«خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ في الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، والغُرَابُ الأَبْقَعُ، والفَأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والْحُدَيَّا».
رواه البخاري برقم: (3314)، ومسلم برقم: (1198) واللفظ له، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (3314) ومسلم برقم: (1198): «العَقْرَب» بدل الحية.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فَوَاسِقُ»:
أي: مؤذيات. مرقاة المفاتيح، للقاري (5/ 1857).
وقال الجوهري -رحمه الله-:
يُقال: فَسَقَتِ الرطبةُ، إذا خرجت عن قِشرها، وفَسَقَ الرجلُ يَفْسُقُ ويَفْسِقُ أيضًا، عن الأخفش، فسْقًا وفُسوقًا، أي فَجَرَ، يُقال: فَسَقَ عن أمر ربِّه، أي خرج... الصحاح (4/ 1543).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«فواسق» أصل الفسق: الخروج عن الاستقامة والجَور، وقيل للعاصي: فاسق لذلك، وإنما سميت هذه الحيوانات الخمس فواسق على سبيل الاستعارة لخبثهن، وقيل: لخروجهن من الحُرمة بقوله -صلى الله عليه وسلم-، وقيل: أراد بفسقها تحريم أكلها؛ لقوله تعالى وقد ذكر ما حرَّم من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى آخر الآية، ثم قال: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} المائدة: 3. جامع الأصول (10/ 225).
«الْأَبْقَعُ»:
هو الذي فيه سواد وبياض. كشف المشكل، لابن الجوزي (4/ 271).
«العَقُور»:
هو كل سَبُع يَعْقِرُ أي: يَجرح ويَقتل ويفترس، كالأسد والنمر والذئب، سماها كلبًا لاشتراكها في السَّبُعية، والعَقُور: من أبنية المبالغة. النهاية، لابن الأثير (3/ 275).
«الحُديَّا»:
طائر معروف، من الطير الجوارح، ولا تصيد إلا الجرذان ونحوها، تأكل الجِيف وما تخطفه. إسفار الفصيح، لأبي سهل الهروي (2/ 635).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
(الحِدَأة) بالكسر، وفتح الدال بعدها همزة: طير معروف ويقال بالقصر أيضًا، ويقال له: الحُديَّا بالضم وتشديد الياء، والحُدَيَّاة مثله بزيادة هاء في آخره، والجمع كالأول بلا هاء كعِنَبَة وعِنَبٍ. هدي الساري (ص: 103).
شرح الحديث
قوله: «خَمْسٌ»:
قال أبو العباس القُرطبي -رحمه الله-:
قوله: «خمسٌ» هذا الحديث روي من طرقٍ متعددة، فذكر في بعضها لفظُ: «خمسٌ»، ولم يذكرْه في بعضها، فالألفاظ التي ذكر فيها: «خمسٌ» لم تَزِد، غير أنه ذَكَر في بعضها: الحيَّة، وفي بعضها: العقرب بدل الحيّة، وهي في كل ذلك «خَمْسٌ».
وأما التي لم يُذكَرْ فيها لفظ الخمس، فَجُمع فيها بين العقرب والحية، فصارت ستًّا، وفي غير كتاب مسلم ذُكرَت الأفعى، فعدَّدها لذلك بعضهم سَبْعًا، وليس كذلك؛ لأن الحية تتناول الأفعى وغيرها من جنسها، وإنما هو خلاف لفظي.
والصحيح: أنها سِتٌّ، كما جاء في الطريق التي لا حصر فيها...
واختلف العلماء: هل المراد بما سُمِّي في الحديثِ أعيانُها، أم التنبيهُ على المعاني المتأذّى بها منها؟
قال الإمام أبو عبد الله المازري: فـمالك والشافعي يَريان الحكم يتعلق بمعاني هذه الخَمْس دون أسمائها، وأنها إنما ذُكرت ليُنبَّه بها على ما شَرِكَها في العلة.
فقال الشافعي: العلة أن لحومها لا تؤكل، وكذلك: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد.
ورأى مالكٌ: أن العلة كونها مضِرةً، وأنه إنما ذكر الكلب العقور لينبه به على ما يضر بالأجسام على جهة الاختلاس، وذكر الحدأة والغراب للتنبيه على ما يضر بالأموال اختفاءً. المفهم (3/ 284).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله في رواية مسلم: «يُقْتَلُ خَمْسُ فَوَاسِقَ» هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وقد روى مسلم أيضًا: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ» ففي خمس هنا وجهان:
أحدهما وهو المشهور: تنوينه، و«فواسقُ» صفة له.
والثَّاني: إضافته إلى فواسقَ من غير تنوين.
والرواية الأولى في الكتاب تدل للمشهور من رواية التنوين، من غير إضافة إلى فواسق؛ فإنه أخبر عن خمس بقوله: «كلُّهن فواسق» وذلك يقتضي أن ينوّن «خمسٌ»، وينون «فواسقٌ» أيضًا، وبين التنوين والإضافة في هذا فرقٌ دقيقٌ، وهو: أن التنوين يقتضي مداخلة الفسق لهن، فيصير كأنه جملتهن، بخلاف الإضافة؛ فإنها قد تقتضي ذلك، وقد لا تقتضيه. العدة في شرح العمدة (2/ 982).
وقال النووي -رحمه الله-:
في رواية: «الحِدَأَةُ»، وفي رواية: «العَقْرَبُ» بدل الحَيَّةِ، وفي الرواية الأولى: «أَرْبَعٌ» بحذف الحية والعقرب، فالمنصوص عليه: الست. شرح صحيح مسلم (8/ 113)
وقال عبد الرحمن ابن قدامة المقدسي -رحمه الله-:
الخمس الفواسق التي أباح الشارع قتلها في الحل والحرم، وهي: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور. وفي بعض ألفاظ الحديث: «الحَيَّةُ» مكان «العَقْرَبِ». الشرح الكبير(8/ 305)
وقال ابن المنجى الحنبلي -رحمه الله-:
نص على الخمس الفواسق، وقِيس عليهن كل مؤذٍ. الممتع في شرح المقنع (2/ 115)
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«خَمْسٌ» مبتدأ، سوَّغ الابتداء به ملاحظةُ الوصفِ: «مِنَ الدَّوَابِّ» الواردِ في رواية. فتح المنعم (5/ 141).]
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
اعلم أن مسلمًا -رحمه الله- زاد في بعض روايات هذا الحديث: الحية، ولم يذكر العقرب، وذكر في بعضها: العقرب بدل الحية، فيصير المنصوص عليه منها: ستًا.العدة في شرح العمدة (2/ 982).
وقال أبو حيان الأندلسي -رحمه الله-:
فاقتصر على هذه الخمسة: الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقاس مالكٌ على الكلب العقور: كل ما كلب على الناس وغيرهم، ورآه داخلًا في لفظه- من أسدٍ، ونمرٍ، وفهدٍ، وذئبٍ، وكل سَبُعٍ عادٍ - فقال: له أن يقتُلَها مبتدئًا بها، لا هزبر (من أسماء الأسد)، وثعلبٍ، وضبعٍ؛ فإنْ قَتَلَها فدى.
وقال مجاهد والنخعي: لا يقتل من السباع إلا ما عدا عليه، وروي نحوه عن ابن عمر.
وقال أصحاب الرأي: إن بدأه السَّبُع قتله ولا فدية، وإن ابتدأه المحْرِم فقتله فدى.
وقال مالكٌ في فراخ السباع قبل أن تفترس: لا ينبغي للمُحْرِم قتلها.
وثبت عن عمر أمره المُحْرِمِين بقتل الحيات، وأجمع الناس على إباحة قتلها.
وثبت عن عمر إباحة قتل الزنبور؛ لأنه في حكم العقرب، وذوات السموم في حكم الحية، كـالأفعى والرُّتَيْلَا (نوعٌ من العناكب الكبيرة السامة، لونها بين صفرة وسواد).
ومذهب أبي حنيفة وجماعةٍ: أن الصيد هو ما توحش، مأكولًا كان أو غير مأكولٍ. البحر المحيط في التفسير (4/ 363).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله-:
«خَمْسٌ» - ذكر الخمس يفيد نفي الحكم عن غيرها، لكنه ليس بحجةٍ عند الأكثر.
وعلى تقدير اعتباره، فيُمكن أن يكون قاله -صلى الله عليه وسلم- أولًا، ثم بيَّن بعد ذلك أن غير الخمس تشترك معها في هذا الحكم.
فقد ورد زيادة «الحَيَّة» وهي سادسةٌ، كما في حديث ابن عمر، عن الصَّعْبِ، وابن مسعود، عند مسلم .شرح منهج السالكين (1/ 59).
قوله: «فَوَاسِقُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فواسق» أي: مؤذيات. الكوكب الوهاج (13/ 345).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وتسميتُه -صلى الله عليه وسلم- هذه الخمس فواسق؛ لأنهن خرجن عن الحُرمة التي لغيرهن من الحيوانات، لا سيما على المحْرِم، وفي الحرم، وفي الصلاة.
ويحتمل أن يقال: سميت فواسق؛ لخروجهن من حجرتهن لإضرار بني آدم وأذاهم. المفهم (3/ 284).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما تسمية هذه المذكورات فواسق فصحيحة جارية على وفق اللغة، وأصل الفسق في كلام العرب الخروج، وسمي الرجل الفاسق لخروجه عن أمر الله تعالى وطاعته، فسميت هذه فواسق لخروجها بالإيذاء والإفساد عن طريق معظم الدواب، وقيل: لخروجها عن حكم الحيوان في تحريم قتله في الحرم والإحرام، وقيل فيها لأقوال أخر ضعيفة لا نعتنيها. شرح صحيح مسلم (8/ 113).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
أكد فسقهن بكلٍ (كما في رواية «كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ»)، ووصفهنَّ به تنبيهًا على إيذائهنَّ، وعدم حرمتهنَّ، وإباحة قتلهنَّ في مواضع تحريم قتل غيرهنَّ من الدَّواب. العدة في شرح العمدة (2/ 982).
قوله: «يُقْتَلْنَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يُقْتَلْنَ» أي: خمس مؤذيات من الدواب يقتلن. الكوكب الوهاج (13/ 344).
وقال اللخمي المالكي -رحمه الله-:
لا خلاف في قتل الحية والفأرة والكلب العقور، واختلف المذهب في الغراب والحدأة. التبصرة (3/ 1303).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يُقْتَلْنَ...» تقدم في رواية نافع بلفظ: «ليس على المحرِم في قَتْلِهِنَّ جُناحٌ»، وعُرِف بذلك أن لا إثم في قتلها على المحرِم، ولا في الحَرَمِ.
ويُؤخذُ منه: جواز ذلك للحلال، وفي الحِلِّ من باب الأولى.
وقد وقع ذكر الحِلِّ صريحًا عند مسلم، من طريق مَعْمَر عن الزهري عن عروة، بلفظ: «يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ».
ويُعْرَف حُكم الحلال بكونه لم يقم به مانع، وهو الإِحرام، فهو بالجواز أَولَى.
ثم إنه ليس في نفي الجُناحِ، وكذلك الحَرَجِ في طريق سالم دلالةٌ على أرجحية الفعل على الترك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم بلفظ: «أُمِرَ»، وكذلك في طريق معمر.
ولأبي عوانة من طريق ابن نُمَيْر عن هشام عن أبيه، بلفظ: «لِيَقْتُلِ المحرِم»، وظاهر الأمر: الوجوب، ويحتمل الندب والإباحة.
وروى البزار من طريق أبي رافع قال: «بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلاته، إذ ضرب شيئًا، فإذا هي عقربٌ، فقتلها، وأمر بقتل العقرب، والحية، والفأرة، والحدأة للمحرم»، لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر؛ لعموم نهي المحرم عن القتل، فلا يكون للوجوب، ولا للندب.
ويؤيد ذلك رواية الليث عن نافع، بلفظ: «أُذِنَ»، أخرجه مسلم والنسائي عن قُتَيْبَة، لكن لم يسق مسلم لفظه.
وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره: «خَمْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ». فتح الباري (4/ 37).
وقال البغوي -رحمه الله-:
اتفق أهل العلم على أنه يجوز للمحرِم قتل هذه الأعيان المذكورة في الخبر، ولا شيء عليه في قتلها، إلا ما حُكِي عن النخعي أنه قال: لا يَقتل المحرِم الفأرة، ولم يُذكَر عنه فيه فدية، وهو خلاف النص وأقاويل أهل العلم.
وقاس الشافعي على ما ورد في الخبر كل سَبُعٍ ضارّ أو عادٍ، يَعْدُو على الناس وعلى دوابهم، مثل الذئب، والأسد، والفهد، والنمر، والخنزير، ونحوها، وقاس عليها كل حيوان لا يؤكل لحمه، فقال: لا فدية على مَن قتله في الإحرام أو الحرم؛ لأن الحديث يشتمل على أعيان: بعضها سباع ضارية، وبعضها هوامّ قاتلة، وبعضها طير لا تدخل في معنى السباع، ولا هي من جملة الهوام، وإنما هو حيوان مستخبَث اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل، فاعتبره ورتب الحكم عليه، إلا المتولِّد بين المأكول من الصيد وغير المأكول؛ فلا يحل أكله، ويجب الجزاء بقتله؛ لأن فيه جزءًا من المأكول.
وقال مالك: كل ما عَقَر الناس وعَدَا عليهم، مثل الأسد، والفهد، والنمر، والذئب، فهو الكلب العقور. فأما ما كان من السِّباع لا يَعْدُو، مثل الضبع، والثعلب، والهر، وما أشبهها من السباع، فلا يقتلهن المحرِم.
وقال: ما ضرَّ من الطير، فلا يقتله المحرِم، إلا ما سمّى النبي -صلى الله عليه وسلم-: الغراب، والحدأة، وإن قتل شيئًا سِواهما من النسور، والعقبان، والرَّخَم، فعليه جزاؤه، وقال: لا يقتل المحرِم الغراب الصغير. شرح السنة (7/ 267).
وقال المظهري -رحمه الله-:
لا خلاف عند العلماء في قتل ما نُصَّ على قتله في الحديث، وأما ما لم يأتِ في قتله حديث؛ فأجاز الشافعي قتل ما لا يؤكل لحمه، إلا أنه يُستحب قتل ما يضر، كهذه الأشياء المذكورة، وكالأسد، والذئب، والخنزير، وغيرها، ويُكره قتل ما لا يضر أحدًا، لكن لو قتله، فلا جزاء عليه، سواء كان في الحرم أو في حال الإحرام، إلا ما تولَّد من مأكول وغير مأكول، كالمتولِّد بين الضبع والذئب؛ فإنه يحرم أكله، ولكن لا يلزم على قاتله الفِداء.
وقال مالك: كل ما يضر الناس من الدواب، مثل الأسد، والفهد، والنمر، والذئب، فهو كالكلب العقور، فيجوز قتله، فأما ما لا يضر كالهِرّة البرِّية، وكالنسر من الطيور، وما أشبه ذلك؛ فلو قتله لزمه الجزاء.
وأجاز أبو حنيفة -سِوى ما جاء في الحديث- قتل الذئب، وأوجب الكفارة فيما عَداه، كالفهد، والنمر، والخنزير، وجميع ما لا يؤكل لحمه. المفاتيح (3/ 349).
وقال عبد الرحمن بن قدمة المقدسي -رحمه الله-:
فعلى هذا، يُباح قتل كل ما فيه أذًى للناس في أنفسهم وأموالهم، مثل سباع البهائم كلها الحرام أكلها، وجوارح الطير؛ كالبازي، والصقر، والشاهين، والعُقاب، ونحوها، والحشرات المؤذية، كالزنبور، والبقُّ، والبعوض، والبراغيث، والذباب. وبه قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: يُقتَل ما جاء في الحديث، والذئب قياسًا عليه. ولنا -الحنابلة- أن الخبر نصٌّ من كُل جنس على صورة من أدناه، تنبيهًا على ما هو أعلى منها، ودلالة على ما كان في معناها؛ فنصه على الغُراب والحدأة: تنبيهٌ على البازي ونحوه، وعلى الفأرة: تنبيهٌ على الحشرات، وعلى العقرب: تنبيهٌ على الحية، وقد ذُكرت في بعض الأحاديث، وعلى الكلب العقور: تنبيهٌ على السباع التي هي أعلى منه؛ ولأن ما لا يُضمن بقيمته، ولا بمثله، لا يُضمن بشيء، كالحشرات.. الشرح الكبير (8/ 305).
وقال النووي -رحمه الله-:
اتفق جماهير العلماء على جواز قتلهن في الحِلّ والحَرَم والإحرام، واتفقوا على أنه يجوز للمحرِم أن يَقتل ما في معناهن، ثم اختلفوا في المعنى فيهن، وما يكون في معناهن.
فقال الشافعي: المعنى في جواز قتلهن كونهن مما لا يُؤكل، وكل ما لا يُؤكل، ولا هو متولِّد من مأكول وغيره فقتله جائز للمحرِم، ولا فدية عليه.
وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات، فكل مؤذٍ يجوز للمحرِم قتله، وما لا، فلا. شرح صحيح مسلم (8/ 113).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أما قتل صغار ما يجوز قتل كِباره؛ فلا يجوز على قول، وعلى هذا لو قتلها فهل عليه جزاء أم لا؟ فقولان. المفهم (3/ 284).
قوله: «في الحِلِّ والحَرَمِ»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «في الحرم» أي: في أرضه. تحفة الأحوذي (3/ 487).
وقال عبد الرحمن بن القاسم -رحمه الله-:
«في الحل» ضد الحرم «و» يُقتلن في «الحرم» وهو الذي لم يحل انتهاكه بقتل صيد ونحوه. الإحكام شرح أصول الأحكام (4/ 416).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
المراد بالحَرَم: ما أطاف بمكة -شرّفها الله تعالى-، وأحاط بها من جوانبها، جعل الله -عزَّ وجلَّ- له حُكمها في الحُرمة؛ تشريفًا لها، وهو محدودٌ معروف، عليه علامات من جوانبه كلّها، ومنصوبٌ عليه أنصاب.
وذكر الأزرقي في "تاريخ مكة" بأسانيده، وغيرُه: أن إبراهيم الخليل -صلى الله عليه وسلم- علَّمها، وجبريل -صلى الله عليه وسلم- يريه مواضعها، ثم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بتحديدها، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية -رضي الله عنهم-، وهي إلى الآن بيِّنة، ولله الحمد.
والمراد بالحلّ: ما عدا ذلك. وقد ثبت في إباحة قتلهنّ في الإحرام أيضًا رواية في "صحيح مسلم"، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 982).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فنبَّه بقتلهن في الحل والحرم على العلة وهي فسقهن، ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعًا من قتلهن، فكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل. زاد المعاد (3/ 548).
قوله: «الحَيَّةُ»:
قال عبد الرحمن بن القاسم -رحمه الله-:
وفي لفظ «والحية» مكان الفأرة. الإحكام شرح أصول الأحكام (4/ 416).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الحية» الأفعى، تُذكَّر وتُؤنَّث، فيقال: هو الحية، وهي الحية. ذخيرة العقبى (14/ 205).
وقال الشيخ سليمان اللهيميد -حفظه الله-:
ورد زيادة «الحية» وهي سادسة كما في حديث ابن عمر عن الصعب وابن مسعود عند مسلم. شرح منهج السالكين (1/ 59).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
في غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فعدَّدها لذلك بعضهم سبعًا، وليس كذلك؛ لأن الحية تناوَلت الأفعى وغيرها من جنسها، وإنما هو خلاف لفظي. المفهم (3/ 284).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«الحية» وهي تشمل جميعَ أنواعها، والصغارَ والكبارَ. بذل المجهود (7/ 229).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
ثبت أنَّ عمر بن الخطاب أمر المحْرِمِين بقتل الحيّات، وبه قال ابن عباس وسالم ونافع مولى ابن عمر والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلمهم اختلفوا في ذلك، وبه نقول. الإشراف (3/ 253).
وقال العراقي -رحمه الله- متعقبًا:
تقدَّم عند المالكية خلافٌ في قتل ما صَغُر من الحيات والعقارب، بحيث إنه لا يمكن منه الأذى، ولم يذكر غيرهم هذا الخلاف. طرح التثريب (5/ 68).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قيل لنافع: فالحية؟ قال: الحية لا شك في قتلها، وقال بعضهم: عن أيوب، قلتُ لنافع: الحية؟ قال: الحية لا يختلف في قتلها.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): ليس كما قال نافع، وقد اختلف العلماء في جواز قتل الحيَّة للمحرم، ولكنه شذوذ، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتلها للمُحرم، وغير المُحرم في الحَرم وغيره من وجوه. التمهيد (15/ 155-156).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول القاسم (ابن محمد بن أبي بكر الصديق) في الأم (أي: صحيح مسلم): «تُقتل بِصُغْرٍ لها» أي: بمذلَّة وقهر، كما قال تعالى: { وَهُمْ صَاغِرُونَ} التوبة: 29. المفهم (3/ 284).
قوله: «والغُرابُ الأَبْقَعُ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«والغُراب» كذا جاء مطلقًا في جميع روايات مسلم إلا الثانية فجاءت بلفظ «الغراب الأبقع» وهو الذي في بطنه أو ظهره بياض. فتح المنعم (5/ 141).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«الغُراب الأبقع» الذي فيه سواد وبياض، والبَقْعُ في الطير والكلاب كالبُلق في الدواب. جامع الأصول (10/ 225).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «الغراب الأبقع» تقييد لمطلق الروايات الأُخَر التي ليس فيها الأبقع، وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلا قتل الأبقع، وهو الذي في بطنه وظهره بياض، وغير هذه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان، ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلب عندهم. المفهم (3/ 285).
وقال النووي -رحمه الله-:
أمَّا الغراب الأبقع فهو الذي في ظهره وبطنه بياض...، وحكى غيره (أي: الساجي) عن عليٍّ ومجاهد: أنَّه لا يُقتل الغراب، ولكن يُرمى، وليس بصحيح عن علي. شرح صحيح مسلم (8/ 113).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «الغُراب» زاد في رواية سعيد بن المسيب عن عائشة عند مسلم: «الأَبقع»، وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض. وأخذ بهذا القيد بعضُ أصحاب الحديث، كما حكاه ابن المنذر وغيره. ثم وجدتُ ابن خزيمة قد صرَّح باختياره، وهو قضيّة حمل المطلق على المقيَّد.
وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصح؛ لأنها من رواية قتادة عن سعيد، وهو مُدلِّس، وقد شذَّ بذلك. وقال ابن عبد البر: لا تثبت هذه الزيادة. وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح.
وفي جميع هذا التعليل نظر؛ أمَّا دعوى التدليس فمردودة بأن شُعبة لا يروي عن شيوخه المدلِّسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة.
بل صرّح النسائي في روايته من طريق النضر بن شميل عن شعبة بسماع قتادة.
وأما نفي الثبوت فمردود بإخراج مسلم.
وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة؛ بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا.
نعم، قال ابن قدامة: يُلحَق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء وتحريم الأكل. وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحَبَّ من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزّاغ (نوع صغير من الغربان)، وأفتوا بجواز أكله. فبقي ما عداه من الغربان مُلحقًا بالأبقع، ومنها الغُداف على الصحيح في الروضة، بخلاف تصحيح الرافعي. وسمّى ابن قدامة الغُداف: "غراب البين"، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع.
قيل: سُمّي "غُراب البين" لأنه بان عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح. وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به؛ فكانوا إذا نَعَبَ (أي: صاح، وقيل: لا يُقال: نَعَبَ إلا مع مدّ عنقه وتحريكها) مرتين، قالوا: آذن بشرٍّ، وإذا نَعَبَ ثلاثًا قالوا: آذن بخير. فأبطل الإسلام ذلك.
وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك».
وقال صاحب الهداية (المرغيناني الحنفي): المراد بالغراب في الحديث: الغُداف والأبقع؛ لأنهما يأكلان الجيف. وأما غراب الزرع فلا (لأنه يأكل الحب)، وكذا استثناه ابن قدامة، وما أظن فيه خلافًا. وعليه يُحمَل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود -إن صح- حيث قال فيه: "ويُرمى الغراب ولا يُقتل".
وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن علي ومجاهد. قال ابن المنذر: أباح كل من يُحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام، إلا ما جاء عن عطاء، قال في محرِم كَسَرَ قرن غراب، فقال: إن أدماه فعليه الجزاء. وقال الخطابي: لم يُتابع أحد عطاء على هذا. انتهى.
ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع.
وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب والحدأة: هل يتقيّد جواز قتلهما بأن يبتدئا بالأذى؟ وهل يختص ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم -كما قال ابن شاس-: لا فرق، وفاقًا للجمهور.
ومن أنواع الغربان:
الأعصم: وهو الذي في رجليه أو في جناحيه أو بطنه بياض أو حمرة، وله ذكر في قصة حفر عبد المطلب لزمزم، وحكمه حكم الأبقع.
ومنها: العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب. قيل: سُمّي بذلك لأنه يَعُقُّ فراخه، فيتركها بلا طُعم. وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضًا.
ووقع في فتاوى قاضي خان الحنفي: من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كَفَرَ. وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل: حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إنْ أكل الجيف وإلا فلا بأس به. فتح الباري (4/ 38).
وقال عبد الرحمن بن القاسم -رحمه الله-:
فأما الغُراب فالمراد منه ما يأكل الجيف، كالأبقع والغُدَاف، والأسود الكبير، لا غراب الزرع. الإحكام شرح أصول الأحكام (4/ 416).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«الغُراب» الذي يُفسد الثمار. تيسير العلام (ص: 388).
قوله: «والفأْرَة»:
قال ابن العطار -رحمه الله-:
أما الفَأْرَةُ: فهي مهموزة، ويجوز تسهيلها، معروفة. العدة في شرح العمدة (2/ 982).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«الفأرة» بالهمزة وتُبدل ألفًا أي: الأهلية والوحشية. تحفة الأحوذي (3/ 487).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والفأر» بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل. ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرِم، إلا ما حُكي عن إبراهيم النخعي؛ فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرِم. أخرجه ابن المنذر، وقال: هذا خلاف السُّنة، وخلاف قول جميع أهل العلم.
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال: لما ذكروا له هذا القول: "ما كان بالكوفة أفحش ردًّا للآثار من إبراهيم النخعي؛ لِقِلَّة ما سمع منها، ولا أحسن اتباعًا لها من الشعبي؛ لكثرة ما سمع."
ونقل ابن شاس عن المالكية خلافًا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى.
والفأر أنواع، منها: الجُرَذ (بالجيم، بوزن عُمَر)، والخُلْد (بضم المعجمة وسكون اللام)، وفأرة الإبل (ليس للإبل فأرة، وإنما هي رائحة طيبة تفوح منها إذا رعت العشب وزهره، ثم شربت فعرقت، ففاح منها رائحة طيبة، يُقال لها: فأرة الإبل)، وفأرة المسك، وفأرة الغيط.
وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء. وسيأتي في "الأدب" إطلاق "الفويسقة" عليها من حديث جابر، وتقدَّم سبب تسميتها بذلك من حديث أبي سعيد. وقيل: إنما سُمّيت بذلك؛ لأنها قطعت حبال سفينة نوح، والله أعلم. فتح الباري (4/ 39).
قوله: «والكَلْبُ العَقُورُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «والكلب العقور» بفتح فضم: مبالغة في العَقْر؛ أي: الذي يجرح. البحر المحيط الثجاج (22/ 313).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قال سفيان بن عيينة: الكلب العقور كل سَبُع يَعْقِرُ، وقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عتبة بن أبي لهب، فقال: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك» فافترسه الأسد. شرح السنة (7/ 267).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أراد بالكلب العقور: كل سَبُعٍ يعقر، كالأسد والذئب والنمر والكلب، ونحو ذلك. جامع الأصول (10/ 225).
وقال عبد الغني المقدسي -رحمه الله-:
«الكلب العقور»: العقور كل ما عقر الناس وأَخافهم، وعدا عليهم مثل الأَسد والنمر والفهد والذئب. عمدة الأحكام (ص: 157).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في المراد بـ«الكلب العقور»، فقيل: هو الكلب المعروف، وقيل: كل ما يفترس؛ لأن كل مفترس من السباع يُسمّى كلبًا عقورًا في اللغة...
واتفق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرِم والحلال، في الحِلّ والحرم، واختلفوا في المراد به؛ فقيل: هذا الكلب المعروف خاصة، حكاه القاضي عياض عن الأوزاعي، وأبي حنيفة، والحسن بن صالح، وألحقوا به الذئب.
وحَمَلَ زفر معنى الكلب على الذئب وحده.
وقال جمهور العلماء: ليس المراد بالكلب العقور تخصيص هذا الكلب المعروف، بل المراد هو كل عادٍ مفترس غالبًا، كالسَّبُع، والنمر، والذئب، والفهد، ونحوها، وهذا قول زيد بن أسلم، وسفيان الثوري، وابن عيينة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وحكاه القاضي عياض عنهم، وعن جمهور العلماء.
ومعنى "العَقُور" و"العاقِر": الجارح. شرح صحيح مسلم (8/ 113).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
أما الكلب العقور: فاختُلف فيه، فقيل: هو الإنسيُّ المتخذُ، وقيل: كلُّ ما يعدو كالأسد والنَّمِر، واستُدلَّ لهذا: بأن الرسول-عليه الصلاة والسلام- لما دعا على عُتبةَ بن أبي لهبٍ بأن يُسلط عليه كلبًا من كلابه، افترسَهُ الأسدُ، فدلَّ على تسميته بالكلب، وهذا هو المشهور من مذهبنا (المالكي)، فيدخل فيه السَّبُعُ والكلبُ والفَهْد والنمر، وأشباهها مما يعدو.
وترجح القولُ الأولُ أو رُجِّحَ بأنَّ إطلاق اسم الكلب على غير الإنسي المتخذ خلاف العُرْف، واللفظة إذا نقلها أهل العُرْف إلى معنى، كان حملُها عليه أَوْلى من حملها على المعنى اللغوي.
وفائدةُ هذا الخلاف: ما تقدم من التعدية إلى غير الكلب الإنسي المتخذ، وكلّ ما يعدو، وعدمِها. رياض الأفهام (3/ 620).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قد اختلف في المراد بالكلب العقور، فقيل: هو الكلب المألوف، وقيل: المراد به كل ما يفترس؛ لأنه يسمَّى في اللغة: كلبًا، ومذهب مالك أن ما لا يبتدئ جنسه بالأذى -كسباع الطير- لا يقتل إلا أن يخافه المرء على نفسه، فتؤدي مدافعته إلى قتله، فلا شيء عليه.
«العقور» في وصف الكلب: هو الذي يعقر كثيرًا؛ أي: يجرح. المفهم (3/ 284).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والكلب العقور» الكلب معروف، والأنثى كلبة...، واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم أو لا؟ فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد، وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور، فقال: وأيُّ كلب أعقر من الحية؟ وقال زُفَر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصة، وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان (الثوري) وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب، واحتج أبو عبيد للجمهور بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك» فقتله الأسد، وهو حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه، واحتج بقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} المائدة: 4، فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح: عقور، واحتج الطحاوي للحنفية: بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر وهما من سباع الطير، فدل ذلك على اختصاص التحريم بالغراب والحدأة، وكذلك يختص التحريم بالكلب وما شاركه في صفته وهو الذئب، وتُعُقِّب برد الاتفاق، فإن مخالفيهم أجازوا قتل كل ما عدا وافترس، فيدخل فيه الصقر وغيره، بل معظمهم قال: يلتحق بالخمس كل ما نهي عن أكله إلا ما نهي عن قتله، واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه، فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين (المروذي) والماوردي وغيرهما، ووقع في الأم للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي فقال في البيع من (شرح المهذب): لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله، وقال في التيمم والغصب: إنه غير محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف شديد، وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعي، وتبعه في الروضة، وزاد أنها كراهة تنزيه، والله أعلم. فتح الباري (4/ 40).
قوله: «والحُدَيَّا»:
قال النووي -رحمه الله-:
أما الحِدَأة فمعروفة، وهي بكسر الحاء مهموزة، وجمعها حِدَأٌ بكسر الحاء مقصور مهموز، كعِنبة وعِنَب، وفي الرواية الأخرى «الحُديَّا» بضم الحاء، وفتح الدال، وتشديد الياء مقصور، قال القاضي (عياض): قال ثابتٌ (ابن حزم العوفيّ السرقسطي): الوجه فيه الهمز على معنى التذكير، وإلا فحقيقته حُدئية، وكذا قيده الأصيلي في صحيح البخاري في موضع، أو الحديَّة على التسهيل والإدغام. المنهاج شرح مسلم (8/ 113).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والحدأ» بكسر أوَّله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مد، وحكى صاحب المحكم (ابن سيده) المد فيه ندورًا (أي: حِدَاء)، ووقع في رواية الكُشميهني في حديث عائشة «الحدأة» بزيادة هاء بلفظ الواحدة، وليست للتأنيث بل هي كالهاء في التمرة، وحكى الأزهري فيها (حدوة) بواو بدل الهمزة، وسيأتي في بدء الخلق من حديثها بلفظ «الحديا» بضم أوله وتشديد التحتانية مقصور، ومثله لمسلم في رواية هشام بن عروة عن أبيه قال: قال قاسم بن ثابت (ابن حزم العوفيّ السرقسطي له الدلائل في غريب الحديث مات ولم يكمله): الوجه فيه الهمزة، وكأنه سهل ثم أدغم، وقيل: هي لغة حجازية، وغيرهم يقول: حدية...، ومن خواص الحدأة: أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين، وقد مضى لها ذكر في الصلاة في قصة صاحبة الوشاح.
تنبيهٌ: يلتبس بالحِدَأ الحَدَأة بفتح أوله: فأس له رأسان. فتح الباري (4/ 38).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«الحِدَأةُ» طير يَسلب من الناس الخبز وغيره، ويقتلُ الطيورَ الصغارِ والفأرةَ، ويكسر الكوز. المفاتيح (3/ 349).
قوله في رواية مسلم: «والعَقْرَب»:
قال الفاكهاني -رحمه الله-:
العَقْرَبُ: أنثى العَقارب، ويقال أيضًا: عَقْرَبَةٌ، وعَقْرَباءُ -بالمدِّ غيرَ مصروف-، والذَّكر عُقْرُبان بالضم. رياض الأفهام (3/ 620).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والعقرب» هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال: عَقربة وعَقرَبَاء، وليس منها العُقْرُبان، بل هي دويبة طويلة كثيرة القوائم، قال صاحب المحكم (ابن سيده): ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها لا تضر ميتًا ولا نائمًا حتى يتحرك، ويقال: لدغته العقرب بالغين المعجمة، ولسعته بالمهملتين، وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها في حديث الباب ومَن جمعهما، والذي يظهر لي: أنه -صلى الله عليه وسلم- نبَّه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار، وبيَّن حكمهما معًا حيث جَمَعَ. فتح الباري (4/ 39).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «والعقرب» وفي معناها الحية، بل بطريق الأولى. تحفة الأحوذي (3/ 487).
وقال الرويّاني الشافعي -رحمه الله-:
فإذا تقرر هذا، فالحيوان ضربان: إنسي ووحشي، فالإنسي لا تأثر فيه للإحرام ولا للمحرم، فإن كان مأكول اللحم كالنعم والدجاج ونحوهما، فالمحل والمحرم، ومن في الحرم ومن في الحل في ذبحه سواء، وإن كان مما لا يؤكل لحمه لم يحل ذبحه ولا قتله، كالبغال والحمير.
وأمّا الوحشي، فعلى ضربين: ما فيه الجزاء وما لا جزاء فيه، فما فيه الجزاء يحرم قتله بحرمة الإحرام، وحرمة الحرم سواء كان مأكولًا كظباء، أو غير مأكول كالسِّمْع (حيوان مفترس يشبه الضبع) ونحوه، وأمّا ما لا جزاء فيه، فعلى ثلاثة أضرب:
منها: ما يستحبّ قتله ويثاب عليه.
ومنها: ما يكره قتله.
ومنها: ما هو مباح قتله، لا يكره ولا يستحبّ.
فأما ما يستحبّ قتله، فهو كل ما يضر ولا ينفع كالحية والعقرب والفأرة والحية والكلب العقور والنمر والذئب والدب والخنزير...
وأمّا ما يكره قتله، فهو كل ما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والديدان والجُعْلان والعَظَاء (بالعين المهملة المفتوحة والظاء المنقوطة دويبة أكبر من الوزغة تعرف عند العامة بالسحال) واللُّحَكاء (بضم اللام وفتح الحاء المهملة وبالمد دويبة تغوص في الرمل إذا رأت إنسانًا).
وأما ما يباح قتله، ولا يكره ولا يستحبّ: فكل ما فيه نفع من وجه وضرر من وجه، وهو جوارح الطير كالعقاب والبازي والصقر والشاهين. بحر المذهب (4/ 75).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
واختلفوا في الاقتصار على هذه الخمسة، أو التعدية لما هو أكثر منها بالمعنى، فقيل: بالاقتصار عليها، وهو المذكور في كتب الحنفية، ونَقل غير واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة: أن أبا حنيفة ألحق الذئب بها، وعدّوا ذلك من مناقضاته، والذين قالوا بالتعدية اختلفوا في المعنى الذي به التعدية، فنقل عن بعض الشارحين أن الشافعي قال: المعنى في جواز قتلهن: كونهن مما لا يؤكل، فكل ما لا يؤكل قتلُه جائز للمحرم، ولا فدية عليه، وقال مالك: المعنى فيه كونهن مؤذيات، فكل مؤذٍ يجوز للمحرم قتله، وما لا فلا.
وهذا عندي فيه نظر؛ فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد، وإنما يرى الشافعي جواز الاصطياد وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير المأكول، وأما جواز الإقدام على قتل ما لا يؤكل مما ليس فيه ضرر فغير هذا، ومقتضى مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه: أنه لا يجوز اصطياد الأسد والنمر، وما في معناهما من بقية السباع العاديَةِ، والشافعية يردّون هذا بظهور المعنى في المنصوص عليه من الخمس، وهو الأذى الطبيعي والعدوان المركب في هذه الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عدّى القائسون إلى كل ما وُجد فيه المعنى ذلك الحكم، كما في الأشياء الستة التي في باب الربا، وقد وافقه أبو حنيفة على التعدية فيها، وإن اختلف هو والشافعي في المعنى الذي يعدّى به. إحكام الأحكام (2/ 64).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يُفيده الحديث:
1. أنه لا جزاء على المحرم إذا قتل هذه الفواسق.
2. أنه يستحب قتلها في الحل والحرم.
3. أنَّ الحَرَم لا يجير فاسقًا. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 68-69).