«بَيْدَاؤُكُم هذه التي تَكْذِبُون على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فيها، ما أهلَّ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إلا مِن عندِ المسجدِ، يعني: ذا الحُلَيْفَةِ».
رواه البخاري برقم: (1542) ومسلم برقم: (1186) واللفظ له، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لمسلم برقم: (1186): «ما أَهَلَّ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلَّا مِن عندِ الشَّجرةِ، حينَ قامَ به بعيرُهُ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بَيْدَاؤُكُم»:
البَيداء: المَفَازة، والجمع بِيْدٌ بالكسر. المصباح المنير، للفيومي (1/ 68).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
البَيْدَاء: الفَلَاة، والبَيْدَاء: المَفَازة المستوية يُجرى فيها الخيل، وقيل: مفازة لا شيء فيها، (قال) ابن جني: سميت بذلك لأنها تبيد من يحلها.. لسان العرب (3/ 97).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
البَيداء: المَفَازة التي لا شيء بها...، وهي ها هنا اسمُ مَوْضِعٍ مخصوصٍ بينَ مكَّة والمدينةِ، وأكثرُ ما تَرِدُ ويُرَاد بها هذه. النهاية (1/ 171).
«أَهَلَّ»:
أهلَّ الرجل واسْتَهَلَّ إذا رفع صوته، وأهلَّ المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية. لسان العرب، لابن منظور (11/ 701).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية، يقال: أهلَّ المحرم بالحج يُهِلُّ إِهْلَالًا إذا لبَّى ورفع صوته، المُهَلُّ بضم الميم: موضع الإهلال، وهو الميقات الذي يُحْرمون منه، ويقع على الزمان والمصدر. النهاية (5/ 271).
«ذا الحُلَيْفَة»:
موضع قريب من المدينة إذا تجاوزت العقيق مُقْبِلًا، وبه مسجد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- (لعله يقصد: موضعٌ صلَّى فيه)، وهو ميقات أهل المدينة منه يحرمون، وميقات أهل الشام إذا كان طريقهم عليه. الشافي، لابن الأثير (2/ 92).
شرح الحديث
قوله: «بَيْدَاؤُكُم هذه»:
قال الزرقاني -رحمه الله-:
«بيداؤكم» بالمد. شرحه على الموطأ (2/ 365).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «بيداؤكم هذه» البيداء: القَفْر الخالي عن العامر، ويُسمى: مَفَازة على جهة التفاؤل، وهي مهلكة، وكل مَفَازة بَيْدَاء، والجمع: بِيْدٌ، وهي هنا: عبارة عن المفازة التي بين مكة والمدينة، أولها شَرَف مرتفع قريب من مسجد ذي الحُليفة، والشجرة هناك، وهذه المواضع كلها متقاربة. المفهم (3/ 270).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
أضافها إليهم لكونهم كذبوا بسببها كذبًا يحصل لها به الشَّرَف. شرحه على الموطأ (2/ 365).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
أضاف البيداء إلى المخاطبين للملابسة بأنهم كانوا يقولون: إن ابتداء إحرام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان منها. بذل المجهود (7/ 90).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«هذه» يحتمل: أن يكون حين قال: «هذه» كان نازلًا بها، فلهذا أتى بالإشارة. شرح سنن أبي داود (8/ 294).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قوله في هذا الحديث «بيداؤكم» ...
قال ذلك ابن عمر منكرًا لقول من قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما أهل في حجَّته حين أشرف على البيداء، والبيداء الصحراء يريد بيداء ذي الحُليفة. التمهيد (13/ 165-166).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
هو (يعني: ابن عمر) يشير إلى قول ابن عباس عند البخاري: «إنه -صلى الله عليه وسلم- ركب راحلته حتى استوت على البيداء أهلَّ» وإلى حديث أنس المذكور في الباب (يعني حديث: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهلَّ»). نيل الأوطار (4/ 363).
قوله: «التي تكذبون على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فيها»:
قال القرطبي -رحمه الله-:
«تكذبون» هنا: تُخْطِؤُون، والكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، فإن كان مع العمد فهو الكذب المذموم، وإن كان مع السهو والغلط فهو الخطأ، وقصد ابن عمر بإطلاق الكذب على هذا ليَتَثبَّت الناقل أو المفتي، حتى لا يقول أحد إلا ما يتحقق صحته ووجهه. المفهم (3/ 270).
وقال المازري -رحمه الله-:
أما قوله: «تكذبون فيها» فمحمول على أنه أراد أن ذلك وقع منهم على جهة السَّهو، ولا يُظن به أنه يَنسب إلى الصحابة تعمُّد الكذب الذي لا يحل. المعلم (2/ 72).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «تكذبون فيها» أي: تقولون: إنه -صلى الله عليه وسلم- أحرم منها، ولم يُحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد (لعله يريد في موضع المسجد، وفي البخاري عنه: «كان النبي ينزل بذي الحُليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحُلَيفة») ذي الحُليفة، ومن عند الشجرة التي كانت هناك، وكانت عند المسجد، وسماهم ابن عمر كاذبين؛ لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو، وقد سبق في أول هذا الشرح في مقدمة صحيح مسلم أن الكذب عند أهل السُّنة هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو سواء تعمده، أم غلط فيه، أو سها، وقالت المعتزلة: يشترط فيه العمدية، وعندنا أن العمدية شرط لكونه إثمًا لا لكونه يسمى كذبًا، فقول ابن عمر جارٍ على قاعدتنا. المنهاج شرح صحيح مسلم (8/ 92).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: كان ينبغي الاحتراز عن هذه اللفظة؛ لأن المفهوم منها الذَّم، والقائلون بذلك غير مذمومين، بل مشكورون لصدوره عن اجتهاد.
قلتُ: أراد ابن عمر التنفير من هذه المقالة، وتشنيعها على قائلها؛ ليحذر مع صدق اللفظ الذي ذكره.
فإن قلتَ: يحصل مقصوده بكونه -صلى الله عليه وسلم- أحرم من المسجد، ولا حاجة إلى إنكار كونه أهلَّ أي: رفع صوته بالتلبية بعد وصوله إلى البيداء؛ إذ هو غير منافٍ للإحرام السابق.
قلتُ: إنما أراد إنكار كون ابتداء الإحرام وقع عند البيداء، لا لكونه أهل عندها، فقوله: «ما أهل إلا من عند المسجد» إِهَلالًا مخصوصًا، وهو الذي ابتدأ به الإحرام. شرحه على الموطأ (2/ 366).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإن قلتُ: كيف يجوز لابن عمر أن يُطلق الكذب على الصحابة؟
قلتُ: الكذب يجيء بمعنى الخطأ؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن ضد الكذب الصدق، وافترقا من حيث النية والقصد؛ لأن الكاذب يَعلم أن الذي يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم، ولا يُظن به أنه كان ينسب الصحابة إلى الكذب. عمدة القاري (3/ 28).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«التي تكذبون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها» أي: في حقها، وفي ابتداء الإحرام منها، وليس المراد بالكذب الكذب عمدًا، بل إطلاق الكذب عليه؛ لعدم علمهم بابتداء إحرامه -صلى الله عليه وسلم- من المسجد بعد الصلاة. بذل المجهود (7/ 90).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«فيها» أي: بسببها فـ«في» للتعليل، نحو: {لُمْتُنَّنِي فِيهِ} يوسف: 32، {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} النور: 14، وحديث: «دخلت النار امرأة في هرة». شرحه (2/ 365).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فيها» أي: في شأنها، ونسبة الإحرام إليها بأنه كان من عندها. فتح الودود (2/ 308).
قوله: «ما أَهلَّ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«ما أهلَّ» أي: ما أحرم ولبى. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 40).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ما أهلَّ» أي: ما رفع صوته بالتلبية. فتح الودود (2/ 308).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «أهلَّ» أي: رفع صوته، من الإهلال، وهو الإظهار، ومنه سمي الهلال؛ لأنه يظهر في السماء. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 369).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الإهلال في الشريعة هو الإحرام بالحج، وهو التلبية بالحج أو العمرة، وهو قول: لبيك اللهم لبيك، وينوي ما شاء من حج أو عمرة، وأكثر الفقهاء يقولون: إن الإحرام فرْضٌ من فرائض الحج، وركنٌ مِن أركانه، إما بالقول والنية جميعًا، وإما بالنية على حسب اختلافهم في ذلك...، واتفق مالك بن أنس والشافعي على أن النية في الإحرام تجزئ عن الكلام، وناقَضَ في هذه المسألة أبو حنيفة، فقال: إن الإحرام عنده من شرط التلبية، ولا يصح إلا بالنية كما لا يصح الدخول في الصلاة إلا بالنية والتكبير، ثم قال فيمن أغمي عليه فأحرم عنه أصحابه ولم يفق حتى فاته الوقوف بعرفة: إنه يجزئه إحرام أصحابه عنه، وبه قال الأوزاعي، وقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد (ابن الحسن): مَن عرض له هذا فقد فاته الحج، ولا ينفعه إحرام أصحابه عنه. التمهيد (13/ 166-167).
قوله: «إلا مِن عندِ المسجدِ، يعني: ذا الحُلَيْفَةِ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يعني: مسجد ذي الحُليفة» وأراد بالمسجد: مصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وليس المراد أنَّ هناك مسجدًا بُني قبل ذلك. بذل المجهود (7/ 91).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قد ذكر ابن عمر في حديثه أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينزل بها (ذي الحُليفة) تحت سَمُرَة في موضع المسجد الذي بُني بها، وهذا يدل على أنَّ المسجد لم يكن حينئذٍ مبنيًا، إنَّما بُني بعد ذلك في مكان منزل النبي -صلى الله عليه وسلم- منها، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُحرم منها، وكان يصلي بها في موضع المسجد.
وقد روي أنه صلى في المسجد، ولعل المراد في بقعته وأرضه، قبل أنْ يُجعل مسجدًا، حتى يُجمع بذلك بين الحديثين. فتح الباري (3/ 430-431).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«إلا من عند المسجد» أي: حين استقلَّت به راحلته، كما يدل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم، فأخرج البخاري من طريق صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر قال: «أهل النبي -صلى الله عليه وسلم- حين استوت به راحلته، كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها...» إلخ، إلا أنه قال: «من عند الشجرة حين قام به بعيره».بذل المجهود (7/ 90).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إلا من عند المسجد» أي: من حين ركب، لا حين فرغ من الركعتين؛ فإن ابن عمر كان يظن الإهلال عند الركوب، والله تعالى أعلم. فتح الودود (2/ 308).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هو يشير إلى أنه لا ينبغي الإهلال إلا إذا ركب الإنسان، وقد صرح في حديث جابر -رضي الله عنه- أنه أهلَّ حين استوت به ناقته على البيداء، فقال -رضي الله عنه-: «حتى إذا استوت به على البيداء أهلَّ بالتوحيد، لبيك الله لبيك». فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 369).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «ما أهل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا من عند مسجد ذي الحُليفة» يقتضي أنه أفضل مواضع ذي الحليفة للاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-...، ومَن أحرم من غير ذلك الموضع من ذي الحُليفة أجزأه؛ لأنه لا يمكن كل واحد من الناس أنْ يحرم من ذلك الموضع، مع عظم الرفاق، وكثرة البشر، وتزاحم الناس. المنتقى شرح الموطأ (2/ 208).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
إذن مَن قال: إنه أهلَّ من البيداء هو قول صحيح، ولكن ليس هو الابتداء، فالابتداء كان من قَبْلُ، من مسجد ذي الحُليفة، والناس الآن لا ينزلون إلى الوادي، ويحرمون إذا حاذوا المسجد، وليس بلازم أن ينزلوا إلى الوادي، لكن لو نزلوا وصلوا في المسجد للحديث الذي فيه: «صلِّ في هذا الوادي المبارك» فهو أفضل. شرح سنن أبي داود (211/ 5).
قوله في رواية: «إلا مِن عندِ الشَّجرةِ حينَ قامَ به بعيرُهُ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
الشجرة هناك، والبيداء هناك، كله قريب بعضه من بعض. إكمال المعلم (4/ 181).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الشجرة المذكورة كانت عند المسجد. البدر التمام (5/ 233).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حين قام» وانبعث «به» -صلى الله عليه وسلم- «بعيره» أي: راحلته. الكوكب الوهاج (13/ 289).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هذا قاله ابن عمر ردًّا على مَن قال: إنه -صلى الله عليه وسلم- أحرم من البيداء، فإنه قال: «بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه أهلَّ منها، ما أهلَّ ...» الحديث، وفي رواية: «أنه أهلَّ من عند الشجرة حين قام به بعيره»، والشجرة كانت عند المسجد، وعند مسلم: «أنه -صلى الله عليه وسلم- ركع ركعتين بذي الحُليفة، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحُليفة أهلَّ».
وقد جمع بين حديث الإهلال بالبيداء والإهلال بذي الحُليفة بأنه -صلى الله عليه وسلم- لما أهل منهما، وكُل مَن روى أنه أهل بكذا فهو راوٍ لما سمعه من إهلاله. سبل السلام (1/ 616).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وكان ابن عمر ينكر على رواية ابن عباس بلفظ: «ركب راحلته حتى استوت على البيداء أهلَّ». إرشاد الساري (3/ 108).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه رسول الله، فقال قوم: إنه أهلَّ من مسجد ذي الحُليفة.
وقال آخرون: لم يُهلَّ إلا من بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد، روي ذلك عن ابن عمر أيضًا، وعن أنس وابن عباس وجابر.
وقال آخرون: بل أحرم حين أطل على البيداء. شرح صحيح البخاري (4/ 211).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
قد أنكر قومٌ أنْ يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحرم من البيداء، وقالوا: ما أحرم إلا من عند المسجد، ورووا ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما-...، فلما اختلفوا في ذلك أردنا أنْ ننظر من أين جاء اختلافهم؟
فإذا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي قد حدثنا إملاء... عن سعيد بن جبير قال: قيل لابن عباس -رضي الله عنهما-: كيف اختلف الناس في إهلال النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالت طائفة: أهلَّ في مصلاه، وقالت طائفة: حين استوت به راحلته، وقالت طائفة: حين علا على البيداء، فقال: «سأخبركم عن ذلك: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهلَّ في مصلاه، فشهده قومٌ فأخبروا بذلك، فلما استوت به راحلته أهلَّ فشهده قومٌ لم يشهدوه في المرة الأولى، فقالوا: أهلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الساعة، فأخبروا بذلك، فلما علا على البيداء أهلَّ فشهده قومٌ لم يشهدوه في المرتين الأوليين، فقالوا: أهلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الساعة فأخبروا بذلك، وإنما كان إهلال النبي -صلى الله عليه وسلم- في مصلاه».
فبيَّن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- الوجه الذي منه جاء اختلافهم، وأنَّ إهلال النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ابتدأ الحج ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ. شرح معاني الآثار (2/ 122-123).
وقال العيني -رحمه الله- معلقًا على كلام الطحاوي:
قلتُ: أراد الطحاوي بقوله: وأنكر قومٌ: الزهري وعبد الملك بن جريج وعبد الله بن وهب، فإنهم قالوا: ما أحرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا من عند المسجد. عمدة القاري (9/ 160).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قد اختلف النقلة في مُهَلِّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال قائل: إنه أهلَّ من المسجد بعد أن صلى ركعتين، وابن عمر يقول: «من الشجرة» وغيره يقول: «من البيداء»، وقد صار الناس في الأخذ بهذه الأحاديث على طريقتين، فمنهم مَن رجَّح بعض هذه الروايات، ومنهم من جمع بأن قال: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أهلَّ في هذه المواضع كلها، فأخبر كلٌّ منهم بما سمعه، على ما يأتي من حديث ابن عباس. المفهم (3/ 270-271).
وقال البيهقي -رحمه الله- بعد أنْ ذَكَرَ حديث ابن عباس:
قال سعيد (ابن جبير راوي الحديث عن ابن عباس): فمَن أَخَذَ بقول ابن عباس أهلَّ في مُصلّاه إذا فرغ من ركعتيه.
قال أحمد: هذا جَمْعٌ حَسَنٌ، إلا أنَّ خَصِيفًا الجزري ليس بالقوي عند أهل العلم بالحديث.
وقد رواه الواقدي بإسناد له عن ابن عباس، إلا أنَّ الواقدي ضعيف، فإنْ صح ذلك استحببنا أنْ يكون إهلاله في مجلسه بعد الفراغ من الصلاة. معرفة السنن والآثار(7/ 121).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهذا (حديث ابن عباس) لو ثبت لرجِّح ابتداء الإهلال عقيب الصلاة، إلا أنه من رواية خَصِيف، وفيه ضعف. الدراية (2/ 9).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
حديث ابن عباس وإنْ زال به الإشكال، لكن فيه خَصِيف بن عبد الرحمن ضعيف عند الجمهور، ومحمد بن إسحاق الراوي عنه مدلس، وفيه مقال، وإنْ صرح بالتحديث؛ ولذا قال النووي والمنذري: حديث ضعيف...، وعلى تسليم توثيق خَصِيف وتلميذه فقد عارضه حديث ابن عمر وأنس في الصحيحين وغيرهما أنه إنما أهلَّ حين استوت به ناقته قائمة. شرحه على الموطأ (2/ 366).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
هذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأُولى (يعني: «فإذا استوت به راحلته قائمة أحرم») وهذه الروايات عنه (يعني: «بيداؤكم هذه التي تكذبون...، والله ما أهل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا من عند المسجد حين قام به بعيره») وهو أن الإحرام كان من عند المسجد، ولكن بعدما ركب راحلته واستوت به على البيداء -يعني: الأرض-؛ وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء. البداية والنهاية (7/ 436).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله- معلقًا على ابن كثير:
هذا هو الأفضل أن يكون إحرامه وتلبيته بعد ركوب الدابة أو السيارة؛ حتى يفرغ من شؤونه في الأرض من اغتسال وطيب ونحو ذلك، ويكون قد تهيأ بذلك التهيؤ الكامل، بخلاف ما إذا أحرم في الأرض فقد ينسى شيئًا.
ولو أهلَّ الإنسان عند المسجد أو بعد ركوب سيارته، أو من البيداء -إذا كان من عند ذي الحُليفة- فكل ذلك جائز، وإنما الكلام في الأفضل، والله تعالى أعلم. منحة العلام (ص: 159).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. فتح الباري (3/ 401).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
دل الحديث على أن الأفضل أن يُحرم من الميقات لا قبله، فإنْ أحرم قبله، فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنَّ مَن أحرم قبل الميقات أنه مُحْرِم، وهل يكره؟
قيل: نعم؛ لأن قول الصحابة «وقَّت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأهل المدينة الحُليفة» يقضي بالإهلال من هذه المواقيت، ويقضي بنفي النقص والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرمة فلا أقل من أن يكون تركها أفضل، ولولا ما قيل من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه؛ لأدلة التوقيت، ولأن الزيادة على المقدَّرات من المشروعات كأعداد الصلاة، ورمي الجمار لا تشرع كالنقص منها، وإنما لم نجزم بتحريم ذلك لما ذكرنا من الإجماع؛ ولأنه روي عن عدة من الصحابة تقديم الإحرام على الميقات، فأحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عباس من الشام، وأهلَّ عمران بن حصين من البصرة، وأهلَّ ابن مسعود من القادسية. سبل السلام (1/ 616).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: أنه يستحب ابتداء الإِحرام والتلبية من مسجد ذي الحُليفة بعد الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وقالت المالكية والشافعية: الأفضل بدء الإِحرام والتلبية إذا استوت به الراحلة قائمة.
ثانيًا: أن التلبية تبدأ مع الإِحرام. منار القاري (3/ 81).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: أنه لا بأس بإطلاق هذه اللفظة (يعني: تكذبون).
وفيه: دلالة على أنَّ ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحُليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى البيداء، وبهذا قال جميع العلماء.
وفيه: أنَّ الإحرام من الميقات أفضل من دويرة أهله؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- ترك الإحرام من مسجده مع كمال شرفه.
فإن قيل: إنما أحرم من الميقات لبيان الجواز، قلنا: هذا غلط لوجهين:
أحدهما: أن البيان قد حصل بالأحاديث الصحيحة في بيان المواقيت.
والثاني: أن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما يُحمل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيرًا، فيفعله مرة أو مرات على الوجه الجائز لبيان الجواز، ويواظب غالبًا على فعله على أكمل وجوهه؛ وذلك كالوضوء مرة ومرتين وثلاثًا كله ثابت، والكثير أنه -صلى الله عليه وسلم- توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وأما الإحرام بالحج فلم يتكرر، وإنما جرى منه -صلى الله عليه وسلم- مرة واحدة، فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 92).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
وهو تحقيق نفيس جدَّا، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (22/ 167).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: دليل لمذهب أهل السُّنة أنَّ الغالط يسمى كاذبًا خلافًا للمعتزلة في اشتراطهم التَّعمد، وعندنا العمدية شرط لكونه إثمًا لا لكونه كذبًا.
وفيه: إنكار ابن عمر على مَن يخص الإهلال بالقيام على شَرَف البيداء، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. شرح سنن أبي داود (8/ 294-295).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
ـ مشروعية التلبية عند الدخول في الإحرام؛ لأنَّها شعار الحج والعمرة، كالتكبير شعار الصلاة.
ـ أنَّ الإحرام هو أول عمل واجب يبدأ به مريد الحج والعمرة؛ لأنَّه الدخول في النسك، كتكبيرة الإحرام لمريد الصلاة.
ـ في هذا الحديث: تحديد ابتداء إهلال النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه من عند المسجد؛ لأنَّه ردٌّ من ابن عمر على مَن قال: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحرم من البيداء.
ـ أجمع العلماء على جواز الإحرام قبل الميقات، ومع الإجماع فقد ثبت فعله عن بعض الصحابة، ألَّا أنَّ المشروع وهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- هو ألا يعقد الإحرام ألَّا من الميقات لمن مرَّ عليه أو مَن حاذاه، كما هو عمل الخلفاء الراشدين، وجمهور الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وعمل بعض الصحابة دليل الجواز فقط مع احتمال الأعذار. توضيح الأحكام (4/ 64-65).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا)