الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«خرجنا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لا نَذْكُرُ إلا الحجَّ، فلما جِئنا سَرِفَ طَمِثْتُ، فدخلَ عليَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي، فقال: ما يُبكيكِ؟ قلتُ: لوَدِدْتُّ -واللهِ- أني لم أحجَّ العامَ، قال: لعلكِ نَفِسْتِ؟ قلتُ: نعم، قال: فإنَّ ذلكَ شيءٌ كتَبَهُ اللهُ على بناتِ آدمَ، فافعلي ما يفعلُ الحاجُّ، ‌غيرَ ‌أنْ ‌لا ‌تَطُوفي ‌بالبيتِ حتى تَطْهُري».


رواه البخاري برقم (305) واللفظ له، ومسلم برقم: (1211)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (5559): «اقْضِي ما يَقْضِي الحاجُّ غيرَ أنْ لا تَطُوفِي بالبيتِ».
وفي لفظ لمسلم برقم: (1211): «...حتى تَغْتَسلي».
وعند ابن ماجه برقم: (641): «انْقُضِي شَعْرَكِ واغتسلِي».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«سَرِفَ»:
هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ: موْضِعٌ مِنْ مكة على عَشْرة أَمْيَالٍ، وقيل: أقلَّ وأكْثر. النهاية، لابن الأثير (2/ 362).

«طَمِثْتُ»:
الطَّمْثُ: الدم، يقال: طَمِثَتِ المرأة: إذا حاضت، وطَمِثَت: إذا دُمِيَتْ بالافْتِضَاض، وقال ابن عرفة: العرب تقول: بعير لم يُطْمَث، أي: لم يمسسه حَبَل ولا بَعْل. الغريبين، للهروي (4/ 1180).

«نَفِسْتِ»:
يقال: نَفِسَت المرأة بوزن: ضَحِكَت إذا حاضت، ونُفِسَت من النفاس. الفائق، للزمخشري (4/ 11).

«تَطْهُرِي»:
تَطَهَّرت: اغتسلت، وتكون الطهارة بمعنى: التَّطَهُّر. المصباح المنير، للفيومي(2/ 379).

«اقضي»:
القضاء هنا بمعنى: الأداء، كما في قوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} النساء: 103، أي: أدَّيْتُمُوْهَا. المصباح المنير، للفيومي (2/ 507).

«انقُضي»:
«انْقُضِي رأسكِ» بضم (الـ)ـقاف، أي: حُلِيّ شعرها. مجمع بحار الأنوار (4/ 772).


شرح الحديث


قولها: «خرجنا مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لا نَذْكُرُ إلا الحجَّ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» من المدينة في حجة الوداع. إرشاد الساري (1/ 349).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا نذكر» أي: في تلبيتنا أو في محاورتنا، وقال بعضهم: أي: لا نقصد «إلا الحج» فإنه الأصل المطلوب، وأما العمرة فإنها أمر مندوب، فلا يلزم من عدم ذكرها في اللفظ عدم وجودها في النية. مرقاة المفاتيح (5/ 1787).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قولها: «لا نذكر إلا الحج» و«لبينا بالحج»...، هذا إخبار منها عن غالب أحوال الناس، أو عن أحوال أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأما هي فقد قالت: «إنها لم تُهِلَّ إلا بعمرة». المفهم (3/ 305).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قولها: «لا نرى إلا أنه الحج» ولأبي الأسود عن عروة عنها كما سيأتي: «مُهِلِّين بالحج»، ولمسلم من طريق القاسم عنها: «لا نذكر إلا الحج» وله من هذا الوجه: «لَبَّيْنَا بالحج»، وظاهره: أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا أولًا محرمين بالحج، لكن في رواية عروة عنها هنا: «فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج»؛ فيحمل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، ثم بيَّن لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وجوه الإحرام، وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحج، وسيأتي في باب الاعتمار بعد الحج من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها، فقال: «من أحب أن يُهِلَّ بعمرة فليُهِلّ، ومن أحب أن يُهِلَّ بحج فلْيُهِلّ»، ولأحمد من طريق ابن شهاب عن عروة، فقال: «من شاء فليُهِلّ بعمرة، ومن شاء فليُهِلّ بحج» ولهذه النكتة أورد المصنف (يعني: البخاري) في الباب حديث ابن عباس: «كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور» فأشار إلى الجمع بين ما اختلف عن عائشة في ذلك، وأما عائشة نفسها فسيأتي في أبواب العمرة وفي حجة الوداع من المغازي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها في أثناء هذا الحديث قالت: «وكنتُ ممن أهلَّ بعمرة»، وسبق في كتاب الحيض من طريق ابن شهاب نحوه عن عروة، زاد أحمد من وجه آخر عن الزهري: «ولم أَسُقْ هديًا» فادَّعى إسماعيل القاضي وغيره أن هذا غلط من عروة، وأن الصواب: رواية الأسود والقاسم وعروة عنها أنها أهلَّتْ بالحج مُفْرَدًا، وتُعقِّب بأن قول عروة عنها: إنها أهلَّت بعمرة صريح، وأما قول الأسود وغيره عنها: «لا نرى إلا الحج» فليس صريحًا في إهلالها بحج مفرد؛ فالجمع بينهما ما تقدَّم من غير تَغْلِيط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابي، كما أخرجه مسلم عنه، وكذا رواه طاوس ومجاهد عن عائشة.
ويحتمل في الجمع أيضًا: أن يقال: أهلَّت عائشة بالحج مفردًا كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا: ينزل حديث الأسود ومن تبعه، ثم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت مُتَمَتِّعة، وعلى هذا يتنزَّل حديث عروة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج على ما سيأتي من الاختلاف في ذلك -والله أعلم-. فتح الباري (3/ 423-424).

قولها: «فلما جئنا سَرِفَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: نازلين بها، أو واصلين إليها. مرقاة المفاتيح (5/ 1787).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لما جئنا» أي: عام حجة الوداع، وكانت قد أحرمت معه -صلى الله عليه وسلم-. سبل السلام (1/ 156).

قولها: «طَمِثْتُ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قولها: «طَمِثْتُ» تريد حِضْتُ، وامرأة طَامِثٌ، أصل الطَّمْث: التَّدْمِيَة، ومنه قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} الرحمن: 56. أعلام الحديث (1/ 317).

قولها: «فدخلَ عليَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأنا أبكي» أي: ظنًّا مني أن الحيض يمنع الحج. مرقاة المفاتيح (5/ 1787).

قولها: «فقال: ما يُبْكِيكِ؟»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال: ما يبكيك؟» فيه السؤال عن حال الزوجة، لا سيما إذا رآها مغتاظة، أو تبكي. شرح سنن أبي داود (8/ 315).

قولها: «قلتُ: لودِدْتُ -والله- أني لم أحجَّ العام»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لوَدِدْتُ» أي: لأحببت. الكوكب الوهاج (13/ 418).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قلتُ: لودِدتُ» بكسر الدال الأولى «أني لم أكن خرجتُ العام» أي: في هذِه السَّنة، بل في سنة بعدها؛ لتقع أيام الحج في الطُّهْر، وأفوز بتمام الحج. شرح سنن أبي داود (8/ 315).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قولها: «والله لوددتُ أني لم أكن خرجت العام» هذا قالته ظنًّا منها أن الحيض يمنع من الحج، فأعلمها النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يمنع إلا الطواف بالبيت حتى تطهر. البحر المحيط الثجاج (22/ 537).

قولها: «قال: لعلَّكِ نَفِستِ؟»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«لعلك نفستِ؟» لعل: يكون لتوقُّعِ أمر مرجو أو مخوف، وكلاهما هنا حسن. الكوثر الجاري (1/ 458).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
نَفستِ المرأة -بفتح النون-: طمثت، أي: حاضت، ونُفست -بالضم-: ولدت، وقد جاء فيه الفتح. تحفة الأبرار (2/ 146).

قولها: «قلتُ: نعم»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«قالت: نعم» نفستُ. إرشاد الساري (8/ 300).

قولها: «قال: فإنَّ ذلكِ شيءٌ كتبَهُ اللهُ على بناتِ آدمَ»:
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن ذلكِ» بكسر الكاف، أي: نفاسكِ، بمعنى: حيضك، «شيء كتبه الله» أي: قدَّره «على بنات آدم» تبعًا لأمهن حواء...، وفيه: تسلية لها؛ إذِ البليَّةُ إذا عمَّت طابت. مرقاة المفاتيح (5/ 1787).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «أمر كتبه الله على بنات آدم» أي: امتحن الله به بنات آدم، فقضى بذلك عليهن، فهن متعبدات بالصبر عليه. أعلام الحديث (1/ 318).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
كأنه (يعني: البخاري) يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: «كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تَتَشَرَّف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض، ومنعهن المساجد» وعنده عن عائشة نحوه.
قوله: وحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر، قيل: معناه أشمل؛ لأنه عام في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن، أو المراد: أكثر شواهد، أو أكثر قوة، وقال الداودي: ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله: «بنات آدم» عامٌّ أريد به: الخصوص.
قلتُ: ويمكن أن يُجْمَعَ بينهما مع القول بالتعميم، بأن الذي أُرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهنَّ لا ابتداء وجوده، وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره: أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} هود: 71، أي: حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أُهْبِطَتْ من الجنة، وإذا كان كذلك فبنات آدم بناتها -والله أعلم-. فتح الباري (1/ 400).

قولها: «فافْعَلِي ما يفعلُ الحاجُّ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فافعلي ما يفعل الحاجُّ» من المناسك. إرشاد الساري (1/ 349).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«افعلي» الأمر هنا للإرشاد، ويبقى إذا كان للإرشاد ما كان مأمورًا به في الحج على سبيل الوجوب واجبًا، وما أمر به على سبيل الاستحباب يكون مستحبًا.
ويحتمل: أنْ يكون الأمر هنا للإباحة، يعني: لك أن تفعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت. فتح ذي الجلال والإكرام(1/ 400).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
في قوله: «فافعلي ما يفعل الحاج» دليل على أن الحائض والنفساء والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج، وأقواله وهيئاته، إلا الطواف.
واختلفوا في عِلَّة المنع من الطواف، فمن شرط الطهارة للطواف، كمالك والشافعي وأحمد، قال: العلة في بطلان طواف الحائض عدم الطهارة، ومن لم يشترطها كأبي حنيفة قال: العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1979).

قوله: «اقْضِي ما يَقْضِي الحاجُّ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
القضاء لغة: إتمام الشيء، قال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاْسِكَكُمْ} البقرة: 200، وتخصيصه باستدراك ما خرج من الوقت عُرْف الفقهاء. الكوثر الجاري (1/ 447).
وقال النووي -رحمه الله-:
«اقضي ما يقضي الحاج» معنى «اقضي» افعلي، كما قال في الرواية الأخرى: «فاصنعي». شرح صحيح مسلم (8/ 146).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- القضاء بمعنى الأداء تأسِّيًا بكتاب الله، واستنبط الفقهاء من هذا: أنَّ الصلاة إذا كانت أداء ونوى بها القضاء، وهو حاصل بالوقت لغيم ونحوه، فإنها تصح على الأصح. شرح سنن أبي داود (8/ 237).

قوله: «‌‌غيرَ ‌أنْ ‌لا ‌تطُوفي ‌بالبيتِ»:
قال السندي -رحمه الله-:
المراد: الطواف في الحال، وإلا فلا بد منه بعد ذلك، ثم لا بد من قيد بأصالة، أن لا تطوف أصالة، فإنها لا تسعى أيضًا، لكن تأخير السعي تبع لتأخير الطواف. كفاية الحاجة (2/ 226).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
يريد: أنها وإن أحرمت بالحج، أو طرأ عليها الحيض بعد إحرامها، فإنها لا تطوف؛ لأن الطواف ينافيه؛ ولذلك يفسده الحيض والنفاس؛ لأن من شرطه الطهارة. المسالك (4/ 329).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
أي: إلا الطواف بالبيت...، سواء كان الطواف فرضًا أو واجبًا أو تطوعًا، ولا ركعتي الطواف، وركعتي الإحرام، فإن ذلك لا يصح مع الحيض والنفاس، وهذا مما لا خلاف فيه عندنا (الشافعية) إلا وجهًا شاذًّا حكاه إمام الحرمين وغيره عن أبي يعقوب الأبيوردي من أصحابنا: أنه يصح طواف الوداع بلا طهارة، ويجبر ما فاته بالدم. شرح سنن أبي داود (8/ 237).
وقال السندي -رحمه الله-:
وأما السَّعي فيتأخر تبعًا للطواف؛ إذ لا يجوز تقديمه؛ لا أنَّ الحيض والنفاس يمنعان عنه أصالة. فتح الودود (2/ 295-296).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
(و) السعي تبعٌ للطواف، لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح، وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال عطاء: يجزئه، وعن أحمد: يجزئه إن كان ناسيًا، وإن كان عمدًا لم يجزئه سعيه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سُئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان، قال: «لا حرج».
ووجه الأول (يعني: الطواف أولًا، ثم السعي): أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما سعى بعد طوافه، وقد قال: «لتأخذوا عني مناسككم» فعلى هذا إن سعى بعد طوافه، ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يُعْتَدَّ بسعيه ذلك، ومتى سعى المفرد والقارن بعد طواف القدوم لم يلزمهما بعد ذلك سعي، وإن لم يسعيا معه سعيا مع طواف الزيارة.المغني (3/ 352).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
حكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت وبالإجزاء، قال بعض أهل الحديث: واحتج بحديث أسامة بن شريك أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «سعيتُ قبل أن أطوف، قال: طف، ولا حرج»، وقال الجمهور: لا يجزئه، وأولوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة.فتح الباري فتح الباري (3/ 505).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الذي ذهب إليه القائلون بجوز تقديم السعي على الطواف هو الأرجح عندي؛ لحديث أسامة -رضي الله عنه- المذكور، وما أول به الجمهور فيه نظر؛ إذ لو كان كذلك لاستفصله النبي -صلى الله عليه وسلم- هل سعى بعد طواف القدوم أم لا؟ فلما لم يستفصله عُلم أنه على عمومه، والله تعالى أعلم.ذخيرة العقبى (24/ 249)
وقال العراقي -رحمه الله-:
اشتراط الطهارة في صحة الطواف يقتضي أنه يشترط فيه أيضًا الطهارة عن النجس في البدن والثوب والمكان الذي يطؤه في الطواف، وبهذا قال أصحابنا الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم، لكن اغتفر المالكية ذلك مع النسيان. طرح التثريب (5/ 121-122).

قولها: «حتى تَطْهُري»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«حتى تطهري» هو بفتح التاء والطاء المهملة المشددة، وتشديد الهاء أيضًا، أو هو على حذف إحدى التاءين، وأصله: تتطهري، ويؤيده قوله في رواية مسلم: «حتى تغتسلي». فتح الباري (3/ 505).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«حتى تَطْهُري» طهارة كاملة بانقطاع الحيض والاغتسال؛ لحديث: «الطواف بالبيت صلاة» فيشترط له ما يشترط لها، نعم تعلق بهذه الغاية الحنفية في صحة الطواف بالانقطاع وإن لم تغتسل، لكن الأصح عندهم: وجوبه؛ لأنه يجب بتركه الجابر (أي: الدم)؛ فلو طافت بعد الانقطاع قبل الغسل وجب عليها بدنة، وكذلك النفساء والجُنب كما روي عن ابن عباس. إرشاد الساري (1/ 349).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«حتى تَطْهُرِي» تعلَّقَ بهذه الغايةِ مَن اكتَفى في صحَّةِ الطَّوافِ بالانقطاع، وإنْ لم تغتسل، وجوابُه: وجودُ دليلٍ آخرَ على مَنعِ الطَّواف بلا طهارةٍ، كحديث: «الطَّوافُ بالبيتِ صَلاة» ونحوِه، فلا يلزَمُ من ذِكرِ غايةٍ الاكتِفاءِ بِها كما في: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} البقرة:230؛ إذ الْمرادُ: يُطلِّقُها، وتنقضي عدَّتُها منه، أو أن المرادَ: تطهَّري طهارةً كاملةً، فإنْ صحَّت رواية: «تطهَّري» بالتشديد فهو واضحٌ في وجوبِ الغُسلِ. اللامع الصبيح (2/ 472).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا يدل على اشتراط الطهارة في الطواف، وهو مذهب الجمهور، فلا يجوز عندهم طواف المحدث، وصححه أبو حنيفة، وأحمد في أحد قوليه، ورأيا عليه الدم، واعتذرا عن الحديث: بأنه إنما أمرها باجتناب الطواف لأجل المسجد، وليس بصحيح؛ لأنه لو أراد ذلك لقال لها: لا تدخلي المسجد، ولما قال لها: لا تطوفي بالبيت، كان ذلك دليلًا على منع الطواف لنفسه، ويدل على ذلك أيضًا: ما خرجه النسائي والترمذي عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الطواف بالبيت صلاة»، وإذا جعله الشرع صلاة اشترط فيه الطهارة؛ كما اشترطها فيها؛ إذ قد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقبل صلاة بغير طهور» -والله تعالى أعلم-. المفهم (3/ 305-306).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
الحيض لا يمنع شيئًا من مناسك الحج غير الطواف بالبيت والصلاة عقيبه، وأن ما عدا ذلك من المواقف والذِّكر والدعاء لا يمنع الحيض شيئًا منه، فتفعله الحائض كله، فدخل في ذلك الوقوف بعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، وذكر الله -عزَّ وجلَّ- ودعاؤه في هذه المواطن، وكل هذا متفق على جوازه.
ولم يدخل في ذلك السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه تابع للطواف لا يفعل إلا بعده، ولم تكن عائشة طافت قبل حيضها، فلو كانت قد طافت قبل حيضها لدخل فيه السعي أيضًا.
وهذا كله متفق عليه بين العلماء إلا خلافًا شاذًّا في الذكر. فتح الباري (2/ 42-43).

قوله: «حتَّى تغتسلِي»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «حتى تغتسلي» دليل على منع الحائض -وإن انقطع عنها دمها- من دخول المسجد، وهو في هذا أشد؛ لأن الطواف صلاة، وتتصل به الركعتان، ولا صلاة بغير طهارة. إكمال المعلم (4/ 243).
وقال العراقي -رحمه الله- متعقبًا القاضي:
قلتُ: المنهي عنه الطواف، وهو أخصُّ من دخول المسجد، ولا يلزم من النهي عن الأخص النهي عن الأعمِّ. طرح التثريب (5/ 123).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما السعي بين الصفا والمروة: فلا أعلم أحدًا اشترط فيه الطهارة إلا الحسن البصري، فإنه قال: من سعى بين الصفا والمروة على غير طهارة فإن ذكر ذلك قبل أن يُحِل فليُعِد، وإن ذكر بعد ما حلَّ فلا شيء عليه. الاستذكار (4/ 369).
وقال العراقي -رحمه الله- متعقبًا:
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه كلام متهافت، فإن اشتراط الطهارة ينافي الإجزاء مع فقدها، وما علمت أحدًا نقل عنه الاشتراط، ولعله يقول بالوجوب فقط، بل في مصنف ابن أبي شيبة عن الحسن وابن سيرين: أنهما لم يريا بأسًا أن يطوف الرجل بين الصفا والمروة على غير وضوء، وكان الوضوء أحب إليهما، وهذا يقتضي أن الحسن إنما يقول باستحباب الطهارة له كما يقوله غيره من العلماء.
ثانيهما: أن الحسن لم ينفرد بذلك، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي العالية أنه قال: "لا تقرأ الحائض القرآن، ولا تصلي، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة" وقال: "الطواف بين الصفا والمروة عِدْل الطواف بالبيت" وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة"، وهو في الموطأ عن ابن عمر أيضًا: "لا تطوف البيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر" وهو رواية عن أحمد بن حنبل أنه تجب له الطهارة كالطواف حكاها عنه ابن تيمية (يعني: المجد) في المحرر. طرح التثريب (5/ 122-123).

قوله: «انقضي شَعْرَكِ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «انقضي شعركِ» يحتمل -والله أعلم- أنه أباح لها في ذلك لِأَذَىً أدركها من طول إحرامها، وتمادي الشَّعَثِ عليها، وكثرةِ هوامٍّ أو غير ذلك مما أباح لها به الامتشاط، ونقض رأسها؛ لما كان في ذلك من إزالة الأذى عنها؛ لأن الحلاق ممتنع عليها، وهذا كما أمر كعب بن عجرة بالحلاق إذا آذاه هوامه؛ لأن كعب بن عجرة ممن حُكْمُهُ الْحِلَاق، ولم يأمرها بالتقصير؛ لأن التقصير ليس فيه إماطة أذى، والحلاق فيه إماطة أذى، وإنما أمرها بالامتشاط ونقض شعرها لما فيه من إماطة الأذى. المنتقى شرح الموطأ (3/ 58).
وقال السندي -رحمه الله-:
«انقضي شعركِ» للتسريح، وبهذا ظهر أن الحديث ليس في الاغتسال من الحيض، فلا وجه لذكره ها هنا، إلا أن يقال: يُفْهَمُ حكم الاغتسال من الحيض بالدلالة. كفاية الحاجة (1/ 221).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «انقضي رأسك وامتشطي» فلا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الرأس والامتشاط جائزان عندنا في الإحرام بحيث لا ينتف شعرًا، ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذورة بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط، كما أباح لكعب بن عُجْرَة الحلق للأذى.
وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا: حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحج، لا سيما إن كانت لبَّدت رأسها، كما هو السنة، وكما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (8/ 140).

قوله: «واغتسلي»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
الغسل للإحرام مأمور به إجماعًا، والجمهور على أنه مستحب، ولم يقل بوجوبه إلا الحسن البصري والظاهرية. المنهل العذب المورود (10/ 291).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معلوم أنَّ اغتسال الحائض والنفساء قبل أوان الطهر لا يطهرهما، ولا يخرجهما عن حكم الحدث، وإنما هو لفضيلة المكان والوقت.
ومن هذا الباب أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الأسلميين أنْ يمسكوا بقية نهار عاشوراء عن الطعام، وكذلك القادم في بعض نهار الصوم يمسك بقية نهاره في مذاهب الفقهاء، والعادم الماء والتراب، والمصلوب على الخشبة، والمحبوس في الحش (يعني: في بيت الخلاء) والمكان القذر- يُصلُّون على حسب الطاقة عند بعضهم، ولا يجزئهم، وعليهم الإعادة عند الإمكان، وهذا باب غريب من العلم.
وفي أمره -صلى الله عليه وسلم- الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. معالم السنن (2/ 150).
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
دل الحديث على صحة إحرام الحائض والنفساء، واستحباب غسلهما للإحرام، وهذا الغسل للنظافة لا للطهارة. المنهل العذب المورود (10/ 290).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
العلماء مجمعون على أن الحائض تشهد المناسك كلها غير الطواف بالبيت...
وأما السعي بين الصفا والمروة فلا أعلم أحدًا شرط فيه الطهارة إلا الحسن البصري، فقال: إنْ ذكر أنه سعى على غير طهارة قبل أن يحل فليعد، وإن ذكر ذلك بعدما حل فلا شيء عليه.
وذكر ابن وهب عن ابن عمر أنه كان يكره السعي بينهما على غير طهارة. شرح صحيح البخاري (4/ 330).
وقال النووي -رحمه الله-:
فإنْ كان محدثًا، أو مباشرًا لنجاسة غير معفوٍّ عنها لم يصح طوافه.
قال الرافعي: ولم أرَ للأئمة تشبيه مكان الطواف بالطريق في حق المتنفِّل، وهو تشبيه لا بأس به، هذا كلامه.
قلتُ: والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه أو ثوبه أو مشى عليها عمدًا أو سهوًا لم يصح طوافه، ومما عمَّت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير وغيره، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين المطَّلعين العفو عنها، وينبغي أن يقال: يُعفى عما يشق الاحتراز عنه من ذلك، كما عُفي عن دم القمل والبراغيث. المجموع (8/ 15).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فإنَّها تجتهد أنْ لا تطوف بالبيت إلا طاهرة، فإنْ عجزت عن ذلك، ولم يمكنها التَّخلف عن الركب حتى تطهر وتطوف، فإنها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض أجزأها في أحد قولي العلماء، ثم قال أبو حنيفة وغيره: يجزئها لو لم يكن لها عذر، لكن أوجب عليها بدنة.
وأما أحمد: فأوجب على مَن ترك الطهارة ناسيًا دمًا، وهي شاة.
وأما هذه العاجزة عن الطواف وهي طاهرة فإنْ أخرجت دمًا فهو أحوط، وإلا فلا يتبين أنَّ عليها شيئًا، فإنَّ الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها...، وهذه لا تستطيع إلا هذا، والصلاة أعظم من الطواف ولو عجز المصلي عن شرائطها من الطهارة، أو ستر العورة، أو استقبال القبلة صلى على حسب حاله، فالطواف أولى بذلك، لو كانت مستحاضة ولا يمكنها أنْ تطوف إلا مع النجاسة نجاسة الدم، فإنها تصلي وتطوف على هذه الحالة باتفاق المسلمين، إذا توضأت وتطهرت، وفعلت ما تقدر عليه.
وينبغي للحائض إذا طافت أنْ تغتسل وتستثفر -أي: تستحفظ- كما تفعله عند الإحرام، وقد أسقط النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحائض طواف الوداع، وأسقط عن أهل السقاية والرعاة المبيت بمنى؛ لأجل الحاجة، ولم يوجب عليهم دمًا، فإنهم معذورون في ذلك بخلاف غيره، وكذلك من عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو نحوه، فإنه يستنيب من يرمي عنه، ولا شيء عليه، وليس من ترك الواجب للعجز كمن تركه لغير ذلك -والله أعلم-. مجموع الفتاوى (26/ 244-245).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة: «افعلي ما يفعله الحاج غير الطواف بالبيت» دليل على أن الوقوف بعرفة على غير طهارة جائز، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من وقف بها غير طاهر مدرك للحج، ولا شيء عليه. الإشراف (3/ 315).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: جواز السعي على غير طهارة، وأما رواية يحيى بن يحيى عن مالك في ذكر السعي فإنها شاذَّة...، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف.
وفيه: أنه لا تشترط الطهارة في شيء من أركان الحج وأفعاله سوى ما تقدم وهو كذلك بالإجماع.
استدل به على أنه يجوز للحائض قراءة القرآن؛ لأنه مما يفعله الحاجُّ، وأشار البخاري في صحيحه إلى هذا الاستدلال، والجمهور على منعه، والمراد: ما يفعله الحاج مما هو من مناسك الحج وأفعاله المعدودة منه، وقراءة القرآن ليست من ذلك، والمسألة مقرَّرة في موضعها. طرح التثريب، باختصار (5/ 122-123).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
فيه: تسمية الحيض نفاسًا، كما ترجم المؤلف (يعني: النسائي) -رحمه الله-، لقوله: «أنفست؟» يعني: أحضت؟ فالحيض يسمى نفاسًا. شرح سنن النسائي (19/ 3).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
في الحديث: دليل على جواز البكاء على فوات أمر دين، واستحباب تسلية المصاب، وتفريج الهمِّ عنه. الكوثر الجاري (1/ 458).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
(و) فيه: الحزن والبكاء والأسف على ما يفوت الآدمي من العبادات وأفعال الخير دون الأفعال الدنيوية. شرح سنن أبي داود (8/ 333).

وينظر التوسع في حكم طواف الحائض في الروايات الأخرى (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ