الأربعاء 5 ذو القعدة 1447 | 2026-04-22

A a

«‌كان ‌ابنُ عمرَ -رضي الله عنهما- يقولُ: ‌أليسَ ‌حَسْبُكُم ‌سُنَّةَ ‌رسولِ ‌اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ إنْ حُبِسَ أحدُكُم عن الحجِّ طافَ بالبيتِ وبالصفا والمروةِ، ثمّ حَلَّ من كلِّ شيءٍ، حتى يحجَّ عامًا قابلًا، فيُهدي، أو يصومُ إنْ لم يجدْ هَدْيًا»


رواه البخاري برقم: (1810)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ورواه النسائي برقم: (2769)، والترمذي برقم: (942)، وزادا: «كانَ ابنُ عُمرَ يُنْكِرُ الاشْتِرَاطَ في الحَجِّ، ويقولُ: ... »


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌حَسْبُكُم»:
أي: كافيكم. مرقاة المفاتيح، للقاري (5/ 1861).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
أحْسَبَنِيْ الشيء: إذا كفاني. النهاية (1/ 381).

«فيُهْدِي»:
(بضم الياء الأُولى) أي: يذبح شاة، إذِ التَّحلُّل لا يحصل إلا بنية التَّحَلُّل والذّبْح والحلق، وإِن لم يجد الهَدْي يَصُوم. عمدة القاري، للعيني (10/ 146).

«هَدْيًا»:
وهو ما يُهدى إلى البيت الحرام من النَّعَم لِتُنحر. النهاية، لابن الأثير (5/ 254).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
«والهَدْيُ»: ما أُهْدِيَ إلى مكَّةَ مِنَ النَّعَم، وفي التنزيل العزيز: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} البقرة: 196، وَقُرِئَ: {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدِيُ مَحِلَّهُ} بالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ، الواحِدَةُ هَدْيَةٌ وهَدِيَّةٌ. لسان العرب (15/ 358)


شرح الحديث


قوله: «كان ابنُ عمرَ يُنْكِرُ الاشتراطَ في الحَجِّ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«الاشتراط»: أنْ يقول: إذا أهلّ في الحال التي وصفنا (أي: إذا خاف الحصر..): لبيك اللهم لبيك، ومحلي حيث حبستني من الأرض. التمهيد (9/ 454).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أشار ابن عمر ‌بإنكار ‌الاشتراط ‌إلى ‌ما ‌كان ‌يفتي ‌به ابن ‌عباس. فتح الباري (4/ 8).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
معنى ذلك: أنَّه كان يكره فعل ‌الاشتراط، وينكره على مَن أفتى به. الفتح الرباني (11/ 136).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
عندي أنَّ أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لو بلغه ‌حديث ‌ضباعة بنت الزبير لصار إليه، ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكره أبوه -وبالله التوفيق-. السنن الكبرى (5/ 366).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
ثم إنّ إنكار ابن عمر -رضي اللَّه تعالى عنهما- يحتمل: أن يكون لعدم اطلاعه على قصة ضُباعة -رضي اللَّه تعالى عنها-، كما أشار إليه البيهقيّ في كلامه المذكور آنفًا، أو لتأويله بأنَّه مخصوص بها، كما أوّله غيره، وأيًّا ما كان فالحجة في حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، لا في إنكاره -واللَّه تعالى أعلم-. ذخيرة العقبى (24/ 272).
وقال الدماميني -رحمه الله-
في هذا الذي قاله ابن عمر -رضي الله عنه- إثباتُ القياس؛ إذ إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- صُدَّ في عمرةٍ، فقاس الحجَّ على العمرة، وكأنَّه من الإلحاق بنفي الفارق، وليس كالأقْيِسَةِ الضعيفة؛ ولهذا ذكره بصيغة النقل، وعدَّه من السُّنة. مصابيح الجامع (4/ 240).
وقال ابن حجر -رحمه الله:-
قال ابن المنير في الحاشية: أشار البخاري إلى أنَّ الإحصار في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إنَّما وقع في العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق بنفي الفارق، وهو من أقوى الأقْيِسَةِ، قلتُ: وهذا ينبني على أن مراد ابن عمر بقوله: «‌سُنة نبيكم»: قياس مَن يحصل له الإحصار وهو حاجّ على مَن يحصل له في الاعتمار؛ لأن الذي وقع للنبي -صلى الله عليه وسلم- هو الإحصار عن العمرة، ويحتمل أنْ يكون ابن عمر أراد بقوله: «‌سنة نبيكم»، وبما بيَّنه بعد ذلك شيئًا سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- في حق مَن لم يحصل له ذلك وهو حاجّ -والله أعلم-. فتح الباري (4/ 8).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
احتجّ ابن عمر فيمَن أُحصِر في الحج أنَّه يلزمه ما يلزم مَن أُحصِر في العُمرة، وحكم الحجّ والعمرة في الإحصار سواء، وقاس الحج على العمرة، والنبي -عليه السلام- لم يُحْصَرْ في حجّ، إنما حُصِرَ في عمرة، هذا أصل في إثبات القياس لاستعمال الصحابة له. شرح صحيح البخاري (4/ 463).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قال مالك: والاشتراط في الحجّ باطل، ويمضي على إحرامه حتى يُتِمَّه على سائر أحكام المُحْصِر، ولا ينفعه قوله: «محلي حيث حبستني»، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن شهاب الزهري، وهو قول ابن عمر أيضًا...، وقال الشافعي: لو ثبت حديث ضباعة، يعني: بنت الزبير بن عبد المطلب لم أَعْدُهُ (أي: أتجاوزه)، وكان محلُّه حيث حبسه الله بلا هدي، واختلف أصحابه في هذه المسألة إلى اليوم، فمنهم مَن يقول: ينفعه الاشتراط، على حديث ضباعة، ومنهم مَن يقول: الاشتراط باطل، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور: لا بأس أن يشترط، وله شرطه، على ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن غير واحد من أصحابه.
روي جواز الاشتراط في الحج: عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر، وبه قال علقمة وشريح وعبيدة والأسود وسعيد بن المسيب وعطاء بن يسار وعكرمة، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح، وحجتُهُم في ذلك: حديث ضباعة... عن ابن عباس: أنَّ ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أَأَشْتَرِطُ؟ قال: «نعم» قالت: وكيف أقول؟ قال: «قولي: لبيك اللهم لبيك، ومحلي من الأرض حيث حبستني». التمهيد (9/ 456).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف العلماء فرقتين في جواز الاشتراط، فمالك وأبو حنيفة وبعض التابعين لا يرونه نافعًا، وروي كراهته عن ابن عمر، وتأوَّلَ بعضهم الحديث (حديث ضباعة) بما ذكره (أي: المازري) وقال: أظنها كانت مريضة أو ذات عذر، فخصّها بذلك، كما خصّ أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة لِعِلَّةِ مخالفة الجاهلية.
وأجازه عمر وعلي وابن مسعود في جماعةٍ من الصحابة والتابعين، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وللشافعي القولين جميعًا، وقد تأوَّلَهُ آخرون على معنى النية بالتحلل بعمرةٍ، وقد جاء مُفسَّرًا من رواية ابن المسيب: أنَّ رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلم- أمر ضُبَاعَة أن تشترط: «اللهمّ الحجَّ أردتُ، فإنْ تيسر وإلا فعمرة»، وعن عائشة نحوه، أنها كانت تقول: «للحجّ خرجتُ، وله قصدتُ، فإن قضيتُه فهو الحجّ، وإن حال دونه شيء فهو عمرة»، قال الأصيلي: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، قال النسائي: لا أعلم أَسْنَدَهُ عن الزهري غيرُ معمر، وغيره من جماعة الحفاظ لا يذكرونه، وقد أنكر الزهري الاشتراط، وأنكره ابن عمر وغيره. إكمال المعلم (4/ 227).
وقال النووي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي عرَّض به القاضي: وقال الأصيلي: من تضعيف الحديث غلطٌ فاحش جدًّا، نبَّهتُ عليه؛ لئلا يغترَّ به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد كثيرة، عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية، وفي هذا الحديث: دليل على أنَّ المرض لا يبيح التحلل إذا لم يكن اشتراط في حال الإحرام -والله أعلم-. شرح صحيح مسلم (8/ 132).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
ففيه (أي: حديث ضباعة) دلالة لمن قال: يجوز أنْ يشترط الحاجُّ والمعتمر في إحرامه أنَّه إن مرض تحلَّل، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرين من الصحابة -رضي الله عنهم-، وجماعة من التابعين وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وحجتُهُم هذا الحديث الصحيح الصريح، وقال أبو حنيفة ومالك وبعض التابعين: لا يصحّ الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنه مخصوص بضباعة. شرح صحيح مسلم (8/ 131).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
ذكرنا أنَّ إمام الحرمين تأوَّل حديث ضباعة أنَّه يُحْمَلُ على أنَّ «محلي حيث حبستني» بالموت، وذكرنا أنَّ هذا التأويل خطأ فاحش، وتأوله الروياني على أنَّه مخصوص ‌بضباعة، وهذا ‌تأويل ‌باطل أيضًا، ومخالف لنصّ الشافعي، فإن الشافعي إنما قال: لو صح الحديث لم أَعْدُه (أي: أتجاوزه) ولم يتأوله، ولم يخصّه. المجموع (8/ 319).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قيل: ‌إنَّ ‌الشرط ‌خاصّ ‌بالتحلل ‌من ‌العُمرة، ‌لا ‌من ‌الحج، ‌حكاه ‌المحبُّ الطبري، ‌وقصة ‌ضباعة ‌تردُّهُ. فتح الباري (4/ 9).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وصحّ القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلي وعمار وابن مسعود وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة، ولم يصحّ إنكاره عن أحد من الصحابة إلا عن ابن عمر، ووافقه جماعة من التابعين، ومَن بعدهم من الحنفية والمالكية...، والذي تحصّل من الاشتراط في الحج والعمرة أقوال:
أحدها: مشروعيته؛ ثم اختلف مَن قال به؛ فقيل: واجب؛ لظاهر الأمر، وهو قول الظاهرية، وقيل: مستحبّ، وهو قول أحمد، وغلط مَن حكى عنه إنكاره، وقيل: جائز، وهو المشهور عند الشافعية، وقطع به الشيخ أبو حامد، والحق أنَّ الشافعي نصّ عليه في القديم وعلق القول بصحته في الجديد، فصار الصحيح عنه القول به، وبذلك جزم الترمذي عنه، وهو أحد المواضع التي علّق القول بها على صحة الحديث، وقد جمعتها في كتاب مفرد مع الكلام على تلك الأحاديث.
والذين أنكروا مشروعية الاشتراط أجابوا عن حديث ضُباعة بأجوبة، منها: أنَّه خاصٌّ بضباعة، حكاه الخطابي، ثم الروياني من الشافعية، قال النووي: وهو تأويل باطل، وقيل: معناه: محلي حيث حبسني: الموت إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي، حكاه إمام الحرمين، وأنكره النووي، وقال: إنه ظاهر الفساد، وقيل: إنَّ الشرط خاصٌّ بالتحلل من العمرة، لا من الحج، حكاه المحبُّ الطبري، وقصة ضباعة تردُّهُ، كما تقدم من سياق مسلم، وقد أطنب ابن حزم في التعقُّبِ على من أنكر الاشتراط بما لا مزيد عليه. فتح الباري (4/ 9).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الحاصل: أنَّ الحقّ هو قول الجمهور، وهو جواز الاشتراط، وأنه إذا اشترط، وحصل المانع تحلّل، ولم يلزمه شيء من الدم أو غيره؛ عملًا بظاهر الحديث. البحر المحيط الثجاج (22/ 431).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
اختلف العلماء في مشروعية الاشتراط عند الإحرام؛ فذهب إلى استحبابه طائفة من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الإمامين: الشافعي وأحمد، كما نصره ابن حزم في المحلى، ودليلهم هذا: الحديث الصحيح الصريح (يعني: حديث ضُباعة).
وذهب الإمامان: أبو حنيفة ومالك إلى عدم مشروعية الاشتراط، وعدم فائدته، فلو اشترط وحصل له عذر فليس له أن يتحلل من إحرامه، فقد كان ابن عمر ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: «‌أليس ‌حسبكم ‌سنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم-» ذلك أنَّ الاشتراط لم يكن معروفًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن صحابته، عدا قضية ضُباعة؛ ولذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى مشروعية الاشتراط للخائف خاصة، كحال ضُباعة؛ جمعًا بين الأدلة، وهذا هو اختيار عبد الرحمن ابن سعدي -رحمه الله تعالى-.
فائدة: الاشتراط يفيد صاحبه أمرين:
الأول: أنه إذا منعه عدوٌّ أو مرض أو ذهاب نفقة، ونحو ذلك فله التحلل.
الثاني: أنّه متى حلّ لعذر، فلا يجب عليه البقاء في إحرامه، ولا يلزمه قضاء ولا فداء، فإن اشتراطه على ربه بقوله: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني»؛ إفادة الحرية المطلقة عند العذر. توضيح الأحكام (4/ 208).

قوله: «‌أليسَ ‌حَسْبُكم ‌سُنَّةَ ‌رسولِ ‌الله -صلى الله عليه وسلم-؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أليس» استفهام إنكار «حسبكم» أي: كافيكم «سنة رسول الله» أي: قوله -صلى الله عليه وسلم-؟ مرقاة المفاتيح (5/ 1861).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«‌أليس ‌حسبكم» أي: ألم يكفيكم «سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟» أي: قوله وطريقته. شرح المصابيح (3/ 349).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«‌حسبكم سنة نبيكم إنْ حُصِرَ أحدُكُم عن الحج طاف بالبيت» ضبطناه بالفتح في (سُنةَ) على الاختصاص، أو على فعل: تمتثلوا أو تفعلوا أو شبهه، وخبر ‌«حسبكم» في قوله: «طاف بالبيت» ويصح الرفع على خبر «‌حسبكم» أو الفاعل بمعنى منه، ويكون ما بعده تفسيرًا للسُّنة. مشارق الأنوار (2/ 357).
وقال الدماميني -رحمه الله- مُعلَّقًا:
قلتُ: لا مانع من جعل «‌سُنةَ» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبرَ «ليس» والجملة الشرطية تفسيرٌ للسُّنة، وهل لها حينئذٍ محلّ أو لا؟ قولان، وأما على إعراب القاضي، فيكون في محلّ نصب على أنها خبر «ليس» وما بينهما جملة اعتراضية. مصابيح الجامع (4/ 239-240).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أليس حسبكم سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟» أي: أليس يكفيكم سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ لأنّ معنى الحسب الكفاية، ومنه: حسبنا الله، أي: كافينا، وحسبكم مرفوع؛ لأنه اسم «ليس»، «وسنة رسول الله» كلام إضافي منصوب على أنه خبر: «ليس». عمدة القاري (10/ 146).

قوله: «إنْ حُبِسَ أحدُكُم عن الحجِّ طافَ بالبيتِ وبالصَّفَا والمرْوَةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنْ» شرطية «حُبس أحدكم» أي: مَنَعَ مانع «عن الحج» أي: ركنه الأعظم، وهو الوقوف بعرفة، ولم يمنع الطواف والسعي «وطاف بالبيت وبالصفا والمروة» وسعى بينهما. مرقاة المفاتيح (5/ 1861).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«إنْ حُبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة» يعني: إنْ مُنع أحدكم بعدوٍّ عن وقوف عرفة، ولم يمنع عن الطواف والسعي؛ فعليه أنْ يطوف ويسعى، ويخرج من الإحرام، وهل يلزم القضاء؟ فعلى ما ذكرناه في أول هذا الباب، وأما الفدية فتلزمه، كمَن فاته الحج.
والفدية في الفوات والإحصار: دمُ شاة، فإنْ لم يجد؛ فعليه صوم عشرة أيام. المفاتيح (3/ 354).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إن حُبس أحدكم عن الحج» ببناء الفعل للمفعول، أي: مُنع عن ركن الحج الأعظم، وهو الوقوف بعرفة، بسبب من الأسباب، كالمرض أو العدو، «طاف بالبيت» أي: إذا أمكنه ذلك، وفي رواية عبد الرزاق: «إن حبس أحدًا منكم حابسٌ عن البيت، فإذا وصل إليه طاف به... » الحديث، «وبالصفا والمروة» أي: سعى بينهما، زاد في الرواية التالية: «ثم ليحلق، أو يقصر». ذخيرة العقبى (24/ 273).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «طاف بالبيت» يعني: فيطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم يحلّ، ويكون مُحْصَرًا بمكة. شرح صحيح البخاري (4/ 463).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «طاف بالبيت» فإن قلتَ: إذا كان مُحْصَرًا فكيف يطوف بالبيت؟
قلتُ: المراد: الحبس عن الوقوف بعرفة، وقد جاء في الحديث: «الحج عرفة». الكواكب الدراري (9/ 24).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «طاف بالبيت» وهو أيضًا سدّ مسدّ جواب الشرط...، قوله: «وبالصفا والمروة» أي: طاف بهما، أي: سعى بين الصفا والمروة. عمدة القاري (10/ 146).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «طاف بالبيت وبالصفا والمروة» أي: إذا أُحْصِرَ عن الحج، يجيء بعمرة، ثم يحلّ. لمعات التنقيح (5/ 444).

قوله: «ثمّ حَلَّ من كلِّ شيءٍ، حتى يحجَّ عامًا قابلًا»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«ثم حلّ من كل شيء» أي: بأفعال العمرة، «حتى يحجّ عامًا قابلًا». شرح المصابيح (3/ 350).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم حلّ» أي: بالحلق، ونحوه «من كل شيء، حتى يحجّ عامًا قابلًا» أي: قضاء لما فاته، ويقاس عليه قضاء العمرة؛ لاستواء النسكين في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} البقرة: 196، مع اتفاق الشافعية لنا في أنَّ مَن شرع فيهما تطوعًا لزم إتمامهما وقضاؤهما إن أفسدها، وعندنا (الأحناف) يلزم النفل بالشروع مطلقًا، كما هو مقرر في محله. مرقاة المفاتيح (5/ 1861).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«ثم حلّ» أي: إن أُحْصِرَ أحدكم، ومنع عن الوقوف بعرفة لعذر من الأعذار الشرعية، ولكنه تمكَّن من دخول مكة، فإنَّه يجب عليه أنْ يتحلل بعمرة، فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يخلع ثياب إحرامه، فيصبح حلالًا، يحلّ له كل شيء حتى النساء، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «ثم حلّ من كل شيء» أي: تحلل من جميع محظورات الإِحرام، وأصبحت له حلالًا، يلبس الملابس، ويتطيب، ويحلق الشعر، ويباشر النساء، «حتى يحج عامًا قابلًا» أي: يتشمر متحللًا من إحرامه حتى يقضي حجه من العام القادم. منار القاري (3/ 170).

قوله: «فيُهدي أو يصومُ إنْ لم يجدْ هَدْيًا»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «فيُهدي» أي: يذبح الشاة؛ إذِ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل والذبح والحلق، وإنْ لم يجد الهدي يصوم بدله بعدد أمداد الطعام الذي يحصل من قيمته. الكواكب الدراري (9/ 24).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فيُهدي» بذبح شاة؛ إذ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل، والذبح والحلق، «أو يصوم إنْ لم يجد هديًا» حيث شاء، ويتوقف تحلله على الإطعام، كتوقفه على الذبح لا على الصوم؛ لأنه يطول زمنه، فتعظم المشقة في الصبر على الإحرام إلى فراغه. إرشاد الساري (3/ 284).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فيُهدي» شاة، «أو يصوم» عشرة أيام، «إنْ لم يجد هديًا» وهذا يدل على جواز التحلل للمحصر عن الحج بعمل العمرة. شرح المصابيح (3/ 350).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«فيُهدي» أي: يذبح هديًا مع الحلق والنية...«أو يصوم» أي: وإن لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع. منار القاري (3/ 170).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
الْمُحْصَرُ إذا عجز عن الهدي انتقل إلى صوم عشرة أيام، ثم حل، وبهذا قال الشافعي في أحد قوليه. وقال مالك، وأبو حنيفة: ليس له بَدل؛ لأنه لم يذكر في القرآن.
ولنا: أنه دم واجب للإحرام، فكان له بدل، كدم التمتع والطيب واللباس، وترك النصّ عليه لا يمنع قياسه على غيره في ذلك، ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام، كبدل هدي التمتع، وليس له أن يتحلل إلا بعد الصيام، كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحره. المغني (3/ ٣٣٠).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والصحيح: أنه لا يجب عليه صوم، وإذا لم يجد الصوم حل بمجرد الإحصار، ودليل ذلك: أن الله تعالى قال: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} البقرة:196، ولم يذكر بدلا وفي هدي التمتع قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} البقرة:196، وكونه ذكر البدل في هدي التمتع وسكت عن هذا يدل على أنه لا يجب، والقياس لا يصح؛ لأن هدي التمتع هدي شُكران على حصول النسكين مع التمتع بما أحل الله بينهما، وهذا هدي يشبه الجبران، وإن كان يتضمن الشُّكر لله -عز وجل- على إذنه بالتحلل؛ لكن هو أيضًا فيه نوع من الجبران لما فاته من بقية النسك؛ فالصواب: أنه لا يجب عليه الصيام، وأن الْمُحْصَرَ ‌إذا ‌لم ‌يجد ‌هديًا حلَّ بدون صيام. التعليقات على الكافي (4/٩٥).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دلّ هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: أنَّ الْمُحْصَرَ عن الوقوف بعرفة إذا بلغ مكة، وتمكن من الطواف والسعي؛ فإنه يترتب عليه الأحكام الآتية:
الأول: أنْ يتحلل بعمرة، لا تجزئه عن عُمرة الإِسلام، وهو مذهب الجمهور، وقال الشافعية: لا ينوي بها العُمرة.
الثاني: أنْ يقضي حجه الذي أُحصِر عنه في العام القابل، وهل يقضيه مطلقًا؛ فريضة أو تطوعًا، أو يقضي الفريضة فقط؟ قال أبو حنيفة: يقضيه مطلقًا، سواء كان الحج فريضة أو تطوعًا، وقال الجمهور: إنما يقضي الفريضة فقط.
الثالث: أنَّه يجب عليه الهدي؛ لقوله: «فيُهدي» وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا هدي عليه، ولا يُعَدُّ محصرًا؛ لأن الْمُحْصَرَ عنده مَن منع الوصول إلى مكة، وحيل بينه وبين الطواف والسعي، وأما مَن بلغها، فحُكمه عنده، كحكم مَن فاته الحج، يحلّ بعمرة، ويحجّ من قابل، ولا هدي عليه.
ثانيًا: أنَّ مَن بلغ مكة، وتمكن من البيت، وحُبِسَ عن الوقوف يعدّ محصرًا؛ خلافًا لأبي حنيفة. منار القاري (3/ 170-171).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
ومنها: أنَّ مَن حبسه حابس، وهو يقدر على الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، لا يجوز له أنْ يتحلل بدون ذلك.
ومنها: وجوب القضاء على من حُصر بعدوٍّ أو نحوه -والله تعالى أعلم-. ذخيرة العقبى (24/ 274)

وللفائدة ينظر حديث ضباعة بنت الزبير في مشروعية الاشتراط (هنا


إبلاغ عن خطأ