السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«ما مِن شيءٍ يُوضَعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخُلقِ، وإنَّ صاحبَ حُسنِ الخلقِ لَيبلغُ به درجةَ صاحبِ الصومِ والصلاةِ».


رواه أحمد برقم: (27517) ورقم: (27496) ورقم (27532)، وأبو داود برقم: (4799)، والترمذي برقم: (2003) واللفظ له، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5726)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (876).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الخُلُق»:
بضمِّ اللَّام وسكونها: الدِّين والطَّبع والسَّجيَّة، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصَّة بها بمنزلة الخَلْق لصورته الظَّاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثَّواب والعقاب مِمَّا يتعلَّقان بأوصاف الصَّورة الباطنة أكثر مِمَّا يتعلَّقان بأوصاف الصَّورة الظَّاهرة؛ ولهذا تكرَّرت الأحاديث في مدح حسن الخُلُق في غير موضع. النهاية، لابن الأثير (2/ 70).


شرح الحديث


قوله: «ما مِن شيءٍ»:
قال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
«ما مِن شيء» «ما» نافية عاملة عمل ليس، و«مِن» زائدة لتأكيد العموم المستفاد من «شيء»؛ لأنه نكرة في سياق النَّفي، و«شيء» اسم (ما) مجرور لفظًا، مرفوع محلًّا. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (10/ 327).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ما من» مزيدة لتأكيد العموم المستفاد من «شيء»؛ لكونه نكرة في سياق النَّفي، وهو اسم «ما» وخبرها. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (5/ 80).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ما من شيء» مِنْ أفعال البِرِّ. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 476).

قوله: «‌يوضع في ‌الميزان»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
وهذا الحديث ظاهر في أن نفس العمل يوزن بأن يُجسَّد، وتجسُّد المعاني جائز كما جاء: «يؤتى بالموت في صورة كبش» الحديث، وقد اُخْتُلِف على ذلك في أقوال: ثانيها: أن الموزون الأعمال، ثالثها: الموزون نفس العمل. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (5/ 80).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يوضع في الميزان» فيه كما أسلفناه أنها تكون الأعراض جواهر يوم القيامة، فتوزن أو توزن الورقات التي تُرقَّم فيها، وحديث البطاقة والسِّجلَّات صريح في هذا. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 476).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«‌يوضع في ‌الميزان» من حسنات الأعمال التي تُوزن. شرح سنن أبي داود (18/ 466).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «في الميزان» أي: ميزان الأعمال يوم القيامة، والميزان لغة: ما تُقدَّر به الأشياء خِفَّة وثقلًا. وشرعًا: ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (10/ 327).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
واختلف في كيفية الوزن؛ فقيل: توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفَّتان، تنظر إليه الخلائق تأكيدًا للحُجَّة وإظهارًا للنَّصَفَة (أي: الإنصاف) وقطعًا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فيعترفون بها بألسنتهم، وتشهد بها عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم، وتشهد عليهم الأنبياء والملائكة والأشهاد، وكما تثبت في صحائفهم فيقرؤونها في موقف الحساب. وقيل: هي عبارة عن القضاء السويّ والحكم العادل. الكشاف (2/ 89).
وقال الطيبي -رحمه الله- تعليقًا على قول الزمخشري:
هذا قول مجاهد والضحاك والأعمش، وهو كناية عن العدل، كما يقال في رجل لا قدر له: فلان لا يُقيم لفلان وزنًا.
وقلتُ: الأوَّل هو الصَّحيح، وعليه الاعتقاد، وهو قول ابن عباس، قال: «يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة، وبالأعمال السَّيِّئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان» ذكره محيي السُّنَّة، والأحاديث الصَّحيحة متعاضدة له، منها: ما روى أبو داود عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما يبكيك؟» قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «أمَّا في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيَخِفُّ ميزانه أم يثقل» الحديث. فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (6/ 330).
وقال ابن حجر -رحمه الله- بعد نقل كلام الطيبي:
والصَّحيح أن ‌الأعمال ‌هي ‌التي ‌توزن. فتح الباري (13/ 539).
وقال الزجاج -رحمه الله-:
الأَوْلَى من هذا أن يُتَّبع ما جاء بالأسانيد الصِّحاح، فإنْ جاء في الخبر أنه ‌ميزان ‌له ‌كفَّتان، من حيث ينقل أهل الثِّقة، فينبغي أن يُقبل ذلك. معاني القرآن وإعرابه (2/ 319).

قوله: «أثقلُ من حُسنِ الخُلقِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أثقل» يجوز بالرَّفع على أنه صفة لمحلّ «ما ‌من ‌شيء»، ويجوز النَّصب صفة على لفظ «شيء» المجرور إلَّا أنه لا ينصرف للصِّفة ووزن الفعل «من حسن الخلق»؛ لأنه أفضل أعمال بني آدم. شرح سنن أبي داود (18/ 466).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «أثقل» بالنَّصب خبر «ما» العاملة، وبالرَّفع خبر المبتدأ على أن «ما» غير عاملة. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (10/ 327).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أثقل» في كفَّة الحسنات «من حسن الخلق»؛ لأنه يتسبَّب عنه كُلُّ خير. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 476).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا أخذنا بظاهر الحديث فإنه يبقى مُشكلًا؛ لأن كلمة التَّوحيد أثقل ما يكون في الميزان، كما في حديث صاحب البطاقة الذي أُخرِج له يوم القيامة سجلَّات كثيرة من الذُّنوب، ثم وزنت بلا إله إلَّا الله، فرجحتْ بها لا إله إلَّا الله، فكيف يمكن الجمع بين هذا وما جاء في هذا الحديث؟
الجواب: أوَّلًا: إن صحَّ هذا الحديث فإن قول: "لا إله إلَّا الله" من توحيد الله، بل هي توحيد الله، ولا شكَّ أن اعتقاد مقتضاها من حُسن الخُلق؛ لأن حُسن الخُلق لا يُراد به أن يكون الإنسان مع الناس واسع الصَّدر، منطلق الوجه فقط، ليس الأمر كذلك، إنَّما حُسن الخُلق يشمل حُسن الخُلق مع الله ومع عباد الله، ومع ذلك يبقى في هذا الجواب إشكال؛ لأننا إذا قُلنا: إن حُسن الخُلق هو حُسن الخُلق مع الله ومع عباد الله شمل الدِّين كُلَّه، وحينئذٍ ليس هناك شيء أثقل من شيء، فالحديث مُشكل، ولهذا لا بُدَّ أن يخرِّجه لنا أحد منكم.
على كُلِّ حال: حُسن الخُلق أمر مطلوب، والمقصود بالخُلق الحَسن أو حُسن الخُلق: هو أن يكون الإنسان دائمًا راضيًا، فهو إذا كان عنده حُسن خلقٍ يصبر على الأذى، ويتحمل المشاق، ويأخذ بالعفو كما قال الله -عز وجل-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} الأعراف: 199، يعني: خذ ما ظهر من الناس وما حصل من أخلاقهم، ولا تكلِّفهم الكمال؛ لأن مَنْ أراد الكمال حُرِمَ الكمال. فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام (6/ 427).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد روي عن السَّلف تفسير حُسن الخُلق، فعن الحسن قال: حُسن الخُلق: الكرم والبِذْلة والاحتمال. وعن الشعبي قال: حُسن الخُلق البِذْلة والعطية والبِشْر الحَسَن، وكان الشَّعبي كذلك. وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه وبذل المعروف وكفُّ الأذى. وسئل سلّام بن أبي مطيع عن حسن الخلق، فأنشد:
تراه إذا ما جئتَهُ متهلِّلًا *** كأنك تعطيه الذي أنت سائلُه
ولو لم يكن في كفِّه غيرُ روحِه *** لجادَ بها فليتَّقِ الله سائلُه
هو البحرُ من أيِّ النَّواحي أتيتَه *** فلُجَّتُه المعروفُ والجودُ ساحلُه
وقال الإمام أحمد: حُسن الخُلق أن لا تغضب ولا تحتدَّ. وعنه أنه قال: حُسن الخُلق أن تحتمل ما يكون من الناس. وقال إسحاق بن راهويه: هو بسط الوجه، وأن لا تغضب، ونحو ذلك قال محمد بن نصر، وقال بعض أهل العلم: حُسن الخُلق: كظم الغيظ لله، وإظهار الطَّلاقة والِبشْر إلَّا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزَّالين إلَّا تأديبًا، أو إقامة حدٍّ وكفُّ الأذى عن كُلِّ مسلم أو معاهد إلَّا تغيير منكر، أو أخذًا بمظلمة لمظلوم من غير تعدٍّ. جامع العلوم والحكم (2/ 543).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وقيل: لكُلِّ بنيان أساس، وأساس الإسلام حُسن الخُلق مع الخَلق وحُسن السَّريرة مع الحقِّ، وفي حديث: «طوبى لمن حَسنت خليقته، وطابت سريرته» الحديث، والسَّريرة ما يُكتم عن الناس. والمراد بطيب السَّريرة طيب نِيَّاته وأفعاله التي يكتمها عن الناس. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (11/ 14).

قوله: «وإنَّ صاحبَ حُسنِ الخلقِ لَيبلغُ به درجةَ صاحبِ الصومِ والصلاةِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«‌وإن ‌صاحب ‌حُسن ‌الخُلق ‌ليبلغ ‌به» أي: بحُسن خُلقه «درجة صاحب الصَّوم والصَّلاة». التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 362).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «من درجة الصِّيام» (شف) (أي: نقلًا عن الأشرف): المراد بهذه المذكورات النَّوافل منها دون الفرائض...
وفساد ذات البين ثُلْمة في الدِّين، فمَنْ تعاطى إصلاحها، ورفع فسادها نال درجة عند الله سبحانه وتعالى فوق ما ينالها الصَّائم القائم المشتغل بخويصة نفسه، فعلى هذا ينبغي أن تحمل الصَّلاة والصِّيام على الإطلاق. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3213-3214).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وزاد الترمذي: «وإن الله يبغض الفاحش البذيء». تهذيب سنن أبي داود (3/ 350).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
1- حُسن الخُلق هو الصُّورة الباطنة للإنسان، فالإنسان في حقيقته مركَّب من جسد ونَفْس، فالجسد مُدرك بالبصر، والنَّفْس مدركة بالبصيرة، ولكُلِّ واحد منهما هيئة وصورة: إمَّا جميلة وإمَّا قبيحة.
فالخُلُق -بضمِّ الخاء واللَّام-: عبارة عن هيئة للنَّفْس راسخة، تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، من غير حاجة إلى فكر وروِيَّة.
فإن كانت الأفعال جميلة سُمِّيت خُلُقًا حسنًا، وإن كانت قبيحة سُمِّيت خُلُقًا سيئًا، وليس الخُلُق عبارة عن الفعل؛ فرُبَّ شخصٍ طبعه السَّخاء يبذله بلا رجاء نفعه.
2- الخُلُق الحسن عبارة عن الأفعال الجميلة، والتَّصرُّفات المستملحة الصَّادرة من نفس طيَّبة، لم يحمل على صدورها طلب المكافأة، ولم تكن بداعي الرِّياء والسُّمعة، ولا من أجل غرض من الأغراض الدُّنيوية، وإنما هي فيض من النَّفس الصَّافية، صارت أثقل شيء في ميزان صاحبها يوم القيامة.
3- وفي الحديث دليل على أن الإنسان إذا فعل الخير بداعٍ من خُلُق لم يكتسبه، وإنما فَطَرَه الله تعالى عليه: أن له على ذلك أجرًا، فلو لم يعلم أنه من أهل هذا الخُلُق الكريم وأنه جدير به لَمَا جُبِلَ عليه. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (7/ 487).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على فضل حُسن الخُلُق وعظيم منزلته عند الله تعالى، وأنه من أفضل ما يكون في ميزان العبد يوم القيامة؛ لأن الله تعالى يُحِبُّ حسن الخُلُق ويرضى عن صاحبه، وهذه إحدى الفضائل الكثيرة والفوائد العظيمة لحُسن الخُلُق.
فعلى العبد أن يكون حُسن الخُلُق مع الله تعالى ومع عباده، وحُسن الخُلق مع الله تعالى هو الرِّضا بحكمه وشرعه وقضائه وتدبيره، وحُسن الخلق مع عباد الله كما قال عبد الله بن المبارك في وصفه: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكفُّ الأذى، وقال حبيب بن أبي ثابت: مِنْ حُسن خُلق الرَّجل أن يحدِّث صاحبه وهو يبتسم... الحديث دليل على ثبوت الميزان الذي توزن به أعمال العباد يوم القيامة لإظهار العدل وبيان الفضل، وهو ميزان حقيقيٌّ حسيٌّ له كفَّتان، وقد جاء ذكره في عديد من الآيات الكريمة والأحاديث الشَّريفة، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} الأنبياء: 47، وقال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف: 8، وسيأتي في آخر الكتاب حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «كلمتان حبيبتان إلى الرَّحمن، خفيفتان على اللَّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وظاهر الحديث أن الذي يوزن هو حُسن الخُلُق الذي هو عمل العبد، وهو وإن كان وصفًا قائمًا بغيره إلَّا أن الله تعالى يجعل الأعمال أجسامًا توضع في الميزان، وفي المسألة كلام ليس هذا موضع بسطه. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (10/ 327- 329).


إبلاغ عن خطأ