«إذا ماتَ صاحِبُكُم فدعُوهُ، ولا تَقَعُوا فيهِ».
رواه أبو داود برقم: (4899) واللفظ له، والترمذي برقم: (3895)، وابن حبان برقم: (3018)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم: (8344)، والدارمي برقم: (2306) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (794)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (285).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فدعُوهُ»:
أي: اتركوه من الكلام فيه بما يؤذيه لو كان حيًّا. التيسير، للمناوي (1/ 129).
وقال الفتني -رحمه الله-:
عَنِيَ بقوله: «فدعُوهُ» أنْ يتركوا التَّحسُّر والتَّلهُّف عليه. مجمع بحار الأنوار (5/ 33).
«لا تَقَعُوا»:
أي: لا تتكلموا فيه بسوء، فإنه قد أفضى إلى ما قدَّم. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (18/ 643).
ووقع في الناس من الوقيعة: إذا عابهم واغتابهم. المغرب، للمطرزي (ص: 492).
وأظهر الوقيعة فيه: إذا عابه. تهذيب اللغة، الأزهري (3/ 24).
شرح الحديث
قوله: «إذا مات صاحبكم فدعوه»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«إذا مات صاحبكم» أي: من أهل الإيمان، ويحتمل الأعمُّ من ذلك، فإن الكافر يُسمَّى للمؤمن صاحبًا: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ} الكهف: 37، {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} التكوير: 22، والمخاطب الكُفَّار. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 210).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا مات صاحبكم» المؤمن الذي كنتم تجتمعون به، ودفنتموه «فدعُوهُ» من الكلام فيه. شرح سنن أبي داود (18/ 643- 645).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إذا مات صاحبكم» أي: المؤمن، الذي كنتم تصاحبونه لقرابة، أو صهارة، أو جوار، أو صدقة، أو نحوها. فيض القدير (1/ 439).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
«فدعوه» يعني: لا تذكروه إلا بخير. صحيح ابن حبان (1/ 445) .
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
تبيّن لنا من قوله: «وأنا خيركم لأهله» أنه عنى بقوله ذلك نفسه، وعنى بقوله: «فدعُوهُ» أي: دعوا التَّلهُّف عليه والتَّحسُّر، ففي الله خلف عن كُلِّ فائت، فكأنه لَمَّا قال: «وأنا خيركم لأهله» ووجه تلك الكلمة مدعاة لفرط الأسف، ومجلبة للهمِّ المتلف، خفَّف عنهم أعباءها بقوله: «وإذا مات صاحبكم فدعُوهُ» الميسر (3/ 769).
قال البيضاوي -رحمه الله-:
قيل: أراد بـالصَّاحب: نفسه، وعنى بقوله: «فدعُوهُ» أن يترك التَّحسُّر والتَّلهُّف عليه، فإن في الله خلفًا عن كُلِّ فائت، وكأنه لَمَّا قال: «وأنا خيركم لأهلي» دعاهم إلى التَّأسُّف بفقده، فأزاح ذلك، وخفَّف عنهم بهذا الكلام.
وقيل: معناه: إذا متُّ فدعوني، ولا تؤذوني بإيذاء عِترتي، وأهل بيتي. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 377).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «إذا مات صاحبكم فدعُوهُ» يعني: ليحسن كُلُّ واحد منكم على أهله، فإذا مات واحد منكم فاتركوه؛ أي: فاتركوا ذكر مساوئه؛ يعني: لا تذكروه بعد الموت بأخلاقه المذمومة، وأفعاله القبيحة؛ فإن ترك ذكر مساوئه، والعفو عنه من حُسن أخلاقكم.
ويحتمل: أن يكون معناه: فاتركوا محبَّته بعد الموت، ولا تعلِّقوا قلوبكم بأن تجلسوا على مُصيبته، والبكاء عليه. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 87).
وقال الطيبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
أقولُ: والوجه الأوَّل من قول المظهر أظهر؛ لأن في قوله: «خيركم» دلالةً على حُسن المعاشرة مع الأهل، واحتمال الأذى منهم، والصَّبر على سوء أخلاقهم في الحياة، وإذا مات فكان الأَوْلَى أن تترك الشِّكاية عنه، وعن سوء أخلاقه، فيدَعُهُ وأفعاله، وقد ورد: «واذكروا موتاكم بالخير». وينصر هذا التَّأويل الحديث العاشر من هذا الفصل قوله: «ليس أولئك بخياركم»؛ لأنه نفى عنهم الخيريَّة، حيث لم يصبروا، ولم يحتملوا أَذَاهُنَّ. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2333).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فدعُوهُ» أي: اتركوه، ولا تتعرَّضوا بذكر معايبه، والمراد النَّهي عن غِيبة الموتى. شرح المصابيح (4/ 16).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فدعُوهُ» أي: اتركوا ذكر مساوئه، فإن تركه من محاسن الأخلاق، دلَّهم -صلى الله عليه وسلم- على المجاملة، وحسن المعاملة مع الأحياء والأموات، ويؤيِّده حديث: «اذكروا موتاكم بالخير». وقيل: إذا مات فاتركوا محبَّته، والبكاء عليه، والتَّعلُّق به.
والأحسن أن يقال: فاتركوه إلى رحمة الله تعالى، فإنَّ ما عند الله خير للأبرار، والخير أجمع فيما اختار خالقه. وقيل: أراد به نفسه، أي: دعوا التَّحسُّر والتَّلهُّف عليَّ، فإن في الله خلفًا عن كُلِّ فائت. وقيل: معناه: إذا مُتُّ فدَعُوني، ولا تؤذوني بإيذاء عِترتي وأهل بيتي وصحابتي، وأتباع مِلَّتي. مرقاة المفاتيح (5/ 2125).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «وإذا مات صاحبكم فدعُوهُ» أراد بالصَّاحب نفسه، والمعنى: إذا مضيتُ عنكم فلا يهمنَّكم شأني، واتركوني مشتغلين بطاعاتكم وعباداتكم.
أو المراد كُلُّ صاحب لكم إذا انقضى ومات فدعُوهُ، إن كان خيرًا فلا تشتغلوا بتذكاره، والبكاء عليه، وإن كان شرًّا، فلا تذكروا مساوئه. الكوكب الدري (4/ 454- 455).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
وقيل: أراد غير نفسه، وإشارته إلى ترك مساوئ الميت. سُئل إبليس: هل في الخلق شرٌّ منك؟ قال: نعم، قيل: من هو؟ قال: مَن يذكر الميِّت بالسُّوء؛ لأن الميِّت قد خلص منِّي بالموت، ولم يخلص منه. ويحتمل أنْ يكون المراد: اتركوا محبَّة الميِّت، ولا تربطوا ولا تعلِّقوا قلوبكم؛ لئلا يحملكم على المعصية، والتَّأسُّف...، وقيل: اتركوه ولا تؤذوه بإيذاء أهله وأولاده. الأزهار شرح مصابيح السنة مخطوط لوح (307).
قوله: «ولا تقعوا فيه»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا تقعوا فيه» أي: لا تتكلموا فيه بسوء، فإنه قد أفضى إلى ما قدَّم...
يعني: أن الميِّت إذا ذكرت مساوئه انتشرت مساوئه إلى أولاده وأقاربه؛ فيلحقهم العار بذلك...
فإن قيل: هذِه الأحاديث مصرِّحة بالنَّهي عن سبِّ الأموات، وقد جاء في التَّرخيص في سبِّ الأشرار أشياء كثيرة، منها قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} المسد: 1، وفي الصَّحيح أنهم أثنوا على الجنازة المارة شرًّا ولم ينكر عليهم...
وأجيب: أن النَّهي عن سبِّ الأموات هو في غير المنافقين، وسائر الكُفَّار، وفي غير المظاهر بالفسق والبدعة، فهؤلاء لا يحرم ذكرهم بالشَّرِّ؛ للتَّحذير من طريقتهم.
وأمَّا الذي أثنوا عليه شرًّا فيحمل على أنهم اشتهروا بنفاق ونحوه.
وقيل: النهي فيما بعد الدَّفن، أمَّا قبله فسائغ ليتَّعِظ به الفاسق. شرح سنن أبي داود (18/ 643- 645).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فدعُوهُ لا تقعوا فيه» من الوقيعة، وهي غِيبة الناس كما في القاموس، وقد تكرَّر النَّهي عن سبِّ الأموات، والوقيعة فيهم، وعلَّلَ في الأحاديث بأنه يؤذي الأحياء، وهذا يؤيِّد عموم الصَّاحب، فإنه ورد فيمن سبَّ ميِّتًا كافرًا، وعُلِّل بأنهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا...، وأمَّا ذكر محاسن الأموات فإنه يأتي فيها حديث ابن عمر عند أبي داود وغيره: «اذكروا محاسن موتاكم»، وقد قرَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابنة حاتم لَمَّا ذكرت محاسن أبيها، وعليه عمدة كتب التَّاريخ والقصص والسِّير، وأمَّا كتب الجرح فكأنها خُصِّصت بالإجماع من النَّهي، كأن سند الإجماع التَّحذير من الاغترار بهم، وإبراز قبائحهم؛ لئلا يُغترَّ بهم، فيعمل بروايتهم. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 210).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«ولا تقعوا فيه» أي: لا تتكلموا في عرضه بسوء، فإنه قد أفضى إلى ما قدَّم، وغِيبة الميِّت أفحش من غِيبة الحيِّ وأشدُّ؛ لأن عفو الحيِّ واستحلاله ممكن بخلاف الميِّت. عون المعبود (13/ 165).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ولَمَّا كان التَّرك قد لا يستلزم ترك الوقيعة قال: «ولا تقعوا فيه» أي: لا تتكلموا في عرضه بسوء، ولا تتكلموا بعده بشيء من أخلاقه الذميمة، فإنه قد أفضى إلى ما قدَّم.
وغِيبة الميت أفظع من غِيبة الحي؛ لأنه يرجى استحلاله بخلافه.
وزعم أن المراد: اتركوا محبَّته بعد موته، ولا تقلقوا قلوبكم به بأن تُجْلُوا المصيبة والبكاء عليه، والتَّعزية، بعيد من السِّياق، وقد ورد في عِدَّة أخبار الكفُّ عن مساوئ الأموات مطلقًا، فتخصيص الصَّاحب للاهتمام، وبيان أنه بذلك أحقُّ. زعم بعض شُرَّاح المصابيح: أنه أراد بالصَّاحب نفسه، وعنى بقوله: «فدعوه» أنه لا يُؤذى في عشرته وأهل بيته، وأن مَنْ تكلَّم فيهم بسوء فكأنه وقع فيه، وفيه تَكلُّف. فيض القدير (1/ 439).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
قوله: «وإذا مات صاحبكم فدعوه» يتضمَّنُ النَّهي عن سبِّ الأموات، والتَّعرُّض لهم. والمناسبة بينه وبين ما قبله: الإشارة إلى تعميم الخلق بالخير حتى الأموات. التدوين في أخبار قزوين (3/ 414).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وفي الحديث: النَّهي عن سبِّ الأموات كالأحياء، وهو حرام فيهما، وإنَّما خصَّص الأموات؛ لأنهم في محلِّ أن يرحموا، وليس في محلِّ المؤاخذة؛ لانقطاع حياتهم، وخراب أيديهم، وأيضًا فإن مجازاتهم على أعمالهم لا تزيد بسبِّ الأحياء لهم، فإنه مَنْ يعمل مثقال ذرَّة خيرًا يره، وهذا معنى قوله: «فإنهم أفضوا إلى ما قدموا» أي: من خير وشرٍّ.
ومن أسباب النَّهي أيضًا: أن الأحياء يتأذُّون بذلك كما جاء: «لا تسبُّوا الموتى، فتؤذوا الأحياء»، فيقع الإنسان بسبِّهم في إثمين: إثم لأذى الحيٍّ، وإثم لذِكْر الميِّت بالسَّبِّ والأذى. فتح القريب المجيب (13/ 748).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)