عن عبد اللَّهِ -رضي اللَّه عنه-: «أنَّه انتهى إلى الجَمْرَةِ الكُبرى، جَعَلَ البيتَ عن يسارِهِ، ومِنىً عن يمِينهِ، ورَمى بِسبعٍ، وقال: هكذا رَمى الذي أُنزِلت عليه سورةُ البقرةِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-».
رواه البخاري برقم: (1748) واللفظ له، ومسلم برقم: (1296)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
وفي لفظ لمسلم: «فأتى جمرة العقبة».
وفي لفظ له -أيضًا- برقم: (1296): «قيلَ لعبدِ اللهِ: إنَّ ناسًا يرمون الجمرة مِن فوقِ العقبة، قال: فرماها عبدُ اللهِ مِن بَطْنِ الوادي، ثم قال: مِن ها هنا -والذي لا إلهَ غيره- رمَاها الذي أُنْزِلَتْ عليه سورةُ البقرةِ».
وفي لفظ للبخاري برقم: (1750)، ومسلم برقم: (1296) لهما: «فرمى بسبع حصيات، يكبر مع كُل حصاة».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الجَمْرَة»:
موضع رمي الجمار. مطالع الأنوار، لابن قرقول (2/ 193).
قال القرافي -رحمه الله-:
الجمرة: اسم للحصاة، ومنه: الاستجمار، أي: استعمال الحجارة. الذخيرة (3/ 275).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الجمرة: هي مجتمع الحصى بمنىً، فكل كَوْمَةٍ من الحصى جمرة، والجمع: جمرات، وجمرات منى ثلاث. المصباح المنير (1/ 108).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
سُميت جمار الحج للحصى التي يُرْمَىْ بها، وأما موضع الجمار بمنى فسمي جمرة؛ لأنها تُرْمَىْ بالجمار، وقيل: لأنها مجمع الحصى التي يرمى بها من الجمرة، وهي اجتماع القبيلة على من نَاوَأَهَا (أي: عاداها)، وقيل: سُمِّيتْ به من قولهم: أجمر إذا أسرع. النهاية (1/ 292).
«العَقَبَة»:
هي العقبة التي في طرف مِنَىً، التي يُضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة العقبة (للأنصار عندها) مرتين في سنتين. شرح صحيح مسلم، للنووي (17/ 88).
قال الخليل بن أحمد -رحمه الله-:
العقبة: طريقٌ في الجبل وَعْرٌ (أي: صعب) يُرْتَقَى (أي: يُصْعَد عليه) بمشقَّة، وجمعه: عَقَب وعِقَاب. العين (1/ 181).
وقال الهروي -رحمه الله-:
العقبة: الجبل الطويل يعرض للطريق فيأخذ فيه، وهو طويل صعب شديد. تهذيب اللغة (1/ 185).
شرح الحديث
قوله: «أنَّه انتهى إلى الجَمْرَة الكُبْرى»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنه انتهى» أي: وصل، أو انتهى وصوله يوم النحر، كما بيَّنتْه بقيَّةُ الروايات. مرقاة المفاتيح (5/ 1816).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«انتهى إلى الجمرة الكبرى» أي: بلغ جمرة العقبة، ووصل إليها. منار القاري (3/ 145).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «الجمرة الكبرى» وهي جمرة العقبة؛ آخر الجمرات الثلاث بالنسبة إلى المتَوَجِّه من منى إلى مكة. الكواكب الدراري (8/ 207).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
إذا جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، فهو مستقبل للجمرة بوجهه؛ وذلك السُّنَّة، وأما جمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي. التوضيح (12/ 167).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
سميت الجمرة الكبرى؛ لأنها تُرْمَى يوم النحر وحدها، وتُكرَّر باقي الأيام. التوضيح (12/ 164).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
لأنها جُعِلَتْ وحدها نُسُكًا في اليوم الأول، بخلاف (اليوم) الثاني والثالث. شرح المصابيح (3/ 300).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «جمرة العقبة» هي الجمرة الكبرى، وليست مِن مِنَىً، بل هي حدُّ منىً من جهة مكة، وهي التي بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنصار عندها على الهجرة. فتح الباري (3/ 581).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
وكأن ذلك (تسميتها بالجمرة) -والله أعلم- من حيث كانت تُرْمَىْ بالجمار، وهي الحصى، فكأنه من باب تسمية الشيء بلازمه؛ كالغائط (يعني: للمكان المنخفض من الأرض)، والراوية (يعني: القِرْبَةُ التي يُحمل فيها الماء).
ويحتمل: أن يكون لغير ذلك -والله أعلم-. رياض الأفهام (4/ 121).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
لعل وصفها بالكبرى باعتبار ما قبلها من الجمرتين الصغرى والوسطى؛ ولأنها تنفرد بالرمي يوم العيد. منحة العلام (ص: 210).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
وهي حدُّ مِنىً من الغرب، وليست من مِنىً، وهي التي بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنصار عندها على الإسلام والهجرة. رياض الأفهام (4/ 121).
قوله: «جعل البيت عن يساره، ومِنىً عن يمينه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فجعل البيت» أي: الكعبة. مرقاة المفاتيح (5/ 1816).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«جعل البيت على يساره» عند رَمْيِهِ جمرةَ العَقبة. سبل السلام (1/ 647).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«عن يِساره» يجوز فيه كسر الياء، قيل: ليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة إلا يِسار اليد. شرح سنن أبي داود (9/ 96).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ومِنَىً عن يمينه» أي: وجعل مِنَىً عن يمينه. عمدة القاري (10/ 88).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وقال ابن المنذر: إذا جعل البيت عن يساره ومِنَىً عن يمينه، فهو مستقبل للجمرة بوجهه وهي السنة. شرح صحيح البخاري (4/ 419).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
يرميها (جمرة العقبة) مستقبلًا لها، يجعل البيت عن يساره، ومِنَىً عن يمينه، هذا هو الذي صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها. مجموع الفتاوى (26/ 135).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أتى (صلى الله عليه وسلم) جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ومِنَىً عن يمينه، واستقبل الجمرة، وهو على راحلته فرماها راكبًا بعد طلوع الشمس، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة، وحينئذٍ قطع التلبية. زاد المعاد (2/ 237).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قام الإجماع على أنَّ هذه الكيفية ليست بواجبة، وإنَّما هي مستحبة، وهذا قاله ابن مسعود ردًّا على من يرميها من فوقها، واتفقوا أنَّ سائر الجمار تُرْمَىْ من فوقها. سبل السلام (4/ 6).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو يساره، أو من فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها، والاختلاف في الأفضل. فتح الباري (3/ 582).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
ووقع في رواية أبي صخرة عن عبد الرحمن بن يزيد: «لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي، واستقبل القبلة» أخرجه الترمذي، والذي قبله هو الصحيح، وهذا شاذٌّ؛ في إسناده المسعودي، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعي من الشافعية بأنه يستقبل الجمرة، ويستدبر القبلة، وقيل: يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة عن يمينه. فتح الباري (3/ 582).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا كان محاولة الوصول إلى الجمرة من هذه الناحية فيه مشقة على الإنسان، ولو رماها من وجه آخر لم يكن فيه مشقة وصار أخشع له، وأبلغ في الطمأنينة كان رَمْيُهُ من الجهة الأخرى أفضل، بناء على القاعدة المعروفة: أنَّ الفضل المتعلِّق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بمكانها. شرح حديث جابر (ص: 80).
قوله: «وَرَمَى بسبع»:
قال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «رمى» الرمي: هو القذف والدفع، والمراد به: القذف بالحجارة الصغيرة، وأما مجرد وضعها فلا يُسَمَّىْ رَمْيًا. منحة العلام (ص: 245).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
يُشترطُ العلم بحصول الحصاة في المرمَىْ في سائر الجمرات، ولا يجزئ وضعها، بل طرحها. كشف اللثام (4/ 407).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
شرط الرمي: أن يُسَمَّى رميًا اتباعًا لاسم الرمي، فلا يكفي الوضع، وفي وجه يكفي بحصوله في المرمى، ولا بد مع الرمي من القصد إلى المرمى، فلو رمى في الهواء فوقع في المرمى لم يُعْتَدَّ به، بخلاف ما لو رمى سهمًا إلى الهواء فأصاب صيدًا حل على أحد الوجهين، والفرق أن الذكاة لا يشترط فيها النية، ولا يفتقر الرمي إلى نية على المذهب (الشافعي) ولا ينافي هذا اشتراط قصد المرمى، فإنه قد يقصد المرمى، ولا يقصد النسك. شرح سنن أبي داود (9/ 97).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «بسبع» أي: بسبع حصيات. عمدة القاري (10/ 88).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اتفقتِ الأمة على أن مَن رمى كل جمرة بسبع حصيات فقد أحسن. شرح صحيح البخاري (4/ 416).
وقال العيني -رحمه الله-:
رمي الجمرة لا بدَّ أن يكون بسبع حَصَيَاتٍ، وهو قول أكثر العلماء...، فإنه رماها بأقل من سبع حَصَيَات، فذهب الجمهور فيما حكاه القاضي عياض إلى أن عليه دمًا، وهو قول مالك والأوزاعي.
وذهب الشافعي وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مُدًّا من طعام، وفي اثنتين مُدَّيْنِ، وفي ثلاث فأكثر دمًا، وللشافعي قول آخر: إن في الحصاة ثلث دم، وله قول آخر: إن في الحصاة درهمًا.
وذهب أبو حنيفة وصاحباه (أبو يوسف ومحمد بن الحسن) إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث (أي: إحدى عشرة حصاة فما فوق، أو كأربع حصيات فما فوقها في يوم النحر) فعليه دم، وإن ترك أقل من نصفها ففي كل حصاة نصف صاع، وعن طاوس: إن رمى ستًّا يُطْعِمُ تمرة أو لُقمة.
وذكر الطبري عن بعضهم: أنه لو ترك رمْيَ جميعِهِنَّ بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جُعِلَ الرمْيُ في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات السبع، كما جعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد...، (و) قد كانت عائشة -رضي الله تعالى عنها- تقول: إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات. عمدة القاري (10/ 88).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«بسبع» من الحصَيَات، فلا يجزئُ بِسِتٍّ، وهذا قول الجمهور، خلافًا لعطاء في الإجزاء بالخمس، ومجاهد بالسِّتِّ، وبه قال أحمد؛ لحديث النسائي عن سعد بن مالك، قال: رجعنا في الحجة مع النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- وبعضنا يقول: رميتُ بسبع، وبعضنا يقول: رميتُ بستٍّ، فلم يعب بعضهم على بعض.
وحديث أبي داود والنسائي أيضًا عن أبي مجلز قال: سألتُ ابن عباس عن شيء من أمر الجمار، قال: لا أدري رماها رسول الله -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- بستٍّ أو بسبعٍ.
وأُجيب: بأنَّ حديث سعد ليس بمسند، وحديث ابن عباس ورد على الشَّكِّ، وشكُّ الشاكِّ لا يقدح في جزْم الجازم. إرشاد الساري (3/ 248).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«بسبع حصيات» واحدة واحدة (أي: يرمي الحصيات فرادًا)؛ فلو أتبع حجرًا حجرًا وتساويا في الوقوع، أو وقعت الثانية قبل الأولى فرَمْيَتَان. شرح سنن أبي داود (9/ 98).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
رَمْيُ الجمرة من مناسك الحج، واختُلِفَ هل هي من واجباته وأركانه أم لا؟ وفي مذهبنا (المالكي) فيه الوجهان. إكمال المعلم (4/ 371).
وقال الزيلعي الحنفي -رحمه الله-:
(لو) ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر يجب دم؛ لأنه نسك تام وحده في ذلك اليوم، وإنْ ترك أحد الجمار الثلاث في يوم فعليه صدقة؛ لأن الكل نسك واحد في يوم، فكان المتروك أقل، إلا أن يكون المتروك أكثر من النصف؛ وذلك بأنْ يرمي عشر حَصَيَات، ويترك إحدى عشرة حصاة، فحينئذٍ يلزمُهُ الدَّم؛ لأنَّ للأكثر حكم الكلِّ، ومعنى وجوب الصدقة بترك الأقل: أن يجب عليه لكل حصاة نصف صاع من بُرٍّ أو صاع من تمر أو شعير إلا أن يبلغ ذلك دمًا فينقص ما شاء. تبيين الحقائق (2/ 62).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الجمهور على أن رمي جمرة العقبة سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، يجب بتركها دم، وذهب عبد الملك (ابن الماجشون من أصحاب مالك): إلى أنها ركن من أركان الحجِّ، وعليه: فإن ترَكَهَا بَطَلَ حجُّهُ كسائر الأركان. المفهم (3/398).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما حكم الرَّمي فالمشروع منه يوم النحر رمي جمرة العقبة لا غير بإجماع المسلمين، وهو نسك بإجماعهم، ومذهبنا: أنه واجب ليس بركن؛ فإن تركه حتى فاتته أيام الرّمي عصى ولزِمَهُ دم وصح حجه، وقال مالك: يفسد حجُّه، ويجب رميُها بسبع حَصَيَاتٍ؛ فلو بقيت منهن واحدة لم تكفِهِ الست. شرح صحيح مسلم (8/١٩١).
قوله: «وقال: هكذا رَمَى الذي أُنْزِلَتْ عليه سورةُ البقرةِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال» أي: ابن مسعود «هكذا رمى» بصيغة الفعل، وفي نسخة بالمصدر (رَمْي). مرقاة المفاتيح (5/ 1816).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «هكذا رمى الذي أُنْزِلَتْ عليه سورة البقرة» يعني به: رسول الله -عليه السلام-. المفاتيح (3/ 313).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهذا قاله ابن مسعود ردًّا على من يرميها (جمرة العقبة) من فوقها، واتفقوا أن سائر الجمار تُرْمَىْ من فوقها. سبل السلام (1/ 647).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
إنما ذكر سورة البقرة؛ لأنها السورة المحتوية على أمهات المناسك.
ويحتمل: أنه أراد الذي أُنْزِلَ عليه القرآن، فاكتفى بذكر تلك السورة؛ لكونها أطول السور، والأول أمثل. الميسر (2/ 613).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
في تخصيصه سورة البقرة دون غيرها وجهان:
أحدهما: لأن معظم المناسك وما يتعلق بالحج فيها.
والثاني: لطولها، وعظم قدرها، وكثرة ما تحوي من الأحكام، وقد خصَّها رسول الله بعجز الفجرة (يعني: السحرة) عن حفظها، فقال: «ولا تستطيعها البَطَلَةُ»، وأمر العباس يوم حنين لَمَّا فرَّ الناس فقال: «نادِ بأصحاب السَّمُرَة: يا أصحاب سورة البقرة»، ويمكن أن يكون خَصَّ البقرة بالذكر حين فرارهم؛ لأن فيها: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} البقرة:249، وفيها: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} البقرة: 251، أو لأن فيها: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} البقرة:40، وفيها: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ} البقرة: 207. كشف المشكل (1/ 277).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن المنير: خصَّ عبد الله (ابن مسعود) سورة البقرة بالذكر؛ لأنها التي ذكر الله فيها الرمي، فأشار إلى أن فعله -صلى الله عليه وسلم- مُبَيِّنٌ لمراد كتاب الله تعالى.
قلتُ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي من سورة البقرة.
والظاهر: أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال الحج مذكور فيها، فكأنه قال: هذا مقام الذي أُنْزِلَتْ عليه أحكام المناسك، مُنَبِّهًا بذلك على أن أفعال الحج توقيفية.
وقيل: خصَّ البقرة بذلك لطولها، وعِظَمِ قدرها، وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يشرعُ الوقوف عندها بقدر سورة البقرة -والله أعلم-. فتح الباري (3/ 582).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله- متعقبًا ابن حجر:
قلتُ: لعل الإشارة إلى ذكر الرمي في قوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} البقرة: 203، فإن الرمي في تلك الأيام، ويُنْبِئُ عنه أول حديث عائشة في الفصل الثاني (يعني به: قولها: «إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله»). لمعات التنقيح (5/ 378-379).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله- مُتُعُقِّبًا ابن حجر:
أما قول الحافظ -رحمه الله-: أو أشار بذلك إلى أنه يُشْرعُ الوقوف عندها بقدر سورة البقرة فغير واضح؛ لما عُلِمَ أن الوقوف إنما يستحبُّ بعد رمي الجمرة الدنيا والوسطى، ولا يستحبُّ الوقوف بعد رمي جمرة العقبة؛ ولذلك قال البخاري: باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف، قاله ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: باب إذا رمى الجمرتين يقوم ويسهل (يعني: حتى يصير في السهل وهو بطن الوادي) مستقبل القبلة، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبِّر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل ليقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعله». فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 155).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
إنما خصَّ سورة البقرة بالذكر؛ لأن معظم أحكام المناسك فيها، فكأنه قال: هذا مقام من أنزلت عليه أحكام المناسك، وأخذ عنه الشرع، وبيَّنَ الأحكام، فاعتمدوه، وأراد بذلك التنبيه على أن أفعال الحج توقيفية، ليس للاجتهاد فيها مدخل، فلا يفعل أحد شيئًا من المناسك برأيه -والله أعلم-. العدة في شرح العمدة (2/ 1061).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
عدوله من التسمية والوصف برسول الله ونحوه إلى الموصول وصلته لزيادة التقرير، والاعتناء بشأن الفعل، كما في قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} يوسف: 23. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1998).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا الطيبي:
لا يخفى أنَّ هذا إنما يصح لو كان ضمير «قال» للنبي -صلى الله عليه وسلم-، والأمر ليس كذلك كما قررنا. مرقاة المفاتيح (5/ 1816).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: جواز أنْ يقال: سورة البقرة؛ خلافًا لمن قال: يُكْرَهُ، ولا دليل له. سبل السلام (4/ 6).
قوله: «فلما أتى جَمرة العَقبة»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لما أتى عبد الله بن مسعود» -رضي الله تعالى عنه- «جمرة العقبة» يوم النحر لرميها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 445).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«جمرة العقبة» أي: الجمرة التي تَرْمَىْ إلى جهة العقبة. البحر المحيط الثجاج (23/ 642).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهي التي بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- الأنصار عندها على النصرة. التحبير (3/ 380).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
تمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأنْ لا يوقف عندها، وتُرْمَىْ ضحى، ومن أسفلها استحبابًا. فتح الباري (3/ 580).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
كانت الجمرة (جمرة العقبة) وقد أدركتها في ظهر جبل لاصقة به، لكنه جبل ليس بالرفيع، في عقبة؛ ولهذا تُسمَّى جمرة العقبة، يصعد الناس إليها، وكان تحتها وادٍ يمشي معه المطر. الشرح الممتع (7/ 324).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
العقبة التي تُنْسَبُ إليها الجمرة، أُزِيْلَتْ في عام: 1376هـ؛ لقصد توسعة شوارع منى، وأظنه بعد استشارة بعض قضاة مكة. تيسير العلام (ص: 430).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
أظن إزالتها كان في آخر عهد الملك عبد العزيز -رحمه الله-، وقصد بإزالتها التوسعة على الناس في حالة الرمي، كما عملوا الدور الثاني للتخفيف من الزحام، وهذا من محاسن ومفاخر دولة آل سعود -وفقهم الله-. تأسيس الأحكام (3/ 335).
قوله: «إنَّ نَاسًا يرمون الجمرة مِن فوقِ العقبة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إنَّ ناسًا يرمون الجمرة» أي: جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى. ذخيرة العقبى (26/ 59).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من فوقها» أي: لا من أسفلها. الكوكب الوهاج (14/ 290).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«من فوق العقبة» مخالفين للسُّنة. ذخيرة العقبى (26/ 59).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: روى ابن أبي شيبة عن عطاء: أنَّ النبِي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلو إذا رمى الجمرة؟
قلتُ: هذا في الجمرتَيْن الآخرتين، وأما في جَمْرَة العقبة فمن بطن الوادي. عمدة القاري (10/ 86).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أي: من أعلى، أي: من فوق العقبة، فيكون الرامي أعلى من الجمرة. فتح المنعم (5/ 325).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
«يرمونها من فوقها» عَقَبة (كانت) هناك، وقد أُزيلت، فالحاصل: جواز الرمي من جميع الجهات. الحلل الإبريزية (2/ 71).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
كانت هذه الجمرة (جمرة العقبة) في سفح جبل، رأيناها بأعيننا في سفح الجبل، والجبل رفيع، ورميها من الجبل فيه صعوبة، وفيه خطورة أيضًا، فوقف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في الوادي، ورماها من بطن الوادي. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص:61).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قد جُعِلَتْ الجمرة على هيئة حوض في الأزمنة المتأخرة؛ وذلك سنة (1293هـ)، وإلا فالجمرة هي المرمى؛ ولهذا لم يذكر المتقدمون الحوض، ولعل وضعه لتخفيف الزحام؛ لئلا يتدافع الناس في مكان الرمي، فيضر بعضهم بعضًا. منحة العلام (ص: 245).
قوله: «قال: فرماها عبدُ اللهِ مِن بَطْنِ الوادي»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فرمى عبد الله» ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- «من بطن الوادي». ذخيرة العقبى (26/ 59).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«من بطن الوادي» أي: من أسفله؛ اتباعًا للسُّنة، كما بيَّنه بقوله: «من ها هنا -والذي لا إله غيره- رماها الذي أُنْزِلَتْ عليه سورة البقرة». البحر المحيط الثجاج (23/ 643).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«من بطن الوادي» فتكون مكة عن يساره، وعرفة عن يمينه، ويكون مستقبل الجمرة، ولفظ الترمذي: «لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي». إرشاد الساري (3/ 247).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
هذا هو المشهور: أن يرمي من أسفلها، ولو رماها من أعلاها أجزأه، فإن ازدحم عندها، فقال مالك: لا بأس أن يرميها من فوقها، ثم رجع فقال: لا يرميها إلا من أسفلها. التوضيح (12/ 161).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما رمي باقي الجمرات في أيام التشريق فيستحب من فوقها. شرح صحيح مسلم (9/ 43).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
اتفق الجمهور من أهل العلم على أنه يشترط في صحة الرمي أن تقع الحصاة في بطن الحوض وتستقرَّ فيه، فلو وقعت فيه ثم طارت فخرجت عنه لم يصح رمي تلك الحصاة، ووجب عليه أن يعيدها. تأسيس الأحكام (3/ 335).
وقال النووي -رحمه الله-:
استحباب كون الرمي (لجمرة العقبة) من بطن الوادي، فيستحب أن يقف تحتها في بطن الوادي، فيجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل العقبة والجمرة، ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء، وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرًا مكة، وقال بعض أصحابنا: يستحب أن يقف مستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه، والصحيح الأول.
وأجمعوا على أنه من حيث رماها جاز سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو عن يساره، أو رماها من فوقها، أو أسفلها، أو وقف في وسطها ورماها، وأما رمي باقي الجمرات في أيام التشريق فيستحب من فوقها. شرح صحيح مسلم (9/ 42-43).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قام الإجماع على أنَّ هذه الكيفية غير واجبة، وأنَّ مخالفتها جائزة. البدر التمام (5/ 337).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
رمي الجمرة من حيث تيسر من العقبة؛ من أسفلها، أو أعلاها، أو أوسطها، كل ذلك واسع، والموضع الذي يُخْتَار منها بطن الوادي؛ من أجل حديث ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله يرميها من بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك: يرميها من أسفلها أحبُّ إليَّ، وقد روي عن عمر بن الخطاب: أنه خاف الزحام عند الجمرة، فصعد فرماها من فوقها. شرح صحيح البخاري (4/ 415-416).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يُستثنى من استقبال القبلة في رمي الجمرات جمرة العقبة، وإنَّما كان الأمر كذلك؛ لأنه في عهد الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- لا يمكن أنْ تستقبل القبلة وترمي جمرة العقبة، بحيث تكون بين يديك؛ لأجل الجبل؛ لأنها ملاصقة للجبل، وفي هذا دليل واضح على أنَّ المقصود هو استقبال الجمرة، سواء استقبلت القبلة أم لم تستقبلها، لكن في الجمرة الأولى والوسطى يمكن أنْ تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، أما في العقبة فلا يمكن أنْ تجمع بين استقبال القبلة، واستقبال الجمرة؛ ولذلك فُضِّل استقبال الجمرة. الشرح الممتع (7/ 351).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
في وقتنا هذا، وفي الزحام الشديد، نقول: اسلك ما هو أيسر لك، سواء أتيتها من القبلة، أو من الخلف الشرق، أو من اليمين، أو من الشمال، المهم أنْ تُؤدي الرمي وأنت مطمئن مستريح، تعرف كيف ترمي، وما تقول في رميك. تعليقاته على الكافي لابن قدامة (4/ 59).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
وهذا في الوقت الحاضر قد يكون صعبًا، وقد ذكرنا قاعدة نافعة: أنَّ مراعاة ذات العبادة أولى من مراعاة مكانها، فإذا أتاها من الشمال، كان أيسر؛ لعدم المانع من جبل أو عقبة، المهم أن ترميها من مكان يكون أيسر لك، وأن يقع الحصى في المرمى. الشرح الممتع(7/٣٢٥).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
هذا في الزمان الأول؛ وأما الآن فتُرْمَىْ كل الجمرات من كل الجهات، إذا وصلت الحصى إلى موضع الرمي -والله أعلم-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (17/ 447).
قوله: «ثم قال: مِن ها هنا -والذي لا إلهَ غيره- رماها الذي أُنْزِلَتْ عليه سورةُ البقرةِ»:
قال موسى شاهين -رحمه الله-:
«والذي لا إله غيره» حلف ابن مسعود هنا لتأكيد الخبر لمن في حكم المنكرين لفعلهم خلاف ما فعله الشارع. فتح المنعم (5/ 325).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الذي أنزلت عليه سورة البقرة» يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو محل الرد على الحَجَّاج (ابن يوسف) فابن مسعود -رضي الله عنه- صحابي من أعلم الصحابة بالسُّنة، وفقيه من أفقه الصحابة بالأحكام الشرعية، فقد سمَّاها: سورة البقرة. البحر المحيط الثجاج (23/ 643).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
فائدة: جمرة العقبة تختصُّ عن غيرها بأربعة أشياء:
إحداها: أنها تُرْمَىْ قبل الزوال ضحى.
والثاني: أنها تُرْمَىْ من أسفلها استحبابًا، ويجزئ من أعلاها وأوسطها، وما عداها فمن أعلاها.
والثالث: أنه لا يُرْمَىْ يوم النحر غيرها.
والرابع: أنه لا يوقف عندها للدعاء -والله أعلم-. رياض الأفهام (4/ 121).
قوله: «يُكبر مع كُل حصاة»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يعني: مع كُل حصاة تكبيرة واحدة فليس فيها بسملة كما يصنع بعض العوام الآن يقول: "بسم الله والله أكبر" لا صحة له. التعليقات على الكافي (4/33).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
السنة أن يكبر مع كل حصاة كما فعل -عليه السلام-، وعمل بذلك الأئمة بعده، وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر، وهو قول مالك والشافعي. شرح صحيح البخاري (4/٤١٩).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
رافعًا صوتَه بالتكبيرِ.
وبه أخذ مالك والشافعي وعمل الأئمة كما نقله القاضي عياض، قال: وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (6/ ٣٥٩).
وروى أحمد: «يكبر مع كل حصاة»، وزاد: «اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وذنبا مغفورًا» قال محققو مسند الإمام أحمد (4061) إسناده ضعيف لضعف ليث ابن أبي سليم
قال السفاريني -رحمه الله-:
يكبر مع كل حصاة، ويقول: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملًا مشكورًا. كشف اللثام (4/ 407).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه دليل على مشروعية هذا الدعاء مع التكبير. تحفة الذاكرين (ص: 252).
وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-:
لم يرد فيه شيء معين إلا التكبير عند الحجر الأسود وقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. التعليقات على الكافي (3/٤٨٠).
وقال الباجي -رحمه الله-:
وخُصَّ التكبير بهذا من بين سائر ألفاظ الذكر؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- كما خصَّت الصلاة، فإن سبَّح فقد قال ابن القاسم: ما سمعت فيه شيئًا، والسنة: التكبير، قال القاضي أبو الوليد -رضي الله عنه-: والذي عندي أنه لا شيء عليه؛ لأن ابن القاسم قد قال في المبسوط فيمن رمى ولم يُكبر هو مجزئ، ومعنى ذلك: أنه ذِكْرٌ مشروعٌ في أثناء الحج كسائر الأذكار والأدعية. المنتقى شرح الموطأ (3/٤٦).
وقال النووي -رحمه الله-:
يجب التفريق بين الحصيات، فيرميهن واحدة واحدة، فإنْ رمى السبعة رمية واحدة، حُسِبَ ذلك كلُّه حصاة واحدة عندنا (الشافعية)، وعند الأكثرين. شرح صحيح مسلم (8/ 191).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدِلَّ بهذا الحديث على اشتراط رمي الجمرات واحدة واحدة؛ لقوله: «يكبر مع كل حصاة»، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «خذوا عني مناسككم»، وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة، فقالا: لو رمى السبع دفعة واحدة أجزأه. فتح الباري (3/ 582).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: أنه يجب التفريق بين الحصيات فيرميهن واحدة واحدة؛ لقوله: يكبر مع كل حصاة، وكذلك كل عبادة يشرع فيها التكبير فإنه يتكرر محله كالانتقال من ركن إلى ركن، وقد قال صلى الله عليه وسلم-: «خذوا عني مناسككم»، وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعة واحدة أجزأه. شرح سنن أبي داود (8/٦٣٤).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
رمْيُ الجمار في يوم النحر وأيام التشريق عبادة جليلة، فيها معنى الخضوع لله تعالى، وامتثال أوامره والاقتداء بإبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام-، واستعادة ذكريات قصته الرائعة مع ابنه في صدق الإيمان، وطاعة الرحمن، حين عرض له الشيطان محاولًا وسوسته عن طاعة ربه، فحصبه في تلك المواقف، بقلب المؤمن، وعزيمة الصابر، ونفس الراضي بقضاء ربه.
فنحن نرمي الشيطان متمثلًا في تلك المواقف إحياء للذكرى، وإرغامًا للشيطان الذي يحاول صدَّنا عن عبادة ربنا.
وأول ما يبدأ به الحاج يوم النحر هو رمي الجمرة الكبرى؛ لتكون فاتحة أعمال ذلك اليوم الجليلة. تيسير العلام (ص: 429).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه: أن الإنسان إذا أراد أن يُثْبِتَ قوله حلف على ذلك. الإفصاح (2/ 25).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: ما كان الصحابة عليه من مراعاة حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل حركة وهيئة، ولا سيما في أعمال الحج.
وفيه: التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أن من لم يُكبِّر فلا شيء عليه. فتح الباري (3/ 582).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
فيه: دليل على رمي الجمرة الكبرى بسبع كغيرها.
ودليل على استحباب هذه الكيفية في الوقوف لرميها.
ودليل على أن هذه الجمرة تُرْمَىْ من بطن الوادي.
ودليل على مراعاة كل شيء من هيئات الحج التي وقعت من الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث قال ابن مسعود: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» قاصدًا بذلك الإعلام به ليفعل.
وفيه: دليل على جواز قولنا: سورة البقرة، وقد نُقِلَ عن الحجاج بن يوسف: أنه نهى عن ذلك، وأمر أن يقال: السورة التي تُذكر فيها البقرة، فردَّ عليه بهذا الحديث. إحكام الأحكام (2/ 94).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في الحديث أحكام:
منها: إثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر، وهو مجمع عليه، وهو الذي عليه جمهور العلماء: أنه واجب يجبر تركه بدم، فلو تركه فحَجُّه صحيح، وعليه دم، وهو قول الشافعي وغيره، وقال بعض أصحاب مالك: هو ركن لا يصح الحج إلا به.
ومنها: كون رمي جمرة العقبة بسبع حصيات، وهو مجمع عليه.
ومنها: استحباب هذه الكيفية في الوقوف بجمرة العقبة لرميها، فيجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل العقبة والجمرة، ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء، وقال بعض أصحاب الشافعي: يستحب أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرًا مكة، وقال بعضهم: يستحب أن يقف مستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه.
وأجمع العلماء: على أنه إذا رماها على أي حال من حيث رماها جاز، سواء فوقها أو تحتها، أو جعلها عن يمينه، أو يساره، أو وقف في وسطها ورماها -والله أعلم-.
ومنها: التنبيه على التأسي به -صلى الله عليه وسلم- في جميع الحالات في المناسك وغيرها، ونقل ذلك وتبليغه. العدة في شرح العمدة (2/ 1061-1062).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: دليل على تسمية هذه السورة بالبقرة، وقد قال -عليه السلام-: «إن البقرة وآل عمران كأنهما غَمَامَتَان أو غَيَايَتَانِ» أي: ثوابهما.
فالصواب: أنه لا كراهة في تسميتها ولا غيرها باسمها ...، وقد احتج النخعي على الأعمش بهذا الحديث، وهذه إضافة لفظ كباب الدار، ومثله قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} التكوير: 19، فأضاف القول إلى جبريل الذي نزل به من عند الله، وهذا من اتساع لغة العرب؛ تضيف الشيء إلى من له أقل سبب، وقد ترجم له البخاري في فضائل القرآن، فقال: باب: من لم يرَ بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا، خلافًا للحَجَّاج، ولمن أنكر ذلك قبله. التوضيح (12/ 162).
وقال الشيخ البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
- تسمية هذه المواقف بـالجمرات لا ما يفوه به جهال العامة من تسميتها بـالشيطان الكبير، أو الشيطان الصغير، فهذا حرام؛ لأن هذه مشاعر مقدسة محترمة، تعبدنا الله تعالى برميها، والذكر عندها، وأعظم من ذلك ما يسبونها به من ألفاظ قبيحة منكرة، وما يأتون عندها مما ينافي الخشوع والخضوع والوقار؛ من رميها بأحجار كبيرة، أو رصاص، أو نعال، كل هذا حرام منافٍ للشرع؛ لما فيه من الغلو والجفاء، ومخالفة الشارع. تيسير العلام، باختصار (ص:430).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
استحباب التكبير مع كل حصاة، وهو مذهب العلماء كافة. البحر المحيط الثجاج، باختصار (23/ 645-647).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)