«أنَّه قال في عشيةِ عَرَفَةَ، وغداةِ جَمْعٍ للناسِ حينَ دَفَعُوا: عليكم بالسَّكِينَةِ، وهو كَافٌّ ناقتَه حتى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وهو مِنْ مِنًى، قال: عليكم بحصى الخَذْفِ الذي يُرْمى به الجَمْرةُ، وقال: لم يزلْ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُلَبِّي حتى رمى الجَمْرةَ».
رواه مسلم برقم: (1282)، من حديث الفضل بن عباس -رضي الله عنهما-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«غَدَاة»:
ما بينَ صلاةِ الفجرِ وطُلوعِ الشمسِ. القاموس المحيط، للفيروز آبادي (ص: 1317).
«جَمْع»:
عَلَمٌ للمزدلفة، وَهِي الْمشعر الْحَرَام، سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء -عليهما السَّلَام- بها. الفائق، للزمخشري (3/ 74).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«جَمْع» بفتح الجيم هي المزدلفة، سميت بذلك للجمع فيها بين العشاءين، قال ابن حبيب: هي جمع والمزدلفة وقُزَح والمشعر الحرام. مشارق الأنوار (1/ 168).
«دَفَعُوا»:
أي: رجعوا من عرفة إلى المزدلفة ليلة العيد. شرح المصابيح، لابن الملك (3/ 294).
«كافٌّ ناقتَه»:
أي: يمنعها الإسراع. المنهاج شرح صحيح مسلم، للنووي (9/ 27).
«مُحَسِّرًا»:
بضم الميم، وفتح الحاء، وكسر السين المهملتين، وَادي المزْدَلِفَة. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 117).
وقال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
«مُحَسِّر» وهو وادٍ بين عرفات ومنى، لعله سمي به؛ لأنه يحسر سالكيه ويؤذيهم ويتعبهم. المجموع المغيث (1/ 446).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«مُحَسِّر» وهو بين مِنَى وَمُزْدَلِفَةَ سُمي بذلك؛ لأن فيل أبرهة كَلَّ فيه وأعيا فَحَسَّرَ أصحابه بفعله، وأوقعهم في الْحَسَرَاتِ. المصباح المنير (1/ 135).
«الخَذْف»:
هُوَ الرَّمْي بحصى أَو نوى بَين السبابتين أَو بَين الْإِبْهَام والسبابة. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 231).
«الجَمْرةُ»:
معروفة وهي موضع رمي الجِمار بمكة، وهي ثلاث جمرات، والجمرة الكبرى بالعقبة، وطرفها أقصى منى، وسميت الكبرى؛ لأنها تُرمى يوم النحر، قاله الداودي. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 168).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
سميت الجمرة جمرةً لاجتماع الذي فيها من الحصى، يقال: استجمروا: إذا تجمعوا. حلية الفقهاء (ص: 120).
«يُلَبِّي»:
التلبية: الإجابة. تقول: لبَّيك معناه: قُرْبًا منك وطاعة؛ لأن الإلباب القُرْب، أَدْخَلوا الياء كيلا يتغير المعنى. العين، الفراهيدي(8/ 341).
وقال الوقشي -رحمه الله-:
يُقال: أَلَبَّ بالمكان: إذا لزِمه، ومعنى: «لبيك»: لزومًا لطاعتك بعد لزوم. التعليق على الموطأ (1/ 362).
شرح الحديث
قوله: «أنَّهُ قال في عشيةِ عَرَفَةَ، وغداةِ جَمْعٍ للناسِ حينَ دَفَعُوا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال في عشية عرفة» أي: بناء على ما سمعه وهو غير رديفه، «وغداة جَمْعٍ» أي: من مزدلفة، يعني: حال كونه رديفًا له، «للناس حين دفعوا» أي: انصرفوا من عرفة والمزدلفة. مرقاة المفاتيح (5/ 1809).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال في عشية عرفة» هذا سمعه منه -صلى الله عليه وسلم-، وهو غير رديفه؛ لأن رديفه في ذلك الوقت هو أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-، كما تقدم في حديث أسامة -رضي الله عنه- المذكور قبل حديث، «وغداة جمع» بفتح الجيم، وإسكان الميم: اسم لمزدلفة، أي: صباح ليلة المزدلفة، حيث كان الفضل رديفه -صلى الله عليه وسلم-، «للناس» متعلق بـ«قال» وكذا قوله: «حين دفعوا» أي: رجعوا من عرفة إلى المزدلفة، ومنها إلى منى. البحر المحيط الثجاج (23/ 548).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال في عشية عرفة» أي: في آخر يوم عرفة وهو اليوم التاسع عند الدفع إلى مزدلفة، «وغداة جمع» أي: في صباح ليلة جمع وهو يوم النحر عند الدفع إلى منى، وقوله: «للناس» متعلق بـ«قال» وكذا الظرف في قوله: «حين دفعوا» وذهبوا إلى مزدلفة، أو إلى منى متعلق بـ«قال». الكوكب الوهاج (14/ 245).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أنه يقول في عشية عرفة وغداة جَمْعٍ» يعني: إذا رجع من عرفة إلى مزدلفة ليلة العيد، وإذا ذهب من مزدلفة غداة يوم النحر إلى منى. المفاتيح (3/ 308).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «غداة جَمْع» هي بفتح الجيم، وإسكان الميم، وهي المزدلفة. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 27).
قوله: «عليكم بالسَّكِينَةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عليكم بالسكينة» مقول القول، أي: الزموها. مرقاة المفاتيح (5/ 1809).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «عليكم بالسكينة» مقول «قال» وهو اسم فعل أمر، بمعنى: الزموا بالسكينة، والسكينة هو التأني في المشي، وترك العجلة فيه. الكوكب الوهاج (14/ 245).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قال لهم: «عليكم بالسكينة»؛ كي لا يتأذى أحد بصدمتكم. المفاتيح (3/ 308).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«عليكم بالسكينة» أي: الطمأنينة دون السرعة والعجلة. منة المنعم (2/ 296).
وقال النووي -رحمه الله-:
«عليكم بالسكينة» هذا إرشاد إلى الأدب والسُّنة في السير تلك الليلة، ويلحق بها سائر مواضع الزحام. شرح صحيح مسلم (9/ 27).
قوله: «وهو كَافٌّ ناقتَه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وهو» أي: والحال أنه -صلى الله عليه وسلم- «كافٌّ» أي: مانع «ناقته» عن الإسراع، وكافٌّ بتشديد الفاء، اسم فاعل من الكَفِّ، وهو المنع، أي: يمنعها الإسراع في المشي، وفي حديث جابر الطويل في باب حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظ: «وقد شَنَقَ للقصواء الزمام» أي: مَانِعٌ لها من الإسراع. الكوكب الوهاج (14/ 245- 246).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهو» -صلى الله عليه وسلم- «كافٌّ ناقته» بتشديد الفاء، اسم فاعل من الكف، وهو المنع، أي: مانعها من الإسراع حين الزحام، والجملة في محل نصب على الحال من الفاعل. البحر المحيط الثجاج (23/ 548).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وهو» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- «كافٌّ» بتشديد الفاء، أي: مانع من السرعة بالفعل «ناقته» أي: حين الزحام. مرقاة المفاتيح (5/ 1809).
قوله: «حتى دَخَلَ مُحَسِّرًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتى دخل محسِّرًا» أي: وادي محسِّر، فأسرع ناقته فيه. الكوكب الوهاج (14/ 246).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«حتى إذا دخل محسِّرًا» بصيغة اسم الفاعل من التحسير، يقال: حَسَّرتُه بالتثقيل: أوقعتُه في الحسرة، اسم وادٍ بين المزدلفة ومنى. البحر المحيط الثجاج (23/ 548).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى دخل محسّرًا»: بتشديد السين المكسورة أي: يحرك دابته فيه. مرقاة المفاتيح (5/ 1809).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«حتى دخل محسِّرًا»...، يعني: فحرَّك دابته فيه، وأسرع قليلًا. منة المنعم (2/ 296).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله (في لفظ حديث جابر): «حتى أتى بطن محسِّر» هذا فيه بيان كيفية الانصراف من مزدلفة، وهو أنَّه -صلّى الله عليه وسلّم- لما دفع قبل طلوع الشمس، وأتى بطن محسِّر حرك دابته قليلًا، وهذه هي السُّنة فيمن أتى بطن محسِّر أن يحرك دابته قليلًا، وكذا سيارته إن أمكن، وإن كان ماشيًا أسرع. منحة العلام (ص: 209).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فلما أتى بطن محسِّر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا؛ ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسِّر؛ لأن الفيل حَسَرَ فيه، أي أُعْيِي وانقطع عن الذهاب إلى مكة، وكذلك فعل في سلوكه الحِجْر ديار ثمود، فإنه تقنَّع بثوبه، وأسرع السير. زاد المعاد (2/ 236).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اختلف العلماء -رحمهم الله- في سبب الإسراع، فقال بعضهم: أسرع لأنَّ بطن الوادي يكون لينًا يحتاج لأنْ يحرك الإنسان بعيره؛ لأن مشي البعير على الأرض الصلبة أسرع من مشيه على الأرض الرخوة، فحرَّك من أجل أن يتساوى سيرها في الأرض الصلبة، وسيرها في الأرض الرخوة، وعلى هذا فالملاحظ هنا هو مصلحة السير فقط.
وقيل: أسرع لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل، فينبغي أن يُسرع؛ لأن المشروع للإنسان إذا مر بأراضي العذاب أن يسرع كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حين مر بديار ثمود في غزوة تبوك، زَجَرَ الناقة -عليه الصلاة والسلام- وقنَّع رأسه وأسرع، وبعض الناس اليوم يتخذ هذه الأماكن -أعني ديار ثمود- سياحة ونزهة -والعياذ بالله-، مع أنَّ رسول الله أسرع فيها، وقال: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أنْ تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم»، ففي عملهم خطر عظيم؛ لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء بهذه الصفة فقلبه يكون غير لين، فيكون قاسيًا مع مشاهدته آثار العذاب، وحينئذٍ يصيبه ما أصابهم من التكذيب والتولي، هذا معنى الحديث؛ وليس المراد أنْ يصيبكم العذاب والزجر الحسي، فقد يُراد به العذاب والزجر المعنوي، وهو أنْ يقسو قلب الإنسان، فيكذِّب بالخبر، ويتولى عن الأمر، والذين يذهبون إلى النزهة أو الفرجة، الظاهر أنهم للضحك أقرب منهم للبكاء، فنسأل الله لنا ولهم العبرة والهداية.
وتعليل إسراع النبي -صلى الله عليه وسلم- في وادي محسِّر بذلك فيه نظر؛ لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا، بل في مكان يقال له: المغمّس حول الأبطح، وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت:
حُبس الفيل بالمغمّس حتى *** ظل يحبو كأنه معقور
وقال بعض العلماء -رحمهم الله-: إنَّ النبي أسرع، لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنْ يخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقرب التعاليل. مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (24/ 496-497).
قوله: «وهو مِنْ مِنًى»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
معنى قوله: «هو من مِنى» أي: موضع قريب من منى في آخر المزدلفة. مرعاة المفاتيح (9/ 161).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وهو» أي: وادي محسِّر «من منى» وقيل: من مزدلفة، والتحقيق: أنه كالبرزخ بين مزدلفة ومنى. لمعات التنقيح (5/ 368).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وهو» أي: المحسِّر «من منى» أي: موضع قريب من منى في آخر المزدلفة، قال الأزرقي في حدّ منى: ما بين جمرة العقبة، ووادي محسِّر، وليست جمرة العقبة وعقبتها ووادي محسِّر من منى، بل وما أقبل من جبال منى منها دون ما أدبر، وقيل: العقبة من منى، وعليه جماعة. مرقاة المفاتيح /5) 1809).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
محسِّر: برزخ بين منى وبين مزدلفة، لا من هذه ولا من هذه. زاد المعاد (2/ 236).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ وادي مُحَسِّر من منى، ومَن قال غير ذلك فعليه بالدليل. الفتح الرباني (12/ 161).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهو من منى» يعني: أن وادي محسِّر من جملة منى، وظاهره أنه داخل في حدودها، وعلى هذا فالأمر بالارتفاع عنه لكونه محل تحسِّر أصحاب الفيل، وقيل: هو من مزدلفة، والتحقيق: أنه كالبرزخ بين المزدلفة ومنى، وأن معنى قوله: «وهو من منى» أي: هو موضع قريب من منى في آخر المزدلفة. البحر المحيط الثجاج (23/ 548).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
مُحسِّر:... وادٍ بين مزدلفة ومنى، لا من هذه، ولا من هذه، وهو قول الجمهور. منحة العلام (ص: 209).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وادي محسِّر ليس من منى. الشرح الممتع (7/ 319).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
مزدلفة كلها يقال لها: المشعر الحرام، وهي ما بين مأزِمي عرفة إلى بطن محسِّر، فإنَّ بين كل مشعرين حدًّا ليس منهما، فإنَّ بين عرفة ومزدلفة بطن عُرنة، وبين مزدلفة ومنى بطن محسِّر. مجموع الفتاوى (26/ 134).
قوله: «قال: عليكم بحصى الخَذْفِ الذي يُرْمى به الجَمْرةُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» -صلى الله عليه وسلم- «عليكم بحصى الخذف» بالخاء والذال المعجمتين، أي: الزموا حصى الرمي، والمراد به الحصى الصغار...، وقوله: «الذي يُرمى به الجمرة» صفة لـ«حصى الخذف» والفعل مبني للمفعول، «والجمرة» بالرفع نائب فاعله. البحر المحيط الثجاج (23/ 548- 549).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ثم «قال: عليكم» أي: الزموا «بـ» أخذ «حصى الخذف» أي: بقدر حصى يُخذف بها، والخذف رمي الحصا بين أصبعين، وهو قدر حبة الباقلاء...، أي: خذوا قدر حصى الخذف في التقاط الحصى «الذي يُرمى به الجمرة» أي: جمرة العقبة التي تُرمى يوم النحر، وكذا حصى سائر الجمار في أيام التشريق أن تكون قدر حصى الخذف، ولكنها تُلتقط من أي موضع شاء غير المرمى، سواء كان من مزدلفة، أو منى، أو من مكة، ولو من خارج الحرم، ولكن المستحب أن تكون من مزدلفة أو من الطريق قاله العلماء. الكوكب الوهاج (14/ 246).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: عليكم بحصى الخذف» بالخاء والذال المعجمتين، أي: بحصى يمكن أن يخذف بالخذف، وهو قدر الباقلاء تقريبًا... «الذي يُرمى به الجمرة» بالرفع على أنه نائب الفاعل، وبالنصب على تقدير: أعني، أو يعني. مرقاة المفاتيح (5/ 1809).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«عليكم بحصى الخذف» يعني: ارموا الأحجار الصغار، ولا ترموا الحجار الكبار؛ كي لا يتأذى الناس، ولا يضيق طريقهم. المفاتيح (3/ 308).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «عليكم بحصى الخذف الذي يُرمى به» أي: يلزمكم أن ترفعوا حصاة لترموا بها الجمرة، ثم اختَلَفوا أنه يرفعها من الطريق وهو ظاهر الحديث، وجاء في بعض الروايات رفعها من المزدلفة، وهذا منقول من ابن عمر وسعيد بن جبير، والمختار أنه يجوز أن يرفع من أيِّ مكان شاء إلا الجمرات التي رَمَى بها، ويجوز بها أيضًا، لكن الأفضل ألا يرمي بها. لمعات التنقيح (5/ 369).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«والخذف» رمي الحجر بين أصبعين...، ويعني: بـ«حصى الخذف» صغار الحصى، وهذا يدل على أن الجمار يُجَاء بها إلى موضع الرمي من غير موضع الرمي؛ لئلا يُرمى بما قد رُمي به، وذلك لا يجوز، واستحب مالك لقطها على كسرها، وغيره يستحبّ كسرها، وكلٌّ جائز. المفهم (3/ 387).
وقال النووي -رحمه الله-:
«حصى الخذف» وهو نحو حبة الباقلاء، وينبغي ألا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه بشرط كونها حجرًا، ولا يجوز عند الشافعي والجمهور الرمي بالكحل والزرنيخ والذهب والفضة وغير ذلك مما لا يسمى حجرًا، وجوّزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض. شرح صحيح مسلم (8/ 191).
وقال الرافعي الشافعي رحمه الله-:
السُّنة أنْ يرمي بمثل حصى الخذف، وهو دون الأنملة طولًا وعرضًا في قدر الباقلاء، يضعه على بطن الإبهام، ويرميه برأس السبابة. العزيز شرح الوجيز (7/ 398).
وقال النووي -رحمه الله- متعقبًا:
جزم الإمام الرافعي -رحمه الله- بأن يرميه على هيئة الخذف، فيضعه على بطن الإبهام، وهذا وجه ضعيف، والصحيح المختار: أن يرميه على غير هيئة الخذف -والله أعلم-. روضة الطالبين (3/ 113).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
«بحصى الخذف» قال العلماء: هو نحو حبة الباقلاء، قال أصحابنا (الشافعية): ولو رمى بأكبر منها أو أصغر جاز، وكان مكروهًا...، وليس المراد أنَّ الرمي يكون على هيئة الخذف، وإن كان بعض أصحابنا (الشافعية) قد قال باستحباب ذلك، لكنه غلط، والصواب أنه لا يستحبّ كون الرمي على هيئة الخذف؛ فقد ثبت حديث عبد الله بن المغفل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في النهي عن الخذف، وإنما معنى هذه الإشارة ما قدمناه، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 27).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
قد ذكرنا أن مذهبنا (الشافعية) استحباب كون الحصى قدر حصى الخذف، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف منهم ابن عمر وجابر وابن عباس وابن الزبير وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأبو ثور. المجموع (8/ 183).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
مختار ابن الهمام -رحمه الله- بأنه يرمي برؤوس الأصابع من الإبهام والسبابة؛ فإنه أحسن وأيسر. مرقاة المفاتيح (5/ 1809).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
وأما ما زاد في رواية صحيح مسلم بعد قوله: «عليكم بحصى الخذف» من قوله: «ويشير بيده كما يخذف الإنسان» يعني: عندما نطق بقوله «عليكم بحصى الخذف» أشار بصورة الخذف بيده، فليس يستلزم طلب كون الرمي بصورة الخذف؛ لجواز كونه ليؤكد كون المطلوب حصى الخذف، كأنه قال: خذوا حصى الخذف الذي هو هكذا؛ ليشير أنه لا تجوز في كونه حصى الخذف، وهذا لأنه لا يعقل في خصوص وضع الحصاة في اليد على هذه الهيئة وجه قربة، فالظاهر أنه لا يتعلَّق به غرض شرعي، بل بمجرد صغر الحصاة، ولو أمكن أنْ يقال: فيه إشارة إلى كون الرمي خذفًا، عارضه كونه وضعًا غير متمكن، واليوم يوم زحمة يوجب نفي غير المتمكن. فتح القدير (2/ 487).
قوله: «وقال: لم يزلْ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُلَبِّي حتى رمى الجَمْرةَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وقال» الفضل بن عباس: «لم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلبي حتى رمى الجمرة» أي: جمرة العقبة يوم النحر. الكوكب الوهاج (14/ 246).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«وقال» أي: الفضل «حتى رمى الجمرة» أي: جمرة العقبة يوم النحر وعند ذلك قطع التلبية. مرعاة المفاتيح (9/ 161).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «حتى رمى جمرة العقبة» فيه دليل على أنَّ التلبية تستمر إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور، وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك، وقيَّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث، وعن الحسن البصري مثله، لكن قال: إذا صلى الغداة يوم عرفة.
واختلف الأولون هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟
فذهب جمهورهم إلى الأول، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما روى ابن خزيمة من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال: «أفضتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ويكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة» قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسِّر لما أُبهم في الروايات الأخرى، وأن المراد حتى رمى جمرة العقبة، أي: أتمَّ رميها اهـ.
والأمر كما قال ابن خزيمة، فإنَّ هذه زيادة مقبولة خارجة من مخرجٍ صحيح غير منافية للمزيد، وقبولها متفق عليه، كما تقرر في الأصول. نيل الأوطار (4/ 381).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
الحديث يدل على أنه مستحبّ لمن بلغ وادي محسِّر إن كان راكبًا يحرك دابته، وإن كان ماشيًا أسرع في مشيه. مرعاة المفاتيح (9/ 161).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يُستحبّ الإسراع في وادي محسِّر، وهو ما بين جمع ومنى، فإن كان ماشيًا أسرع، وإن كان راكبًا حرك دابته؛ لأن جابرًا قال في صفة حج النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لما أتى بطن محسِّر حرك قليلًا». المغني (5/ 287).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)
وينظر بتوسع متى يقطع الحاج التلبية (هنا)