الخميس 6 ذو القعدة 1447 | 2026-04-23

A a

«أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وأصحابهُ كانوا يَنحرونَ البَدَنةَ مَعْقُولَةَ اليُسرَى، قائمةً على ما بَقِيَ مِن قَوائمِها».


رواه أبو داود برقم: (1767) والبيهقي في الكبرى برقم: (10219) وابن أبي شيبة برقم: (132)، من حديث عبد الرحمن بن سابط مرسلًا.
صحيح أبي داود برقم: (1550).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«البَدَنَةَ»:
البَدَنة: ناقة أو بقرة تُنحَر بمكة، سمِّيت بذلك لأنَّهم كانوا يُسَمِّنُونَها. الصحاح للجوهري(5/ 2077).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قال بعض الأئمة: البَدَنَة هي الإبل خاصة، ويدل عليه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج: 36. المصباح المنير (1/ 39).
وقال الخازن -رحمه الله-:
البُدُن جمع بَدَنة، سُمِّيت بدَنة؛ لعظمِها وضخامتها، يريد: الإبل الصحاح الأجسام، والبقر، ولا تسمَّى الغنم بدنةً؛ لصغرها. لباب التأويل (3/ 258).

«مَعْقُولَةَ اليُسْرَى»:
أي: مربوطًا ساقها اليُسرى بفخذها بحبل. هداية السالك، لعليش (1/219).

«قَوَائِمِهَا»:
(أي: يديها ورجليها) وهي (هنا ثلاث) يدها اليمنى، ورجلاها. بذل المجهود، للسهارنفوري (7/ 85)


شرح الحديث


قوله: «أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وأصحابَهُ كانوا يَنْحَرُونَ البَدَنَةَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «كانوا ينحرون البَدَنة» والنحر عند الأربعة الأئمة هو الطعن في اللّبَّة، وهي الوَهدة التي أسفل العُنق، بسكِّين ونحوها. شرح سنن أبي داود (8/ 284).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «كانوا ينحرون البدَنة» والمراد هنا بالبدنة البعير، ونحوه من الإبل، فأما البقر والغنم، فليس هذا حكمها، بل يُستحب ذبحها مُضجَعةً لجنبها الأيسر، وتُبرك (على) رجلها اليمنى. الإعلام (6/ 294).
وقال النووي -رحمه الله-:
فالبَدَنَة حيثُ أُطلقت في كُتب الحديث والفقه فالمراد بها البعير ذكرًا كان أو أنثى، وشرطها: أنْ تكون في سن الأضحية، وهي التي استكملت خمس سنين، ودخلت في السادسة، هذا معناها في الكتب المذكورة، ولا تُطلق في هذه الكتب إلا على ما ذكرنا بلا خلاف.
وأما أهل اللغة فقال كثيرون منهم أو أكثرهم: تُطلق على الناقة والبقرة، وقال الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: البَدَنة لا تكون إلا من الإبل والبقر والغنم، هذا كلام الأزهري...، وأما إطلاقها على الذكر والأنثى من حيث اللغة فصحيح، وممن نص عليه وصرح به: صاحب كتاب العين، فقال: البدنة ناقة أو بقرة كذلك الذكر والأنثى منها يُهدَى إلى مكة هذا لفظه.
وجمع البَدَنة: بُدْن بضم الدال، وإسكانها، وممن نص على الضم صاحب الصحاح. تهذيب الأسماء واللغات (3/ 21-22).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
قوله -عز وجل-: {وَالْبُدْنَ} الحج: 36، في البُدْن ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنَّها الإِبل، وهو قول الجمهور.
والثاني: أنَّها الإِبل والبقر والغنم، وهو قول جابر وعطاء.
والثالث: كل ذات خُفٍّ وحافر من الإِبل والبقر والغنم، وهو شاذ، حكاه ابن الشجرة، وسُميت بُدْنًا؛ لأنها مبدنة في السِّمَن. النكت والعيون (4/ 26).

قوله: «مَعقولةَ اليُسرى»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«معقولةَ اليسرى» انتصابه على الحال. إرشاد الساري (7/ 356).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«معقولةَ» أي: مشدودة بالعِقال، وتكون معقولة اليد اليسرى، كما جاء في سنن أبي داود من حديث جابر، ويُشعر بالقيام قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} الحج: 36. الكوكب الوهاج (14/ 359).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«معقولةَ اليُسرى» أي: يدُها اليسرى. بذل المجهود (7/ 84).
وقال الألوسي -رحمه الله-:
الأكثرون على عقل اليد اليسرى، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط -رضي الله تعالى عنه- «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يعقلون يد البدنة اليسرى، وينحرونها قائمة على ما بقي من قوائمها»، وأخرج عن الحسن قيل له: كيف تُنحر البدنة؟ قال: تُعقل يدها اليسرى إذا أُرِيْدَ نحرها.
وذهب بعضهم إلى عقل اليمنى، فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- «أنه كان ينحرها وهي معقولة يدها اليمنى»، وقيل: لا فرق بين عَقل اليسرى وعقل اليمنى، فقد أخرج ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء قال: اعقل أيّ اليدين شئت. روح المعاني (9/ 149).

قوله: «قائمةً على ما بَقِيَ مِن قوائِمِهَا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«قائمة على ما بقي من قوائمها» الثلاث، وهي يدها اليمنى ورجلاها. بذل المجهود (7/ 84 - 85).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«قائمةً على ما بقي من قوائِمها» يشير إلى معناه قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج: 36، أي: سقطت، وهو يشعر بأنها كانت قائمة. كشف اللثام (4/ 343).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«قائمةً على ما بقي من قوائِمها» وعلى هذا المعنى قراءة من قرأ "صوافن"؛ لأنه قال: صفن الفرس: إذا رفع إحدى يديه، وأما من قرأ: {صَوَافَّ} الحج: 36، فإنه أراد قائمة، وقال مالك: تعقل إن خيف أن تنفر، ولا تُنحر باركة إلا أن يصعب...، وممن استحب أن تُنحر قيامًا: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: تُنحر باركةً وقائمة، واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة. شرح صحيح البخاري (4/ 389 - 390).
وقال صديق حسن خان -رحمه الله-:
كون قيامها سُنة إنما هو على سبيل الندب، ويجوز نحرها وذبحها مضجعة على جنبها كالبقر. فتح البيان (9/ 51).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
شذَّ عطاء فخالف، واستحب نحرها باركة معقولة. إكمال المعلم (4/ 405).
وقال النووي -رحمه الله-:
حكى القاضي عن طاوس أنَّ نحرها باركةً أفضل، وهذا مخالف للسُّنة، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (9/ 69).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
السُّنة نحر الإبل قائمةً، معقولة يدها اليسرى، فيضربها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العُنُق والصدر، وممَّن استحب ذلك: مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر، واستحب عطاء نحرها باركةً، وجوّز الثوري وأصحاب الرأي كلَّ ذلك.
ولنا: ما روى دينار بن جبير قال: «رأيتُ ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنته لينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيّدةً؛ سنة محمد -صلى الله عليه وسلم-» متفق عليه، وروى أبو داود بإسناده عن عبد الرحمن بن سابط «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا ينحرون البَدَنة معقولة اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها»، وفي قول الله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج: 36، دليل على أنها تنحر قائمةً، ويروى في تفسير قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} الحج : 36، أي: قيامًا، وتجزئه كيفما نحر، قال أحمد: ينحر البُدن معقولةً على ثلاث قوائم، وإنْ خشي عليها أنْ تنفر أناخها. المغني (3/ 384).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
السُّنة تُنحر البُدن قيامًا؛ لقول الله -عز وجل-: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} الحج: 36، والصواف: التي قد صفَّت قوائمها، ومَن قرأ "صوافن" فإنه يريد قائمة على ثلاث قوائم، ومن قرأ "صوافي" أراد خالصةً لله، والاختيار عند الجميع ألا تُنحر البدنة إلا قائمةً، إلا أن تمتنع من ذلك، وما أظنهم -والله أعلم- استحبوا نحرها قيامًا إلا لقوله -عز وجل-: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج: 36، أي: سقطت على جنوبها إلى الأرض. الاستذكار (4/ 242).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وعن أبي حنيفة: "نحرتُ بدنة قائمة، فكدتُ أُهْلِكُ فئامًا من الناس؛ لأنها نفرت، فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك إلا باركةً معقولةً"، والحاصل: أنَّ القيام أفضل، فإن لم يتسهل فالقعود أفضل من الاضطجاع، نعم، ذبح الإبل خلاف الأولى، إنْ ثبت عن مالك ما نُقل عنه أنَّ الإبل لا يحل ذبحها، والظاهر عدم ثبوته عنه، فقد قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا حرَّم ذلك، وإنَّما كرهه مالك، وأما ما وقع في بعض كتب الشافعية من أنَّ نحر البقر والغنم يحرم إجماعًا فهو غلط، والصواب كما عبَّر به العبدري، وغيره يجوز إجماعًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1823).
وقال العيني -رحمه الله-:
السُّنة في الإبل النحر، فلو ذبح كُره، وأنَّ السُّنة نحرها وهي قائمة؛ لأنه أمْكَنُ لنحرها؛ لأنه يطعن في لبَّتها، وتكون معقولة اليد اليسرى. عمدة القاري (9/ 178).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ