عن ابنِ عباسٍ قال: «قَدَّمَنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أُغَيْلِمَةَ بني عبدِ المطلبِ على حُمُرَاتٍ لنا من جَمْعٍ، فجعلَ يَلْطَحُ أفخاذَنا ويقولُ: أُبَيْنِيَّ لا ترموا حتى تطلُعَ الشمسُ».
رواه أحمد برقم: (2089) وأبو داود برقم: (1940) والنسائي برقم: (3064) وابن ماجه برقم: (3025)، ورواه الترمذي برقم: (893) بلفظ: «قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهلِهِ، وقالَ: لا ترموا الجمرةَ حتى تطلُعَ الشمسُ».
صحيح الجامع برقم: (49)، صحيح ابن ماجه برقم: (3025).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أُغَيْلِمَةَ»:
الغُلامُ معروف، وتصغيره غُلَيِّمٌ، والجمع غِلْمَةٌ وغِلْمانٌ، واستَغْنَوا بغِلمَةٍ عن أغْلِمَةٍ، وتصغير الغِلْمَةِ أُغَيْلِمَةٌ على غير مُكَبَّرِهِ، كأنهم صغَّروا أغْلِمَة وإن كانوا لم يقولوه، كما قالوا: أُصَيْبِية في تصغير صِبْيَة، وبعضهم يقول: غُلَيمة على القياس. الصحاح، للجوهري (5/ 1997).
«حُمُرَاتٍ»:
هي جَمْعُ صِحَّة لحُمُر، وحُمُر جَمْعُ حِمَار. النهاية، لابن الأثير (1/ 439).
«جَمْعٍ»:
عَلَمٌ للمزدلفة، وهي المشعر الحَرَام، سميت بذلك لاجتماع آدم وحواء -عليهما السَّلام- بها. الفائق في غريب الحديث، للزمخشري (3/ 74).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«جَمْعٌ» بفتح الجيم هي المزدلفة، سميت بذلك للجمع فيها بين العشاءين، قال ابن حبيب: هي جَمْع والمزدلفة وقُزَح والمشعر الحرام. مشارق الأنوار (1/ 168).
«يَلْطَحُ»:
اللَّطْحُ: الضَّرْب بباطن الْكَفّ، لَطَحْتُه بيَدي لَطْحًا: إِذا ضَربتُه بهَا. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 550).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
اللَّطْحُ: الضرب بباطن الكف ليس بالشديد. مقاييس اللغة (5/ 251).
«أُبَيْنِيَّ»:
الأبيني: بِوَزْن الأُعَيمي تَصْغِير الأبنى بِوَزْن الْأَعْمَى، وهو اسم جمع للِابْن. الفائق في غريب الحديث، للزمخشري (3/ 74).
وقال المطرزي -رحمه الله-:
أما الأبنى بوزن الأعمى فاسم جمع، وتصغيره الأُبيني مثل الأعيمي تصغير الأعمى...، وإنما شُدِّدت الياء لأنها أُدغمت في ياء المتكلم. المغرب في ترتيب المعرب (ص: 51).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قد اختُلف في صيغتها ومعناها: فقيل: إنه تصغير أَبْنَى، كأعمى وأُعَيْمِي، وهو اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل: إنّ أَبْنًا يجمع على أبْنَا مقصورًا وممدودًا، وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر، وقال أبو عبيد (القاسم بن سلام): هو تصغير بَنِيَّ جمع ابنٍ مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن تكون صيغة اللفظة في الحديث: أُبَيْنِيّ بوزن سُرَيْجِيّ، وهذه التقديرات على اختلاف الروايات. النهاية (1/ 17).
«الجَمْرَةَ»:
مَعْرُوفَة وهي مَوضِع رمي الْجمار بمكة، وهي ثلاث جمرات، والجمرة الكبرى بالعقبة، وطرفها أقْصَى منى، وسميت الكبرى لأنها تُرمى يوم النَّحْر، قاله الداودي. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 168).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
وسُمِّيَت الجَمْرَةُ جَمْرَةً لاجتماع الذي فيها مِن الحصى، يُقال: اسْتَجْمَرُوا: إذا تَجَمَّعُوا. حلية الفقهاء (ص: 120).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وأما موضع الجمار بمنى فسمي جمرة لأنها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنها مَجْمَع الحصى التي يُرمى بها، من الجمرة وهي اجتماع القبيلة على مَن ناوأها، وقيل: سُميت به من قولهم: أَجْمَرَ إذا أَسْرَع. النهاية (1/ 292).
شرح الحديث
قوله: «قَدَّمَنَا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أُغَيْلِمَةَ بني عبدِ المطلبِ على حُمُرَاتٍ لنا من جَمْعٍ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قدَّمنا» بتشديد الدال المفتوحة والميم «رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أغيلمة»... وأغيلمة منصوب على الاختصاص، والتقدير: قدَّمنا متخصصين من بين الغلمان، ويجوز أن يكون منصوبًا على البدل من الضمير في «قدَّمنا»، «بني عبد المطلب -رضي الله عنهم- على حُمُرات» بضم الحاء والميم جمع صحة لحُمُر، وحُمُر جمع حمار، فيه جواز إركاب الصغار الحمير من غير أن يكون معهم مَن يمسكهم أو يحفظهم إذا لم يخف عليهم الوقوع. شرح سنن أبي داود (9/ 26).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قدَّمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: أرسَلَنا قُدَّامه، أو أَمَرَنا بالتقدُّم إلى منى. مرقاة المفاتيح (5/ 1811).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«وأُغيلمة»: تصغير غلمة جمع: غلام قياسًا، كما أنّ أُصَيْبِيَة تصغير صِبْيَة جمع: صبي قياسًا، وإن لم يُستعملا، وإن المستعمل في جمعها: غِلْمَة وصِبْيَة، وانتصابها على الاختصاص، «وحُمُرات» جمع: حُمُر هو جمع: حمار. تحفة الأبرار(2/ 158).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أغيلمة» منصوب على أنه بدل، أو عطف بيان للضمير في «قدَّمنا»، و«أغيلمة» تصغير غِلْمَة شاذّ، وقياسها: غليمة، وغِلْمَة جمع غلام، والمراد بالغلمة هنا: الصبيان والشبان، «على حُمُرات» أي: راكبين على حُمُرات، وهي جمع حُمُر بضم الحاء والميم، وهي جمع حمار. المفاتيح(3/ 310).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أغيلمة» بدل من الضمير في «قدَّمنا» أو تفسير له...، قوله: «على حُمُرات» هي جمع حمار، ويُجمع الحمار على حمير وحُمُر وحُمُرات وأحمرة، وهي حال من المفعول، أي: راكبين على حُمُرات. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1996).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أغيلمة بني عبد المطلب» أي: صبيانهم، وفيه تغليب الصبيان على النسوان...، وهذا يدلّ على أنَّ الحج على الحمار غير مكروه في السفر القريب. مرقاة المفاتيح (5/ 1811).
قوله في لفظ الترمذي: «قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهلِهِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ضعَفَة أهله» بفتح الضاد والعين جمع ضعيف، أي: مِن جملة ضعفائهم من النساء والصبيان والمرضى؛ وذلك لئلا يتأذوا بالزحام. شرح سنن أبي داود (9/ 25).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «قدَّم ضعفة أهله» بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة جمع ضعيف، وهم النساء والصبيان والخدم. فيض القدير (7/ 21).
قوله: «فَجَعَلَ يَلْطَحُ أفخاذَنا»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فجعل» أي: طَفِقَ «يلطح أفخاذنا» أي: يضربها ببطن كفه ضربًا خفيفًا للتلطف. شرح المصابيح (3/ 297).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فجعل» أي: فشرع النبي -صلى الله عليه وسلم- «يَلْطَحُ» بفتح الطاء وبالحاء المهملتين، أي: يضرب «أفخاذنا» واللطح: الضرب بباطن الكف ليس بالشديد تلطفًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1811).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«ويلطح أفخاذنا» أي: يضربها ببطن كفه، واللطح بالحاء المهملة: هو الضرب اللين على الظهر ببطن الكف. الميسر في شرح مصابيح السنة(2/ 612).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فجعل يلطح» بفتح الياء والطاء المهملة، وبعدها حاء مهملة أيضًا قال الجوهري: اللطح بفتح اللام مثل الحطء وهو الضرب اللَّيِّن على الظهر ببطن الكف، «أفخاذنا» أي: ببطن كفه؛ ملاطفة لهم. شرح سنن أبي داود (9/ 26).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«يلطح» اللَّطْح: الضرب الخفيف، أي: يَضرب ضربًا خفيفًا لينًا «أفخاذنا» جمع فخذ؛ لأنهم كانوا على الحُمُر. بذل المجهود (7/ 403).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «فجعل يلطح أفخاذنا» يعني: يضربها ضربًا لينًا، وهو بذلك يداعبهم ويؤنسهم -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (226/ 26).
قوله: «ويقولُ: أُبَيْنيَّ لا ترموا حتى تطلُعَ الشمسُ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
والأُبيني: تصغير الأبنى جمع ابن بوزن: أعمى وأُعَيمي، وليس جمعًا على اللفظ، وإنما هو اسم موضوع للجمع، وجمعُه اللفظي أبناء بالمدّ. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 542).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ويقول: أُبَيْنيَّ»... أي: يا بَنيَّ «لا ترموا الجمرة» أي: جمرة العقبة «حتى تطلع الشمس». شرح سنن أبي داود (9/ 27).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«أُبَيْنيَّ» بضم الهمز وفتح الباء، وبعده ياء ساكنة، وبعد الياء نون مكسورة، وبعد النون ياء مشددة، قال سيبويه: هو تصغير "أَبْنَى" بالقصر بوزن سلمى، وهو اسم مفرد اللفظ مجموع المعنى، قوله: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» يعني: بعث رسول الله -عليه السلام- صبيان أهله ونساءهم قبل الصبح ليلة العيد إلى منى، وقال: لا ترموا جمرة العقبة في هذا اليوم -أي: يوم العيد- إلا بعد طلوع الشمس، وهذا هو الأفضل، فإنْ رمى أحد جمرة العقبة بعد نصف ليلة العيد جاز عند الشافعي.
ولا يجوز عند أبي حنيفة ومالك وأحمد قبل الصبح، ويجوز بعد الصبح بالاتفاق.
هذا بحث رمي جمرة العقبة يوم العيد، وأما الرمي في أيام منى: فلا يجوز إلا بعد زوال الشمس. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 310- 311).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» يدل على أن الرمي قبل طلوع الشمس بعد نصف الليل لا يجوز، وبه قلنا (الحنفية) ومالك وأحمد. شرح المصابيح (3/ 297).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا ترموا الجمرة» أي: جمرة العقبة يوم العيد «حتى تطلع الشمس» وهو دليل على عدم جواز الرمي في الليل، وعليه أبو حنيفة -رحمه الله- والأكثرون، خلافًا للشافعي، والتقييد بطلوع الشمس؛ لأن الرمي حينئذٍ سُنة، وما قبله بعد طلوع الفجر جائز اتفاقًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1811).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا ترموا الجمرة» أي: جمرة العقبة «حتى تطلع الشمس» واستَدل بهذا الحديث مَن قال: إن وقت رمي جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس، وأهل العلم لم يروا بأسًا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إلى منى؛ لأن مفاد تقديمهم أن يرموا قبل طلوع الشمس، وإلا فكل الناس يرمون بعد طلوع الشمس. مرشد ذوي الحجا والحاجة(17/ 434).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس» فيه دليل على أنّ وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد طلوع الشمس، وإن كان الرامي ممن أبيح له التقدم إلى منى، وأُذن له في عدم المبيت بالمزدلفة، لكن الأرجح أن هذا محمول على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخرى الآتية قريبًا التي تبيح الرمي قبله، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم. ذخيرة العقبى(26/ 43).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، لم يروا بأسًا أن يتقدم الضعفة من المزدلفة بليل يصيرون إلى منى، وقال أكثر أهل العلم بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنهم لا يرمون حتى تطلع الشمس، ورخص بعض أهل العلم في أن يرموا بليل، والعمل على حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم لا يرمون، وهو قول الثوري والشافعي. سنن الترمذي (3/ 231).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا رخصة رخصها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لضعفة أهله؛ لئلا تصيبهم الحَطْمة (الزحمة)، وليس ذلك لغيرهم من الأقوياء، وعلى الناس عامة أن يبيتوا بالمزدلفة، وأن يقفوا بها حتى يدفعوا مع الإمام قبل أن تطلع الشمس من الغد.
وفيه: بيان أن الجمرة لا ترمى إلا بعد طلوع الشمس، وهذا في رمي الجمرة يوم النحر، فأما في سائر الأيام فإنه لا يرميها حتى تزول الشمس. معالم السنن (2/ 205).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في اختلاف أهل العلم في أول وقت الرمي:
اعلم أنهم اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة للضعفة وغيرهم، مع إجماعهم على أن مَن رماها بعد طلوع الشمس أجزأه؛ فذهبت أسماء بنت أبي بكر وعكرمة وخالد وطاوس والشعبي وعطاء والشافعي وأحمد إلى أن أول الوقت الذي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، واستُدل لهم بما أخرجه النسائي بإسناد حسن عن عطاء بن أبي رباح، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر إحدى نسائه أن تنفر من جَمْع ليلة جَمْع، فتأتي جمرة العقبة، فترميها، وتصبح في منزلها»، وكان عطاء يفعله حتى مات.
وبما أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون عندها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»، ويعتضد بما رواه الخلال من طريق سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتني أم سلمة، قالت: «قدَّمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمَن قدَّم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميتُ بليل، ثم مضيتُ إلى مكة، فصليتُ بها الصبح، ثم رجعتُ إلى منى» كذا ذكره ابن القيم -رحمه الله-.
وذهب جماعة إلى أن أول وقته بعد طلوع الفجر، وأول الوقت المستحب بعد طلوع الشمس، وما بعد الزوال إلى الغروب وقت الجواز بلا إساءة، فإن رمى قبل طلوع الشمس، وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، واستُدل لهم بما رواه الطحاوي بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأمر نساءه وثَقَلَه صبيحة جَمْع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا إلا مصبحين» وفي رواية: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثه في الثَّقَل (ما يثقل من الأمتعة) وقال: لا ترموا الجمار حتى تصبحوا».
وذهب النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور إلى أن أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس، فلا يجوز رميها عندهم إلا بعد طلوع الشمس، واستدلوا بما أخرجه النسائي وغيره عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرات، يلطح أفخاذنا، ويقول: «أُبيني لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس»، وفي رواية: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدَّم أهله، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس» قالوا: إذا كان مَن رخص له مُنع أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمَن لم يرخص له أولى.
وذهب بعضهم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر، ولغيرهم من بعد طلوع الشمس، وهو اختيار ابن القيم.
واستدل لذلك بما تقدم عن أسماء -رضي الله عنها- أنها رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، وقالت: «إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذن في ذلك للظُّعُن (النساء)» والحديث في الصحيحين.
فهذا صريح في أنها رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغَلَسٍ، وقد صرحت بأنه -صلى الله عليه وسلم- أذن في ذلك للظُّعُن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور.
واستدل لذلك أيضًا بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عند الشيخين: «أنه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يرجعون (إلى منى، وعند مسلم: يدفعون) قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم مَن يقدم لصلاة الفجر، ومنهم مَن يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة»، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: «أَرْخَصَ في أولئك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-».
وقال ابن المنذر: السُّنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر؛ لأن فاعله مخالف للسُّنة، ومَن رمى حينئذٍ فلا إعادة عليه؛ إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. انتهى.
عندي الأرجح ما ذهب إليه الأولون من جواز الرمي قبل طلوع الشمس لأصحاب الأعذار، ويحمل حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- المذكور آنفًا على الاستحباب؛ جمعًا بينه وبين أحاديث أسماء وعائشة وابن عمر -رضي الله عنهم- المتقدمة، فالمستحبّ أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، ولو رمى قبله أجزأه؛ لهذه الأحاديث، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (23/ 625- 627).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
(فيه) دليل على أنَّ السُّنة للإمام أن يقدم الضعفة من الصبيان وغيرهم؛ ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما هم في أنفسهم فلا يُستحب أن يتقدموا إلا أن يؤمروا.
وفيه: دليل لمالك وأبي حنيفة أنّ الرمي يؤخَّر إلى وقت طلوع الفجر، وحمله أصحابنا (الشافعية) على وقت الفضيلة. شرح سنن أبي داود (9/ 27).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا الحديث يدل على أن الرمي يكون بعد طلوع الشمس وأنه لا يكون قبلها.
وبعض أهل العلم تكلم في هذا الحديث من جهة إسناده، وقالوا: إن (الحسن) العُرَني لم يسمع من ابن عباس، وحديثه عنه مرسل، ولكنه جاء من طرق أخرى، وأيضًا لا تَسْلم من مقال، ولكن قد صححه بعض أهل العلم.
وجاء عن بعض الذين قدمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم رموا قبل طلوع الفجر، فهذا يدل على أن الرمي جائز في آخر الليل إذا انصرفوا، ولكن كون الرمي يكون بعد طلوع الشمس هو الأولى والأفضل...، أما كون الأقوياء الذين ذهبوا مع محارمهم يرمون بعد طلوع الشمس والضعفة يجوز لهم الرمي قبل طلوع الفجر فلا وجه للتفرقة، وأنه لا بأس بأن يرمي الأقوياء مع الضعفاء قبل الفجر، لكن الأولى ألا يرمون إلا بعد طلوع الشمس، وإذا رموا قبل ذلك فقد صح رميهم. شرح سنن أبي داود (226/ 26).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أنَّ مَن رُخِّص له أنْ يدفع من مزدلفة في آخر الليل له أنْ يبدأ بالجمرة -جمرة العقبة- فيرميها حين وصوله؛ وأما ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من النهي عن هذا في قوله: «أُبَيْنِيَّ لا ترموا حتى تطلع الشمس» فقد ضعَّفه كثير من أهل العلم -رحمهم الله-، وإنْ صح فإنه يُحمل على الاستحباب لا على الوجوب، وإلا فكل من جاز له الدفع من مزدلفة جاز له الرمي، وإلا لما استفاد شيئًا، فكيف يرخّص له أنْ يدع نسكًا من المناسك التي نص القرآن عليها، ويبقى في منى ساكنًا حتى طلوع الشمس؟ مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (24/ 543-544).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- يدل على أن مَن دفع من مزدلفة بليل فإنه لا يرمي جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، ولكن الحديث منكر؛ لما تقدم (أي: من قوله: وقد ضعف الإمام البخاري هذا الحديث، ووصفه بالاضطراب) فلا يحتج به على ذلك، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري أن للحديث طرقًا يقوي بعضها بعضًا، وأنه صححه الترمذي وابن حبان، وقال: إنه حديث حسن، مع أنه هنا (في البلوغ) وصفه بالانقطاع مضعِّفًا له، والصواب: أن الحديث لا يصحّ، ولو فُرض أنه صحيح لكان محمولًا على الأفضلية والندب، وعلى هذا فالصواب أن مَن دفع من مزدلفة بعد مغيب القمر من الضعفة والنساء والأطفال أنه يرمي ولو قبل الصبح، لأمور ثلاثة:
الأول: أنه ورد في السُّنة ما يدل على ذلك، ففي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم مَن يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم مَن يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة» وكان ابن عمر يقول: «أَرْخَصَ في أولئك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-».
وعن عبد الله بن كيسان مولى أسماء -رضي الله عنها- قال: قالت لي أسماء وهي عند دار المزدلفة (أي: نازلة عند الدار المبنية في مزدلفة وهي مشهورة في ذلك الزمن): «هل غاب القمر؟ قلتُ: لا، فصلَّت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلتُ: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلتُ: نعم، قالت: ارحل بي، فارتحلنا حتى رمت الجمرة، ثم صلت في منزلها، فقلتُ لها: يا هنتاه، ما أُرَانا إلا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذن للظُّعُن».
الثاني: أنه لو كان رمي هؤلاء لا يجوز قبل الصبح لبيَّنه النبي -صلى الله عليه وسلم- للأمَّة بيانًا عامًّا؛ لأن هذا الوقت وقت البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلما لم يقع شيء من ذلك عُلم الجواز، وهو ما فهم عبد الله بن عمر وأسماء -رضي الله عنهما-.
الثالث: أن تأخير رميهم إلى ما بعد طلوع الشمس مخالف لمقتضى الرفق بهم، والحرص على سلامتهم قبل حطمة الناس، والترخيص لهم في الرمي قبل الناس أهم من مجرد انصرافهم من مزدلفة بلا رمي؛ لأن المشقة في الرمي أعظم من مشقتهم في الانصراف. منحة العلام(5/ 304).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله- أيضًا:
الذي يظهر أنَّ الحديث فيه اضطراب، كما قال البخاري، وفيه شذوذ أيضًا؛ لأنَّ حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في الصحيحين، وليس فيه نهيهم عن الرمي حتى تطلع الشمس؛ ولذا قال البخاري: "إنَّ الأحاديث في الرمي قبل طلوع الشمس -يعني للضعفة- أكثر وأصح" يعني: من حديث ابن عباس هذا. منحة العلام (ص: 233).
وسئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- عن القوي الذي دفع مع أهله قبل الفجر هل حكمه حكمهم؟
فأجاب -رحمه الله-:
إذا دفع الضعفاء من مزدلفة قبل الفجر ومعهم مَحْرَمهم فإن حكمه حكمهم يرمي معهم؛ لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، وأما حديث ابن عباس: «أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- بعثه في ضعفة أهله، وجعل يلطح أفخاذهم ويقول: أُبَيْنيَّ لا ترموا حتى تطلع الشمس» فهذا منقطع، الحديث ليس صحيحًا.
أنا عندي أنّ الوقت الحاضر كل الناس يصبحون بحكم مَن لهم مشقة عظيمة، فلو رُخص للناس على سبيل الإطلاق، وقيل: مَن شاء دفع قبل الفجر مطلقًا، كما يقول الفقهاء -رحمهم الله-: إنه يجوز الدفع قبل الفجر ولو بلا عذر لكان هذا القول متوجهًا؛ لأننا في الوقت الحاضر كلما وجدنا فرصة لإفتاء الناس بما هو أسهل فهو أحسن. لقاء الباب المفتوح (90/ 21).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ولكنه (الرمي) لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعًا. نيل الأوطار (5/ 79).