قال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- غَدَاةَ العَقبة وهو على ناقته: «الْقُطْ لي حَصًى» فَلَقَطْتُ له سَبْعَ حَصياتٍ، هنَّ حصى الخَذْفِ، فجعلَ يَنْفُضُهُنَّ في كفِّهِ، ويقولُ: «أمثالَ هؤلاءِ فَارْمُوا»، ثم قال: «يا أيُّها الناسُ، إيَّاكُمْ والغُلُوَّ في الدِّينِ؛ فإنَّه أَهلك مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدِّينِ».
رواه أحمد برقم: (3248) والنسائي برقم: (3057) وابن ماجه برقم: (3029) واللفظ له، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
صحيح سنن النسائي رقم: (3057)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1283).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«غَدَاةَ»:
بفتح الغين: المرة من الغدو، وهو من أول النهار إلى الزوال، أما بالضَّم فمن صلاة الغَداة إلى طلوع الشمس. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام(10/٢٨٨)
«الخَذْفُ»:
رَمْيُكَ بحصاة أو نواة تأخذها بين سبَّابَتَيْك وتَخْذِف بها أي: ترمي. العين، للفراهيدي (4/ 245).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
الخَذْفُ بالخاء فإنه الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع. تهذيب اللغة (4/ 270).
«الغُلوُّ»:
الارتفاعُ في الشيء ومجاوزة الحد فيه. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 961).
شرح الحديث
قوله: «قال رسولُ اللَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- غَدَاةَ العَقَبة، وهو على ناقته الْقُطْ لي حَصًى»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غَداة» التقاط حصى الرمي من «العقبة» أي: عقبة منى؛ وهي غَداة يوم النحر والعيد لرمي جمرة العقبة «وهو» أي: والحال أنه -صلى الله عليه وسلم- راكب «على ناقته»، وركوبه على ناقته يومئذٍ هو المشهور المحفوظ، بخلاف قوله في الحديث السابق: «وهو راكب على بغلة»، فغير مشهور. انتهى "سندي"، والجملة حال من الرسول. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 442).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «القُطْ لي» من الأرض «حصى» رمي جمرة العقبة؛ أي: خُذْهَا لي من الأرض حبة حبة، مقول لـ«قال». مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 442).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -رحمه الله-:
ولم يذكر جابر -رضي الله عنه- من أَين أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- حصى جمرة العقبة، وهذا يدل على أنه ليس لذلك مكان معين، فيلقطها الحاج من حيث شاء، وقد جاء في حديث ابن عباس وفي رواية الفضل بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداة العقبة وهو على راحلته: «هات القط لي»، فلقط له حصيات نحوًا من حصى الخذف، فلمّا وضعهن في يده قال: «مثل هؤلاء -ثلاث مرات-، وإياكم والغلو في الدِّين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين».
وهذا كما ترى ليس فيه تحديد للمكان، وقد جزم ابن قدامة أن ذلك كان في منى، ولعله أخذ ذلك من قوله: «غداة العقبة»، وذكر ابن حزم أنه التقطها له من موقفه الذي رمى فيه، وتبعه الألباني، وهذا فيه نظر، فقد ورد في "الصحيحين": «أنه رمى الجمرة ضحى»، وهذا يفيد أن الالتقاط كان قبل وقت الرمي، وقد جاء في "صحيح مسلم" من حديث الفضل: «حتى إذا دخل محَسِّرًا وهو من منى قال: «عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة …»، وظاهر هذا أنه أمر بلقطها في طريقه، وبه جزم ابن القيم.
والمقصود أنه ليس للحصى مكان معين، ومَن فهم أن السُّنة الالتقاط من مزدلفة - كما يفعله كثير من الحجاج - فقد غلط؛ لعدم الدليل على ذلك.منحة العلام(5/271 ـ 272).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ويأخذ حصى الجمار من طريقه، أو من مزدلفة إنما استحب ذلك لئلا يشتغل عند قدومه بشيء قبل الرمي، فإن الرمي تحيَّة له، كما أن الطواف تحية المسجد، فلا يبدأ بشيء قبله، وكان ابن عمر يأخذ الحصى من جَمْع (مزدلفة) وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى مِن جَمْع، واستحبه الشافعي، وعن أحمد قال: خذ الحصى من حيث شئت، وهو قول عطاء وابن المنذر، وهو أصح إن شاء الله تعالى؛ لأن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداة العقبة وهو على ناقته: «القط لي حصى، فلقطتُ له سبع حصيات من حصى الخذف...» وكان ذلك بمنى، ولا خلاف في أنه يجزئه أخذه من حيث كان. المغني (5/ 288- 290).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
فأتى الجمرة التي عند الشجرة، وهي جمرة العقبة فرماها -عليه السلام- وهو راكب على راحلته من أسفلها بعد طلوع الشمس من اليوم المؤرخ، بحصى التقطها له ابن عباس من موقفه الذي رمى فيه مثل حصى الخذف، وأمر بمثلها، ونهى عن أكبر منها، وعن الغلو في الدين، فرمى بسبع حصيات كما ذكرنا، يكبر مع كل حصاة منها. حجة الوداع (ص: 189).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
ذكر ابن حزم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى بحصيات التقطها له عبد الله بن عباس من موقفه الذي رمى فيه مثل حصى الخذف، ولا تضاد بينه وبين ما تقدم، فإنه لم يقل في الحديث: إنه التقط، وإنما أمر بالالتقاط، فيحتمل أنه لم يرَ تكليف الالتقاط لنفسه في ذلك الموضع؛ لاشتغال الناس فيه بالسعي (المشي) وإنْ تكلفوا ذلك في حق أنفسهم، ويجوز أنْ يكون التُقط له، ثم سقط منه، وأن الأمر به من وادي محسِّر لمن لم يأخذ من المزدلفة، أو يكون الراوي نسب محسِّر إلى مزدلفة؛ لأنه حدٌّ لها...، فأضاف الأخذ إليها، وهو منه، وإنما يستحب أخذ حصى رمي جمرة العقبة لا غير؛ ليكون غير معرِّج على شيء غير الرمي عند وصوله إلى منى. إتحاف السادة المتقين (4/ 424).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله-:
يأخذ حصى الجمار من مزدلفة، أو من الطريق؛ لما روي «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر ابن عباس -رضي الله عنهما- أن يأخذ الحصى من مزدلفة»، وعليه فعل المسلمين، وهو أحد نوعي الإجماع. بدائع الصنائع (2/ 156).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وقف -صلى الله عليه وسلم- في موقفه، وأَعْلَمَ الناس أن مزدلفة كلها موقف، ثم سار من مزدلفة مردِفًا للفضل بن عباس، وهو يلبِّي في مسيره، وانطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش، وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار، سبع حصيات، ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده، ولا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف. زاد المعاد (2/ 235).
وقال الشيرازي -رحمه الله-:
يُستحب أنْ يؤخذ منها (مزدلفة) حصى جمرة العقبة؛ لما روى الفضل بن العباس «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال غداة يوم النحر: القط لي حصى، فلقطتُ له حصيات مثل حصى الخذف»؛ ولأن السُّنة إذا أتى منى لا يعرج على غير الرمي، فاستحب أن يأخذ الحصى حتى لا يُشغل عن الرمي، وإنْ أخذ الحصى من غيرها جاز؛ لأن الاسم يقع عليه. المهذب (1/ 413- 414).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال الشافعي والأصحاب: يُستحب أنْ يأخذ من المزدلفة سبع حصيات لرمي جمرة العَقبة يوم النحر، والاحتياط أنْ يزيد، فربما سقط منها شيء. المجموع (8/ 137-138).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
له أنَّ يأخذ الحصى من حيث شاء، لكن لا يرمي بحصى قد رمي به. مجموع الفتاوى (26/ 137).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافًا بينهم أنَّه من حيث أخذ أجزأه، لكن أُحِبُّ لقطه، وأكره كسره؛ لأنه قد يُؤذى إلى احتسابها واحدة . المجموع (8/ 182).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قد اشتهر عند كثير من العوام أنَّه يجب أنَّ تلتقط الحصى من مزدلفة، وهذا خطأ، فالحصى تُلْتَقَط من منى؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- التقطها من منى، حين وقف على جمرة العقبة، وأمر ابن عباس -رضي الله عنهما- أنْ يلقط له الحصى، فلقطها من منى، وجعل يقول: «بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين»، لكن استَحَبَّ كثير من السلف أنْ تُلقط الحصى من مزدلفة؛ من أجل أنْ يبادر برمي جمرة العقبة، حتى لا ينزل من بعيره، فيَلقط الحصى من منى، قالوا: يأخذها قبل أنْ يرتحل؛ لتكون جاهزة؛ لأن الأفضل أنْ يرمي جمرة العقبة يوم العيد، وهو على بعيره، قبل أنْ يحط رحله، لكن هذا أمر في الوقت الحاضر لا يمكن، بل هو مستحيل، ولو قلنا للناس: اركبوا سيارتكم، وقفوا عند الجمرة، لا يمكن؛ لذلك نقول: إنَّ لقط الجمرات من منى أقرب للسُّنة مِن لَقْطِها من مزدلفة. مجموع الفتاوى (23/ 15-16).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
فما يفعله الناس اليوم من التقاط الحصيات في المزدلفة مما لا نعرف له أصلًا في السُّنة، بل هو مخالِف لهذين الحديثين على ما فيه من التكلُّف والتحمل بدون فائدة. السلسلة الصحيحة (5/ 177).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
ما يفعله بعض العامة مِن لَقْطِ حصى الجمار من حين وصوله إلى مزدلفة قبل الصلاة، واعتقاد كثير منهم أن ذلك مشروع، فهو غلط لا أصل له.. التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة (ص: 61-62).
وقال الشيخ عبد الله بن جبرين -رحمه الله-:
اشتغال بعض الحجاج بلقط حصى الجمار من حين وصولهم إلى مزدلفة قبل صلاة المغرب والعشاء، وهذا غلط لا أصل له، والنبي لم يأمر أنْ يلتقط له الحصى ألا بعد انصرافه من المشعر الحرام إلى منى. مناسك الحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي (ص: 12).
قوله: «فلقطتُ له سَبْعِ حَصَياتٍ هنَّ حَصى الخذْف»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال ابن عباس: «فلقطتُ له» -صلى الله عليه وسلم- حصى الرمي «سبع حصيات» لرمي جمرة العقبة يوم العيد، قيل: ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، وقيل: واجب يُجبر بالدم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 442).
قوله: «هنَّ حَصى الخذْف»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «هن» أي: مقدار تلك الحصيات السبع مقدار «حصى الخذف» أي: قدر حصى يخذف بها، والجملة الاسمية في محل النصب صفة لسبع حصيات؛ أي: فلقطتُ له سبع حصيات موصوفة بكون قدرها قدر حصى الخذف؛ والخذف: رمي الحصى بالسبابتين، أو بالسبابة والإبهام، أو بالإبهام والوسطى مثلًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 442- 443).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«هُن حصى الخذف» أي: مثل حصى الخذف في الصغر. ذخيرة العقبى (26/ 31).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حصى الخذف» بالخاء والذال المعجمتين، أي: بحصى يمكن أن يخذف بالخذف، وهو قدر الباقلاء تقريبًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1809).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«حصى الخذف» يعني: ارموا الأحجار الصغار، ولا ترموا الحجار الكبار؛ كي لا يتأذى الناس، ولا يضيق طريقهم. المفاتيح (3/ 308).
وقال النووي -رحمه الله-:
«حصى الخذف» وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغي ألا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه بشرط كونها حجرًا، ولا يجوز عند الشافعي والجمهور الرمي بالكحل والزرنيخ والذهب والفضة وغير ذلك مما لا يسمى حجرًا، وجوّزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض. شرح صحيح مسلم (8/ 191).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يجزئ الرمي بكل ما يسمى حصى، وهي الحجارة الصغار، سواء كان أسود أو أبيض أو أحمر، من المرمر (نوع من الرخام صلب) أو البِرَام (جمع بُرمة قِدْر من الحجارة) أو المرو وهو الصوان (حجارة بيض براقة تقدح منها النار) أو الرخام أو الكَذَّان (حجارة فيها رخاوة كأنها المدر) أو حجر الْمِسَن (حجر تشحذ به الأدوات ونحوها) وهذا قول مالك، والشافعي.
وقال القاضي: لا يجزئ الرخام والبِرَام والكَذَّان، ويقتضي قوله: أنْ لا يجزئ المرو ولا حجر الْمِسَن.
وقال أبو حنيفة: يجوز بالطين والمدر، وما كان من جنس الأرض، ونحوه قول الثوري، وروي عن سكينة بنت الحسين أنها رمت الجمرة ورجل يناولها الحصى، تكبِّر مع كل حصاة، وسقطت حصاة فرمت بخاتمها.
ولنا: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى بالحصى، وأمر بالرمي بمثل حصى الخذف، فلا يتناول غير الحصى، ويتناول جميع أنواعه، فلا يجوز تخصيصه بغير دليل، ولا إلحاق غيره به؛ لأنه في موضع لا يدخل القياس فيه. المغني (5/ 289- 290).
وقال ابن قدامة -رحمه الله- أيضًا:
والتقاط الحصى أولى من تكسيره؛ لهذا الخبر؛ ولأنه لا يؤمَن في التكسير أن يطير إلى وجهه شيء يؤذيه.
ويستحب أن تكون الحصيات كحصى الخذف؛ لهذا الخبر؛ ولقول جابر في حديثه: «كل حصاة منها مثل حصى الخذف»، وروى سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا أيها الناس، إذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف» رواه أبو داود، قال الأثرم: يكون أكبر من الحمّص (حَبٌّ معروف أصفر اللون بكسر الحاء وتشديد الميم المكسورة وتُفتح) ودون البندق (حَبٌّ صغيرٌ يُؤكَل يُشبه الفُستُق)، وكان ابن عمر يرمي بمثل بعر الغنم.
فإن رمى بحجر كبير، فقد رُوي عن أحمد أنه قال: لا يجزئه حتى يأتي بالحصى على ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بهذا القَدْر، ونهى عن تجاوزه، والأمر مقتض للوجوب، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأن الرمي بالكبير ربما آذى من يصيبه، وقال بعض أصحابنا: يجزئه مع تركه للسُّنة؛ لأنه قد رمى بالحجر، وكذلك الحكم في الصغير. المغني (5/ 288- 289).
قوله: «فجعل ينفضُهنَّ في كفِّهِ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فجعل ينفضهن» مِن نَفَضَ كنَصَرَ، أو ضرب، أو مِن أَنْفَضَ بمعنى: حرَّك. كفاية الحاجة (2/ 243).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجعل» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشرع «ينفضهن» أي: ينفض تلك الحصيات ويجمعهن «في كفه» -صلى الله عليه وسلم-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 443).
قوله: «ويقولُ: «أمثالَ هؤلاءِ فارْمُوا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«بأمثال هؤلاء» متعلق بمحذوف، أي: ارموا بأمثال هؤلاء الحصيات في الحجم، وفي (السنن) الكبرى: «بأمثال هؤلاء، بأمثال هؤلاء» مكررًا. ذخيرة العقبى (26/ 31).
قوله: «ثم قال: «يا أيُّها النَّاسُ، إياكم والغُلو في الدِّين»:
قال السندي -رحمه الله-:
«والغلو في الدين» أي: التشديد فيه، ومجاوزة الحد... وقيل: معناه البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عِلَلها. كفاية الحاجة (2/ 243).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد؛ بأن يُزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك...، وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه: مثل الرمي بالحجارة الكبار، ونحو ذلك، بناء على أنه قد أبلغ من الحصى الصغار.
ثم علل ذلك: بأن ما أهلك مَن قَبلنا إلا الغلو في الدين، كما تراه في النصارى، وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقًا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يُخاف عليه أن يكون هالكًا. اقتضاء الصراط المستقيم (1/328- 329).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«إياكم والغلو في الدين» أي: التشدد فيه، ومجاوزة الحد، كحديثه الآخر: «إنَّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق» وقيل: معناه: البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عللها وغوامض متعبَّداتها، ومنه الحديث: «وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه» إنما قال ذلك؛ لأن من أخلاقه وآدابه التي أمر بها: القصد في الأمور، وخير الأمور أوساطها، وكلا طرفي قصد الأمور ذميمُ. النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 382).
قوله: «فإنه أهلك من كان قبلكم الغُلو في الدِّين»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإنَّه» أي: فإنَّ الشأن والحال إنما «أهلك من كان قبلكم» من الأمم «الغلو» ومجاوزة الحد المشروع لهم «في الدِّين» بالتفريط أو بالإفراط. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 443).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإنما أَهلك من كان قبلكم الغُلو في الدِّين» يعني: أنَّ الغلو في أمور الدين هو الذي أهلك الأمم السابقة، فلا ينبغي لهذه الأمَّة أن تتأسى بهم؛ لئلا يصبيها ما أصابهم، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (26/ 31).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ثم علَّل ذلك: بأنَّ ما أهلك مَن قبلنا إلا الغلو في الدين، كما تراه في النصارى؛ وذلك يقتضي: أنَّ مجانبة هديهم مطلقًا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأنَّ المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف عليه أنْ يكون هالكًا. اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 329).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فنهى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن التشديد في الدين؛ وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه، إما بالقدر، وإما بالشرع.
فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس، فإنهم شدَّدوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفة لازمة لهم. إغاثة اللهفان (1/ 132).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وإنما» (في رواية أخرى) أداة حصر، والحصر: إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
قوله: «أهلك» يحتمل معنيين:
الأول: أن المراد هلاك الدِّين، وعليه يكون الهلاك واقعًا مباشرة من الغلو؛ لأن مجرد الغلو هلاك.
الثاني: أنه هلاك الأجسام، وعليه يكون الغلو سببًا للهلاك، أي: إذا غلوا خرجوا عن طاعة الله فأهلكهم الله.
وهل الحصر في قوله: «فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» حقيقي أو إضافي؟
الجواب: إنْ قيل: إنه حقيقي، حصل إشكال، وهو أن هناك أحاديث أضاف النبي -صلى الله عليه وسلم- الهلاك فيها إلى أعمال غير الغلو، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» فهنا حصران متقابلان، فإذا قلنا: إنه حقيقي بمعنى: أنه لا هلاك إلا بهذا حقيقة، صار بين الحديثين تناقض.
وإن قيل: إن الحصر إضافي، أي: باعتبار عملٍ معين، فإنه لا يحصل تناقض، بحيث يحمل كل منهما على جهة لا تُعارض الحديث الآخر؛ لئلا يكون في حديثه -صلى الله عليه وسلم- تناقض، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًا، فيقال: أهلك من كان قبلكم الغلو هذا الحصر باعتبار الغلو في التعبد في الحديث الأول، وفي الآخر يقال: أهلك من كان قبلكم باعتبار الحكم، فيهلك الناس إذا أقاموا الحد على الضعيف دون الشريف.
وفي هذا الحديث: يحذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمَّته من الغلو، ويبرهن على أن الغلو سبب للهلاك؛ لأنه مخالف للشرع، ولإهلاكه للأمم السابقة، فيُستفاد منه تحريم الغلو من وجهين:
الوجه الأول: تحذيره -صلى الله عليه وسلم-، والتحذير نهي وزيادة.
الوجه الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم كما أهلك مَن قبلنا، وما كان سبب للهلاك كان محرمًا. القول المفيد (1/ 373- 374).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)