الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«‌ليسَ ‌على ‌النساءِ ‌الحَلْقُ، إنَّما على النساءِ التقصيرُ».


رواه أبو داود برقم: (1984)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (5403)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1985).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «‌ليسَ ‌على ‌النساءِ ‌الحَلْقُ، إنَّما على النساءِ التقصيرُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌ليس على ‌النساء ‌الحلق» أي: لا يجب عليهنّ ‌الحلق في التحلل، «إنما على ‌النساء ‌التقصير» أي: إنما الواجب عليهنّ ‌التقصير، بخلاف الرجال فإنه يجب عليهم أحدهما، والحلق أفضل. مرقاة المفاتيح (5/ 1832).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌ليس على ‌النساء» في النُّسك «حلق»، وعليه الإجماع، «إنما على ‌النساء ‌التقصير» فيكره لهنّ ‌الحلق، فإن حلقنَ أجزأ، قال جمعٌ شافعيون: والخنثى مثلها. فيض القدير (5/ 369).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إنما على ‌النساء ‌التقصير»؛ إبقاء للزينة. لمعات التنقيح (5/ 400).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
أجمعوا أن ليس على النساء حلق. الإجماع (ص: 58).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمعوا أن الحِلَاق أفضل من التقصير، وأن ليس على النساء حلق، وأن سُنَّتهنّ التقصير. التمهيد (5/ 283).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
قد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «‌ليس على ‌النساء حلق، إنما عليهنّ ‌التقصير»، وأجمع أهل العلم على القول به في محفوظ ذلك عن ابن عمر وعطاء وعمرة وحفصة بنت سيرين وعطاء الخرساني ومالك والثوري وسائر أهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم، والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وسائر أهل العلم، ورأت جماعة أنَّ حلقها رأسها من المثْلَة. الإشراف (3/ 359).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لا خلاف في أنَّ حكم ‌النساء ‌التقصير، وأنَّ الحِلَاق غير لازم لهنّ عندنا (المالكية) وعند كثير من العلماء، على أنَّ الحِلَاق لهنّ غير جائز؛ لأنّه مُثلة فيهنّ. المفهم (3/ 405).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أنه لا تؤمر المرأة بالحلق، بل وظيفتها ‌التقصير من شعر رأسها، قال الشيخ أبو حامد (الإسفراييني) والدارمي والماوردي وغيرهم: يُكره لها الحلق، وقال القاضي أبو الطيب (الطبري) والقاضي حسين (المروروذي) في تعليقهما: لا يجوز لها الحلق، ولعلهما أرادا أنه مكروه، وقد يُستدل للكراهة بحديث علي -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نهى أن تحلق المرأة رأسها» رواه الترمذي، وقال: فيه اضطراب، ولا دلالة في هذا الحديث؛ لضعفه، لكن يُستدل بعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» رواه مسلم، وبالحديث الصحيح السابق مرات في نهي النساء من التشبه بالرجال...، قال القاضي أبو الفتوح (ابن أبي عقامة) في كتاب الخناثى: وظيفة الخنثى التقصير دون الحلق، قال: والتقصير أفضل كالمرأة، والله أعلم. المجموع (8/ 204- 205).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما النساء فالمشروع في حقهن التقصير بالإجماع، وفيه حديث لابن عباس عند أبي داود ولفظه: «‌ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير» وللترمذي من حديث علي «‌نهى أن تحلق المرأة رأسها»، وقال جمهور الشافعية: لو حلقت أجزأها ويكره، وقال القاضيان أبو الطيب وحسين: لا يجوز، والله أعلم. فتح الباري (3/ 565).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلفوا في قَدْرِ ما تقصِّر من رأسها؛ فكان ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور يقولون: تقصِّر مِن رأسها من كل فرق مثل الأنملة وذَكر ابن الحسن قول ابن عمر هذا.
وروينا عن عطاء أنه قال: تأخذ قدر ثلاث أصابع مقبوضة، أو أربع أصابع، وعن النخعي أنه قال: قدر مفصلين (من إصبع)، وقال قتادة: تقصر الثلث أو الربع، وقالت حفصة بنت سيرين: المرأة التي قعدت (صارت من القواعد) تأخذ نحو الربع، وفي الشَّابة أشارت بأنملتها تأخذ وتُقَلِّل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرون رأسها، وما أخذت من ذلك فهو يكفيها، ولا يجزئ عنده أن تأخذ من بعض القرون وتُبْقِي بعضًا.
قال أبو بكر (ابن المنذر): يجزئ ما وقع عليه اسم تقصير، والأحوط: أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة. الإشراف (3/ 359).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
ليس على النساء حلق الشعر، ويؤخذ من شعورهنّ ‌قدر ‌أنملة، ويعمّ بالأخذ، وإن أخذ أقل من ذلك أو من ناحية من نواحي الرأس ما كان ثلاث شعرات فصاعدًا أجزأ عنهنّ وعن الرجال، وكيفما أخذوا بحديدة أو غيرها أو نتفًا أو قرضًا أجزأ إذا وقع عليه اسم أَخْذٍ، وكان شيء موضوعًا منه لله -عز وجل-، يقع عليه اسم جماع شَعْر؛ وذلك ثلاث شعرات فصاعدًا. الأم (2/ 232).
وقال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-:
هذه الروايات التي ذكرنا في نهي المرأة عن حلق رأسها عن علي وعثمان وعائشة يعضد بعضها بعضًا...، وأما كون حلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة فمن بعدهم، فهو أمر معروف، لا يكاد يُخَالِفُ فيه إلا مُكابر، فالقائل: بجواز الحلق للمرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين المعروف، وفي الحديث الصحيح: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك، وإذا لم يبح لها حلقه في حال النُّسك فغيره من الأحوال أولى، وأما كون حلق المرأة رأسها تشبهًا بالرجال فهو واضح، ولا شك أنَّ الحالقة رأسها متشبهة بالرجال؛ لأن الحلق من صفاتهم الخاصة بهم دون الإناث عادة، وقد قدمنا الحديث الصحيح في لعن المتشبهات من النساء بالرجال في سورة بني إسرائيل...
وأما كون حلق رأس المرأة مُثْلة فواضح؛ لأن شعر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها كما يدركه الحس السليم، وعامة الذين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم وكلامهم مُطْبِقُون على أنَّ شَعْر المرأة الأسود من أحسن زينتها لا نزاع في ذلك بينهم في جميع طبقاتهم، وهو في أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام...
فإن قيل: جاء عن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على حلق المرأة رأسها، وتقصيرها إياه، فما دل على الحلق فهو ما رواه ابن حبان في صحيحه...، عن يزيد بن الأصم عن ميمونة: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوجها حلالًا، وبنى بها، وماتت بسَرِف، فدفنها في الظلة التي بنى بها فيها، فنزلنا قبرها أنا وابن عباس فلما وضعناها في اللحد مال رأسها، فأخذتُ ردائي فوضعته تحت رأسها فاجتذبه ابن عباس فألقاه، وكانت قد حلقت رأسها في الحج فكان رأسها محجمًا» انتهى بواسطة نقل صاحب "نصب الراية"، فهذا الحديث يدل على أن ميمونة حلقت رأسها، ولو كان حرامًا ما فعلته، وأما التقصير: فما رواه مسلم في صحيحه... عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «دخلتُ على عائشة أنا وأخوها من الرضاع، فسألها عن غسل النبي -صلى الله عليه وسلم- من الجنابة فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا، قال: وكان أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة»، اهـ من صحيح مسلم.
فالجواب عن حديث ميمونة على تقدير صحته: أنَّ فيه أنَّ رأسها كان محجمًا، وهو يدل على أنَّ الحلق المذكور لضرورة المرض؛ لتتمكن آلة الحجم من الرأس، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها، وقد قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام: 119.
وأما الجواب: عن حديث مسلم فعلى القول بأنَّ الوفرة أطول من اللمة -التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر- فلا إشكال؛ لأنَّ ما نزل عن المنكبين طويل طولًا يحصل به المقصود...، فالجواب: أنَّ أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما قصَّرن رؤوسهنّ بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهنّ كنّ يتجملنّ له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- فلهن حكم خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًّا من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهن كالمعتدَّات المحبوسات بسببه -صلى الله عليه وسلم- إلى الموت، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} الأحزاب: 53، واليأس من الرجال بالكلية قد يكون سببًا للترخيص في الإخلال بأشياء من الزينة، لا تحل لغير ذلك السبب. أضواء البيان (5/ 189-192).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
يعتضد ‌عدم ‌حلق ‌النساء ‌رؤوسهنّ ‌بخمسة ‌أمور غير ما ذكرنا:
الأول: الإِجماع على عدم حلقهنّ في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهنّ لشرع في الحج.
الثاني: أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق.
الثالث: أنه ليس من عملنا، و«مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ».
الرابع: أنه تشبُّه بالرجال، وهو حرام.
الخامس: أنه مُثلة، والمثلة لا تجوز. أضواء البيان (5/ 647).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
ولو اعتمرت المرأة أيامًا وقصَّرت من شعرها كل يوم حتى بقي شعرُها قدرَ أنملة، فإنْ حلقت رأسها وقعت في الحرمة أو الكراهة، وإن لم تحلق فلا تحل، ولم أرَ حكمه في ذلك في شيء من كتب المذهب (الحنفي) إلا أنْ يُقال: كما أنَّ إجراء الموسى على من ليس له شعر في الرأس يكفيه كذلك إجراء المقص لعلها يكفيها، والله أعلم. بذل المجهود (7/ 466).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن المشروع في حقهن التقصير، وقد حكى الحافظ الإجماع على ذلك، قال جمهور الشافعية: فإن حلقت أجزأها، قال القاضي أبو الطيب والقاضي حسين: لا يجوز، وقد أخرج الترمذي من حديث علي -عليه السلام-: «نهى أن تحلق المرأة رأسها». نيل الأوطار(5/٨٤).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث فيه دليل على أنّ ‌النساء ‌ليس عليهنّ حلق؛ لقوله: «‌ليس على ‌النساء حلق» ومفهومه: أنّ على الرجال ‌الحلق، وهذه هي الفائدة الثانية.
ويستفاد منه: وجوب ‌التقصير على ‌النساء؛ لقوله: «وإنما يقصرنَ»، ولكن كيف تقصِّر؟
قال العلماء: تأخذ من كل ضفر من الضفائر التي عليها -يعني: الجدائل- قدر أنملة -وهي مفصل الأصبع-، وإنما وجب عليها ذلك لئلا يجتاح ‌التقصير رأسها، والمرأة تحبّ أن يبقى شعر رأسها؛ لأنه جمال لها، فلو أُمرت بالحلق أو بالتقصير الكبير لفات المقصود من تجملها وجمالها.
فإن قلتَ: هل لها أن تقصر أكثر من ذلك؟
الجواب: لا مانع، لكن المعروف عند أهل العلم أنها لا تقصر إلا بهذا المقدار، وهو قدر أنملة. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 421).


إبلاغ عن خطأ