السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«حُجَّ ‌بي ‌مع ‌رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وأنا ابنُ سبعِ سنِينَ».


رواه البخاري برقم: (1858)، من حديث السَّائِب بن يزيد -رضي الله عنه-.
وزاد الترمذي برقم: (925): «في حَجَّةِ الوداع».


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «حُجَّ ‌بي ‌مع ‌رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«حُج بي» بالبناء للمفعول. اللامع الصبيح (6/ 310).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «حُجَّ بي» كذا للأكثر، بضم أوله على البناء لما لم يُسَمَّ فاعله، وقال ابن سعد عن الواقدي عن حاتم (ابن إسماعيل): «حجَّت بي أمي»، وللفاكهي من وجه آخر عن محمد بن يوسف عن السائب: «حَجَّ بي أبي»، ويُجمع بينهما: بأنَّه كان مع أبويه، زاد الترمذي عن قتيبة عن حاتم (ابن إسماعيل): «في حجة الوداع». فتح الباري (4/ 72).
وقال العيني -رحمه الله-:
قلتُ: رواية البخاري تحتمل الوجهين؛ لأنه لم يذكر فيه الفاعل صريحًا. عمدة القاري (10/ 218).

قوله: «وأنا ابنُ سبعِ سنِينَ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«وأنا ابن سبع سنين» وأظهر منه ما رواه مسلم: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقي ركبًا بالرّوحاء، فرفعت إليه امرأة صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجره».
قال الشافعي: إنْ كان الصبي مميزًا يباشر المناسك بنفسه؛ وإلا فيباشر عنه الولي، وكذا المجنون. الكوثر الجاري (4/ 226).

قوله في رواية: «في حجَّةِ الوداع»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع» بكسر الواو، مصدر وادَعَ لوداعته فيها الناس، وبفتحها اسم مصدر منه، «وأنا ابنُ سبع سنين» ففيه: جواز إحجاج الصبي قبل البلوغ، أو مباشرته النسك، أي: إذا كان مميزًا؛ وذلك ليتمرن على العبادة، فيألفها بعد البلوغ. دليل الفالحين (7/ 80).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
أجمعوا ‌على ‌سقوط ‌فرض ‌الحج ‌عن ‌الصبي، وأجمعوا على أنَّ المجنون إذا حُج به ثم صح، أو حُج بالصبي ثم بلغ، أن ذلك لا يجزئهما عن حجة الإسلام. الإجماع (ص: 60).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اتفق أئمة الفتوى على سقوط فرض الحج عن الصبي حتى يبلغ؛ لقوله -عليه السلام-: «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ» إلا أنه إذا حُجَّ به كان له تطوعًا عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء، وعلى هذا المعنى حمل العلماء أحاديث هذا الباب.
وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء إن فعل من محظورات الإحرام، وإنما يُفعل به ذلك، ويجنب محظوراته على وجه التعليم له والتمرين عليه، كما قالوا في صلاته: إنها لا تكون صلاة أصلًا.
وشذ مَن لا يُعد خلافه فقال: إذا حَج الصبي قبل بلوغه أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، ولم يكن عليه أن يحج بعد بلوغه، واحتج بحديث ابن عباس: «أن امرأة سألت النبي -عليه السلام- عن صبي: هل لهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر» ذكره الطحاوي. شرح صحيح البخاري (4/ 528- 529).
وقال العيني -رحمه الله-:
قيل: فيه صحة حج الصبي وإن لم يكن مميزًا...
وفي حديث السائب المذكور صحة سماع الصبي المميز، وهو كذلك، وخالف في ذلك فرقة يسيرة، وأنكر أحمد على القائل بذلك، وقال: قبح الله من يقول ذلك...
فإن قلتَ: في حديث السائب ذكر سن التمييز فما دليل من يصحح حج الصبي إذا لم يبلغ سن التمييز؟ قلتُ: حديث جابر المذكور فإن فيه: «فرفعت امرأة صبيًا» وهذا أعم من أن يكون في سن التمييز أو أقل أو أكثر إلى حد البلوغ، وعن المالكية قولان في الحج بالرضيع...
واختلفوا في الصبي والعبد يحرمان بالحج، ثم يحتلم الصبي، ويعتق العبد قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرام، ويتماديان عليه ولا يجزئهما عن حجه الإسلام، وهو قول أبي حنيفة -رضي الله تعالى عنه- وقال الشافعي: إذا نويا بإحرامهما المتقدم حجة الإسلام أجزأهما.
وقال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: «أيما غلام حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإسلام، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإسلام، فإن عتق فعليه الحج».عمدة القاري (10/ 218).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
اعلم أنَّ عبادات الصبيان كلها معتبرةٌ عندنا، نعم تقع نفلًا عنه، وعليه حجَّةٌ ثانية بعد البلوغ، ولا ينوب حجُّه في صِباهُ عن حَجَّةِ الإِسلام. فيض الباري (3/ 310).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذه الأحاديث أيضًا: دليل على جواز حج الصبيان، فها هو السائب بن يزيد -رضي الله عنه- يقول: «حُجَّ بي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين» طفل حُج به، فدل ذلك على جواز الحج من الأطفال، وكذلك حديث ابن عباس: «أن امرأة رفعت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر» ففي هذين الحديثين دليل على جواز حج الصبيان، والصبي يفعل ما يفعله الكبير، وإذا عجز عن شيء فإنه يُفعل عنه إن كان مما تدخله النيابة، أو يُحمل إذا كان مما لا تدخله النيابة، فمثلًا: إذا كان لا يستطيع أن يطوف أو يسعى يُحمل، (و) إذا كان لا يستطيع أن يرمي يُرمى عنه؛ لأن حمله في الجمرات فيه مشقة ولا فائدة من حمله؛ لأنه ليس رميًا بيده؛ لهذا نقول: في الطواف والسعي يُحمل، وفي الرمي يُرمى عنه، ثم إن الطائف والساعي هل يسعى لنفسه وهو حامل طفله، ينوي به السعي عن نفسه وعن طفله، أو الصواب عن نفسه وعن طفله؟ نقول: لا، فيه تفصيل: إنْ كان الطفل يعقل النية، وقال له وليُّه: انوِ الطواف، انوِ السعي، فلا بأس أنْ يطوف به وهو حامله، ينوي عن نفسه، والصبي عن نفسه، وإنْ كان لا يعقل النية، فإنه لا يطوف به وينوي نيتين: نية لنفسه ونية لمحموله، بل يطوف أولًا عن نفسه، ثم يحمل صبيه، فيطوف به، أو يجعله مع إنسان آخر يطوف به؛ وذلك لأنه لا يمكن أنْ يكون عمل واحد بنيتين، فهذا هو التفريق في مسألة الطواف به. شرح رياض الصالحين (5/ 326-327).
وقال الروياني الشافعي -رحمه الله-:
قال (الشافعي): ويفعل بالصبي في كل أمره ما يفعل الكبير.
عندنا للصبي حج شرعي صحيح، وكذلك العمرة، فإن بلغ حد التمييز فأحرم بحج، أو عمرة صح إحرامه وانعقد، وإن كان غير مميز فأحرم عنه وليه انعقد الإحرام، وصار الصبي محْرِمًا به، ويتجنب ما يتجنبه المحرم، فإن فعل شيئًا من محظورات الإحرام تلزمه الفدية، وإن بلغ الوقوف أجزأه عن حجة الإسلام، ولا يحتاج إلى استئناف الإحرام، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: ليس له حج شرعي، ولا ينعقد إحرامه به، ولا يصير محرمًا بإحرام الولي عنه، ولكنه لو أحرم الولي عنه يتجنب ما يتجنبه المحرم امترانًا واعتيادًا، ولا تلزمه الفدية بارتكاب محظوراته، وهذا غلط؛ لما روى ابن عباس قال: «مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بركب في الروحاء، فقالوا: من القوم؟ فقالوا: المسلمون، فمن القوم؟ فقالوا: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرفعت إليه امرأة صبيًّا لها من محفَّتِها، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ فقال: نعم، ولكِ أجر» وقال السائب بن يزيد: «حُج بي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، وأنا ابن تسع سنين» وقال عقبة بن عامر: «جاءت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: أحج بابني وهو مرضع أو صغير؟ قال: نعم».
فإذا تقرر هذا، فالكلام في حج الصبي في ثلاثة فصول: في الإحرام منه أو عنه، وما يفعله بنفسه أو بغيره، والحكم في محظورات إحرامه، وقيل: في أربعة فصول، والرابع في النفقة عليه في حجه:
فأما الإحرام عنه: قال الشافعي: أحرم عنه وليه، والولي: الأبوان، واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: ينعقد بالأبوين فقط، والعلة في الولاية البعضية، وبه قال أكثر أصحابنا البصريين، وأشار إليه أبو إسحاق (المروزي)... ومن أصحابنا من قال: العلة التعصيب، فلا يصح إحرام من ليس بعصبة عنه، وهو قول كثير من أصحابنا البغداديين، فعلى هذا لا يصح من الأم والجدة والجد أب الأم، ويجوز من الأخ والعم، ومن أصحابنا من قال: كل من له ولاية في ماله يحرم عنه، سواء كانت الولاية بالتولية أو شرعًا، وهو مثل الأب والجد والوصي وأمين الحاكم، وأما الأخ والعم إنْ نَصَّبه الحاكم وليًّا عليه في المال، أو كان وصيًّا من قِبَل الأب يحرم عنه...
فَرْعُ: إذا أحرم عنه وليه يجوز، سواء كان الولي مُحِلًّا أو مُحرمًا، وسواء كان حج حجة الإسلام أو لم يحج، ويفارق الأجير؛ (فإنه) لا يحرم عن الغير وعليه فرضه؛ لأنه يصير الأجير حاجًّا دون المستأجر، وها هنا الولي لا يصير حاجًّا، بل يعقد النكاح والبيع له.
ومن أصحابنا من قال: إذا أحرم وهو محرم، فيه وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لا يجوز منه ذلك؛ لأن من كان في نسك لم يجز أن يفعله عن غيره ذكره في الحاوي.
فَرْعُ آخرُ: في كيفية إحرامه عنه وجهان، قال البصريون: يقول عند الإحرام: اللهم إني قد أحرمت عن ابني، وعلى هذا يجوز أن يكون غير مواجه للصبي بالإحرام، ولا مشاهد له إذا كان الصبي حاضرًا بالميقات.
والثاني: قاله البغداديون يقول عند الإحرام: اللهم إني قد أحرمت بابني، وعلى هذا لا يجوز أن يكون غير مواجه للصبي بالإحرام.
وأما حكم الأفعال فجُملته: أنَّ كل ما يمكنه فعله بنفسه لا يجوز أن يُفعل عنه، وما لا يمكنه فعله بنفسه يُفعل عنه.
أما الإحرام: فإن كان مميزًا أحرم بنفسه، ثم إن كان بإذن وليه، فلا إشكال في جوازه، وإن كان بغير إذنه اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: ينعقد إحرامه كما ينعقد صومه وصلاته.
وقال أكثر أصحابنا وهو اختيار القفال (المروزي) وأبي حامد (الإسفراييني): لا ينعقد؛ لأن هذا العقد يؤدي إلى لزوم ماله فيه أو عند التحلل عن الإحصار، ولفظ الصبي لا يصلح للزوم (أي: لأنَّه يفتقر إلى المال وهو محجور عليه فيه)، وهذا الإذن إنما يصح من الولي الذي يصح إحرامه عنه إذا لم يكن مميزًا، وقد ذكرنا ذلك، وإن لم يكن مميزًا فقد ذكرنا أنه يُحرم عنه وليه، وقد قيل: فيه وجه: يحرم عنه وليه وإن كان مميزًا، ولا يحرم هو، وأما الوقوف والمبيت بمزدلفة ومنى فلا يفعل عنه؛ لأنه ليس فيه أكثر من الحضور والوقوف، فكان المميز ومَن لا تمييز له فيه سواء.
وأما الرمي فإن كان يُطِقْهُ رمى بنفسه، وإن لم يطقه رمى عنه وليه على ما بيناه في المميز المريض، وقد روى جابر -رضي الله عنه- قال: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأهللنا عن الولدان، ولبَّينا عنهم، ووقفنا ثم رمينا عنهم الجمار».
فَرْعٌ آخرُ: لو كان الولي مُحْرمًا فرمى عنه، فإن كان هو رمى عن نفسه صح رميه عن الطفل، وإن لم يكن رمى عن نفسه صح ما رماه عن نفسه، ثم يلزمه الرمي عن الصبي، وفيه وجه آخر قد ذكرناه من قبل في نظير هذه المسألة.
وأما الطواف: فإن كان مطيقًا طاف بنفسه، وإن لم يطقه طاف به الولي، فإن كان قد طاف عن نفسه، أو كان حلالًا أجزأه عنه، وإن كان محرمًا، ولم يطف عن نفسه فقد ذكرنا قولين، وقال القفَّال: أصل القولين إن الطواف هل يفتقر إلى النية وجهان:
أحدهما: لا يفتقر إلى النية، حتى لو حصل طائفًا وهو يطلب غيره بماله (أي: يطلب ماله عند غريم) جاز، فعلى هذا يقع عنه.
فَرْعٌ: لو أركبه الولي دابته فطافت به لم يجز حتى يكون الولي معه سائقًا أو قائدًا؛ لأن الصبي غير مميز، ولا تصح العبادة من الدابة.
فَرْعٌ آخرُ: إذا طاف به فإن كانا محدِثَين لم يجز، وإن كان الولي محدِثًا والصبي متطهرًا لم يجز أيضًا؛ لأن الطواف بمعونة الولي يصح، ولا يصح إلا بطهارة، وإن كان الولي متطهرًا والصبي محدثًا، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الطواف بالصبي أخص منه بالولي، فإذا لم يجز أن يكون الولي محدثًا، فالصبي أولى.
والثاني: يجوز؛ لأن الصبي لو لم يكن مميزًا لا يصح منه فعل الطهارة، فتنوب عنه طهارة الولي كما في الإحرام، فيجوز أن لا يكون هو متطهرًا.
فَرْعٌ آخرُ: لو كان مميزًا يصلي خلف المقام ركعتين، وإن لم يكن مميزًا يلزم على وليه أن يصلي عنه ركعتي الطواف؛ لأن ذلك مخصوصًا بجواز النيابة فيها تبعًا لأركان الحج.
فَرْعٌ آخرُ: لو طاف الولي به وهو محرم، ونوى عن طواف نفسه وطوافه يجزئه عن طوافه، وهل يجوز عن الصبي؟ فيه وجهان تخريجًا من القولين فيما لو كان عليه طواف فطاف ونواه عن الصبي ذكره في الحاوي.
وأما المحظورات وأحكامها: فإن تطيب أو لبس ناسيًا أو جاهلًا، فلا شيء عليه، وإن كان عامدًا فإن قلنا: عمد الصبي خطأ، فلا شيء عليه أيضًا، وإن قلنا: عمده عمد ففيه الفدية، وقد قال الشافعي -رضي الله عنه- في القديم: لو ذهب ذاهب إلى أن الطيب واللباس لا يُلزم الفدية على الصبي كما لا يلزم على الكبير عند الجهالة والنسيان، كان مذهبًا.
وأما إذا قتل صيدًا أو حلق شعرًا، فهل يستوي الخطأ والعمد فيه؟ ذكرنا قولين، فإن قلنا: يستوي، تلزمه الفدية به، وإنْ قلنا: لا يستوي، فالحكم مثل ما ذكرنا في الطيب واللباس، وأما الوطء واللمس بالشهوة، فإن كان ناسيًا أو جاهلًا كان كالبالغ الناسي والجاهل، وفيه قولان، قال في القديم: يفسد حجة، ويلزمه بدنة، وقال في الجديد: لا شيء عليه، وإن كان عامدًا فإن قلنا: عمده عمدًا -وهو الأصح- فسد حجُّه، ووجبت البدنة قولًا واحدًا، وإن قلنا: عمده خطأ، فعلى القولين على ما ذكرنا. بحر المذهب (3/ 547- 550).
وقال النووي -رحمه الله-:
فرع: في مذاهب العلماء في حج الصبي: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يصح حجه ولا يجب عليه، فأما عدم وجوبه على الصبي فمجمع عليه...
وأما صحة حج الصبي فهو مذهبنا ومذهب مالك وأحمد وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف وأشار ابن المنذر إلى الإجماع فيه.
وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: لا يصح حجه، وصححه بعض أصحابه.
واحتج له بحديث: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ» إلى آخره، وهو صحيح سبق بيانه قريبًا، وقياسًا على النذر فإنه لا يصح منه؛ ولأنه لا يجب عليه ولا يصح منه؛ لأنه لو صح منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده؛ ولأنه عبادة بدنية فلا يصح عقدها من الولي للصبي كالصلاة.
واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس «أن امرأة رفعت صبيًا في حجة الوداع، فقالت: يا رسول الله، ألهذا ‌حَجٌّ؟ قال: نعم، ولكِ أجر» رواه مسلم، وعن السائب بن زيد -رضي الله عنه- قال: «حُج بي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين» رواه البخاري، وبحديث جابر: «حججنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم» رواه ابن ماجه، وسبق بيانه في أول الفصل، وقياسًا على الطهارة والصلاة، فإن أبا حنيفة صححهما منه، وكذا صحَّح حجه عنده بلا خلاف، ونقله خطأ منه، وصحح إمامة الصبي في النافلة.
وأما الجواب عن حديث «رُفِعَ القلم» فمن وجهين:
أحدهما: المراد رفع الإثم لا إبطال أفعاله.
الثاني: أنَّ معناه: لا يُكتب عليه شيء وليس فيه منع الكتابة له، وحصول ثوابه، والجواب: عن قياسهم على النذر من وجهين ذكرهما القاضي أبو الطيب (الطبري) والأصحاب:
أحدهما: أنه ينكسر بالوضوء والصلاة، فإنه لا يصح منه نذرهما، ويصحان منه، وقد سبق أن الكسر: هو أن توجد معنى العلة ولا حكم، والنقض: أن توجد العلة ولا حكم، وقد أوضحت هذا في باب صدقة المواشي حيث ذكره المصنف.
والثاني: أنَّ النذر التزام بالقول، وقول الصبي ساقط بخلاف الحج، فإنه فِعْلٌ ونية فهو كالوضوء.
وأما قولهم: لا يجب عليه ولا يصح منه فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه منتقض بالوضوء.
والثاني: أن عدم الوجوب للتخفيف وليس في صحته تغليظ.
وأما قولهم: لوجب قضاؤه إذا أفسده، فنحن نقول به، وهو الصحيح عندنا كما سبق بيانه.
والجواب عن قولهم: عبادة بدنية إلى آخره أن الفرق ظاهر؛ فإن الحج تدخله النيابة بخلاف الصلاة، والله أعلم.
قال إمام الحرمين في كتابه الأساليب: المعوَّل عليه عندنا في المسألة الأخبار الصحيحة التي لا تقبل التأويل، وذكر بعض ما سبق من الأحاديث، ثم ذكر دلائل من حيث القياس والمعنى، ثم قال: وهذا تكلُّف بعد الأخبار الصحيحة، قال: ولا يستقيم لهم فرق أصلًا بين الصلاة والحج.
فإن قالوا: في الحج مؤنة.
قلنا: تلك المؤن في مال الولي على الصحيح، فلا ضرر على الصبي.
فإن قالوا: فيه مشقة.
قلنا: مشقة المواظبة على الصلاة والطهارة وشروطهما أكثر، والله أعلم.المجموع (7/ 39- 41).
وقال الشيخ حمزة قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: مشروعية حج الصبي وصحته وانعقاده، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لقول السائب بن يزيد في حديث الباب: «حُج بي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا ابن سبع سنين» حيث سمى فعله حجًّا، ولو لم يكن حجًّا شرعيًّا صحيحًا لما قال ذلك، ومما يؤكد ذلك: ما رواه جابر -رضي الله عنه- «أنَّ امرأة رفعت صبيًّا لها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر».
واختلفوا هل يجزئه حجه هذا عن الفريضة؟ فقال الظاهرية وبعض أهل الحديث: إن الصبي إذا حج قبل بلوغه كفاه ذلك عن حجة الإِسلام، والجمهور على أنه يصح منه ويثاب عليه، ولا يكفيه عن الفريضة.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الصبي لا حج له؛ لأن البلوغ شرط في قبول حجه وصحته.
ثانيًا: جواز تحمُّل الصبي للحديث إن كان مميزًا؛ لأن السائب تحمَّل حديثه هذا وهو لم يتجاوز السابعة من عمره، أي: أنه تحمل هذا الحديث وهو في هذه السن، وقَبِلَه منه المحدثون.منار القاري (3/ 183- 184).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
الحديث دالٌّ على أنَّه يصح حج الصبي، سواء كان مميزًا أم لا، حيث فعل وليه عنه ما يفعل الحاج، وإلى هذا ذهب الجمهور، ولكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام، وصفة إحرام الولي عنه أن يقول بقلبه: جعلته محرمًا. تطريز رياض الصالحين (ص: 712).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله- أيضًا:
فيه: جواز إحجاج الصبي قبل البلوغ. تطريز رياض الصالحين (ص: 711).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ