السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

شهدتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو واقفٌ بعرَفةَ، ‌وأتاه ‌ناسٌ ‌من ‌أهلِ ‌نَجْدٍ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف الحجُّ؟ فقال: «الحجُّ عرفةُ، فمَن جاء قبل صلاةِ الفجرِ من ليلةِ جَمْعٍ فقد تمَّ حجُّه، أيامُ منى ثلاثةُ أيامٍ، فمَن تعجّلَ في يومين فلا إثمَ عليه، ومَن تأخّرَ فلا إثمَ عليه، ثم أردفَ رجلًا خلفَه، فجعلَ ينادي بهنَّ»


رواه أحمد برقم: (18774) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1949) والترمذي برقم: (889) والنسائي برقم: (3044) وابن ماجه برقم: (3015)، من حديث عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلِيَّ -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (3172)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1703).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«ليلة جَمْعٍ»:
ليلة جَمْع: ليلة المزدلفة، أي: ليلة القُرْب من مكة. غريب الحديث، لابن الجوزي (1/ 172).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«جَمْعٌ» عَلَم للمُزدلفة، سُمِّيَتْ به؛ لأَنَّ آدمَ -عليه السلام- وحوَّاءَ لمَّا أُهبِطَا اجتمعا بها. النهاية (1/ 296).
وقال ابن أبي الفتح البعلي -رحمه الله-:
«ليلة ‌جَمْعٍ» المراد بها ليلة ‌مزدلفة، وهي ليلة عيد الأضحى، وسميت ‌مُزْدلفة جَمْعًا لاجتماع الناس بها. المطلع على ألفاظ المقنع (ص: 75).

«أردفَ»:
إذا ‌أركب أحدًا خلفه. مجمع بحار الأنوار، للفتني (2/ 317).
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
(الرَّدفُ): الركوب خلف الراكب، وهو الرَّدف والرَّدِيف، وأصل الرَّدْف: العَجُز، ومنه أُخذ. يقال: رَدَفته أَرْدفه: ركِبْتُ خلفه، وأَرْدَفْتُه: أَرْكَبْتُه خلفي، وأَرْدَفْتُه بفلان أي: وجَّهْتُه خلفه. مطالع الأنوار (3/ 139).


شرح الحديث


قوله: «شهدتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو واقفٌ بعَرَفَةَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«شهدتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو» أي: والحال أنه «واقف بعرفة» في حجة الوداع. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 399).

قوله: «‌وأتاه ‌ناسٌ ‌من ‌أهلِ ‌نَجْدٍ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف الحجُّ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«و» الحال أنه قد «أتاه» -صلى الله عليه وسلم- «ناسٌ من أهل نجد» أي: من تميم «فقالوا» أي: فقال أولئك القوم: «يا رسول الله؛ كيف» عمل «الحجّ»؟ وما أركانه؟ وما واجباته؟ مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 399).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «كيف الحج؟» أي: كيف إدراكه وحصوله؟ كفاية الحاجة (2/ 239).

قوله: «فقال: الحجُّ عَرَفَةُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال عبد الرحمن: «فقال» لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الحجّ» أي: معظم أركان الحجّ الذي يحصل الحجّ بحصوله، ويفوت بفواته؛ وقوف «عرفة» فيما بين زوال شمس يوم التاسع وبين طلوع فجر ليلة النحر، فمَن لم يقف ولو لحظة في هذا الزمن، فقد فاته الحجّ. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 400).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «الحجّ عرفة» قيل: التقدير: معظم الحج وقوف يوم عرفة، وقيل: إدراك الحجّ إدراكه وقوف يوم عرفة، والمقصود: أنّ إدراك الحجّ يتوقف على إدراك الوقوف بعرفة، وأن مَن أدركه فقد أَمِنَ حجُّه من الفوات. كفاية الحاجة (2/ 239).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «الحجّ عرفة» أي: ‌الحج ‌الصحيح ‌حجّ ‌مَن ‌أدرك ‌يوم ‌عرفة. نيل الأوطار (5/ 72).
وقال القرافي -رحمه الله-:
«الحجّ عرفة» يدلّ على فضيلة الوقوف على سائر الأركان؛ لأنّ تقديره: معظم الحج وقوف عرفة؛ لعدم انحصار الحجّ فيه بالإجماع، قيل: بل يقدَّر غير ذلك، وهو ‌إدراك ‌الحجّ ‌وقوف ‌عرفة، وهذا مجمع عليه، فيكون أولى من المختلف فيه. الذخيرة (3/ 175).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الحجّ عرفة» أي: ‌مَلَاك ‌الحجّ ومعظم ‌أركانه وقوف عرفة؛ لأنه يفوت بفواته. مرقاة المفاتيح (5/ 1863).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«‌الحجّ عرفة» معناه: أنه لا بدّ في الحجّ من الوقوف بعرفة، فمَن لم يقف بعرفة فقد فاته الحجّ، وليس معناه: أنّ مَن وقف بعرفة لم يبقَ عليه شيء من أعمال الحجّ بالإجماع، فإن الإنسان إذا وقف بعرفة بقي عليه من أعمال الحج كالمبيت بمزدلفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والمبيت في منى، ولكن المعنى: أن الوقوف بعرفة لا بدّ منه في الحجّ، وإن لم يقف بعرفة فلا حجّ له؛ ولهذا قال أهل العلم: مَن فاته الوقوف فاته الحجّ. مجموع الفتاوى(23/ 24).

قوله: «فمَن جاءَ قبلَ صلاةِ الفجرِ من ليلةِ جَمْعٍ فقد تمَّ حجُّه»:
قال السندي -رحمه الله-:
«ليلة جَمْع» بفتح فسكون اسم مزدلفة، وظاهر العُرف أنه لا بدّ في وقوف عرفة من جزء من الليل، لكن ليس بمراد كما سيجيء، «فقد تمّ حجّه» أي: أَمِنَ من الفوت، وإلا فلا بدّ من الطواف. كفاية الحاجة (2/ 239).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فمَن جاء» عرفة «قبل صلاة الفجر ليلة جَمْعٍ» أي: ليلة العيد، سمي ليلة جمع؛ لأن الناس يفيضون فيها إلى جمع؛ أي: إلى مزدلفة، «فقد تمّ حجّه» أي: أدرك الحج تامًّا وإن وجب عليه الدم؛ لفوات الجمع بين الليل والنهار في الوقوف عند مَن أوجبه، وقوله: «قبل صلاة الفجر» فيه ردّ على مَن زعم أنّ الوقوف يَفُوت بغروب الشمس يوم عرفة، ومَن زعم أن وقته يمتدّ إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس، قوله: «مَن ليلة جَمْع» أي: ولو من ليلة المزدلفة؛ وهي ليلة العيد، ولفظ الترمذي: «الحجّ عرفة، مَن أدرك عرفة ليلة جَمْع قبل طلوع الفجر» قوله: «فقد تمّ حجّه» أي: لم يفته وأَمِنَ من الفساد إذا لم يجامع قبل الوقوف. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 400).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقوله (في رواية الترمذي): «‌قبل طلوع الفجر» هذا يؤكد أنَّ صلاة الفجر بجَمْعٍ من المناسك، كما دلّ له الأول (أي: حديث عُروة بن مضرس). التحبير (3/ 368).
وقال الترمذي -رحمه الله- بعد إخراجه الحديث:
والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم أنّه ‌مَن ‌لم ‌يقف ‌بعرفات ‌قبل ‌طلوع الفجر فقد فاته الحجّ، ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة، وعليه الحجّ من قابل، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. سنن الترمذي (3/ 229).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
أجمعوا على أنَّ ‌الوقوف ‌بعرفة فرض، ولا حجّ لمن فاته الوقوف بها، وأجمعوا على أنه مَن وقف بها من ليل أو نهار بعد زوال الشمس من يوم عرفة أنه مدرِك للحجّ، وانفرد مالك فقال: عليه الحجّ من قابل.
وأجمعوا على أنه مَن وقف بعرفات على غير طهارة أنه مدرك للحجّ ولا شيء عليه. الإجماع (ص: 57).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قد أجمع المسلمون أنَّ الوقوف بعرفة ليلًا يجزئ عن الوقوف بالنهار، إلا أن فاعل ذلك عندهم إذا لم يكن مراهقًا (المراهق: هو الذي يخاف فوات الوقوف إِنْ طاف وسعى) ولم يكن له عذر فهو مسيء، ومن أهل العلم مَن رأى عليه دمًا، ومنهم مَن لم يرَ عليه شيئًا، وجماعة الفقهاء يقولون: إنَّ مَن وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا بعد زوال الشمس من يوم عرفة أنه مدرك للحجّ، إلا مالك بن أنس ومَن قال بقوله، فإنَّ الفرض عنده الليل دون النهار، وعند سائر العلماء الليل والنهار بعد الزوال في ذلك سواء في الفرض، إلا أن السُّنة أن يقف كما وقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهارًا يتصل له بالليل.
ولا خلاف بين أهل العلم أن الوقوف بعرفة فرض لا حج لمن فاته الوقوف بها يوم عرفة كما ذكرنا، أو ليلة النحر على ما وصفنا. التمهيد (6/ 421).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
وقت الوقوف: من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنَّ آخر الوقت طلوع فجر يوم النحر، قال جابر: لا يفوت الحجّ حتى يطلع الفجر من ليلة جَمْع، قال أبو الزبير: فقلتُ له: أقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك؟ قال: نعم، رواه الأثرم.
وأما أوله: فمن طلوع الفجر يوم عرفة، فمَن أدرك عرفة في شيء من هذا الوقت وهو عاقل فقد تمّ حجّه، وقال مالك والشافعي: أول وقته زوال الشمس يوم عرفة، واختاره أبو حفص العكبري، وحمل عليه كلام الخرقي، وحكى ابن عبد البر ذلك إجماعًا، (و) ظاهر كلام الخرقي ما قلناه، فإنه قال: "لو وقف بعرفة نهارًا ودفع قبل الإمام فعليه دم"، ولنا (أي: دليلنا) قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمّ حجّه، وقضى تفثه»؛ ولأنه من يوم عرفة، فكان وقتًا للوقوف كبَعْد الزوال، وترك الوقوف لا يمنع كونه وقتًا للوقوف كبعد العشاء، وإنما وقفوا في وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف. المغني (5/ 274- 275).
وقال النووي -رحمه الله-:
إذا وقف (بعرفة) في النهار ودفع قبل غروب الشمس ولم يعد في نهاره إلى عرفات هل يلزمه الدم؟ فيه قولان سبقا؛ الأصح أنه لا يلزمه، وقال أبو حنيفة وأحمد: يلزمه، فإن قلنا: يلزمه فعاد في الليل سقط عندنا وعند مالك، وقال أبو حنيفة وأبو ثور: لا يسقط، وإذا دفع بالنهار ولم يعد أجزأه وقوفه وحجُّه صحيح، سواء أوجبنا الدم أم لا، وبه قال عطاء والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور وهو الصحيح من مذهب أحمد، قال ابن المنذر: وبه قال جميع العلماء إلا مالكًا، وقال مالك: المعتمد في الوقوف بعرفة هو الليل، فإن لم يدرك شيئًا من الليل فقد فاته الحجّ، وهو رواية عن أحمد، واحتجّ مالك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «وقف حتى غربت الشمس، وقال: لتأخذوا مناسككم»، واحتجّ أصحابنا بحديث عروة بن مضرس السابق إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن شهد صلاتنا هذه -يعني: الصبح- وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمّ حجّه» وهو حديث صحيح، والجواب عن حديثهم: أنه محمول على الاستحباب، أو أن الجمع بين الليل والنهار يجب لكن يُجبر بدم، ولا بدّ من الجمع بين الحديثين، وهذا الذي ذكرناه طريق الجمع، والله أعلم...
وقت الوقوف: بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر ليلة النحر، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، وقال القاضي أبو الطيب (الطبري) والعبدري: هو قول العلماء كافة إلا أحمد، فإنه قال: وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم النحر، واحتجّ بحديث عروة السابق قريبًا...، واحتجّ أصحابنا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف بعد الزوال، وكذلك الخلفاء الراشدون فمَن بعدهم إلى اليوم، وما نُقل أن أحدًا وقف قبل الزوال، قالوا: وحديث عروة محمول على ما بعد الزوال. المجموع (8/ 119- 120).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
وقت الوقوف: من زوال الشمس يوم ‌عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، ولنا وجه: أنه يشترط كون الوقوف بعد الزوال، وبعد مضي زمان إمكان صلاة الظهر، وهذا شاذّ ضعيف جدًّا، فلو اقتصر على الوقوف ‌ليلًا صحّ حجّه على المذهب، وبه قطع الجمهور، وقيل: في صحته قولان، ولو اقتصر على الوقوف نهارًا، وأفاض قبل الغروب صحّ وقوفه بلا خلاف، ثم إن عاد إلى ‌عرفة وبقي بها حتى غربت الشمس فلا دم، وإن لم يعد حتى طلع الفجر أراق دمًا، وهل هو واجب أو مستحب؟ فيه ثلاثة طرق؛ أصحها: على قولين؛ أظهرهما: مستحبّ، والثاني: واجب، والطريق الثاني: مستحبّ قطعًا، والثالث: إن أفاض مع الإمام فمعذور، وإلا فعلى القولين، وإذا قلنا بالوجوب فعاد ‌ليلًا فلا دم على الأصحّ. روضة الطالبين (3/ 97).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
واختلف العلماء -رحمة الله عليهم- فيما قبل الزوال من يوم عرفة: هل يجزئ الوقوف فيه أم لا يجزئ؟ على قولين: الأكثرون على أن الوقوف لا يجزئ إلا بعد الزوال؛ لأنه الموقف الذي فعله النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقال آخرون: لو وقف قبل الزوال في صباح عرفة، وانصرف أجزأه ذلك، ولكن عليه دمًا؛ لأنه لم يقف إلى الغروب، واحتجوا بما ثبت من حديث عروة بن مضرس، أنه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أَكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي، فما تركتُ من جبل إلا وقفتُ عنده، فهل لي من حجّ؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: «‌مَن شهد صلاتنا هذه بمزدلفة، وقد وقف في عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حجه، وقضى تفثه»، فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا» يعمّ ما قبل الزوال؛ ولهذا ذهب أحمد -رحمه الله- وجماعة إلى أن الوقوف قبل الزوال يجزئ، ويدرك به الحجّ، وذهب الجمهور -رحمة الله عليهم- إلى أنه لا يدرك الحج إلا بالوقوف بعد الزوال، فينبغي للمؤمن أن يحتاط لدينه، وألّا يقف إلا بعد الزوال، كما وقف النبي -عليه الصلاة والسلام-. فتاوى نور على الدرب (17/ 331- 333).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والمسألة عند التأمل تكاد تقول: إن الأدلة متكافئة في كون ما قبل الزوال وقتًا للوقوف أو لا؛ لأن كون الرسول -عليه الصلاة والسلام- يبقى في نمرة إلى الزوال ثم لم يأت إلا بعد أن زالت الشمس مع أنه بإمكانه أن يرتحل من نمرة قبل الزوال أو يواصل السير حتى ينزل مرة واحدة يؤيد قول الجمهور أن وقت الوقوف من الزوال فقط. التعليقات على الكافي.
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
ولا شك أن هذا القول أحوط من القول بأن النهار في هذا الحديث يشمل ما قبل الزوال. الشرح الممتع(7/٢٩٨).

قوله: «أيامُ منى ثلاثةُ أيامٍ، فمَن تعجّلَ في يومين فلا إثمَ عليه، ومَن تأخّرَ فلا إثمَ عليه»:
قال السندي -رحمه الله-:
«وأيام منى ثلاثة» أي: سوى يوم النحر، وإنما لم يعدّ يوم النحر من أيام منى؛ لأنه ليس مخصوصًا بمنى، بل فيه مناسك كثيرة. كفاية الحاجة (2/ 239).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لا خلاف أنَّ أيام منى ثلاثة أيام، وروي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. الاستذكار (4/ 339.
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «أيامُ منى» مرفوع على الابتداء، وخبره قوله: «ثلاثةُ أيام» وهي الأيام المعدودات، وأيام التشريق وأيام رمي الجمار، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها؛ لإجماع الناس على أنه لا يجوز النفر يوم ثاني النحر، ولو كان يوم النحر من الثلاث لجاز أن ينفر مَن شاء في ثانيه. نيل الأوطار (5/ 72).
وقال الشوكاني -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «فمَن تعجّل في يومين» أي: من أيام التشريق، فنفر في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه في تعجيله، ومَن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخيره، وقيل: المعنى: ومَن تأخر عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة فلا إثم عليه، والتخيير ها هنا وقع بين الفاضل والأفضل؛ لأنّ المتأخر أفضل، فإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل فما بال المتأخر الذي أتى بالأفضل أُلحق به؟
فالجواب: أنَّ المراد مَن عمل بالرخصة وتعجل فلا إثم عليه في العمل بالرخصة، ومَن ترك الرخصة وتأخر فلا إثم عليه في ترك الرخصة.
وذهب بعضهم إلى أنّ المراد وضع الإثم عن المتعجل دون المتأخر، ولكن ذُكرا معًا والمراد أحدهما. نيل الأوطار (5/ 72).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «‌مَن تعجَّل في يومين...» إلخ، أي: تعجَّل ونفر من منى إلى مكة في ثاني يومين من أيام التشريق، فلا إثم عليه في تعجله، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني، وبقي إلى الثالث، ونفر بعد رمي الجمار، فلا إثم عليه في التأخر، بل هو الأفضل؛ لأنه الذي فعله النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حجة الوداع، والمراد: أنه لا إثم عليه في ترك رخصة التعجل، أو أنه نفى الإثم عن المتأخّر مشاكلة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (25/ 365-366)
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فمَن تعجّل» أي: للنفر «في يومين» أي: اليومين الأخيرين من أيام التشريق «فلا إثم عليه» وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة، ورمي اليوم الثالث ولا دم عليه، «وتعجّل» جاء لازمًا ومتعدّيًا، وهنا لازم لمقابلة قوله: «ومَن تأخّر» أي: لرمي يوم الثالث «فلا إثم عليه» وهو أفضل؛ لكون العمل فيه أكمل لعمله -صلى الله عليه وسلم،-، وقد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين؛ إحداهما ترى المتعجّل آثمًا، وأخرى ترى المتأخر آثمًا، فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما، ودلّ فعله -عليه الصلاة والسلام- على بيان الأفضل منهما. مرقاة المفاتيح (5/ 1863).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فسأل سائلٌ فقال: ما معنى قوله -عز وجل-: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} البقرة: 203، والمتأخر قد استوفى الأيام التي أمره الله -عز وجل- بالمقام فيها بمنى، ومَن كانت هذه سبيله لم يجز أنْ يُقال: فلا إثم عليه فيما فعل، كما لا يجوز أنْ يُقال: لا إثم على من صلى صلاة الظهر ولا على من صلى الصلوات الخمس كلها، وإنما يجوز أنْ يُقال: لا إثم على مَن قصَّر عن شيء أمر به، ورخص له مع ذلك ترك بعضه، أو ترك كله؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله -عز وجل- وعونه: أنَّه قد يحتمل أنْ يكون ذلك لأنَّ الله -عز وجل- يحب أنْ تُؤتى رخَصُه كما يحب أنْ تُؤتى عزائمُه، فكان المقيم إلى النفر الآخر تاركًا لرخصة الله -عز وجل-، فيرفع الله -عز وجل- عنه الإثم في ذلك؛ لقوله: {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} البقرة: 203، والله -سبحانه وتعالى- نسأله التوفيق. شرح مشكل الآثار (8/ 439-440).
وقال الخازن -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: قوله: «‌ومَن ‌تأخر ‌فلا إثم عليه» فيه إشكال، وهو أنَّ الذي أتى بأفعال الحجّ كاملة تامّة فقد أتى بما يلزمه، فما معنى قوله: «فلا إثم عليه» إنما يخاف من الإثم مَن قصّر فيما يلزمه؟
قلتُ: فيه أجوبة:
أحدها: أنه تعالى لما أَذن في التَّعجيل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أنّ مَن لم يجرِ على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم، فأزال الله تعالى هذه الشبهة، وبيّن أنه لا إثم عليه في الأمرين فإن شاء عجّل، وإن شاء أخّر.
الجواب الثاني: أنّ مِن الناس مَن كان يتعجّل ومنهم مَن كان يتأخّر، وكلُّ فريق يصوِّب فعله على فعل الفريق الآخر، فبيّن الله تعالى أن كل واحد من الفريقين مصيب في فعله، وأنه لا إثم عليه.
الجواب الثالث: إنما قال: «‌ومَن ‌تأخر ‌فلا إثم عليه» لمشاكلة اللفظة الأولى، فهو كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الشورى: 40، ومعلوم أنّ جزاء السيئة ليس بسيئة.
الجواب الرابع: أنّ فيه دلالة على جواز الأمرين، فكأنه تعالى قال: فتعجلوا أو تأخروا فلا إثم في التعجيل ولا في التأخير. لباب التأويل (1/ 136).

قوله: «ثم أردفَ رجلًا خلفَه، فجعلَ ينادي بهنَّ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم أردف» أي: أركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وراءه «رجلًا» من الصحابة؛ وهو أسامة بن زيد «خلفه» أي: وراءه إلى أن وصل مزدلفة «فجعل» أي: شرع الرديف بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «ينادي» الناس وهو راكب، «بهنّ» أي: بهذه الكلمات المذكورة؛ يعني: من قوله: «الحجّ عرفة» إلى قوله: «فمَن تأخر فلا إثم عليه». مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 402).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ينادي بهنّ» أي: بهذه الأحكام أو الجُمَل أو الكلمات. كفاية الحاجة (2/ 239).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فيه: جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث. البحر المحيط الثجاج (23/ 74).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: أنَّ الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ لا يصحّ إلا به، وهو أشهر أركان الحجّ؛ للحديث الصحيح: «الحجّ عرفة» وأجمع المسلمون على كونه ركنًا...
ومنها: أنه يكفي الوقوف بعرفة ليلًا، وبه قال الجمهور، وهو الحق، وحكى النووي قولًا: إنه لا يكفي الوقوف ليلًا، ومَن اقتصر عليه فقد فاته الحجّ، والأحاديث الصحيحة تردّ عليه.
ومنها: أنه يكفي الوقوف بعرفة ولو لحظة لطيفة من ليل أو نهار، وفيه حديث عروة بن مضرس -رضي الله عنه- الآتي بعد سبعة أبواب، وفيه: «مَن شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمّ حجّه، وقضى تفثه». ذخيرة العقبى (25/ 366- 367).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)

وينظر فتوى للشيخ ابن عثيمين فيمن وقف بعرفة قبل الزوال وخرج منها قبل الزوال (هنا)


إبلاغ عن خطأ