السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«يُستجابُ لأحدِكم ما لم يَعْجَلْ، يقولُ: دعوتُ فلم يُستجبْ لي»


رواه البخاري برقم: (6340)، ومسلم برقم: (2735)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يعجل»:
أي: يقطع الدُّعاء. شرح سنن أبي داود، للعيني (5/ 399).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
والعجل والعجلة: السُّرعة خلاف البُطء. لسان العرب (11/ 425).


شرح الحديث


قوله: «يُستجابُ لأحدِكم ما لم يَعْجَلْ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«‌يُستجاب ‌لأحدكم ما» مصدريَّة ظرفيَّة «لم يعجل» أي: مُدَّة عدم عجلته. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (7/ 302).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
«يستجاب ‌لأحدكم» يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون معنى قوله: «يستجاب» الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة.
والثاني: الإخبار عن جواز وقوعها، فإذا كانت في معنى الإخبار عن الوجوب فإن الإجابة تكون لأحد الثلاثة أشياء:
إمَّا أن يُعجِّل ما سأل فيه، وإمَّا أن يُكفِّر عنه به، وإمَّا أن يدَّخَر له.
فإذا قال: «قد دعوتُ فلم يستجب لي»، بَطَلَ وجوب أحد هذه الثلاثة الأشياء، وعرَى الدُّعاء من جميعها، وإذا كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذٍ تكون بفعل ما دعا به خاصة، ويمنع من ذلك قول الدَّاعي: قد دعوتُ فلم يستجب لي؛ لأن ذلك من باب القُنُوط وضعف اليقين والسَّخَط. المنتقى شرح الموطأ (1/ 357).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال: «يُستجاب» من الاستجابة بمعنى الإجابة، تقول العرب: استجبتك؛ أي: أجبتك، قال كعب بن الغنوي:
وداعٍ دعا يا من يجيب إلى النَّدى … فلم يستجبه عند ذاك مجيبُ
والمعنى: أنه يُستجاب دعاء الدَّاعي بعد استيفاء شروط الإجابة، كما بَيّن في الحديث الثَّالث: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل»، «لأحدكم» أي: كُلُّ واحد منكم؛ إذ اسم الجنس المضاف يُفيد العموم على الأصحِّ، «ما» مصدرية ظرفية «لم يعجل» بفتح أوَّلِه وثالثه من باب تعب؛ أي: مُدَّة عدم عجله. البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (42/ 453).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال بعض العلماء: قوله: «ما لم يعجل» يعني: يسأم الدُّعاء ويتركه، فيكون كالمانِّ بدعائه، وأنه قد أتى من الدُّعاء ما كان يستحِقُّ به الإجابة، فيصير كالمبخِّل لربٍّ كريم، لا تعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء، ولا تضرُّه الذُّنوب...
وقالت عائشة في هذا الحديث: ما لم يعجل أو يقنط. وقال بعضهم: إنما يعجل العبد إذا كان غرضه من الدُّعاء نيل ما سأل، وإذا لم ينل ما يريد ثقل عليه الدُّعاء، ويجب أن يكون غرض العبد من الدُّعاء هو الدُّعاء لله، والسُّؤال منه، والافتقار إليه أبدًا، ولا يفارق سِمة العبودية وعلامة الرِّقِّ، والانقياد للأمر والنَّهي والاستسلام لربِّه تعالى بالذِّلَّة والخشوع، فإن الله تعالى يُحِبُّ الإلحاح في الدُّعاء. شرح صحيح البخاري (10/ 100).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
لأنه إذا عجل خُشِيَ عليه أن يكون كالذَّامِّ أو القانط من الإجابة، وإنما يجب عليه الانقطاع والافتقار إلى الله -عزَّ وجلَّ-، ولا يقنط من الإجابة؛ لأنه بين ثلاث: إمَّا أن يعجِّل له، وإمَّا أن يكفِّر عنه، وإمَّا أن يدَّخَر له. المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 443).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
والتَّحقيق في هذا المقام أن لقبول الدُّعاء شرائط:
الأوَّل: أن لا يكون من قلب لاهٍ، كما رواه الترمذي.
الثاني: أن لا يكون إثمًا ولا قطيعة رحم.
الثالث: أن الإجابة لا تنحصر فيما سأله، بل إنما يجيبه إلى ذلك، أو يصرف عنه السُّوء به، أو يدَّخِر له ما هو خير له كما رواه أحمد، ومنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو من هذا القبيل، فإنه أعطاه مقامًا محمودًا يرغب إليه آدم ومن دونه، والله الموفِّق.
ومن آداب الدُّعاء: تقديم الوضوء، واستقبال القبلة، وتقديم التَّوبة والحمد والثَّناء وقت السَّحَر وإن كان في السُّجود كان أَوْلَى. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (10/ 80).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يقول الدَّاعي: دعوتُ مرَّة ومرَّتين وأكثر، ولم أرَ قبول دعائي، فيَمَلُّ من الدُّعاء، ويترك الدُّعاء، فمن كان له ‌مَلَالة ‌من ‌الدُّعاء لا يقبل دعاؤه؛ لأن الدُّعاء عبادة؛ حصلت الإجابة، أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يَمَلَّ من العبادة.
وتأخير الإجابة: إمَّا لأنه لم يأتِ وقته، فإن لكُلِّ شيء وقتًا مُقدَّرًا في الأزلِّ، فما لم يأتِ وقته لا يكون ذلك الشَّيء موجودًا، وإمَّا لأنه لم يُقدَّرْ في الأزلِّ قبول دعائه، وإذا لم يقبل دعاؤه يعطيه الله في الآخرة من الثَّواب عوضه، وإمَّا يؤخِّر قبول دعائه؛ ليُلِحَّ ويبالغ في الدُّعاء، فإنه تعالى يُحِبُّ الإلحاح في الدُّعاء، فإذا كان تأخير إجابة الدُّعاء لأحد هذه الأشياء، فلا ينبغي للمؤمن أن يترك الدُّعاء. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 121).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ومن الآفات التي تمنع ترتُّب أثر الدُّعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويدع الدُّعاء، وهو بمنزلة من بذر بذرًا أو غرس غرسًا، ‌فجعل ‌يتعاهده ويسقيه، فلمَّا استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله. الداء والدواء (ص:11).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أن الله -عزَّ وجلَّ- لا يردُّ دعاء المؤمن، غير أنه قد تكون المصلحة في تأخير الإجابة، وقد لا يكون ما سأله مصلحة في الجملة، فيعوِّضه عنه ما يصلحه، وربما أخَّر تعويضه إلى يوم القيامة، فينبغي للمؤمن ألَّا يقطع المسألة لامتناع الإجابة؛ فإنه بالدُّعاء متعبَّد، وبالتَّسليم إلى ما يراه الحقُّ له مصلحة مُفوَّض. كشف المشكل (3/ 401).
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يقول دعوتُ فلم يستجب لي» في رواية غير أبي ذر: «فيقول» بزيادة فاء واللَّام منصوبة... قال بعض السَّلف: لأنَا أشدُّ خشية أن أُحرم الدُّعاء من أن أُحرم الإجابة. وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: «من فُتح له منكم باب الدُّعاء فُتحت له أبواب الرحمة» الحديث أخرجه الترمذي بسند ليِّن، وصحَّحه الحاكم فوهم، قال الداودي: يخشى على مَنْ خالف وقال: قد دعوتُ فلم يستجب لي أن يحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادِّخار والتَّكفير. انتهى.
وقد قدَّمت في أوَّل كتاب الدُّعاء الأحاديث الدَّالة على أن دعوة المؤمن لا تُردُّ، وأنها إمَّا أن تُعجَّل له الإجابة، وإمَّا أن تُدفع عنه من السُّوء مثلها، وإمَّا أن يُدخَّر له في الآخرة خير مما سأل، فأشار الداودي إلى ذلك... ومن جملة آداب الدُّعاء: تحرِّي الأوقات الفاضلة كالسُّجود، وعند الأذان، ومنها تقديم الوضوء والصَّلاة، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التَّوبة والاعتراف بالذَّنب، والإخلاص، وافتتاحه بالحمد والثَّناء والصَّلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، والسُّؤال بالأسماء الحسنى، وأدِلَّة ذلك ذكرت في هذا الكتاب. فتح الباري (11/ 140).
وقال الدواداري -رحمه الله-:
قال ناس من الصحابة لعمر -رضي الله عنه-: ما بال الناس في الجاهلية كانوا إذا ظلموا فدَعَوا يستجاب لهم، ونحن اليوم ندعو فلا يستجاب لنا، وإن كنا مظلومين، فقال عمر -رضي الله عنه-: كان ذلك ولا أجر لهم إلَّا ذاك، فلمَّا نزل الوعد والوعيد والحدود والقصاص والقود وَكَلَهم الله -عزَّ وجلَّ- إلى ذلك. ومن أجوبته الحسنة أنه قال: إن في يوم كذا من شهر كذا ساعة لا يدعو الله سبحانه فيها أحد إلا استجاب له، فقيل له: أرأيت إن دعا الله -عزَّ وجلَّ- فيها منافق؟ فقال: إن المنافق لا يوفَّق لتلك السَّاعة. كنز الدرر وجامع الغرر (3/ 180).

قوله: «يقولُ: دعوتُ فلم يُستجبْ لي»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«يقول» استئناف لبيان العجلة المانعة من الإِجابة «قد» للتَّحقيق «دعوت ربي فلم يستجب لي» بالبناء للفاعل؛ وذلك لأن الله تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} الطلاق: 3، وقد منَّ بإجابة دعوة مَنْ دعاه، لكن في الوقت الذي قدَّره سبحانه وقضاه: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} الطلاق: 3، أفلا يتقدَّم شيء عن إبانه، ولا يتأخَّر عن أوانه. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (7/ 302).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فيقول» بالنَّصب؛ لأن القول مسبَّب عن العجلة في الاستجابة. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (2/ 148).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والذي يظهر لي أنه يجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة: الجزم إن صحَّت الرِّواية عطفًا على «يعجل»، والرَّفع على الاستئناف، والنَّصب بأن مضمرة بعد الفاء السَّببية، كما قال في (الخلاصة):
وبعد فا جوابِ نفيٍ أو طلبْ … محضين "أن" وستره حتم نصبْ
ونظيره قوله تعالى: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} بعد قوله: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} الآية البقرة: 284، وإلى جواز هذه الأوجه أشار ابن مالك في (الخلاصة) حيث قال: والفعل من بعد الجزا إن يقترن … بالفا أو الواو بتثليث قمن
فقد قرئ قوله تعالى: {فَيَغْفِرُ} بالأوجه الثَّلاثة، والله تعالى أعلم.
«قد دعوت، فلا» يستجاب لي، «أو» للشَّكِّ من الرَّاوي؛ أي: قال: «فلم يستجب لي». البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج (42/ 453).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
أي: يستجاب ما لم يستعجل، «قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟» قال: «فيقول» الدَّاعي: «قد دعوت» أي: مرَّة بعد أخرى، يعني: مرَّات كثيرة، أو طلبت شيئًا وطلبت آخر فلم يستجب لي، وهو إمَّا استبطاء أو إظهار يأس، وكلاهما مذموم، أمَّا الأوَّل فلأن الإجابة لها وقت معين، كما ورد أنَّ بين دعاء موسى وهارون على فرعون وبين الإجابة أربعين سَنَة، وأمَّا القنوط فلا ييأس من رَوْح الله إلَّا القوم الكافرون، مع أن الإجابة على أنواع: منها تحصيل عين المطلوب في الوقت المطلوب، ومنها ادِّخاره ليوم يكون أحوج إلى ثوابه، ومنها وجوده في وقت آخر لحكمة اقتضت تأخيره، ومنها دفع شرٍّ بدله. عون المعبود (4/ 250).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
بيَّن العَجَل بقوله: «يقول»، فهو استئناف بياني «دعوتُ فلم يستجب لي»، فإنه إذا قال ذلك لم يستجب له؛ لأنه اعتراض على ربِّه في تأخير إجابته، وهو أعلم بما يصلحه. التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 199).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: إن الدَّاعي لا يعرف ما قُدِّر له، فدعاؤه إن كان على وفق المقدر فلا داعي له لحصول المقصود ألبتَّة، وإن كان على خلاف المقدَّر فلا فائدة له؛ لأن المقدَّر لا بُدَّ من حصوله.
فالجواب: أن الدُّعاء عبادة لِمَا فيه من الخضوع وإظهار الاحتياج لله تعالى، وفائدة تحصيل الثَّواب بامتثال الأمر، وقد روى الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا: «الدُّعاء ينفع مِمَّا نزل ومِمَّا لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدُّعاء» أي: لاحتمال أن يكون حصول المدعو به موقوفًا على الدُّعاء.المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (8/ 149).
وقال محمود السبكي -رحمه الله- أيضًا:
حديث الباب يدلُّ على أن إجابة الدُّعاء مشروطة بعدم استعجالها، وهناك شروط أخرى، منها: ألَّا يدعو بحرام؛ كأن يدعو بالشَّرِّ على غير مستحِقِّه، وألَّا يدعو بمحال ولو عادة؛ فإنه تعالى أجرى الأمور على العادة، فالدُّعاء بخرقها تحكُّم على القدرة القاضية بدوامها، واعتداء في الدُّعاء، وأن يكون موقنًا بالإجابة، مقبلًا بكليَّته على الله تعالى وقت الدُّعاء؛ فقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاءً مِنْ قلب غافل لاهٍ»، وألَّا يكون فيما سأله غرض فاسد؛ كمالٍ وطول عمر للتَّفاخُر، وألَّا يشغل عن أداء فرض، وألَّا يستعظم حاجته على الله تعالى، وألَّا يكون مطعمه أو ملبسه من حرام، وتقدَّم بعض هذه الشُّروط في باب الدُّعاء في الرُّكوع والسُّجود من الجزء الخامس. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (8/ 149).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وفيه حثٌّ على ترك الاستعجال واستجابة الدُّعاء، وفيه إشارة إلى أنه يعلم أن دعاء المسلم يجاب لقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} البقرة: 186، وقال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60، وروي عن عبادة بن الصَّامت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلَّا أتاه الله إيَّاها، وصرف عنه من السُّوء مثلها ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم». فقال رجل من القوم: إذًا نكثر، قال: «الله أكثر» اهـ..
والحاصل أن الإجابة حاصلة؛ لكن تكون تارة معجَّلة، وتارة مؤخَّرة، ذكر مكي -رحمه الله تعالى- أن المدَّة بين دعاء زكريا -صلى الله عليه وسلم- بطلب الولد والبشارة أربعون سنة، ومثل ذلك ما حكاه ابن عطية عن ابن جريج ومحمد بن علي والضحاك أن دعوة موسى وهارون على فرعون لم تظهر إجابتها إلَّا بعد أربعين سنة، وحكى الإمام أبو حامد الغزالي عن بعضهم أنه قال: إني لأسأل الله -عزَّ وجلَّ- منذ عشرين سنة حاجة ما أجابني وما أجابني، وأنا أرجو الإجابة. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (7/ 643).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث دليل على خصوص قول الله -عز وجل-: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 65، وأن الآية ليست على عمومها، ألَا ترى أن هذه السُّنَّة الثَّابتة خصَّت منها الدَّاعي إذا عجل، فقال: «قد دعوتُ فلم يستجب لي»، والدَّليل على صحة هذا التَّأويل قول الله -عزَّ وجلَّ-: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} الأنعام: 41، ولكن قد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإجابة ومعناها، ما فيه غنى عن قول كُلِّ قائل، وهو حديث أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلَّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: فإمَّا أن يُعجِّلَ له دعوته، وإمَّا أن يؤخِّرَها له في الآخرة، وإمَّا أن يكفِّرَ عنه، أو يكُفَّ عنه من السُّوء مثلها». التمهيد (7/ 130).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفائدة هذا: استدامة الدُّعاء وترك اليأس من الإجابة ودوام رجائها، واستدامة الإلحاح في الدُّعاء، فإن الله تعالى يُحِبُّ الملحّين عليه في الدُّعاء، وكيف لا، والدُّعاء مخُّ العبادة، وخلاصة العبوديَّة، والقائل: قد دعوت فلم أرَ يستجاب لي، ويترك، يكون قانطًا من رحمة الله، وفي صورة الممتن بدعائه على ربِّه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنه يظنُّها إسعافه في عين ما طلب، فقد يعلم الله تعالى أن في عين ما طلب مفسدة، فيصرف عنها، فتكون إجابته في الصَّرف، وقد يعلم الله تعالى أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للدَّاعي، وقد يؤخِّره لأنه سبحانه يُحِبُّ استماع دعائه ودوام تضرُّعه فتكثر أجوره حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضى له، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «ما من داعٍ يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدَّخِر، وإمَّا أن يكفِّر». ثم بعد هذا كُلِّه فإجابة الدُّعاء وإن وردت في مواضع من الشَّرع مطلقة فهي مقيَّدة بمشيئته كما قال تعالى: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} الأنعام: 41. المفهم (7/ 63).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فيه دليل على أنه لا بُدَّ من الإجابة على أحد هذه الأوجه الثَّلاثة، فعلى هذا يكون تأويل قول الله -عزَّ وجلَّ-، -والله أعلم-: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} الأنعام: 41 أنه يشاء، وأنه لا مُكْرِهَ له، ويكون قوله -عزَّ وجلَّ-: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} البقرة: 186 على ظاهره وعمومه، بتأويل حديث أبي سعيد المذكور، والله أعلم بما أراد بقوله، وبما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والدُّعاء خير كُلُّه وعبادة، وحسن عمل، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. التمهيد (7/ 130).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ومن فوائد الحديث: أن المؤمن إذا استبطأ الفَرَج ويئس منه، ولا سيما بعد كثرة الدُّعاء وتضرعه، ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة، ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأُجِبت.
وهذا اللوم أحبُّ إلى الله من كثير من الطَّاعات؛ فإن يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه، فلذلك يسرع إليه حينئذٍ إجابة الدُّعاء وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، على قدر الكسر يكون الجبر. نور الاقتباس (3/ 174).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وللدُّعاء آداب، منها: تقديم الوضوء والصَّلاة، والتَّوبة والإخلاص، واستقبال القبلة، وافتتاحه بالحمد والثَّناء والصَّلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن يختتم الدُّعاء بالطابع وهو: آمين، وأن لا يخصَّ نفسه بالدُّعاء، بل يَعُمَّ ليدرج دعاءه وطلبه في تضاعيف دعاء الموحِّدين، ويخلط حاجته بحاجتهم لعلَّها أن تقبل ببركتهم وتجاب، وأصل هذا كُلِّه ورأسه اتِّقاء الشُّبهات فضلًا عن الحرام، وفي حديث مالك بن يسار مرفوعًا: «إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكُفِّكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم» رواه أبو داود، ومن عادة مَنْ يطلب شيئًا من غيره أن يَمُدَّ كفَّه إليه، فالدَّاعي يبسط كفَّه إلى الله متواضعًا متخشِّعًا. إرشاد الساري (9/ 197).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دلَّ هذا الحديث على ما يأتي:
أوَّلًا: أن من شروط الدُّعاء وآدابه أن لا يستعجل الإِجابة، وأن يَلِحَّ في الدُّعاء مرَّات ومرَّات دون يأس أو ملل، أو ضجر نفسي...
ثانيًا: دلَّ هذا الحديث على أن الإلحاح في الدُّعاء مع قوة الرَّجاء سبب في الإجابة وتحقيق المطلوب؛ لقول الصَّادق المصدوق: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل».
ثالثًا: قال الداودي: يخشى على مَنْ خالف وقال: دعوتُ فلم يستجب لي أن يحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادِّخار والتَّكفير.
رابعًا: أنه لا يليق بالمؤمن، ولا يصدق عليه أن يقول: «دعوتُ فلم يستجب لي»؛ لأن دعوة المؤمن مجابة في عموم الأحوال: إمَّا أن تُعجَّل له الإجابة، وإمَّا أن يدفع عنه من السُّوء مثلها، وإمَّا أن يدَّخِر له في الآخرة خير مما سأل. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 279).


إبلاغ عن خطأ