«أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رمى جمرةَ العقبةِ، ثم انصرفَ إلى البُدْنِ فنحرها، والحجَّامُ جالسٌ، وقال بيدِهِ عن رأسِهِ، فحَلَقَ شِقَّهُ الأيمنَ، فقَسَمَهُ فيمن يَلِيهِ، ثم قال: احلِقِ الشِّقَّ الآخَرَ، فقال: أين أبو طلحةَ؟ فأعطاه إياه».
رواه مسلم برقم: (1305) من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وفي لفظ لمسلم برقم: (1305): «وأَشَارَ بيدِهِ إلى الجانبِ الأيمنِ هكذا، فَقَسَمَ شَعَرَهُ بينَ مَن يليه، قال: ثم أَشَارَ إلى الحَلَّاقِ وإلى الجانبِ الأيْسرِ، فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أُمَّ سُلَيْمٍ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«جَمْرَة»:
هي مَوضِع رمي الجمار بمكَّة، وهي ثلاث جمرات، والجمرة الكبرَى بالعقبَةِ، وطرفها أقْصَى منى، وَسميت الكُبْرَى؛ لأنَّها تُرمى يوم النَّحْر، قاله الدَّاودِيّ. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 168).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
سُمِّيَت الجَمْرَةُ جَمْرَةً لاجتماع الذي فيها مِن الْحَصَى، يُقال: اسْتَجْمَرُوا: إذا تَجَمَّعُوا. حلية الفقهاء (ص: 120).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أما موضع الجمار بمنى فسمي جمرة لأنها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنها مجمَع الحصى التي يرمى بها، من الجمرة وهي اجتماع القبيلة على مَن ناوأها، وقيل: سُميت به من قولهم: أجمر إذا أسرع. النهاية (1/ 292).
«البُدْن»:
بتسكين الدالِ وَضَمها، بَدَنَة وبُدْنٌ، وبُدُن، مثل قوله: ثَمَرَةٌ وثُمْر وثُمُر، وإنَّما سُمَّيت بَدَنَةً لأنها تَبْدُن، أي: تَسْمَن. معاني القرآن وإعرابه، للزجاج (3/ 428).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
البَدَنَة: الناقة أو البقرة تُنحر بمكة. شمس العلوم، للحميري (1/ 452).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«البُدْن»: جمع بَدَنة، وهي ما يُهدى إلى البيت من الإبل والبقر، وقيل: من الإبل خاصة. جامع الأصول (3/ 291).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رمى جمرةَ العقبةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رمى جمرة العقبة» يوم النحر. الكوكب الوهاج (14/ 316).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«جمرة العقبة» وتسمى الجمرة الكبرى، وهي ليست من منى، بل هي حدُّ منى من جهة مكة، وهي آخر الجمرات الثلاث بالنسبة إلى المتوجه إلى مكة من منى، وهي التي بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنصار عندها على الهجرة، والجمرة اسمٌ لمجتمع الحصى، سُمِّيت بذلك لاجتماع الناس بها، يُقال: تجمَّر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل: إن العرب تسمي الحصى الصغار جمارًا فسميت من تسمية الشيء بلازمه. فتح المنعم (5/ 324).
وقال ابن الجلاب المالكي -رحمه الله-:
قال مالك -رحمه الله-: وإذا دَفَعَ من مزدلفة إلى منى فأتى منى فليرمِ جمرة العقبة وحدها ضحى، ولا يؤخرها إلى الزوال، ولا يرمِ أحد جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، ومَن رماها قبله فليُعد الرمي إذا طلعت الشمس. التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (1/ 229).
قوله: «ثم انصرفَ إلى البُدْنِ فنحرها»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثمَّ انصرف» أي: رجع وذهب «إلى» مَبَارِكِ «البُدْن» والهدايا، والبُدْن بضم فسكون جمع بدنة، «فنحرها» أي: فنحر بعضها بيده، وأمر عليًّا بنحو الباقي. الكوكب الوهاج (14/ 316-317).
وقال ابن الجلاب المالكي -رحمه الله-:
قال مالك -رحمه الله-:... فإذا رمى جمرة العقبة فليذبح إن كان معه ذبح. التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (1/ 229- 230).
وقال النووي-رحمه الله-:
يُستحب نحر الإبل وهي قائمة معقولة اليد اليسرى...، أما البقر والغنم فيستحب أن تُذبح مُضجعةً على جنبها الأيسر، وتُترك رجلها اليمنى، وتُشد قوائمُها الثلاث.شرح صحيح مسلم (9/ 69).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر لم يقف وانصرف، فأول شيء يبدأ به نحر الهدي إنْ كان معه هدي واجبًا أو تطوعًا، فإنْ لم يكن معه هدي وعليه هدي واجب اشتراه، وإنْ لم يكن عليه واجب فأحب أنْ يضحي اشترى ما يضحي به، وينحر الإبل، ويذبح ما سواها، والمستحَبُّ أنْ يتولَّى ذلك بيده، وإنْ استناب غيره جاز، هذا قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي؛ وذلك لما روى جابر في صفة حج النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنه رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه»، وقال أنس: «نحر النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده سبع بدنات قيامًا» رواه البخاري. المغني (3/ 383- 384).
قوله: «والحجَّامُ جالسٌ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والحجام» أي: الحالق «جالس» حاضر عنده. الكوكب الوهاج (14/ 317).
وقال العيني -رحمه الله-:
الحالق المذكور اختُلف في تعيينه، فقال البخاري في صحيحه: زعموا أنه معمر بن عبد الله، وقال النووي: إنه الصحيح المشهور، قال البخاري في التاريخ الكبير: قال علي بن عبد الله: حدثنا عبد الأعلى حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن عقبة، مولى معمر، عن معمر العدوي قال: «كنتُ أَرْحَلُ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قضى حجَّه، وكان يوم النحر، جلس يحلق رأسه، فرفع رأسه فنظر في وجهي، فقال: يا معمر، أَمْكَنَكَ النبي -صلى الله عليه وسلم- من شحمة أذنه، وفي يدك الموسى، فقال: ذاك منُّ الله تعالى عليَّ وفضله، قال: نعم؟ فحلقته» وقيل: إن الذي حلق رأسه -عليه الصلاة والسلام- هو خراش بن أمية بن ربيعة، حكاه النووي في شرح مسلم: وقال شيخنا زين الدين -رحمه الله تعالى- (العراقي): هذا وهمٌ من قائله، وإنما حلق رأسه خراش بن أمية يوم الحديبية، وقد بينه ابن عبد البر، فقال في ترجمة خراش: وهو الذي حلق رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية. انتهى. فمَن ذكر أنه حلق له يوم النحر في حجته فقد وهم، وإنما حلق له يوم النحر معمر بن عبد الله العدوي، كما تقدم، وهو الصواب. عمدة القاري (10/ 63- 64).
قوله: «وقال بيدِهِ عن رأسهِ، فحَلق شقَّهُ الأيمنَ، فقَسَمَهُ فيمن يَلِيهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وقال» النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: أشار إلى الحالق «بيده» الشريفة إلى إزالة الشَّعر «عن رأسه فحلق» الحالق «شقه الأيمن» أي: الجانب الأيمن من رأسه «فقسمه» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-، أي: أمر أبا طلحة بقسم الشعر المحلوق، وتوزيعه «فيمن يليه» أي: يلي جانبه الأيمن. الكوكب الوهاج (14/ 317).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
«وقال بِيدِهِ عنْ رَأْسِهِ، فحلق شِقَّهُ الأَيْمَنَ» كذا للجميع: «عن رأسه» وللعذري: «عن يساره» بدلًا من «رأسه» والأول أظهر، وقد روي: «على رأسه» وقد تخرَّج الأخرى على أنه جعل يده على يسار رأسه؛ لئلا يبدأ الحالق به، و«قال» هنا بمعنى جعل أو أشار أو دافع الحلاق عن رأسه. مطالع الأنوار (3/ 103).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «وقال بيده عن رأسه» أي: أشار بيده على رأسه، ففيه إطلاق القول على الفعل، وقوله: «عن رأسه» وفي نسخة: «على رأسه». البحر المحيط الثجاج (23/ 707).
قوله: «ثم قال: احلِقِ الشِّقَّ الآخر، فقال: أين أبو طلحةَ؟ فأعطاه إياه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثمَّ قال» النبي -صلى الله عليه وسلم- للحالق «احلقِ الشق الآخر» من رأسه، يعني: الجانب الأيسر «فقال» لمن عنده: «أين أبو طلحة؟ فأعطاه» أي: فأعطى أبا طلحة «إياه» أي: الشعر المحلوق من الجانب الأيسر، فدفعه أبو طلحة إلى أم سُليم. الكوكب الوهاج (14/ 317).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
لا خلاف أنَّ الحِلَاق أفضل من التقصير، وأن التقصير يجزئ، وأن الحِلَاق لا يلزم النساء، وأن شأنهن التقصير، وعند الكثير منهم أن الحِلَاق لا يباح لهن إلا من عذر؛ لأنه مُثْلة فيهن، وشذ الحسن فرأى أنَّ الحِلَاق واجب في أول حجة يحجها الإنسان، وجمهورهم على أنه من لبَّد أو عقَّص أو ضَفَّر لزمه أن يحلق ولا يقصر؛ للسُّنة الواردة بذلك، قالوا: وعليه أن التقصير في ذلك لا يعم شعره، ومن سُنته عموم تقصير شعره وهذا فيه ضعف، إلا أصحاب الرأي، فجعلوا الملبِّد والمضَفِّر لشعره يجزئه التقصير.
وفي بداية النبيِّ -عليه السلام- بحلق رأسه بالشق الأيمن مشهور سنته في التيامن في العبادات وغيرها، وقِسْمَتِه شعره -عليه السلام- على الناس تبركًا به، واستشفاعًا إلى الله بأجزائه هو، وما هو منه، وتقربًا بذلك.
وفيه: حُجة على طهارة الشعر وشعر الإنسان إذا انفصل عنه، وإن كان قد اختلف العلماء في ذلك كما تقدم في كتاب الطهارة، وتخصيص شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- وجميع ما منه حيًّا وميتًا بالطهارة على أحد القولين هو الصحيح...
وحكم الحِلَاق وسنته أن يكون بعد النحر وقبل الإفاضة، على ما جاء من فعله -عليه السلام-، سواء في هذا القارن والمفرِد عند كافَّتهم، وذهب ابن الجهم من أصحابنا (المالكية) أن القارن لا يحلق حتى يطوف ويسعى. إكمال المعلم (4/ 386).
وقال ابن الجلاب المالكي -رحمه الله-:
قال مالك -رحمه الله-:... ثم ليحلق إن شاء أو يقصِّر، والحِلَاق أفضل من التقصير.
فإن قَدَّم الذبح على الرمي فلا شيء عليه، وإن قدَّم الحِلَاق على الذبح فلا شيء عليه.
ولا يقدم الحِلَاق على الرمي، فإنْ قدَّمه فعليه الكفارة، ومَن حَلَقَ أو قصَّر فليعم بذلك رأسه، ولا يجزيه الاقتصار على بعضه، وسُنَّة النساء التقصير، وليس لما يقصرنه حدّ في الطول والقِصَر، وتقصر المرأة من سائر شعرها، ولا يجزيها الاقتصار على بعضه، فإذا آذاها شعرها وقمل رأسها فلا بأس بحلاقه. التفريع في فقه الإمام مالك بن أنس (1/ 229- 230).
وقال العيني -رحمه الله-:
ثم الكلام في حلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وما يتعلق به على أنواع:
الأول في كيفية حلقه -صلى الله عليه وسلم-: روى مسلم من حديث أنس: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتى من منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، وقال للحلَّاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس»، وروى الترمذي من حديث أنس أيضًا قال: «...ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه، فقال: اقسمه بين الناس» ثم ظاهر رواية الترمذي أن الشعر الذي أمر أبا طلحة بقسمته بين الناس هو شعر الشق الأيسر، وهكذا رواية مسلم من طريق ابن عيينة، وأما رواية حفص بن غياث وعبد الأعلى ففيهما أن الشق الذي قسمه بين الناس هو الأيمن، وكلا الروايتين عند مسلم، وأما رواية حفص فقال أبو كريب عنه: «فبدأ بالشق الأيمن، فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك».
وقال أبو بكر في روايته عن حفص: «قال للحلَّاق: وها، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن هكذا، فقسم شعره بين من يليه، قال: ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه، فأعطاه أم سُليم»، وقال يحيى بن يحيى في روايته عن حفص: «ثم قال للحلَّاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم للأيسر، ثم جعل يعطيه الناس»، فلم يذكر يحيى بن يحيى في روايته أبا طلحة ولا أم سُليم، وأما رواية عبد الأعلى فقال فيها: «وقال بيده، فحلق شقه الأيمن فقسمه فيمن يليه، ثم قال: احلق الشق الآخر، فقال: أين أبو طلحة؟ فأعطاه إياه».
وقد اختلف أهل الحديث في الاختلاف الواقع في هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى الجمع بينهما، وذهب بعضهم إلى الترجيح لتعذُّر الجمع عنده، وقال صاحب المفهم: إن قوله: «لما حَلَق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شقَّ رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة» ليس مناقضًا لما في الرواية الثانية: «أنه قَسَمَ شَعْرَ الجانب الأيمن بين الناس، وشعر الجانب الأيسر أعطاه أم سُليم» وهي امرأة أبي طلحة، وهي أم أنس -رضي الله تعالى عنها- قال: وحصل من مجموع هذه الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة؛ ليقسمه بين الناس، ففعل أبو طلحة، وناول شعر الشق الأيسر؛ ليكون عند أبي طلحة، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه، والله أعلم.
وقد جمع المحب الطبري في موضع إمكان جمعه، ورجح في مكان تعذره، فقال: والصحيح أنَّ الذي وزعه على الناس الشق الأيمن، وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم سليم، ولا تضاد بين الروايتين؛ لأن أم سليم امرأة أبي طلحة، فأعطاهُ -صلى الله عليه وسلم- لهما، فنسب العطية تارة إليه، وتارة إليها. انتهى.
وفي رواية أحمد في المسند ما يقتضي أنه أرسل شعر الشق الأيمن مع أنس إلى أمه أم سليم امرأة أبي طلحة، فإنه قال فيها: «لما حلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأسه بمنى أخذ شق رأسه الأيمن بيده، فلما فرغ ناولني فقال: يا أنس انطلق بهذا إلى أم سليم، قال: فلما رأى الناس ما خصَّنا به تنافسوا في الشق الآخر، هذا يأخذ الشيء، وهذا يأخذ الشيء»...
النوع الثاني: أن فيه ما يدل على وجوب استيعاب حلق الرأس؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- حلق جميع رأسه، وقال: «خذوا عني مناسككم» وبه قال مالك وأحمد في رواية، كالمسح في الوضوء.
وقال مالك في المشهور عنه: يجب حلق أكثر الرأس، وبه قال أحمد في رواية، وقال عطاء: يبلغ به إلى العظمين اللَّذين عند منتهى الصُّدغين؛ لأنهما منتهى نبات الشعر؛ ليكون مستوعبًا لجميع رأسه.
وقال أبو حنيفة: يجب حلق ربع الرأس، وقال أبو يوسف: يجب حلق نصف الرأس، وذهب الشافعي إلى أنه يكفي حلق ثلاث شعرات، ولم يكتف بشعرة أو بعض شعرة، كما اكتفى بذلك في مسح الرأس في الوضوء.
النوع الثالث: أنه يستدل به على أفضلية الحلق على التقصير...
النوع الرابع: أن فيه طهارة شَعْرِ الآدمي، وهو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وخالف في ذلك أبو جعفر الترمذي منهم، فخصص الطهارة بشعره -صلى الله عليه وسلم-، وذهب إلى نجاسة شعر غيره.
النوع الخامس: فيه التبرك بشعره -صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك من آثاره بأبي وأمي ونفسي هو، وقد روى أحمد في مسنده بسنده إلى ابن سيرين أنه قال: فحدَّثَنِيْه عبيدة السلماني -يريد هذا الحديث- فقال: لأن يكون عندي شعرة منه أحب إلي من كل بيضاء وصفراء على وجه الأرض، وفي بطنها، وقد ذكر غير واحد أن خالد بن الوليد -رضي الله تعالى عنه- كان في قلنسوته شعرات من شعره -صلى الله عليه وسلم-، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلا فُتح له، ويؤيد ذلك ما ذكره الملَّا في السيرة (هو أبو حفص عمر الملائي): أن خالدًا سأل أبا طلحة حين فرَّق شعره -صلى الله عليه وسلم- بين الناس أن يعطيه شعر ناصيته، فأعطاه إياه، فكان مقدم ناصيته مناسبًا لفتح كل ما أقدم عليه (وهذا ذكره ابن كثير في البداية والنهاية والحاكم وسكت عنه، وأعله الذهبي بالانقطاع).
النوع السابع: فيه مواساة الإمام والكبير بين أصحابه فيما يقسمه بينهم، وإن فاضَلَ بينهم لأمر اقتضى ذلك.
النوع الثامن: فيه أنه لا بأس بتفضيل بعضهم على بعض في القسمة لأمر يراه ويؤدي إليه اجتهاده؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- خصَّص أبا طلحة وأم سُليم بشعر أحد الشقين، كما تقدم...
النوع العاشر: أن عند أبي حنيفة يبدأ بيمين الحالق ويسار المحلوق، قاله الكرماني في مناسكه وعند الشافعي: يبدأ بيمين المحلوق، والصحيح عند أبي حنيفة مثله. عمدة القاري (10/ 62- 64).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم دعا أبا طلحة الأنصاري» هو عم أنس، وزوج أمه أم سليم، وكان له -عليه الصلاة والسلام- بأبي طلحة وأهله مزيد خصوصية ومحبة ليست لغيرهم من الأنصار، وكثير من المهاجرين الأبرار -رضوان الله عليهم أجمعين-، وهو الذي حفر قبره الشريف، ولحد له وبنى فيه اللِّبْن، وخصه بدفنه لبنته أم كلثوم، وزوجها عثمان حاضر. مرقاة المفاتيح (5/ 1830).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
لما قسَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشعر بين أصحابه، بدأ بتفريق الشَّعْرة والشعرتين استظهارًا للتفريق؛ لئلا يبقى في الصحابة من يعوزه فشمل التفريق الناس، فلما بقي نصف رأسه -صلى الله عليه وسلم- أعطاه أبا طلحة حيث كان هو الباقي، والنطق الأخير من الحديث يدل على أنه أكرم أبا طلحة بتوفير نصيبه، ثم أعطاه النصف الآخر، فأكرمه بأن أمره بتفريقه بين الناس. الإفصاح (5/ 146).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولا تناقض في هذه الروايات، بل طريق الجمع بينها: أنه ناول أبا طلحة كلًّا من الشقين، فأما الأيمن فوزعه أبو طلحة بأمره، وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره -صلى الله عليه وسلم- أيضًا، زاد أحمد في رواية له: «لتجعله في طيبها» وعلى هذا فالضمير في قوله: «يقسمه» في رواية أبي عوانة يعود على الشق الأيمن، وكذا قوله في رواية ابن عيينة فقال: «اقسمه بين الناس». فتح الباري (1/ 274).
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
فيه: أنه يستحب إذا قدِم منى ألا يعرج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجَمرة ويرميها، ثم يذهب فينزل حيث شاء من منى. منة المنعم (2/ 309- 210).
وقال الباجي -رحمه الله-:
الرمي مُقدَّم على الذبح وهو المحفوظ من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والأصل في ذلك ما روي عن أنس «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البُدْن، فنحرها». المنتقى شرح الموطأ (3/ 22).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه مِن السُّنة أن يبدأ في الحِلَاق بالشق الأيمن من الرأس ثم بالشق الأيسر وهو من باب ما كان يستحبه -صلى الله عليه وسلم- من التيمُّن في كل شيء من طهوره ولباسه ونعله في نحو ذلك من الأمور. معالم السنن(2/٢١٣)
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
يُستحب في حلق الرأس أنْ يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق، وإنْ كان على يسار الحالق، وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بجانبه الأيسر؛ لأنه على يمين الحالق، والحديث يرد عليه. منة المنعم (2/ 310).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله- أيضًا:
فيه: جواز التبرُّك بشعره -صلى الله عليه وسلم-، وجواز اقتنائه للتبرك، ولا يقاس في ذلك عليه أحد من أمَّته مهما كان صالحًا. منة المنعم (2/ 310).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
وجائز في رمي الجمرة والحلق والنحر والذبح وطواف الإفاضة، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة أن تقدم أَيها شئت على أَيها شئت، لا حرج في شيء من ذلك. المحلى (5/ 191).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة:
منها: بيان السُّنة في أعمال الحج يوم النحر بعد الدفع من مزدلفة، وهي أربعة أعمال: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم دخوله إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ويسعى بعده إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، فإن كان سعى بعده كرهت إعادته، والسُّنة في هذه الأعمال الأربعة أن تكون مرتبة، كما ذكرنا لهذا الحديث الصحيح، فإن خالف ترتيبها فقدَّم مؤخَّرًا أو أخَّر مقدمًا جاز؛ للأحاديث الصحيحة التي ذكرها مسلم بعد هذا «افعل ولا خرج».
ومنها: أنه يستحب إذا قدم منى ألا يعرج على شيء قبل الرمي، بل يأتي الجمرة راكبًا كما هو فيرميها، ثم يذهب فينزل حيث شاء من منى.
ومنها: استحباب نحر الهدي، وأنه يكون بمنى، ويجوز حيث شاء من بقاع الحرم.
ومنها: أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير، وأنه يستحب فيه البداءة بالجانب الأيمن من رأس المحلوق، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: يبدأ بجانبه الأيسر.
ومنها: طهارة شعر الآدمي، وهو الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء.
ومنها: التبرك بشعر -صلى الله عليه وسلم-، وجواز اقتنائه للتبرك.
ومنها: مواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم من عطاء وهدية ونحوها، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (9/ 52- 54).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: ما قال الزرقاني -رحمه الله-: وإنما قسم -صلى الله عليه وسلم- شعره في أصحابه؛ ليكون بركة باقية بينهم، وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل.
وخص أبا طلحة -رضي الله عنه- بالقسمة؛ التفاتًا إلى هذا المعنى؛ لأنه هو الذي حفر قبره -صلى الله عليه وسلم- ولحد له، وبنى فيه اللِّبْن. انتهى.
ومنها: مواساة الإمام والكبير بين أصحابه وأتباعه فيما يفرقه عليهم من عطاء وهدية.
ومنها: أن المواساة لا تستلزم المساواة؛ حيث إنه -صلى الله عليه وسلم- أعطى أبا طلحة وزوجه شعر شقِّه، ووزع على سائر الناس مع كثرتهم شعر شقه الآخر.
ومنها: أن فيه تفضيل من يتولى التفرقة على غيره بالزيادة في العطية.
ومنها: أنَّ حلق الرأس أفضل من التقصير؛ اقتداء بفعله -صلى الله عليه وسلم-، ولقوله: «اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا» والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (23/ 703- 704).