كَتَبَ عبدُ الملكِ إلى الحجَّاجِ: أنْ لا يُخَالِفَ ابنَ عُمرَ في الحَجِّ، فجاءَ ابنُ عُمرَ -رضي اللَّه عنه- وأنا معهُ يومَ عرفةَ حينَ زالتِ الشَّمسُ، فصاحَ عندَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فخرجَ وعليه مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فقال: ما لكَ يا أبا عبدِ الرحمنِ؟ فقال: «الرَّواحَ إنْ كنتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ»، قال: هذه الساعةَ؟ قال: «نعم» قال: فَأَنْظِرْنِي حتَّى أُفِيضَ على رأسي ثم أَخرجُ، فنزلَ حتَّى خرجَ الحَجَّاجُ، فسارَ بيني وبينَ أبي، فقلتُ: إنْ كنتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، فاقْصُرِ الخُطبةَ، وعجِّلِ الوقوفَ، فجعلَ ينظرُ إلى عبدِ اللَّهِ، فلمَّا رأى ذلكَ عبدُ اللَّهِ قال: «صَدَقَ».
رواه البخاري برقم: (1660)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«سُرَادِقِ الحَجَّاجِ»:
أي: خيمته. فتح الباري، لابن حجر(3/ 511).
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
والسُّرَادِقُ: الخِبَاء وشِبْهه، وأصله: كل ما أحاط بالشيء ودار به. وقيل: ما يُدار حول الخباء. مطالع الأنوار /5) 476).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
السرادق: كل مَا أحَاط بِشَيْء نَحْو المضرب والخباء. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: السرادق فَارسي مُعرب، وَأَصله بِالْفَارِسِيَّةِ سرادار. كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 574).
«مِلْحَفَةٌ»:
أي: إزارٌ كبيرٌ. اللامع الصبيح، للبرماوي(6/ 129).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
قال الليث: اللَّحْفُ تغطيتك الشيء باللِّحَاف، واللِّحَاف اللباس الذي فوق سائر اللباس من دِثَار البَرْد ونحوه، تقول: لَحَفْت فلانًا لِحَافًا: إذا أنت ألبسته إياه، ولَحَفْتُ لِحَافًا، وهو جعْلُكَهُ، وتَلَحَّفْتُ لِحَافًا: إذا اتخذته لنفسك، وكذلك التحَفْتُ. تهذيب اللغة (5/ 45).
«مُعَصْفَرَةٌ»:
أي: مصبوغةٌ بِعُصْفر. اللامع الصبيح، للبرماوي (6/ 129).
وقال البعلي -رحمه الله-:
والمعَصْفَر: المصبوغ بالعُصْفُر، وهو صبغ معروف. المطلع (ص:213).
«الرَّوَاحَ»:
حقيقة الرواح: بعد الزوال. النظم المستعذب، للركبي (1/ 113).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
والرَّواح من لدُن زوال الشمس إلى الليل...، وسمعتُ الْعَرَب تستعمل الرََّواح فِي السيرِ كُلَّ وقت، يُقال: رَاحَ القومُ إِذا سارُوا وغَدَوا كذلك. تهذيب اللغة (5/ 143).
«فأَنْظِرْنِي»:
بقطع الهمزة، وكسر الظاء المعجمة، أي: أخِّرني، وللكشميهني بالوصل، وضم الظاء، أي: انتظرني. التوشيح، للسيوطي (3/ 1297).
«حتَّى أُفِيضَ»:
أي: أغتسِلَ. اللامع الصبيح، للبرماوي (6/ 129).
شرح الحديث
قوله: «كَتَبَ عبدُ الملكِ إلى الحجَّاجِ: أنْ لا يُخالفَ ابنَ عُمرَ في الحجِّ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«عبد الملك» أي: ابن مروان الأموي الخليفة، و«الحَجَّاج» بفتح المهملة ابن يوسف، وكان واليًا بمكة حينئذٍ لعبد الملك، وأميرًا على الحاج.
قوله: «لا يخالف» بلفظ النهي والنفي، و«في الحج» أي: في أحكامه ومراسمه. الكواكب الدراري (8/ 157).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«قال: كتب عبد الملك» بن مروان الأموي «إلى الحَجَّاج» بن يوسف الثقفي حين أرسله إلى قتال ابن الزبير، وجعله واليًا على مكة، وأميرًا على الحاج «أن لا تخالف ابنَ عمر» بن الخطاب -رضي الله عنه- «في» أحكام «الحج». إرشاد الساري (3/ 197).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«كتب عبد الملك إلى الحَجَّاج: أن لا تخالف ابنَ عمر في الحج» أي: في معرفة شرائطه وآدابه، وعبد الملك هو ابن مروان الخليفة. الكوثر الجاري (4/ 105).
قوله: «فجاءَ ابنُ عُمرَ -رضي اللَّه عنه- وأنا معهُ يومَ عرفةَ حينَ زالتِ الشَّمسُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فجاء ابنُ عمر -رضي الله عنهما- وأنا معه» القائل هو سالم، ووقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: «فركب هو وسالم وأنا معهما» وفي روايته قال ابن شهاب: «وكنتُ يومئذٍ صائمًا، فلقيتُ من الحر شدة»، واختلف الحفاظ في رواية معمر هذه، فقال يحيى بن معين: هي وهمٌ، وابن شهاب لم يرَ ابن عمر، ولا سمع منه، وقال الذهلي: لستُ أدفع رواية معمر؛ لأن ابن وهب روى عن العمري عن ابن شهاب نحو رواية معمر، وروى عَنْبَسة بن خالد عن يونس عن ابن شهاب قال: «وفدتُ إلى مروان وأنا محتلم» قال الذهلي: ومروان مات سنة خمس وستين، وهذه القصة كانت سنة ثلاث وسبعين، انتهى، وقال غيره: إن رواية عَنْبَسة هذه أيضًا وهمٌ، وإنما قال الزهري: «وفدتُ على عبد الملك» ولو كان الزهري وفد على مروان لأدرك جلة الصحابة ممن ليست له عنهم رواية إلا بواسطة، وقد أدخل مالك وعقيل وإليهما المرجع في حديث الزهري بينه وبين ابن عمر في هذه القصة سالمًا، فهذا هو المعتمد. فتح الباري (3/ 511).
وقال الباجي -رحمه الله-:
مضى عبد الله (ابن عمر) إلى الحَجَّاج حين زالت الشمس يوم عرفة؛ مسارعة إلى الخير، ومعونة عليه، وحرصًا على إثبات ما عنده من العلم، ونشره وانتفاع الناس به، وتوجهه إليه حين زالت الشمس هو السُّنة؛ لما يلزم من تعجيل الصلاة ذلك اليوم.
وقد ذكر جابر بن عبد الله من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحج: «حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس» وذكر الحديث، فالسُّنة تعجيل الصلاة في ذلك اليوم؛ ليتعجل الوقوف. المنتقى (3/ 35).
قوله: «فصاحَ عندَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ؟»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«سرادق» هو الذي يحيط بالخيمة، وله باب يدخل منه إلى الخيمة. منحة الباري (4/ 146).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فصاح عند سُرادق الحجاج» أي: خيمته، زاد الإسماعيلي من هذا الوجه: «أين هذا؟» أي: الحجاج. فتح الباري (3/ 511).
وقال الباجي -رحمه الله-:
لعل عبد الله بن عمر إنما صاح عند سرادقه؛ ليكون أسرع لخروجه من إدخال الإذْن عليه، وهذا كُله لما أراد من الإسراع، وتعجيل الوقوف. المنتقى (3/ 36).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: صياح العالِم عند مكان السُّلطان فيه؛ ليسرع إليه في الإجابَة. عمدة القاري (9/ 303).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه ردٌّ وأيُّ ردٍّ على مَن يمتنع من إتيان أبواب الإمام وثوابه إلا أنْ يكون في حالة ضعف يبيح له ذلك. الإفصاح (4/ 205).
قوله: «فخرجَ وعليه مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فقالَ: ما لكَ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ؟»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فخرج» من سرادقه «وعليه مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرةٌ» مصبوغة بالعصفر، واللُّحْفَة بكسر الميم: الإزار الكبير «فقال:» أي: الحَجَّاج «ما لك يا أبا عبد الرحمن؟» كنية ابن عمر. إرشاد الساري (3/ 197).
وقال الباجي -رحمه الله-:
خروج الحَجاج وعليه ملحفة مُعصفرة يحتمل أنْ تكون غير مُفَدَّمة (مشبَّع بالصبغ بالعصفر)، وإن كان المصبوغ كله مكروهًا للأئمة، لكن ليس الحَجاج ممن يُقتدى به في ذلك، فيغتر بذلك مَن رآه يلبس المصبوغ. المنتقى (3/ 36).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
وخروج الحَجَّاج وعليه (ملحفة) مُعصفرة، وهو يومئذٍ محرم، فلم يُنكر ذلك عبد الله (ابن عمر) عليه، فدلَّ ذلك على أنَّ ابن عمر لم يكن يرى العُصفر من الطيب الذي يحرمه الإحرام على المحرم. أحكام القرآن (2/ 132).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
وتعقبه ابن المنير في الحاشية: بأنَّ الحَجَّاج لم يكن يتقي المنكر الأعظم من سفك الدماء وغيره حتى يتقي المعصفر، وإنما لم ينهه ابن عمر لعلمه بأنه لا ينجع فيه النهي؛ ولعلمه بأنَّ الناس لا يقتدون بالحَجَّاج، انتهى ملخصًا، وفيه نظر؛ لأن الاحتجاج إنما هو بعدم إنكار ابن عمر، فبعدم إنكاره يتمسك الناس في اعتقاد الجواز. فتح الباري (3/ 512).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: تقدم أنّ لبس المعصفر لا يجوز، قلتُ: أجابوا بأن الحَجاج لم يبالِ بالمعاصي، وابن عمر لم ينهه لعلمه بأنه لا يرتاع. الكوثر الجاري (4/ 106).
قوله: «فقال: «الرَّوَاحَ إنْ كنتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
و«الرواحَ» بالنصب، أي: عجِّل، أو رُح الرواح. الكواكب الدراري (8/ 157).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
الأصوب أنْ يُقال: إنَّه مَنْصُوب على الإغراء، أي: الزم الرواح، والإغراء: تَنْبِيه الْمُخَاطب على أَمر مَحْمُود ليفعله. عمدة القاري (9/ 302).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال: الرواح» أي: قال ابن عمر: الرواح، وهو منصوب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي: عجّل الرواح، وهو بالفتح: الذهاب «إن كنتَ تريد السُّنَّة» وفي رواية: «إن كنتَ تريد أن تصيب السُّنة». ذخيرة العقبى (25/ 343).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «الرواح إنْ كنتَ تريد السُّنة» يقتضي أنه بعد الزوال، إلا أنه أَعلمه أنَّ السُّنة التعجيل. المنتقى (3/ 36).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«فقال: الرواح إنْ كنتَ تريد السُّنة» أي: عجِّل بالذهاب إلى عرفة بعد الزوال، عقب أداء صلاتي الظهر والعصر قصرًا وجمعًا ببطن عُرَنة، إنْ كنتَ تريد العمل بسنته -صلى الله عليه وسلم-. منار القاري (3/ 113).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله- أيضًا:
فالتهجير (في الذهاب إلى الموقف) سُنة مستحبة، أما الانتقال من عُرنَةَ إلى الموقف من عرفة فهو أمر لا بدّ منه، ولا يتحقق الوقوف بدونه؛ لأنّ عُرنة ليست من عَرفة عند الجمهور.منار القاري (3/ 114-115).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
السُّنة تعجيل الصلاة حين تزول الشمس، وأنْ يقصِّر الخطبة، ثم يروح إلى الموقف؛ لما روى سالم أنه قال للحَجاج يوم عرفة: «إنْ كنتَ تريد أن تصيب السُّنة فاقصر الخطبة، وعجِّل الصلاة، فقال ابن عمر: صدق» رواه البخاري؛ ولأن تطويل ذلك يمنع الرواح إلى الموقف في أول وقت الزوال، والسُّنة التعجيل في ذلك، فقد روى سالم أن الحَجَّاج أرسل إلى ابن عمر: أية ساعة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يروح في هذا اليوم؟ فقال: إذا كان ذلك رُحنا، فلما أراد ابن عمر أن يروح، قال: أزاغت الشمس؟ قالوا: لم تزغ، فلما قالوا: قد زاغت، ارتحل، رواه أبو داود، وقال ابن عمر: «غدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة، فنزل بنمرة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر، راح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة». المغني (5/ 264).
قوله: «قال: هذه السَّاعةَ؟! قال: «نَعَمْ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«قال» الحَجَّاج: «هذه الساعة» وقت الهَاجرة؟! «قال» ابن عمر: «نعم». إرشاد الساري (3/ 197).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«قال» أي: الحَجَّاج: «هذه الساعة؟!» أي: أتعجل هذه الساعة، وهي وقت الهاجرة؟ منحة الباري (4/ 146).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قول الحَجَّاج: «أهذه الساعة؟!» دليل على أنه كان يعتقد تأخير الصلاة والوقوف عن ذلك الوقت، حتى أعلمه عبد الله بن عمر أن السُّنة التعجيل في ذلك الوقت. المنتقى (3/ 36).
قوله: «قال: فأَنْظرني حتَّى أُفِيضَ على رأسي ثم أَخرجُ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«قال» الحَجَّاج: «فأنظرني» بهمزة قطع ومعجمة مكسورة من الإنظار: وهو الْمُهْلَة، ولأبي ذر عن الكشميهني: «فانْظُرني» بهمزة وصل وظاء مضمومة، أي: انتظرني «حتى أفيض على رأسي» أي: أغتسل؛ لأن إفاضة الماء على الرأس غالبًا إنما تكون في الغسل، «ثم أخرجَ» بالنصب عطفًا على «أفيضَ». إرشاد الساري (3/ 197، 198).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فلما قال له الحَجَّاج: أنظرني حتى أفيض عليَّ ماءً، وكان الغسل في ذلك اليوم مشروعًا، لا سيما لمن يؤمّ بالناس، انتظره؛ رفقًا به، وعونًا على الطاعة. المنتقى (3/ 36).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: الغسل للوقوف بعرفة؛ لقول الحَجاج لعبد الله: «أنظرني حتى أفيض عليَّ ماءً» وأهل العلم يستحبونه. شرح صحيح البخاري (4/ 338).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
ويحتمل أنْ يكون ابن عمر إنَّما انتظره لحمله على أنَّ اغتساله عن ضرورة، نعم روى مالك في الموطأ عن نافع أنَّ ابن عمر كان يغتسل لوقوفه عشية عرفة. فتح الباري (3/ 512).
قوله: «فنزلَ حتَّى خرجَ الحجَّاجُ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فنزل» ابن عمر عن مركوبه، وانتظر. إرشاد الساري (3/ 198).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «فنزل حتى خرج الحَجَّاج» فيه: بيان أنَّه إذا طال الانتظار لم يقف الراكب على دابته، وقد جاء في الحديث: «اركبوا هذه الدُّواب سالمة، ولا تتخذوها كراسي». الإفصاح (4/ 204).
قوله: «فسارَ بيني وبينَ أبي»:
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فسار بيني وبين أبي» أي: سار الحَجَّاج بين سالم وأبِيهِ عبد الله بن عمر. عمدة القاري (9/ 302).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قول سالم: «وسار بيني وبين أبي» يحتمل أن يكونوا على رواحلهم؛ لأن السُّنة الركوب في ذلك الموطن لمن كانت له راحلة وحج راكبًا، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-. المنتقى (3/ 36).
قوله: «فقلتُ: إنْ كنتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فاقْصُرِ الخُطبةَ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فأَقْصِر» بهمزة قطع، أو وصل، وكسر الصَّاد، وكلامُ الجوهريِّ يقتضي أنَّه بهمزة وصل وضمِّ. منحة الباري (4/ 146).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«فقلتُ: إنْ كنتَ تريد السُّنة فاقصر الخطبة» قائل هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، و«اقصر» بهمزة وصل، وصاد مضمومة. مصابيح الجامع (4/ 167).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنْ كنتَ تريد السُّنة» أي: متابعة سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يخفى ما فيه من تعريض الكلام. مرقاة المفاتيح (5/ 1813).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«إنْ كنتَ تريد السُّنة فاقصر الخطبة» أي: فاختصر الخطبة، وأدِّ صلاتي الظهر والعصر ببطن عُرنة قصرًا وجمعًا وخففهما. منار القاري (3/ 113).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «اقصر الخطبة» من السُّنة أنه إذا زالت الشمس خطب الإمام خطبة يعلِّم الناس فيها مناسكهم، من موضع الوقوف ووقته، ودفعه من عرفات، وموضع صلاة المغرب والعشاء بمزدلفة، والمبيت بها، والعدو إلى منى للرمي، والطواف والنحر، والمبيت بمنى لرمي الجمار، ثم يأمر بالأذان، وينزل فيصلي بالناس الظهر والعصر، يجمع بينهما بإقامة لكل صلاة. كشف المشكل (2/ 574-575).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «فاقصر الخطبة...» أصحابنا العراقيون يطلقون أنَّه لا يخطب الإمام يوم عرفة، ومعنى ذلك: أنه ليس لما يأتي به من الخطبة تعلُّق بالصلاة كخطبة الجمعة، ولا يُغير حكم الصلاة فينقلها إلى القصر والجهر، وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يخطب الإمام يوم عرفة، وكذلك يقول جميع أصحابنا المغاربة والمدنيون، يقولون: يخطب الإمام، إلا أنهم لا يجعلون للخطبة حكم الخطبة للصلاة فيما نذكره، وإنما يجعلون لها حكم التعليم، ولا يبعد أن يكون ابن حبيب إنما قال: يخطب بعرفة قبل الزوال؛ لأنها ليست للصلاة، ولو كانت للصلاة لوجب أن يشتركا في الوقت.
وقد قال مالك: كل صلاة يُخطب لها فإنه يُجهر فيها بالقراءة، فقيل له: فعرفة يُخطب فيها ولا يجهر لها بالقراءة، فقال: إنما تلك للتعليم.
ومما يبين أنها ليست للصلاة: أن المؤذن لا يؤذن إلا بعد الخطبة، ولو كانت الخطبة للصلاة لوجب أن يؤذن في أول الخطبة كالجمعة. المنتقى (3/ 36).
قوله: «وعَجِّلِ الوقوفَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وعجِّل الوقوف» وكذا في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك، ووافقه القعنبي في الموطأ، وأشهب عند النسائي، وخالفهم يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف عن مالك، فقالوا: «وعجِّل الصلاة»، وقد غلَّط أبو عمر ابن عبد البر الرواية الأولى؛ لأن أكثر الرواة عن مالك على خلافها، ووُجِّهت بأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة. إرشاد الساري (3/ 198).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قوله في هذا الحديث: «وعجِّل الصلاة» فكذلك رواه يحيى وابن القاسم وابن وهب ومطرف، وقال فيه القعنبي وأشهب: «إنْ كنتَ تريد الوقوف» وهو عندي غلط، والله أعلم؛ لأنَّ أكثر الرواة عن مالك على خلافه، وتعجيل الصلاة بعرفة سُنة ماضية على ما قدمنا ذكره.
وقد يُحتمل ما قاله القعنبي أيضًا؛ لأن تعجيل الوقوف بعد تعجيل الصلاة، والفراغ منها سُنة أيضًا. التمهيد (10/ 20).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ الاختلاف فيه من مالك، وكأنَّه ذكَّره باللازم؛ لأنَّ الغرض بتعجيل الصلاة حينئذٍ: تعجيل الوقوف. فتح الباري (3/ 512).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«وعجَّل بالوقوف» أي: وسارِع إلى الوقوف بعرفة عقب الصلاة مباشرة؛ لتقف بها في الهاجرة عند منتصف النهار؛ لما في حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «لما زاغت الشمس أَتى -صلى الله عليه وسلم- بطن الوادي، أي: وادي عرنة، فخطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ثم ركب القصواء». منار القاري (3/ 113).
قوله: «فجعلَ ينظرُ إلى عبدِ اللَّهِ، فلمَّا رأى ذلكَ عبدُ اللَّهِ قال: «صدَقَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فجعل» الحَجَّاج «ينظر إلى عبد الله» بن عمر، كأنه يستدعي معرفة ما عنده فيما قاله ابنه سالم، هل هو كذا أم لا؟ «فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق». إرشاد الساري (3/ 198).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال عبد الله بن عمر: صدق» أي: سالم، وفيه تقوية لقول ولَدِه، ودفع لما في قلب الحَجَّاج من تردُّده. مرقاة المفاتيح (5/ 1813).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال: صدق» أي: صدق سالم فيما قاله من أنَّ السُّنة قصر الخطبة، وتعجيل الوقوف، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (25/ 344).
وقال الشيخ الراجحي -حفظه الله-:
فيه: جواز إفتاء المفضول بحضرة الفاضل، ولا سيما إذا خشي فوات الفرصة للتنبيه على مسألةٍ غضَّ عنها الفاضل، وإنْ كان الأَولى التأدُّب بحضرة الفاضل، وهذا إذا لم يترتب على فتواه مفسدة. تعليقاته على كتاب الحج من صحيح الإمام البخاري (ص: 101).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
قال (المهلب): وفيه: ابتداء العالم بالفتوى قبل أنْ يُسأل.
قال ابن المنير (مُتعَقِّبًا): وكذلك قوله: وفيه ابتداء العالم بالفتوى قبل أن يُسأل، ليس بانتزاع مستقيم؛ لأنَّ كلام ابن عمر ها هنا ليس على معنى الفتوى، ولكن على معنى الولاية؛ لأنَّ عبد الملك وَلاَّه على ذلك، وأمر الحَجاجَ أنْ يكون في إقامة المناسك تحتَ أمره.
قلتُ: لم يرد المهلب بابتداء العالم بالفتوى إلا لأنَّ سالم بن عبد الله كان الذي ابتدأ بقوله للحَجاج: «إنْ كنتَ تريد السُّنة فاقصر الخطبة» والذي أمر الخليفةُ الحَجاجَ باتباعه في مناسك الحج، وعدمِ مخالفته إياه فيها هو عبدُ الله بنُ عمر، لا ولدُه سالم، وكلام المهلب في هذا مستقيم. مصابيح الجامع (4/ 168).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه: جواز أن يبتدئ الغلام بالكلام في حضرة أبيه، إذا كان يقول ما لا يدفعه أبوه. الإفصاح (4/ 204).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فيه: دليل على جواز نصح الابن مع وجود أبيه، وجه الدلالة: أنَّ سالم تكلَّم على الحَجَّاج مع وجود أبيه، ولعل أباه -رضي الله عنه- سكت عن هذه المسألة؛ لأنها مسألة سهلة، وخاف أنْ يشق على الحَجَّاج فيأمره بكل شيء، وإلا فلا يخفى علينا جميعًا قوة وغيرة ابن عمر -رضي الله عنه-.
وفيه: أيضًا دليل على العمل بالقرائن؛ لأن الحَجَّاج جعل ينظر إلى ابن عمر، ولكن إذا قال قائل: لماذا لم يقل الحَجَّاج لابن عمر: أصَدَقَ سالم؟ فالظاهر لم يقل هذا احترامًا لأبيه ابن عمر، وكفاه النظر. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 127).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه من جواز تأمير الأدْوَنِ على الأفضل...
قال ابن المنير: قوله: فيه جوازُ تأمير الأدون على الأفضل غلطٌ بَيِّنٌ؛ فإنَّ صاحب الأمر في هذا هو عبدُ الملك بن مروان، وليس بحجة، ولا سيما في تأميره للحَجَّاج...، ولا يقول أحد من المسلمين: إنَّ تولية مثل الحَجَّاج جائزة على أحد من المسلمين، بل ولا من الكافرين، وإذا وصل الاحتجاج إلى ولاية الحجاج فذلك العجزُ بعينه. مصابيح الجامع (4/ 168-169).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا الحديث يدخل عندهم في المسند؛ لقوله فيه: «إنْ كنْتَ تُرِيدُ السُّنَّة» لا يختلفون في ذلك؛ لأنه إذا أَطْلَق الصاحب ذكر السُّنة، فالمراد سُنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تُضَفْ إلى صاحبها؛ كقولهم: سُنَّة العُمَرين، وما أشبه ذلك. التقصي (1/ 160-161).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
هذه مسألةُ خلافٍ عند أهل الحديث والأصول، والجمهور على ما قال ابن عبد البر، وهي طريقَة البخارِيّ ومسلم، ويقويه قول سالم لابنِ شهاب إذ قال له: أَفَعَلَ ذلك رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: وهل تتبعون في ذلك إلا سُنته؟! عمدة القاري (9/ 302).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: أن تعجيل الرواح للإمام للجمع بين الظهر والعصر في مسجد عرفة (أي: مسجد نمرة في وادي عُرَنة) في أول وقت الظهر سُنة، وقد رُوي عن مالك في هذا الحديث: «وعجِّل الصلاة» مكان «وعجِّل الوقوف» ابن القاسم وابن وهب ومطرف ويحيى بن يحيى، وهو صحيح المعنى؛ لأن تعجيل الرواح إنما يراد لتعجيل الصلاتين، والجمع بينهما، فدل أنَّ تعجيل الصلاة بعرفة سُنة، وروى القعنبي وأشهب، عن مالك: «وعجِّل الوقوف» كما رواه البخاري، وهو صحيح المعنى أيضًا؛ لأن تعجيل الوقوف بعرفة بعد الصلاة سُنة أيضًا. شرح صحيح البخاري (4/ 337، 338).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فيه: جواز أن يأتي العالم فيقف على باب الأمير، فقد وقف ابن عمر على باب الحَجَّاج، فانتظره حتى خرج. الإفصاح (4/ 204).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
توقف ابنُ عمر حتى خرج الحَجاج وسار، وهذا كله مما يدل على حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على عدم مخالفة الأمراء، إلا أن يأمروا بمعصية، فلا طاعة لهم فيما أمروا به. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 127).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على أنَّ الإمام يأمر صاحبه باتباع العالم في مناسك الحج والجهاد وغير ذلك، فإنَّ عبد الملك أمر الحَجَّاج أن لا يخالف ابن عمر. الإفصاح (4/ 204).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قول عبد الملك للحَجَّاج: «لا تخالف ابنَ عمر في الحج» إقرار بدِينه وعلمه، وبأنه القُدوة في زمانه الذي يجب أن يقتدي به أهل وقته. التوضيح (11/ 540).
وقال الشيخ الراجحي -حفظه الله-:
هذا من حسنات عبد الملك؛ حيث كتب له أنْ يقتدي بأهل العلم؛ لأنَّ ابن عمر أفقه أهل زمانه، كما أنَّ مِن أقبح سيئاته قتل ابن الزبير في الحرم بواسطة الحَجَّاج. تعليقاته على كتاب الحج من صحيح الإمام البخاري (ص: 101).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
فيه: فقه وأدب كثير، وعلم كبير من علوم الحج:
فمن ذلك: إقامة الحج إلى الخلفاء، ومَن جعلوا ذلك إليه، وأمَّروه عليه.
ومنه أيضًا: إقامة الحج تجب على الأمير على الموسم، ويعينه أيضًا مَن هو أعلم منه بالكتاب والسُّنة وطريق الفقه.
وفيه: الصلاة خلف الفاجر من السلاطين.
ولا خلاف بين العلماء أن الحج يقيمه السلطان للناس، ويستخلف عليه مَن يقيمه لهم على شرائعه وسننه، فيصلون خلف الإمام برًّا كان أو فاجرًا أو مبتدعًا، ما لم تُخرجه بدعته عن الإسلام.
وفيه: أن الرجل الفاضل لا يؤخَذ عليه في مشيه إلى السلطان الجائر فيما يحتاج إليه.
وفيه: أن رواح الإمام من موضع نزوله بعرفة إلى المسجد حين تزول الشمس للجمع بين الظهر والعصر في المسجد في وقت الظهر سُنة، وكذلك فِعْلُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويلزم ذلك كل من بعد عن المسجد بعرفة أو قربه، إلا أن يكون موضع نزوله متصلًا بالصفوف، فإن لم يفعل وصلى بصلاة الإمام فلا حرج. المسالك (4/ 446، 447).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد جمة تظهر عند التأمل لا نطيل بها، وموضع الترجمة منه قوله: «هذه الساعة»؛ لأنه أشار به إلى وقت زوال الشمس عند الهاجرة، وهو وقت الرواح إلى الموقف؛ لحديث ابن عمر عند أبي داود قال: «غدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة حتى أتى عرفة، فنزل نمرة، وهو منزل الإمام الذي ينزل به بعرفة، حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف». إرشاد الساري (3/ 198).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في فوائده:...
فيه: الغسل للوقوف بعرفة؛ لقول الحَجَّاج لعبد الله: «أَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عليَّ ماء» وأهل العلم يستحبونه.
وفيه: خروج الحَجَّاج وهو محرم وعليه ملحفة معصفرة، ولم ينكر ذَلِكَ عليه ابن عمر، ففيه حُجَّة لمن أجاز المعصفر للمُحْرِم، وقد سلف في بابه.
وفيه: أن الأمير يجب أن يعمل في الدِّين بقول أهل العلم، ويصير إلى رأيهم.
وفيه: ابتداء العالم بالفتيا قبل أن يسأل عنه.
وفيه: الفهم بالإشارة والنظر.
وفيه: أن اتباع الشارع هي السُّنة، وإنْ كان في المسألة أوجه جائز غيرها.
وفيه: فتوى التلميذ بحضرة أستاذه عند السلطان وغيره. التوضيح (11/ 536-537).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: طلب العلو في العلم؛ لتشَوُّف الحَجَّاج إلى سماع ما أخبره به سالم من أبيه ابن عمر، ولم ينكر ذلك ابن عمر.
وفيه: تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس.
وفيه: احتمال المفسدة الخفيفة لتحصيل المصلحة الكبيرة، يؤخذ ذلك من مضي ابن عمر إلى الحَجَّاج وتعليمه.
وفيه: الحرص على نشر العلم لانتفاع الناس به.
وفيه: صحة الصلاة خلف الفاسق، وأن التوجه إلى المسجد الذي بعرفة حين تزول الشمس للجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر سُنة، ولا يضرّ التأخر بقدر ما يشتغل به المرء من متعلقات الصلاة كالغسل، ونحوه. فتح الباري (3/ 512).