الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«مَن سألَ الناسَ أموالهُم ‌تَكَثُّرًا فإنَّما يسألُ جَمْرًا، فليستقِلَّ أو لِيَسْتَكْثِرْ».


رواه مسلم برقم: (1041) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌تَكَثُّرًا»:
أي: ليجمع الكثير لغيرِ حاجةٍ وفاقةٍ. مطالع الأنوار، لابن قرقول (3/ 340).

«فليستقِلَّ»:
أي: من السؤال أو الجَمْر. مرقاة المفاتيح، للقاري (4/ 1309).

«أو لِيَسْتَكْثِر»:
أي: ليطلب كثيرًا. مرقاة المفاتيح، للقاري (4/ 1309).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

 قوله: «مَن سألَ الناسَ أموالَهُم تكثُّرًا»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«مَن سأل الناس أموالهم تكثُّرًا» أي: مَن سأل ليجمع الكثير من غير احتياجه إليه، وعند الترمذي «مَن سأل الناس ليُثري مالَه...». فتح المنعم (4/ 395).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«مَن سألَ النَّاسَ أموالَهُم» أي: شيئًا منها، سواء من الأموال الزكوية وغيرها «تَكَثُّرًا» أي: لأجل أنْ يستكثر المال، لا لأجل حاجة، أو مسوغ فيه يقتضي حل أخذه لصدقة فرض أو نفل...، نعم لا يحرم السؤال على مشتغل بعلم شرعي، أو آلة له؛ لأنه إذا جاز له أخذ الزكاة حينئذٍ كما مر، فكذا صدقة التطوع.
ومع حرمة السؤال لا يحرم الإعطاء...، وقال بعض أئمتنا المتأخرين: يحرم؛ لأنه إعانة على معصية، وقد يُجاب بأنه قد يحرم الأخذ، ويحل الإعطاء، كالرشوة على حق، وكما يعطي الشاعر خوفًا من لسانه، أما إذا كان غنيًّا ولم يسأل، ولا أظهر الفاقة، فيجوز له أخذها. فتح الإله (6/293).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«مَن سألَ الناسَ» نصبه بنزع الخافض (تقديره: من الناسِ) أو على أنه مفعول به، «أموالهم» بدَل اشتمال منه، «تكثُّرًا» مفعول له؛ أي: ليكثر ماله، لا للاحتياج. شرح المصابيح (2/ 442).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أموالَهم» بدل اشتمال من «الناس»، وقوله: «تكثيرًا» مفعول له، وقد تقرر عند العلماء: أنَّ البدل هو المقصود بالذات، وأن الكلام سيق لأجله، فيكون القصد من سؤال هذا السائل نفس المال، والإكثار منه، لا دفع الحاجة، فيكون مثل هذا المال كنزًا يترتب عليه قوله: «فإنما يسأل جمرًا». الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1511).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «تكثُّرًا» أي: أكثر من قَدر قُوْته. المفاتيح (2/ 514).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «مَن سأل الناس أموالهم» أي: شيئًا من أموالهم، يقال: سألتُه الشيء، وعن الشيء... «تكثُّرًا» مفعول له، أي: ليكثر به ماله لا للاحتياج، وقيل: أي بطريق الإلحاح والمبالغة في السؤال. مرعاة المفاتيح (6/ 254).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن سأل الناسَ» طلبَهم «أموالهم تكثُّرًا» منه لا لحاجة، وفيه: أنْ لا إثم إنْ سأل لحاجة، وإنْ كان الأولى له عدم ذلك. التنوير (10/ 249).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «تكثُّرًا» أي: طلبًا للزيادة عن حاجته الضرورية في يومه أو ليلته. الفتح الرباني (9/ 97).
وقال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان -حفظه الله-:
مفهوم قوله: «تكثُّرًا» يفيد أنه لو سأل من فقر وحاجة أنَّ ذلك مباح، ولا يعاقب عليه؛ لأنه يطلب حقه الذي أباحه له الشرع من زكاة وصدقة تطوع، وكفارة، وغير ذلك. منحة العلام (4/ 488).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
المسألة ودوافعها ثلاثة أنواع:
النوع الأول: مسألة الفقير المحتاج العاجز عن الكسب عجزًا لا دخل له فيه، وهذه المسألة مباحة، والمطلوب منه عدم الإلحاح، والرفق في السؤال، وعدم الاستكثار، والأولى له العفَّة والصبر ما أمكن على الحاجة...
النوع الثاني: مسألة الفقير المحتاج القادر على الكسب...، الأصح عند الشافعية أنَّ سؤال مَن هذا حاله حرام، وينظر فيمن يعطيه، هل يكون معينًا ومساعدًا على الحرام؟ أميل إلى هذا إذا تأكد من حاله، وإنَّما قبَّح الشارع السؤال سواء أعطى المسؤول السائل أم منعه؛ لما يدخل على السائل من ذل السؤال، وعظم المنة إذا أُعطي، ومِن ذل السؤال والخيبة والحرمان إذا لم يُعط؛ ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إذا أعطى، ومن الحرج إذا لم يُعط.
النوع الثالث: من يَسأل ليجمع الكثير من غير احتياج إليه، وهذا النوع حرام باتفاق، وورد فيه وعيد شديد، ففي البخاري: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعَةُ -أي قطعة- لحم» وفي مسلم: «مَن سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا». المنهل الحديث (2/ 164 - 165).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
قوله: «مَن سأل الناس أموالهم تكثُّرًا»... في رواية ما هو أعم من ذلك: «من أخذ أموال الناس تكثُّرًا» جاء ذمه، ولو أخذه بطريق القرض، أو بطريق الدَّين؛ يتكثر بذلك؛ فإنه لا يُعان على سداده، فكيف إذا أخذه بغير مقابل بالسؤال؟ فالأمر أشدّ. شرح بلوغ المرام (60/ 10).

قوله: «فإنَّما يسألُ جَمْرًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «فإنما يسأل» هذا هو جواب الشرط، وقوله: «جمرًا» الجمر: معروف، وهي القطعة من النار، وهي حامية كما هو ظاهر، ولكن ما معنى قوله: «فإنما يسأل جمَرًا» هل معناه: أنه كسائل الجَمر، أو المعنى أن هذا الذي يُعطاه يكون يوم القيامة جمرًا يعذَّب به؟
الثاني هو الأقرب، وهذا كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحُجَّته من بعض، فأقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمَن اقتطعتُ له شيئًا من مال أخيه، فإنما أقتطع له جمرًا، فليستقِل أو ليستكثر» وفي رواية: «فليأخذ أو ليَذَر». فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 124).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فإنما يَسأل جمرًا» أي: يُعذَّب بحسب مسائله التي هي غير جائزة. المفهم (3/ 85).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فإنَّما هو جَمْرٌ» (كما في رواية الطبراني) يعني: معاقبته عليه بالنار؛ إذ غرّ من نفسه، وأخذ باسم الفقر ما لا يحل له، أو يكون مجازًا (لا داعي لحمله على المجاز مع إمكان حمله على الحقيقة) من ذُل السؤال، وبذل الوجه لغير فاقة مضطرة...، وقد يكون الجمر على وجهه، أي: يُرَدُّ ما يأخذ جمرًا، فيُكوى به، كما جاء في مانع الزكاة. إكمال المعلم (3/ 574 - 575).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«فإنما يسأل جمرًا» الجمر: الفَحم قبل أن تخبو نارُها؛ يعني: لا يجوز له أن يأخذ الزكاة والصدقة أكثر من قُوته...، ولو أخذها يكون ذلك سببًا لنار جهنم. المفاتيح (2/ 514).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنما يسأل جمرًا» أي: قطعة من نار جهنم، يعني: ما أخذ سبب للعقاب بالنار، وجعله جمرًا للمبالغة (بل هو على الحقيقة كما قاله لاحقًا)، فهذا كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} النساء: 10، أي: ما يوجب نارًا في العُقبى، وعارًا في الدنيا، ويجوز أنْ يكون جمرًا حقيقةً يعذّب به كما ثبت لمانعي الزكاة. مرقاة المفاتيح 4/ 1309).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
حمله على ظاهره هو الأشبه بظاهر النص، كما يشهد له قوله تعالى: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} التوبة: 35، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (19/ 642).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإنما يسأل جمر جهنم» أي: تكون له قطعة عظيمة من الجمر، حقيقة يُعذَّبُ بها؛ لأخذه ما لا يحل، أو لكتمه نعمة الله. التيسير (2/ 421).

قوله: «فليستقِلَّ، أو ليستكثِرْ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فليستقلّ، أو فليستكثر» اللام فيه ساكنة للأمر، والفاء فيه للتفريع، و«أو» فيه للتخيير، أي: فهو مخيَّرٌ إذا عرف مآل ذلك بين الاستكثار والاستقلال، فيُكَثِّر عذابه أو يقلَّ. دليل الفالحين (4/ 515).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فليستقلَّ أو ليستكثرْ» أي: فليستقل الجمر أو ليستكثره، فيكون تهديدًا على سبيل التهكم، أو فليستقل المسألة، فيكون تهديدًا محضًا، كقوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} الكهف: 29. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1511).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فليستقلَّ» من الاستقلال من القِلّة، و«ليكثر» من الإكثار، وهذا الأمر من قبيل التهكُم والتوبيخ. نخب الأفكار (8/ 53).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فليستقلَّ» يأخذ القليل من ذلك الجمر «أو ليستكثرْ» فقد فوّض إليه أمر ذلك؛ وعيدًا له وزجرًا عن ذلك؛ وذلك أنَّ السؤال إذلال للنفس، والله تعالى لا يحبه للمؤمن؛ ولأنَّ الاستكثار من الدنيا مُبغضٌ إليه تعالى من وجهها، فكيف من غيره؟! التنوير (10/ 249).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فليستقلَّ» من السؤال أو الجمر «أو ليستكثر» أي: ليطلب قليلًا أو كثيرًا، ولينظر في عاقبته، وهذا توبيخ له وتهديد، كما في قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} الكهف: 29، لا الإِذن والتخيير. مرعاة المفاتيح (6/ 254).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فليستقلَّ، أو ليستكثرْ» إنْ استكثر زاد الجمر عليه، وإن استقلَّ قلَّ الجمر عليه، وإنْ تَرَكَ سَلِمَ من الجمر، ففي هذا دليل على أنَّ سؤال الناس بلا حاجة من كبائر الذنوب. شرح رياض الصالحين (3/ 392).
وقال فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: تحريم السؤال من غير حاجة ظاهرة، وأنه كلما كثر سؤاله كثر عذابه. تطريز رياض الصالحين (ص: 356).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث:
- أنَّ سؤال الناس للتكثر وجمع المال محرم، بل هو من كبائر الذنوب؛ للوعيد عليه.
- أنَّ مَن سأل الناس للحاجة فلا إثم عليه؛ لأن الحديث قُيِّد بقوله: «تكثُّرًا» فدل ذلك على أنه إذا سألهم لدفع الحاجة والضرورة فلا إثم عليه.
- أنَّ الجزاء من جنس العمل.
- أنَّ سياق الكلام يُعيِّن المراد به، فإنَّ اللام للأمر، والأصل في الأمر أنَّ معناه: طلب الفعل على وجه الاستعلاء، لكن هنا لا يُراد به الأمر الحقيقي؛ لقرينة السياق، فالسياق يعيِّن المراد، سواء كان في كلام الله، أو في كلام رسوله، أو في كلام الآدميين...، والنية أيضًا تعيِّن المراد.
- استعمال التهديد في المخاطبة؛ لقوله: «فليستقلَّ أو ليستكثرْ».
- الإشارة إلى القناعة، وأنَّ الإنسان ينبغي أنْ يكون قانعًا بما أعطاه الله -عز وجل-، ومَن أُعطي القناعة بقي غنيًّا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، وإنما الغنى غنى القلب». فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 125).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ السؤال بلا حاجة أو فوق حاجته حرامٌ، وسببٌ للنار. الأزهار مخطوط لوح (207).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي هذا الحديث):
1. منها: بيان ذم سؤال الناس أموالهم دون حاجة واضطرار.
2. ومنها: بيان أنَّ هذا الذم إنما يلحقه إذا سأل تكثُّرًا، لا للضرورة.
3. ومنها: التهديد بأنَّ المال الذي أخذه بهذا السؤال يكون في الآخرة نارًا يُعذَّب به.
4. ومنها: بيان أنَّ الأمر والنهي قد يخرجان من معنى الطلب إلى معنى التهديد، فليس في قوله: «فليستقل...» إلخ إباحة للسؤال، وتخيير فيه، وإنَّما تهديد لفاعله. البحر المحيط الثجاج (19/ 643).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ