضرس)...، واحتج أصحابنا: بأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف بعد الزوال، وكذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم إلى اليوم، وما نُقل أنَّ أحدًا وقف قبل الزوال، قالوا: وحديث عروة محمول على ما بعد الزوال. المجموع (8/ 120).