«أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كانَ إذا اسْتَوَتْ به راحلتُهُ قائمةً عندَ مسجدِ ذي الحُليفةِ أَهلَّ، فقالَ: «لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شَرِيكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ، لكَ والمُلكَ، لا شرِيكَ لكَ» قالوا: وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ -رضي الله عنهما- يقولُ: هذه تلبيةُ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، قال نافِعٌ: كان عبدُ اللهِ -رضي الله عنه يزيدُ مع هذا: «لبَّيكَ لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ بيديْكَ، لبَّيكَ والرَّغْبَاءُ إليكَ والعملُ».
رواه مسلم برقم: (1184)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لمسلم: «إن تلبية رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ...».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لبّيك»:
التلبية: قول القائل: لبيك، واشتقاقها من قولهم: أَلَبَّ بالمكان: إذا لزمه، ولم يفارقه، فإذا قال: لبيك فمعناه: لزومًا لطاعتك بعد لزوم، وإجابة بعد إجابة. الاقتضاب، لليفرني (1/ 369-371).
وقال الوقشي -رحمه الله-:
يُقال: أَلَبَّ بالمكان: إذا لزِمه، ومعنى: «لبيك»: لزومًا لطاعتك بعد لزوم. التعليق على الموطأ (1/ 362).
«والرَّغباء»:
يروى بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر، ونظيرها العُلْيَا والعَلْيَاء والنُّعْمى والنَّعْمَاءُ. المعلم بفوائد مسلم، للمازري (2/ 72).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
بضم الراء والقصر، وبفتح الراء والمد لغتان- بمعنى الرَّغبة: رغبتَ إليه وفيه أَرغب رغبة ورغبًا إذا طلبتَ منه وسألتَه، ورغبتَ عن الشيء إذا لم تُرده. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 428).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ إذا اسْتَوَتْ به راحلتُهُ قائمةً»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا استوت به» أي: رفَعَته، فالباء للتعدية «راحلته» أي: ناقته، حالة كونها «قائمة» للسير والذهاب. الكوكب الوهاج (13/ 281).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «إذا استوت به راحلته» أي: رفَعَته مستويًا على ظهرها. منة المنعم (2/ 219).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الراحلة: المرْكَب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة الناقة التي تصلح أنْ تُرحَل، وجمعها: رواحل، وأَرْحَلْتُ فلانًا بالألف: أعطيتُه راحلة. المصباح المنير (1/ 222).
قوله: «عندَ مسجدِ ذي الحُلَيْفَةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «عند مسجد ذي الحُلَيْفَة» ظرف متعلِّق بـ«استوت». الكوكب الوهاج (13/ 281).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«مسجد ذي الحُلَيفة» أراد بالمسجد مُصلّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وليس المراد أنَّ هناك مسجدًا بُني قبل ذلك. بذل المجهود (7/ 91).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ذو الحُلَيفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة، وتُسمَّى أيضًا: الشجرة، وكان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- ينزل بها حين يعتمر، وحين حج حجة الوداع، وقد اعتمر منها مرتين: عمرة الحديبية، وعمرة القضية.
وقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا («أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينزل بذي الحُليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سَمُرة في موضع المسجد الذي بذي الحُليفة...») أنَّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان ينزل بها تحت سَمُرَةٍ في موضع المسجد الذي بني بها، وهذا يدل على أنَّ المسجد لم يكن حينئذٍ مبنيًّا، إنما بني بعد ذلك في مكان منزل النبي -صلى الله عليه وسلم- منها، وكان النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- يُحْرم منها، وكان يصلي بها في موضع المسجد.
وقد روي أنه صلى في المسجد، ولعل المراد في بقعته وأرضه، قبل أنْ يُجعل مسجدًا، حتى يجمع بذلك بين الحديثين. فتح الباري (3/ 430-431).
قوله: «أَهَلَّ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «أهلَّ» جواب «إذا» أي: رفع صوته بالتلبية، ونوى أحد النُّسُكين، أو بهما. الكوكب الوهاج (13/ 282).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «أهلَّ» المراد أنَّه بدأ بالإهلال عند المسجد، وقد اختلفت الروايات عن الصحابة في مبدأ إهلاله -صلى الله عليه وسلم-، فمنها ما يدل على أنَّه أهلَّ في دُبر الصلاة في مسجد ذي الحُلَيْفة، ومنها ما يدل على أنه أهلَّ حين استوت به ناقته قائمة خارج مسجد ذي الحُلَيفة عند الشجرة -كما في هذه الرواية-، ومنها ما يدل على أنه أهلَّ حين استوت به ناقته على البيداء -أي بعدما علا على شَرَف البيداء-، والبيداء هي الشَّرَف (المرتفع) الذي قُدَّام ذي الحُلَيفة إلى جهة مكة، فوق علَمَين كانا لذي الحُلَيْفة، لمن صعد من الوادي، وكانت في أول البيداء بئر ماء، وهذه الروايات كلها صحيحة، وجُمِعَ بينها: بأنَّ الناس كانوا يأتون أرسالًا جماعة بعد أخرى، فرأى قوم شروعه -صلى الله عليه وسلم- في الإهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحُلَيفة، فنقلوا عنه أنه أهلَّ بذلك المكان، ثم أهلَّ لما استقلَّت به راحلته، فسمعه آخرون فظنوا أنه شَرَع في الإهلال في ذلك الوقت؛ لأنهم لم يسمعوا إهلاله بالمسجد، فقالوا: إنما أهلَّ لما استقلَّت به راحلته، ثم روى كذلك مَن سمعه يهلُّ على شَرَف البيداء، وقد روي هذا الجمع عن ابن عباس، وبه قال المحققون. منة المنعم (2/ 219).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
قد حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي إملاءً...، عن سعيد بن جبير، قال لي: قيل لابن عباس: كيف اختلف الناس في إهلال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالت طائفة: أهلَّ في مُصلاه، وقالت طائفة: حين استوت به راحلته، وقالت طائفة: حين علا على البيداء؟ فقال: سأخبركم عن ذلك: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل في مصلاه، فشهده قومٌ، فأخبروا بذلك، فلما استوت به راحلته أهلَّ، فشهده قوم لم يشهدوه في المرة الأولى، فقالوا: أهلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الساعة، فأخبروا بذلك، فلما علا البيداء أهلَّ، فشهده قوم لم يشهدوه في المرتين الأوليين، فقالوا: أهلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الساعة، فأخبروا بذلك، وإنَّما كان إهلال النبي -صلى الله عليه وسلم- في مصلاه.
فكان الذي في هذا الحديث قد أنبأنا عن المواضع التي منها جاء الاختلاف في إهلال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحج أين كان؟ وأنَّ إهلاله الذي دخل به في الحج إنما كان في دبر الصلاة التي صلاها للإحرام، وأنَّ ما سواه من إهلاله للحج بعد ذلك إنما كان بعد دخوله في الحج بإهلاله المتقدِّم في دُبر الصلاة، واكتفينا بهذا الحديث عن ذكر ما قد روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه لبَّى بحجِّه حين استوت به راحلته، وما روي عنه أنه لبَّى به -صلى الله عليه وسلم- حين انبعثت به راحلته، وهكذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (ابن الحسن) يستحبون لمن أراد التلبية بالحج أنْ يكون يلبي بها في مصلاه الذي يصلي فيه الصلاة للإحرام، حدثنا بذلك من قولهم سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد، ولم يحكِ فيه خلافًا بينه وبين أحد من أصحابه، وكان عبد الله بن عباس لَمَّا علم بعدم إحرام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الوقت الذي عَلِمَ غيره إحرامه فيه أولى؛ لأنَّ مَن علم شيئًا أولى به ممن لم يعلمه. أحكام القرآن (2/ 30-31).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال قومٌ: إنه أهلَّ من مسجد ذي الحُليفة، وقال آخرون: لم يهلّ إلا بعد أنْ استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد، روي ذلك عن ابن عمر أيضًا وعن أنس وابن عباس وجابر وقد سلفت.
وقال آخرون: بل أحرم حين أظل البيداء...
فينبغي لمريد الإحرام بعد الاغتسال له أنْ يصلي ركعتين، ثم يحرم في دبرهما، كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو قول جمهور العلماء، لكن الأظهر في مذهبنا (الشافعي) أنه حين انبعاث دابته، أو توجُّهه إذا كان ماشيًا، ونقله ابن العربي عن مالك والشافعي وأكثر الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: يهلُّ عند السلام، وعند الحسن يصليهما بعد صلاة فرض، وكان ابن عمر يحرم في دبر صلاة مكتوبة، وهو قول ابن عباس، واستحب ذَلِكَ عطاء والثوري وطاوس والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
واستحب مالك أن يكون بإثر صلاة نافلة؛ لأنه زيادة خير...
قال ابن المنذر: وإنْ أحرم من غير صلاة تتقدَّم إحرامه أجزأه؛ لأمر الشارع أسماء بنت عميس وهي نفساء بالاغتسال والإحرام، وهي غير طاهر، ومحال أنْ تصلي في تلك الحال...
قال ابن التين: وأصح هذِه الروايات ما وافق رواية ابن عمر أنه لم تختلف روايته في ذلك، وهو أحفظ الناس للمناسك وابن عباس صغير في حجة الوداع؛ لأنه اختلفت روايته في هذا الحكم، ولم تختلف رواية ابن عمر؛ ولأن حديثه لم يختلف في صحته، وحديث ابن عباس فيه ابن إسحاق وخَصِيف.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا استوت به راحلته أحرم، وهو ممن يقتفي آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يخالف ما رواه. التوضيح (11/ 114-119).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: حديث ابن عباس هذا في طريقه خَصِيف، وهو ضعيف، وحديث أبي داود الأنصاريّ المازنيّ من طريقه قوم غير مشهورين.
والأحاديث الدّالّة على إحرامه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد ما استقلّت به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متّفق على صحّتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر وأنس وعائشة -رضي اللَّه عنهم-، وهو أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهلّ من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رِجله في الغَرْز، واستقلّت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقب الركوب، ولا في مصلاّه، ولو صحّ حديث ابن عبّاس وأبي داود (الأنصاري) لوجب تقديم العمل به على حديث ابن عمر؛ لما فيه من الزيادة، لكن لَمّا كان حديث ابن عمر متّفقًا على صحّته، ولم يصحّ حديثهما وجب المصير إليه دونهما، ولَمّا كان في حديث ابن عمر زيادة على حديث مَن سواه ممن اتّفق على صحّة روايته، وهي كون الإهلال من عند المسجد، فيكون ذلك قبل الاستواء على البيداء، وجب العمل به، ويكون من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه حالتئذٍ يلبّي، فظنّ أنَّ ذلك أوّل إهلاله.
ويمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر على حديث ابن عبّاس، ويكون قوله: «في مصلاّه» زيادة من الراوي، ليس من قول ابن عبّاس، ويصدق على مَن أحرم من عند المسجد عند استقلال ناقته به أنه لَمّا فرغ من ركعتيه أهلّ، ولا يلزم من ذلك التعقيب، وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله، واللَّه أعلم، انتهى كلام ابن حزم.
(و) هذا الذي قاله ابن حزم حَسنٌ جدًّا.
وحاصله: أنَّ الإحرام يكون عند الركوب، حين يُدخل رِجله في الغَرْز؛ لحديث ابن عمر -رضي اللَّه تعالى عنهما-؛ إذ فيه زيادة على غيره، كما قال ابن حزم، ولو صحّ حديث ابن عباس -رضي اللَّه تعالى عنهما- لكان هو المقدّم؛ لأن فيه زيادة على حديث ابن عمر؛ لأنه عقب الصلاة وهو جالس؛ إلا أنَّ في سنده خَصِيف بن عبد الرحمن الجزريّ، وهو متكلّم فيه، ولا سيّما فيما خالف فيه الثقات.
وأما تصحيح الحاكم له على شرط مسلم، وموافقة الذهبيّ له، وكذا تحسين الترمذي على ما نقله الزيلعيّ عنه، وإن كانت النُّسخ الموجودة ليس فيها التحسين، وإنما قال: هذا حديثٌ غريبٌ، فكلّ هذا لا يخفى ما فيه من التساهل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (24/23- 24).
وقال البيهقي -رحمه الله- بعد أنْ ذَكَرَ حديث ابن عباس:
قال سعيد (ابن جبير راوي الحديث عن ابن عباس): فمَن أَخَذَ بقول ابن عباس أهلَّ في مُصلاه إذا فرغ من ركعتيه.
قال أحمد: هذا جَمْعٌ حَسَنٌ، إلا أنَّ خَصِيفًا الجزري ليس بالقوي عند أهل العلم بالحديث.
وقد رواه الواقدي بإسناد له عن ابن عباس، إلا أنَّ الواقدي ضعيف، فإنْ صح ذلك استحببنا أنْ يكون إهلاله في مجلسه بعد الفراغ من الصلاة. معرفة السنن والآثار (7/ 121).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث (حديث ابن عباس في الجمع بين الروايات) لولا ما قيل في سنده لكان وجهه ظاهرًا؛ لأنه يجمع بين الروايات.
ولكن نحن جربنا فائدة كونه لا يلبي إلا إذا ركب؛ لأنه أحيانًا يتذكر الإنسان شيئًا كطيب أو شبهه، فإذا قُلنا: أحْرِم بعد الصلاة لم يتمكن من استعمال الطيب بعد الإحرام، لكن إذا قلنا: لا تلبِّ ولا تُحْرِم إلا بعد الركوب حصل في ذلك فُسحة، إلا إذا صح حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، فإنه يبدأ بالتلبية عقب الصلاة. الشرح الممتع (7/ 103).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ولكن الحديث بإهلاله بعد ما استوت به ناقته أشهر وأصح، وفي حديث سعد بن أبي وقاص: «كان -عليه السلام- إذا أخذ طريق الفرع أهلَّ إذا استوت به راحلته، وإذا أخذ طريق أُحدٍ أهلَّ إذا علا شَرَف البيداء»، والبيداء كلها مُهَلٌّ، لكن الأفضل من حيث أهلَّ -عليه السلام-. إكمال المعلم (4/ 181).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنَّما الخلاف في الأفضل. فتح الباري (3/ 401).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
إنَّما أهلَّ عقيب صلاة الظهر في موضع مصلاه، ثم ركب ناقته، واستوت به على البيداء، وهو يهلُّ، وهذا يقينًا كان بعد صلاة الظهر، والله أعلم. زاد المعاد (2/ 278).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وبما جاء في هذا الحديث أخذ مالك، وأكثر العلماء أنْ يهلَّ إذا استوت به إنْ كان راكبًا، ويتوجه بإثر ذلك، وإنْ كان راجلًا فحين يأخذ في المشي، وقال الشافعي في الراكب كذلك، وقال أبو حنيفة: إذا سَلّم من الصلاة أهل على ما جاء في ذلك في حديث ابن عباس: أنه أحرم من المسجد بعد أنْ صلى فيه، وأوجبه في مجلسه. إكمال المعلم (4/ 180).
وقال النووي -رحمه الله-:
«كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل» وفي رواية: «حين قام به بعيره» وفي رواية: «يهل حتى تستوي به راحلته قائمة» هذه الروايات كلها متفقة في المعنى، وانبعاثها هو استواؤها قائمة، وفيها دليل لمالك والشافعي والجمهور أنَّ الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته، وقال أبو حنيفة: يُحرم عقب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، وهو قول ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس، لكنه ضعيف. المنهاج شرح صحيح مسلم (4/ 236).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
وهذا الحديث («بيداؤكم هذه...») يجمع بين رواية ابن عمر الأولى، وهذه الروايات عنه، وهو أنَّ الإحرام كان من عند المسجد، ولكن بعدما ركب راحلته، واستوت به على البيداء -يعني الأرض-؛ وذلك قبل أنْ يصل إلى المكان المعروف بالبيداء. البداية والنهاية (7/ 436).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
كان يهلُّ إذا ركب، فيتهيأ في الأرض، ويلبس، ثم إذا استوى وركب أهلَّ، ورواية: أهلَّ في مُصلاه، ثم عند ركوبه، ثم على البيداء، ضعيفة. الحلل الإبريزية (2/ 483).
قوله: « لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيكَ، لبَّيْكَ لا شرِيك لك لبَّيكَ...»
ينظر صفة تلبية النبي صلى الله عليه وسلم (هنا)
قوله: «قالوا: وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ -رضي الله عنهما- يقولُ: هذه تلبيةُ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يقول هذه» التلبية المذكورة التي ذكرتها لكم آنفًا (وهي «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»)، «تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: صيغتها عند إحرامه. الكوكب الوهاج (13/ 282).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ظاهره: التي كان يواظب عليها ويقولها؛ فلهذا استحب العلماء المجيء بها بلفظها، ثم يقول بعد أمر الذكر والدعاء والثناء ما شاء. إكمال المعلم (4/ 176).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» يريد التي كان يواظب عليها؛ ولولا ذلك ما اختصت بالنسبة إليه؛ وذلك منه -عليه السلام- على معنى الاختيار، لا على معنى الوجوب؛ ولذلك زاد فيها في رواية ابن عمر، ونقص هذا في رواية عائشة. شرح سنن أبي داود (8/ 384).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لا شك في أنَّ الأحسن في لفظ التلبية: تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتجوز الزيادة عليها، كما زاد ابن عمر، ولو لبَّى ملبٍّ بغير تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يُنكر عليه، وقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلبي منهم الملبي فلا ينكر عليه، ويهلُّ الْمُهِلُّ، فلا ينكر عليه، على ما يأتي في حديث جابر. المفهم (3/ 269).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال الشافعي وأصحابنا: يُستحب ألا يُزاد عليها، بل يكررها ثلاثًا نسقًا. التوضيح (11/ 157).
قوله: «قال نافِعٌ: كان عبدُ اللهِ -رضي الله عنه يَزيدُ مع هذا: «لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وسعديك»:
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «وسعديك» أي: أسْعِدْنِي على طاعتك إسعادًا بعد إسعاد، فهو على هذا مصدر مضاف إلى فاعله، ويحتمل أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول.
والمعنى: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد، وقيل المعنى: مساعدة على طاعتك بعد مساعدة، أو أطيعك إطاعة بعد إطاعة... ولا يذكر «سعديك» إلا بعد «لبيك»، فيكون له توكيدًا لفظيًّا بالمرادف. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (17/ 120).
قوله: «وَالْخَيْرُ بيديك، لَبَّيْكَ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «والخير بيديك» أي: الخير كله بيد الله. إكمال المعلم (4/ 178).
قال الباجي -رحمه الله-:
وقوله: «والخير بيديك» يقتضي أن جميع الخير بيديه؛ لأن الألف واللام لاستغراق الجنس، فكأنّ الملبي يلبي ربه وهو يعتقد أن جميع الخير بيديه. المنتقى شرح الموطأ (2/ 207).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وقوله: «والخير في يديك» يريد خير الدنيا والآخرة ليس بشيء منه في يد غيرك، وفي بعض الروايات: «بيديك» والباء فيه بمعنى في، أو هي للإلصاق أي: أنه ملتصق بيديك، أو للتسبب إلى الخير مفعول بيديك. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 428).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«والخير كله بيديك» أي: الكل عندك كالشيء الموثوق به المقبوض عليه، يجري مجرى قضائك وقدرك، لا يُدْرَك من غيرك ما لم تسبق به كلمتك، والشر لا يُتقرب به إليك، أو لا يُضاف إليك بل إلى ما اقترفته أيدي الناس من المعاصي، أو ليس إليك قضاؤه، فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر، بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة، فالمقتضي بالذات هو الخير، والشر داخل تحت القضاء. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 989).
قوله: «والرغباءُ إليكَ والعملُ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
«والرغباء لك» إذا فتح الراء مدّ وإذا ضمها قصر، وكأنه قال: إن المرغوب إليه هو الله تعالى والمقصود بالعمل. المنتقى شرح الموطأ (2/ 207).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
يريد بقوله: «والرغباء إليك» أنه لما قدم في أول الحديث ذكر التلبية، التي هي دالة على الانقياد والطاعة، وقرر ثبوت النعمة له، واستحقاق الحمد عليها، وعمَّم بإثبات الْمُلك له، قال: والطلب منك فالسؤال لك؛ لأن مَن كانت هذه الأشياء له تخصصت الرغبة إليه وتحقق العمل له. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 428).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والرغباء إليك» بفتح الراء والمد وبضمها مع القصر كالعلاء والعلا، وبالفتح مع القصر ومعناه: الطلب والمسألة يعني: أنه تعالى هو المطلوب المسئول منه فبيده جميع الأمور، «والعمل» له -سبحانه-؛ لأنه المستحق للعبادة وحده. الكوكب الوهاج (13/ 280).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وقوله: «والعمل» فيه حذف، ويحتمل أن نقدِّره كالأول أي: والعمل إليك، أي: إليك القصد به، والانتهاء به إليك لتجازي عليه، ويحتمل أن يقدر: «والعمل لك». إحكام الأحكام (2/ 54).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
ويعني بـ«العمل» أعمال الطاعات أي: لا نعمل إلا لله وحده. المفهم (3/ 267).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان كيفية التلبية.
2. ومنها: أنَّ فيه دلالة على أنَّ مشروعيَّة الحجِّ لإظهار الفاقة، والتضرع إلى اللَّه تعالى، والابتهال والثناء والتوحيد والتمجيد. البحر المحيط الثجاج(22/ 148).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)