«إذا قام أحدُكُم إلى الصلاةِ، فلا يَبْصُقْ أمامهُ، فإنما يُناجي اللهَ ما دامَ في مُصلَّاهُ، ولا عن يمينِهِ، فإنَّ عن يمينِهِ مَلَكًا، وليَبْصُقْ عن يَسَارِهِ، أو تحتَ قدمِهِ، فَيَدْفِنُهَا».
رواه البخاري برقم: (416)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه»:
قال العراقي -رحمه الله-:
هل المراد بالقيام للصلاة الدخول فيها، أو النهوض والانتصاب لها ولو قبل الإحرام؟
والجواب: أنه إن كان المراد أعم من كونه في المسجد أو في غيره، فلا حرج في ذلك قبل الشروع في الصلاة إذا كان في غير المسجد، وإن كان المراد بذلك تقييد كونه في المسجد، فسواء في ذلك بعد الإحرام أو قبله، بل دخول المسجد كان النهي عن البزاق فيه وإن لم يكن قام إلى الصلاة، كما ثبت في حديث أنس المتفق عليه: «البزاق في المسجد خطيئة». طرح التثريب في شرح التقريب (2/381).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فلا يبصق» أي: فلا يُسْقِط البزاق، قوله: «أمامه» بفتح الهمزة؛ أي: تلقاء وجهه؛ يعني: نحو القبلة. المفاتيح في شرح المصابيح (2/70).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلا يبصق أمامه» نهيٌ، وقيل: نفيٌ معناه النهي، وظاهره: أنه عامٌّ في المسجد وغيره، أي: لا يُسْقِط البزاق أمامه نحو القبلة، وتخصيص القبلة مع استواء جميع الجهات بالنسبة إلى الله تعالى لتعظيمها. مرقاة المفاتيح (2/ 600).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة، إذا لم يبصق قِبَلَ وجهه، ولا يقطع ذلك صلاته، ولا يفسد شيئًا منها إذا غلبه ذلك واحتاج إليه، ولا يبصق قِبَلَ وجهه ألبتة، ولكن يبصق في ثوبه، وتحت قدمه، على ما ثبت في الآثار.
وقد أجمع العلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها.
وفي إباحة البصاق في الصلاة لمن غلبه ذلك: دليل على أن النفخ، والتنحنح في الصلاة إذا لم يقصد به صاحبه اللعب والعبث، وكان يسيرًا، لا يضر المصلي في صلاته، ولا يفسد شيئًا منها؛ لأنه قلَّما يكون بصاق إلا ومعه شيء من النفخ والنحنحة.
والبصاق، والنخامة، والنخاعة، كل ذلك متقارب...، والتَّنخُّعُ والتَّنخُّمُ: ضرب من التنحنح.
ومعلوم أن للتَّنخُّم صوتًا كالتنحنح، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق، فإن قصد النافخ أو المتنحنح في الصلاة بفعله ذلك اللعب، أو شيئًا من العبث، أفسد صلاته.
وأما إذا كان نفخه تأَوُّهًا من ذكر النار، إذا مرَّ به ذكرها في القرآن وهو في الصلاة، فلا شيء عليه. التمهيد (9/60- 63).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قال ابن مكي: إنما تكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه؛ لأنه يُقَذِّرُ المسجد، ويتأذَّى به من تعلق به أو رآه؛ كما جاء في الحديث الآخر: «لئلا يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه»؛ فأما من اضْطُرَّ إلى ذلك فدفن، وفعل ما أُمِرَ به، فلم يأتِ خطيئة... قلتُ: وقد دل على صحة هذا: قوله في حديث أبي ذرّ -رضي الله عنه- عند مسلم: «ووجدت في مساوئ أعمالها: النخامة تكون في المسجد لا تُدْفَن»؛ فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة. المفهم (2/ 160).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وأطلق جماعة من الشافعيين كراهية البصاق في المسجد، منهم المحامليّ وسُلَيم الرازيّ والرويانيّ وأبو العباس الجرجانيّ وصاحب البيان (العمراني)، وجزم النووي في شرح المهذَّب، والتحقيقِ بتحريمه، وكأنه تمسك بقوله في الحديث الصحيح: «إنه خطيئة». طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 381).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والحاصل: أن البصاق في المسجد محرَّم إذا لم يُدْفَن، -واللَّه تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (12/ 365-366).
قوله: «فإنما يناجي الله»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«يناجي الله تعالى» أي: يخاطبه، ومن يخاطب أحدًا لا يبصق نحوه. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 70).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فإنما يناجي الله» تعليل للنهي، شبَّهَ العبد وتوجُّهَهُ إلى الله تعالى في الصلاة، وما فيها من القراءة والأذكار، وكشف الأسرار، واستنزال رأفته، ورحمته مع الخشوع والخضوع بمن يناجي مولاه ومالكه. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 937).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أبان -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث أن معنى نهيه عن البزاق في القبلة، إنما هو من أجل مُناجاته لِربه عند استقباله القبلة في صلاته، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب: أن تتوجه إلى ربِّ الأرباب، وملك الملوك، وتتنخَّم في توجُّهِك، وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على من توجَّه إليه. شرح صحيح البخاري (2/ 68).
وقال العراقي -رحمه الله-:
علَّل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجيًا للَّه تعالى، وفي حديث ابن عمر بأن اللَّه قِبَل وجهه إذا صلى، وفي حديث أبي هريرة: «ما بال أحدكم يقوم مستقبلًا ربه، فيتنخَّع أمامه»، ولا منافاة بين ذلك، فإن المراد: إقبال اللَّه تعالى عليه. طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 382).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وهذا كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة وإكرامها -والله أعلم-، والآثار تدل على ذلك، مع النظر والاعتبار، وقد نزع بهذا الحديث بعض من ذهب مذهب المعتزلة إلى أن اللَّه تعالى في كُل مكان، وليس على العرش، قال: وهذا جهل من قائله؛ لأن في الحديث الذي جاء فيه النهي عن البزاق في القبلة: «يبصق تحت قدمِه، وعن يساره»، وهذا ينقض ما أصَّلُوه في أنه في كل مكان. التمهيد (9/ 63).
وقال العراقي -رحمه الله- معلقًا:
هذا كلام ابن عبد البر، وهو أحد القائلين بالجهة، فاحذرهُ، وإنما ذكرته لأنَبِّه عليه؛ لئلا يُغْتَرّ به، والصواب: ما قدمناه، بدليل ما أخرجه القاضي إسماعيل بإسناد صحيح من حديث حذيفة -رضي الله عنه- أن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا قام الرجل في صلاته أقبل اللَّه تعالى عليه بوجهه، فلا يبزقن أحدكم في قبلته». طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 382).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معقبًا:
هذا الذي قاله العراقيّ ردًّا على ابن عبد البر، وصوّبه: غير صواب؛ بل الصواب مع ابن عبد البر، وهو الذي عليه أهل الحديث، وهو مذهب سلف هذه الأُمة؛ وذلك أن ابن عبد البرّ من كبار المحدثين، ومن محققي الفقهاء والأصوليين، ومذهب هؤلاء: الإيمان بما وصف اللَّه تعالى به نفسه في كتابه، أو صح عن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- وصفُهُ به، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. البحر المحيط الثجاج (12/ 366-367).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الحديث على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قِبَلَ وجه المصلي، بل هذا الوصف يُثبت للمخلوقات؛ فإن الإنسان لو أنه يُناجي السماء أو يُناجي الشمس والقمر، لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضًا قِبَلَ وجهه.
وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - المثل بذلك، ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه، لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما مِنكم من أَحدٍ إلا سيرى ربَّه مُخليًا به».
فقال له أبو رَزين العُقيلي: كيف يا رسول الله، وهو واحد ونحن جميع؟
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر، كلكم يراه مُخليًا به، وهو آيةٌ من آيات الله، فالله أكبر»، أو كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمسَ والقمرَ»، فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابهًا للمرئي.
فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه، كلٌّ يراه فوقه، قِبَلَ وجهه، كما يُرى الشمس والقمر، ولا مُنافاة أصلًا.
ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرُّسوخ في العلم بالله، يكون إقراره للكتاب والسنّة على ما هما عليه أوكَد. العقيدة الحموية الكبرى (ص: 80)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الدليل على أن الله قِبَلَ وجه المصلي:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق قِبَلَ وجهه؛ فإن الله قِبَلَ وجهه»، وهذه المقابلة ثابتة لله حقيقة على الوجه اللائق به، ولا تُنَافِيْ علوه، والجمع بينهما من وجهين:
1- أن الاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق كما لو كانت الشمس عند طلوعها فإنها قبل وجه من استقبل المشرق وهي في السماء، فإذا جاز اجتماعهما في المخلوق فالخالق أولى.
2- أنه لو لم يمكن اجتماعهما في حق المخلوق فلا يلزم أن يمتنع في حق الخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (4/ 287-288).
قوله: «ما دام في مُصلَّاه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ما دام في مصلاه» يقتضي تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، لكن التعليل المتقدم بأذى المسلم (في حديث: أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه) يقتضي المنع في جدار المسجد مطلقًا، ولو لم يكن في صلاة، فيُجْمَع بأن يقال: كونه في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا، وكونه في جدار القبلة أشد إثمًا من كونه في غيرها من جدر المسجد، فهي مراتب متفاوتة مع الاشتراك في المنع. فتح الباري (1/ 512 -513).
وقال العراقي -رحمه الله-:
هذا النهي في البصاق أمامه أو عن يمينه، هل يفيد كونه في المسجد أو عام في المصلين في أيّ موضع كانوا؟
الظاهر: أن المراد العموم؛ لأن المصلي مُنَاجٍ للَّه تعالى في أي موضع صلى، والملك الذي عن يمينه معه أيّ موضع صلى، ولكن البخاري بوَّب على هذا الحديث: (باب دفن النخامة في المسجد) وإنما قيَّده البخاري بالمسجد؛ لأنه لم يأمر بدفن النخامة في غير المسجد.
ويدل عليه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد: أنه -صلى الله عليه وسلم- رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحَكّها، فقال: «إذا تنخم أحدكم فلا يتنَخَّمَنَّ قِبَل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليُسرى». طرح التثريب في شرح التقريب(2/380-381).
قوله: «ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«ملكًا» وفي بعضها (ملكٌ) بالرفع، وتوجيهه أن يقال: اسم (إن) هو الشأن والقصة، وهذه جملة ابتدائية بعده مُفَسِّرَةٌ له. الكواكب الدراري (4/ 74).
وقال المظهري -رحمه الله-:
ولعل المراد بالنهي عن إلقاء البزاق عن اليمين: زيادةُ تعظيم الملك الذي هو عن اليمين؛ لأنه يكتب الحسنات، ومن يكتب الحسنات أشرفُ من الذي يكتب السيئات؛ ولأن جانب يمين الرجل خيرٌ من شماله. المفاتيح في شرح المصابيح (2/70).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
ونهيه عن البصاق عن يمينه دليل على احترام تلك الجهة، وقد ظهر منه تأثير ذلك؛ حيث كان يحب التيمن في شأنه كله، وحيث كان يبدأ بالميامن في الوضوء والأعمال الدينية، وحيث كان يعد يمينه لحوائجه وشماله لما كان من أذى، وقد علل ذلك في حديث أبي داود حيث قال: «والملك عن يمينه»؛ بل وفي البخاري قال: «عن يمينه ملكًا»، ويقال على هذا: إن صح هذا التعليل لزم عليه أن لا يبصق عن يساره؛ فإن عليه أيضًا ملكًا؛ بدليل قوله تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ} ق: 17.
والجواب: بعد تسليم أن على شماله ملكًا: أن ملك اليمين أعلى وأفضل؛ فاحتُرِمَ بما لم يُحْتَرَمُ به غيره من نوعه -والله تعالى أعلم-، وهذا النهي مع التمكن من البصاق في غير جهة اليمين؛ فلو اضْطُرَّ إلى ذلك جاز. المفهم (2/159).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فإن عن يمينه ملكًا» ظاهره اختصاصه بحالة الصلاة، فإن قلنا: المراد بالملك: الكاتب؛ فقد استشكل اختصاصه بالمنع مع أن عن يساره ملكًا آخر، وأُجِيْبَ باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفًا له وتكريمًا، هكذا قاله جماعة من القدماء ولا يخفى ما فيه.
وأجاب بعض المتأخرين: بأن الصلاة أم الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث حذيفة موقوفًا في هذا الحديث قال: «ولا عن يمينه، فإن عن يمينه كاتب الحسنات».
وفي الطبراني من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: «فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره».
فالتفل حينئذٍ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذٍ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى اليمين -والله أعلم-. فتح الباري (1/ 513).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أو عن يمينه» ولو في مسجده -صلى الله عليه وسلم- على ما اقتضاه إطلاقهم، لكن بحث بعضهم استثناءه، وقد يؤيد الأول: أنَّ امتثال الأمر خير من سلوك الأدب، على قول، فالنهي أولى؛ لأنه يشدد فيه دون الأمر، كما أرشد إليه حديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». تحفة المحتاج في شرح المنهاج (2/ 164).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإن عن يمينه ملكًا» يكتب الحسنات التي هي علامة الرحمة، فهو أشرف، والتنكير للتعظيم، وقد ورد: أنه أمير على ملك اليسار يمنعه من كتابة السيئات إلى ثلاث ساعات لعله يرجع إلى الطاعات... والظاهر: أنه إذا صلى داخل الكعبة أو الحجر، فيتعين تحت قدمه إذا كان تحته ثوب أو يأخذه بِكُمِّهِ أو ذيله. مرقاة المفاتيح (2/ 600).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«فإن عن يمينه ملكًا» وهذا مع إمكان البصاق لغير اليمين من على اليسار، وتحت القدم، كما جاء في الحديث، فأما مع تعذُّر هذه الجهات؛ لكون من يصلي على يساره؛ فله أن يبصُقَ عن يمينه ويدفنه، لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما قدر. إكمال المعلم (2/ 484).
قوله: «وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فيدفنها»:
قال القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «أو تحت قدمه» بإثبات (أو) وفي الآخر: «عن شماله تحت قدمه» بغير (أو) هكذا الرواية، وظاهر (أو) الإباحة والتخيير، ففي أيهما بصق لم يكن به بأس، وإليه يرجع معنى قوله: «عن شماله تحت قدمه»؛ فقد سمعنا من بعض مشايخنا: أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل، كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إذا كان في المسجد بسط، وما له بال من الحصر مما يفسده البصاق ويُقَذِّره، فلا يجوز احترامًا للمالية -والله تعالى أعلم-. المفهم (2/ 159- 160).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وليبزق تحت قدمه وعن يساره» هذا في غير المسجد، أما المصلي في المسجد فلا يبزق إلا في ثوبه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «البزاق في المسجد خطيئة»؛ فكيف يأذن فيه -صلى الله عليه وسلم-؟ وإنما نهى عن البصاق عن اليمين تشريفًا لها، وفي رواية البخاري: «فلا يبصق أمامه ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا». شرح مسلم (5/ 39).
وقال العراقي -رحمه الله-:
أطلق في هذا الحديث الإذن في أن يبصق عن شماله، وهو محمول على ما إذا كان جهة شماله فارغًا من المصلين؛ بدليل ما رواه أصحاب السنن من حديث طارق بن عبد الله المحاربي في هذا الحديث فقال: «ولكن تلقاء يساره، إن كان فارغًا أو تحت قدمه اليسرى»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذا يدل عليه: قوله في بعض طرق حديث أبي هريرة عند مسلم: «فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا» أي: فإن لم يجد جهة شماله فارغًا.
قلتُ: وكذا لو كان يصلي مثلًا في الروضة الشريفة، ولو لم يكن على يساره مصلٍّ آخر؛ حيث قلنا: بجواز البصاق في المسجد ودفنه؛ احترامًا لجهة القبر الشريف، وهذا واضح. طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 383).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «فيدفنها» بنصب النون؛ لأنه جواب الأمر، وبرفعها، أي: فهو يدفنها، وجاز الجزم عطفًا على الأمر، فإن قلتَ: عقد الباب على دفن النخامة، والحديث يدل على دفن البزاق.
قلتُ: فعل ذلك إشعارًا بأن لا تفاوت بينهما في الحكم. الكواكب الدراري (4/ 74-75).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
دفن النخامة في المسجد مأمور به، وهو كفارة لها كما في الحديث قبله، وقد ورد الأمر بالحفر لها، والإبعاد فيه، كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن أبي حدرد، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا بزق أحدكم في المسجد فليحفر فليُبْعِد، فإن لم يفعل فليبزق في ثوبه».
وقد ورد تعليل ذلك بخشية إصابتها للمصلين، ففي المسند عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا تنخم أحدكم في المسجد فليُبْعِدها، لا تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه»، وقال علي بن المديني: هو حسن الإسناد.
وهذا مما يدل على أن قرار المسجد وباطنه يجوز أن يجعل مدفنًا للأقذار الطاهرة.
وقد كان بعض الصحابة والتابعين يتفَلَّى (ينقي ثوبه من القمل) في المسجد ويقتل القمل ويدفنه في المسجد، روي ذلك عن معاذ وأبي هريرة وأبي أمامة وأبي العالية.
وهو مما يستدل به على طهارة دم القمل والبراغيث ونحوها. فتح الباري (3/ 136-137).
وقال النووي -رحمه الله-:
والمراد بدفنها: إذا كان المسجد ترابًا أو رملًا ونحوه، فيواريها تحت ترابه، قال أبو المحاسن الروياني من أصحابنا في كتابه (البحر): وقيل: المراد بدفنها إخراجها من المسجد، أما إذا كان المسجد مبلطًا أو مُجَصَّصًا، فَدَلَكَها عليه بمداسه أو بغيره -كما يفعله كثير من الجهال-، فليس ذلك بدفن؛ بل زيادة في الخطيئة، وتكثير للقذر في المسجد، وعلى من فعل ذلك أن يمسحه بعد ذلك بثوبه أو بيده أو غيره أو يغسله. رياض الصالحين (ص:473).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فيدفنها» قال ابن أبي جمرة: لم يقل: يغطيها؛ لأن التغطية يستمر الضرر بها؛ إذ لا يأمن أن يجلس غيره عليها فتؤذيه، بخلاف الدفن فإنه يُفْهَمُ منه التعميق في باطن الأرض...
قلتُ: لكن إذا لم يبقَ لها أثر ألبتّة فلا مانع، وعليه يحمل قوله في حديث عبد الله بن الشخير: «ثم دلكه بنعله»، وكذا قوله في حديث طارق عند أبي داود: «وبزق تحت رجله ودلك».
فائدة: قال القفال في فتاويه: هذا الحديث محمول على ما يخرج من الفم أو ينزل من الرأس، أما ما يخرج من الصدر فهو نجس فلا يدفن في المسجد. ا. هـ.
وهذا على اختياره، لكن يظهر التفصيل فيما إذا كان طرفًا من قيء، وكذا إذا خالط البزاق دم -والله أعلم-. فتح الباري (1/ 513).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وفيه من الفقه: أن النخامة طاهرة ولو لم تكن طاهرة لم يكن يأمر المصلي بأن يدلكها بثوبه، ولا أعلم خلافًا في أن البزاق طاهر إلّا أن أبا محمد الكُداني حدثني قال: سمعت الساجي يقول: كان إبراهيم النخعي يقول: البزاق نجس. معالم السنن (1/ 144).
وقال ابن عبد البر رحمه الله-:
وفي حكم البصاق من المسجد: تنزيهه عن أن يُؤكل فيه مثل البلوط لقشره، والزبيب لعجمه، وكل ما له دسم وودك، وتلويث، وما له حب وتبن ونحو ذلك، مما يكنسه المرء من بيته، وإذا كان ذلك فالنجاسة أحرى أن لا يقرب المسجد شيء منها. الاستذكار (2/ 449).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: إكرام القبلة وتنزيهها؛ لأن المصلي يناجي ربه؛ فواجب عليه أن يُكْرِمَ القبلة مما يكرم منه المخلوقين إذا ناجاهم واستقبلهم بوجهه؛ بل قبلة الله تعالى أولى بالإكرام. شرح صحيح البخاري (2/ 68).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)