«نزلتْ آيةُ المُتْعَةِ في كتابِ اللهِ -يعني مُتْعَةَ الحَجِّ- وأَمَرنا بها رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ثم لم تَنْزِلْ آيةٌ تَنْسَخُ آيةَ مُتْعَةِ الحَجِّ، ولم يَنْهَ عنها رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- حتَّى ماتَ، قال رجُلٌ بِرَأْيِهِ بعدُ ما شاءَ».
رواه البخاري برقم: (4518) ومسلم برقم: (1226) واللفظ له، من حديث عِمْرَان بن حُصَين -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«المُتْعَةِ»:
متعة الحج: جمْعُ غير المكي بين الحج والعمرة في أشهر الحج في سفرٍ واحدٍ...، بضم الميم؛ إلا أنَّ أبا علي حكى عن الخليل كَسْر ميم متعة الحج. الاقتضاب، لليفرني (2/ 108-109).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
المعروف الضم (أي: في الجميع). مشارق الأنوار (1/ 372).
وقال العيني -رحمه الله-:
قيل: سُمِّي المتمتِّع مُتمتِّعًا؛ لأنهم يتمتعون بالنساء والطيب بين العمرة والحجّ. البناية شرح الهداية (4/ 300).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «نزلتْ آيةُ المُتعة في كتابِ اللهِ»:
قال ابن العطار -رحمه الله-:
المراد بآية المتعة قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} البقرة: 196. العدة في شرح العمدة (2/ 1029).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
قوله: «في كتاب اللَّه» -عزَّ وجل- المُنزَّلِ على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. كشف اللثام (4/ 309).
قوله: «يعني مُتعة الحجِّ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال أبو رجاء: «يعني» عمران بن حصين بالمتعة في قوله: «نزلت آية المتعة»، «متعة الحج» لا متعة النكاح. الكوكب الوهاج (14/ 99).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
وهو (أي: التمتع) يشمل مَن أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا، فلمَّا فرغ منها أحرم بالحج، وهذا هو التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء. تفسير القرآن العظيم (2/ 234).
قوله: «وأَمَرنا بها رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأمرنا» أي: أمر مَن لم يسق الهدي «بها» أي: بالمتعة «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». الكوكب الوهاج (14/ 99).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
قد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهم بذلك؛ ليحلوا بالتَّحلل من العُمرة، ولم يحل هو -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان قد ساق الهدي. إحكام الأحكام (2/ 79).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
النبي -صلى الله عليه وسلم- إما أنْ يكون أمرهم بالفسخ؛ لأن التمتع أفضل، فأمرهم بالفسخ إلى أفضل الأنساك، أو يكون أمرهم به؛ ليكون نسكهم مخالفًا للمشركين في التمتع في أشهر الحج، وعلى التقديرين فهو مشروع غير منسوخ إلى الأبد، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن الشريعة قد استقرت، ولا سيما في المناسك على قصد مخالفة المشركين، فالنسك المشتمل على مخالفتهم أفضل بلا ريب. تهذيب سنن أبي داود (1/ 199).
قوله: «ثم لم تنزل آية تنسخُ آية مُتعة الحَج»:
قال السفاريني -رحمه الله-:
«ثمّ لم تنزل» بعد ذلك «آية» من كتاب اللَّه «تنسخ آيةَ متعةِ الحجّ» يعني: قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} البقرة: 196. كشف اللثام (4/ 311).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم» بعدما أمرنا بها «لم تنْزل آية تنسخ آية متعة الحج». الكوكب الوهاج (14/ 99).
قوله: «ولم يَنْهَ عنها رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- حتَّى ماتَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ولم يَنهَ» بفتح أوله ولأبي ذر: «ولم يُنهَ» بضمه، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: «فلم ينهَ» الفاء بدل الواو «عنها» أي: المتعة، فذَكَرَ الضمير باعتبار التمتع، وأَنَّثه باعتبار المتعة «حتى مات» النبي -صلى الله عليه وسلم-. إرشاد الساري (7/ 30).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
وحيثُ ثبتت متعةُ الحجّ بالنص القرآني، ولا ناسخَ لها من كتاب، ولا سُنة، فلا التفاتَ لمن زعم عدمَ الجواز. كشف اللثام (4/ 311- 312).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي الرواية الأخرى «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمع بين حج وعمرة ثم لم ينْهَ عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرِّمه ... وفي الرواية الأخرى: «تمتَّعْنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ينزل فيه القرآن، قال رجل برأيه ما شاء»، وفي الرواية الأخرى: «تمتع وتمتعنا معه» وفي الرواية الأخرى: «نزلت آية المتعة في كتاب الله -يعني متعة الحج- وأَمَرَنا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» وهذه الروايات كلها مُتفقة على أن مراد عِمران أن التمتع بالعمرة إلى الحج جائز وكذلك القِران.
وفيه: التصريح بإنكاره على عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع التمتع وقد سبق تأويل فعل عُمر أنه لم يرد إبطال التمتع بل ترجيح الإفراد عليه. شرح صحيح مسلم(8/٢٠٥).
قوله: «قال رجُلٌ برأيه بعدُ ما شاءَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه. شرح صحيح مسلم(8/٢٠٥).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال رجلٌ» من أمراء المسلمين «برأيه» واجتهاده بلا مستند «بعدُ» أي: بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- «ما شاء» من الرأي. الكوكب الوهاج (14/ 99).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقوله: «قال رجل برأيه ما شاء» يعني: مِن تركه والأخذ به، وأن الرأي بعد النبي -عليه السلام- باختيار الإفراد لا يُنسخ ما سنَّهُ من التمتع والقِران. شرح صحيح البخاري (4/ 254).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «قال رجل برأيه ما شاء» يعني: عمر، يريد في نهيه عن ذلك، وأمره بالإفراد. إكمال المعلم (4/ 300-301).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «قال رجل برأيه ما شاء» قد ذكرنا هناك أنَّ عثمان -عليه السلام- كان ينهى عن المتعة. كشف المشكل (1/ 474).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «رجل» ظاهر سياق هذا الكتاب يقتضي أنْ يكون المراد به عثمان. الكواكب الدراري (8/ 97).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
أغرب الكرماني فقال: ظاهر سياق كتاب البخاري أنَّ المراد به عثمان، وكأنَّه لقُرْب عهده بقصة عثمان مع عليٍّ جزم بذلك؛ وذلك غير لازم، فقد سبقت قصة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم قصة في ذلك.
والأَولى أنْ يُفسَّر بعمر؛ فإنَّه أوَّل مَن نهى عنها، وكأنَّ مَن بعده كان تابعًا له في ذلك. فتح الباري (3/ 433).
وقال العيني -رحمه الله-:
قال ابن التين: يُحتمل أنْ يكون أراد أبا بكر أو عمر أو عثمان. نخب الأفكار (9/ 184).
وقال النووي -رحمه الله-:
وكان عمر وعثمان ينهيان عنها (المتعة في الحج) نهي تنزيه، لا تحريم، وإنَّما نهيا عنها لأن الإفراد أفضل، فكان عمر وعثمان يأمران بالإفراد؛ لأنَّه أفضل، وينهيان عن التمتع نهي تنزيه؛ لأنه مأمور بصلاح رعيته، وكان يرى الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (8/ 202).
وقال المازري -رحمه الله-:
اختُلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل: هي فسخ الحج في العمرة، وقيل: بل هي العمرةُ في أشهر الحج، ثم الحَجُّ بعدها، ويكون نهيه عن ذلك على جهة التَّرغيب فيما هو الأفضل الذي هو الإِفراد؛ وليكثر تَرَدُّدُ الناس إلى البيت. المعلم (2/ 86).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ظاهر حديث جابر وعمران وأبي موسى: أنَّ المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج والعمرة؛ ولذلك جاء ضرب عمر عليها، وما كان ليضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنَّما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة: أنَّه كان خصوصًا قبل ذلك في تلك الحِجة من فسخ الحج في العمرة.
قال أبو عمر الحافظ (ابن عبد البر): لا خلاف بين العلماء في أنَّ التمتع المراد بقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْي} البقرة: 196، أنَّه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، على ما تقدم من صفته.
ومن التمتع أيضًا عند العلماء: القِرَان؛ لأنَّه تمتَّعَ بسقوط سفره الثاني من بلده، كما صنع الأول.
ووجه ثالث من التمتع: فسخ الحج في العمرة.
والوجه الرابع: ما ذهب إليه ابن الزبير من تمتُّع المحصَر بعدها أو عذر حتى تذهب أيام الحج، فيحلّ بالطواف بالبيت والسعي، وتمتع بحلِّه إلى قابل، ثم يحج ويهدي، وأما نهي عمر عن متعة النساء فهو أمر كان خاصًّا أولًا، كما جاء في حديث أبي ذرٍ، ثم نُسخ، وكان فيه خلاف في الصدر الأول، ثم وقع الإجماع (على النهي عنها). إكمال المعلم (4/ 264).
وقال النووي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: والمختار أنَّ عمر وعثمان وغيرهما إنَّما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، ومرادهم نهي أولوية؛ للترغيب في الإفراد؛ لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقِرَان من غير كراهة، وإنَّما اختلفوا في الأفضل منها. شرح صحيح مسلم (8/ 169).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في حديث عِمران هذا ما يعكر على عياض وغيره في جزمهم أنَّ المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة، لا العمرة التي يحج بعدها، فإنَّ في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحج، وفي رواية له أيضًا: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعمر بعض أهله في العشر، وفي رواية له: جمع بين حج وعمرة، ومراده التمتع المذكور، وهو الجمع بينهما في عامٍ واحدٍ. فتح الباري (3/ 433).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
المشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا لا يريان التمتع ولا القِران...، وزعم مَن صحَّح نهي عمر عن التمتع أنَّه إنما نهى عنه لينتجع البيت مرتين، أو أكثر في العام، وقال آخرون: إنَّما نهى عنها عمر لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع؛ ليسارته وخفته، فخشي أنْ يضيع القِران والإفراد، وهما سُنَّتان للنبي -عليه السلام-. الاستذكار (4/ 61).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فإنْ قيل: فقد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية. قلنا: فقد أنكر عليهم علماء الصحابة نهيهم عنها، وخالفوهم في فعلها، والحق مع المنكرين عليهم دونهم، وقد ذكرنا إنكار عليّ على عثمان، واعتراف عثمان له، وقول عمران بن حصين منكِرًا لنهي مَن نهى، وقول سعد عائبًا على معاوية نهيه عنها، وردهم عليهم بحُجَج لم يكن لهم جواب عنها، بل قد ذكر بعض مَن نهى عنها في كلامه، ما يرد نهيه، فقال عمر: "والله إني لأنهاكم عنها، وإنها لفي كتاب الله، وقد صنعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، ولا خلاف في أنَّ من خالف كتاب الله وسنة رسوله، ونهى عما فيهما حقيقٌ بأن لا يُقبل نهيه، ولا يُحتج به، مع أنه قد سُئل سالم بن عبد الله بن عمر، أنهى عمر عن المتعة؟ قال: لا، والله ما نهى عنها عمر، ولكن قد نهى عثمان، وسُئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل: إنك تُخالف أباك، قال: إنَّ عمر لم يقل الذي يقولون؛ ولما نهى معاوية عن المتعة، أَمَرت عائشة حَشَمَها ومواليها أن يهِلُّوا بها، فقال معاوية: مَن هؤلاء؟ فقيل: حشم أو موالي عائشة، فأرسل إليها: ما حملك على ذلك؟ قالت: أحببتُ أن يُعلم أن الذي قلتَ ليس كما قلت، وقيل لابن عباس: إن فلانًا ينهى عن المتعة، قال: انظروا في كتاب الله فإن وجدتموها فيه فقد كذب على الله وعلى رسوله، وإن لم تجدوها فقد صدق، فأي الفريقين أحق بالاتباع، وأولى بالصواب، الذين معهم كتاب الله وسنة رسوله، أم الذين خالفوهما؟
ثم قد ثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قوله حُجَّة على الخلق أجمعين، فكيف يُعَارَض بقول غيره؟ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال: «تمتع النبي -صلى الله عليه وسلم-» فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقولون: نهى عنها أبو بكر وعمر.
وسُئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقال: إنك تخالف أباك، فقال: عمر لم يقل الذي يقولون، فلما أكثروا عليه، قال: أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟ المغني (3/ 264).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
التمتع جائزٌ باتفاق أهل العلم، وإنَّما كان طائفة من بني أمية وغيرهم يكرهونه، وقد قيل: إنَّ الذين كرهوا ذلك إنَّما كرهوا فسخ الحج إلى التمتع، فإنَّ الناس يقدمون من الآفاق فيُحْرِمُون بالحج، فمن جوَّز الفسخ جوَّز لهم المتعة، ومَن منع من ذلك منعهم منه.
والفسخ فيه ثلاثة أقوال معروفة:
قيل: هو واجب، كقول ابن عباس وأتباعه وأهل الظاهر والشيعة. وقيل: هو محرم كقول معاوية وابن الزبير، ومَن اتبعهما كأبي حنيفة ومالك والشافعي.
وقيل: هو جائزٌ مستحبٌّ، وهو مذهب فقهاء الحديث أحمد وغيره، والأمر به معروف عن غير واحد من الصحابة والتابعين.
ولهذا كان ابن عمر وابن عباس يأمران بالمتعة، قال أحمد: أخبرنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سالم قال: سُئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له: إنَّك تخالف أباك! فقال: عمر لم يقل الذي تقولون، إنما قال عمر: إفراد الحج من العمرة فإنَّها أتم للعمرة، أو أنَّ العمرة لا تتم في أشهر الحج إلا أنْ يهدي، وأراد أنْ يُزار البيتُ في غير أشهر الحج، فجعلتموها أنتم حرامًا، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها الله، وعمل بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا أكثروا عليه، قال: أفكتاب الله أحق أنْ تتبعوا أم عمر؟! وكان ابن عباس يأمر بها، فيقولون: إنَّ أبا بكر وعمر لم يفعلاها، فيقول: يوشك أنْ تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! وكان عروة بن الزبير يناظر ابن عباس فيها، فقال: إنَّ أبا بكر وعمر أعلم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- منك، فقال: له ابن عباس يا عريَّة، سلْ أمك -يعني أنها تخبره- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أصحابه بالإحلال، وكانت أسماء ممن أحلت، وهذه المشاجرة إنَّما وقعت لأن ابن عباس كان يوجب المتعة. مجموع الفتاوى (26/ 49-50).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنص. فتح الباري (3/ 433).
وقال العيني -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على إباحة التمتع في جميع الأعصار، وإنَّما اختلفوا في فضله. عمدة القاري (9/ 198).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز...، وأنَّ الإفراد جائز، وأنَّ القِران جائز؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رضي كلًّا ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه، بل أجازه لهم ورضيه منهم -صلى الله عليه وسلم-، وإنَّما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرمًا في حجته، وفي الأفضل من ذلك؛ لاختلاف الآثار الواردة في ذلك. الجامع لأحكام القرآن (2/ 387).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على جواز العمرة في أشهر الحج، ثم الحج.
وفيه: إشارة إلى جواز نَسْخِ القرآن بالسُّنَّة؛ إذ لو لم تكن كذلك لما كان لقوله: «ولم ينه عنها» فائدة؛ حيث إنَّ النهي يقتضي رفع الحكم الثابت بالقرآن، فلو لم يكن الرفع ممكنًا لَمَا احتاج إلى قوله: «ولم ينه عنها»؛ إذ لا طريق لرفعه إلا جواز نسخه، وورود السُّنة بالنهي.
وقد يُؤخْذ من ذلك أنَّ الإجماع لا ينسخ؛ إذ لو نسخ لقال: ولم يتفق على المنع منها؛ لأن الاتفاق يكون سببًا لرفع الحكم، وكان يحتاج إلى نفيه، كما نفى نزول القرآن بالنسخ وورود السنَّة بالنفي.
وفيه: دليل: على وجوب بيان اللفظ المشترك بإضافته إلى المعنى المقصود منه.
وفيه: دليل على جواز نسخ القرآن بالقرآن. العدة في شرح العمدة (2/ 1029).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
1. مشروعية التمتع وثبوته في الكتاب والسُّنة.
2. أنَّه قد توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وحكمها باقٍ لم ينسخ.
3. أنه لا يحل الأخذ برأي أحد يخالف ما ورد عن الله تعالى، أو عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.
4. قوله: «لم ينزل قرآن يحرمها» دليل على ثبوت النسخ في الشريعة، وأنَّ القرآن يُنسخ بالقرآن.
5. قوله: «ولم ينه عنها» دليل على جواز نسخ القرآن بالسنة.
ووجهته: أنَّه لو لم يكن النسخ ممكنًا لما احتاج إلى الاحتراز في رفع حكم التمتع الثابت بالقران، من نهي النبي -صلى الله عليه وسلم-.
6. قوله: «قال رجل برأيه ما شاء» فسره البخاري بعمر بن الخطاب، وروي أيضًا عن عثمان ومعاوية -رضي الله عنهم-، وقصدهم أنْ لا يقتصر الناس على زيارة البيت في أشهر الحج فقط، بل ليقصد في جميع العام، ولكن كتاب الله تعالى وسنة رسوله مقدَّمان على كل اجتهاد، والله أعلم بأسرار شرعه.
والآن مع إجماع الناس على جواز التمتع، وإتيانهم بالعمرة في أشهر الحج لَم يَخْلُ البيت من الزوار في كل وقت. تيسير العلام (ص: 404).
وقال الشيخ أحمد النجمي -رحمه الله-:
فقه الحديث:
أولًا: يُؤخَذ من هذا الحديث مشروعية التمتع، وأنَّه هو السُّنة، وأنَّ الذي ينبغي: متابعة النبي -صلى الله عليه وسلم- في جواز مثل ذلك ومشروعيته؛ لأنه هو المشرع؛ ولهذا قال: «ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء».
ثانيًا: فيه إشارة إلى أنَّ قول المعصوم -صلى الله عليه وسلم- وأمره لا يُعَارَض به قول مَن ليس بمعصوم، ولو كان جليل القدر، وعظيم المنزلة في الإسلام، كعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. تأسيس الأحكام (3/ 308).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله-:
في هذا الحديث يُقرِّر عمران بن حصين أنَّ متعة الحج ثابتة في كتاب الله، وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث أنزل الله تعالى فيها آية من القرآن، وفعلها الصحابة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأقرَّهم، بل أمرهم بها، ولم ينسخ حكمها في كتاب الله، ولا في سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. إيقاظ الأفهام (4/ 83).