«شهدتُ عثمانَ وعليًّا -رضي الله عنهما-، وعثمانُ ينهى عن المتعةِ، وأنْ يُجمَعَ بينهما، فلما رأى عليٌّ أهلَّ بهما: لبيكَ بعمرةٍ وحَجَّةٍ، قال: ما كنتُ لأدَعَ سُنةَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لقولِ أحدٍ».
رواه البخاري برقم: (1563)، من حديث مروان بن الحكم عن عثمان وعلي -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لمسلم برقم (1223) «قال علي: لقد علمتَ أنا قد تمتعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: أجل، ولكنا كُنّا خائفين».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«شهدتُ»:
أي: حضرتُ. عمدة القاري للعيني (24/ 237).
«الْمُتْعةِ»:
بضم الميم، وكسرها لغةً، اسم للتَّمتيع، كالمتاع، وهو ما يتمتع به من الحوائج...، وأنْ يَضم لحجِّه عمرةً. تحفة المحتاج، لابن حجر الهيتمي (31/ 332).
وقال الزركشي -رحمه الله-:
المتعة في الحج تُطلق على شيئين:
أحدهما: على الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، وهو المراد بقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ} البقرة: ١٩٦، كما حكاه ابن عبد البر وغيره.
والثاني: على فسخ الحج إلى العمرة. المعتبر (ص: 97).
شرح الحديث
قوله: «شهدتُ عثمانَ وعليًّا -رضي الله عنهما-»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «شهدتُ عثمان وعليًّا» كان شهوده إياهما بعُسْفان. عمدة القاري (9/ 198).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «شهدتُ عثمان، وعليًّا» سيأتي في آخر الباب من طريق سعيد بن المسيب أنَّ ذلك كان بعُسْفان. فتح الباري (3/ 424).
قوله: «وعثمانُ ينهى عن المتعةِ، وأنْ يُجمع بينهما»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وعثمانُ ينهى عن المتعة، وأن يُجمع بينهما» أي: بين الحج والعمرة. فتح الباري (3/ 424).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«وأنْ يُجمع بينهما» بضم الياء، وفتح الميم: القِران، أي: ونهى عنه عثمان، والنهي للتنزيه؛ ترغيبًا في الإفراد. منحة الباري (4/ 59).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وأمّا نهي عثمان عن المتعة والقِران وإهلال عليٍّ بهما، فإن عثمان اختار ما أخذ به النبي -عليه الصلاة والسلام- في خاصة نفسه، وما أخذ به أبو بكر وعمر، ورأى أنَّ الإفراد أفضل عنده من القِران والتمتع. شرح صحيح البخاري (4/ 245).
وقال النووي -رحمه الله-:
«وعثمانُ ينهى عن المتعة» المختار أنَّ المتعة التي نهى عنها عثمان هي التمتع المعروف في الحج، وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهي تنزيه لا تحريم؛ وإنما نهيا عنها لأن الإفراد أفضل، فكان عمر وعثمان يأمران بالإفراد لأنه أفضل، وينهيان عن التمتع نهي تنزيه؛ لأنه مأمور بصلاح رعيته، وكان يرى الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 202).
وقال البعلي -رحمه الله-:
«وعثمانُ ينهى عن المتعة» ونَهْيُ عثمانَ عن المتعةِ كان لاختيارِ الأفضلِ؛ وليُعمَرَ البيتُ بالقصدِ في كلِّ السَّنة، لا نَهْيَ كراهةٍ.
فلما قُتِل عثمانُ صار الناسُ شيعتينِ؛ قومًا يميلونَ إلى عثمانَ، وقومًا يميلونَ إلى علي، وصار قومٌ من بني أميةَ يَنْهَونَ عن المتعةِ، ويُعاقِبونَ على ذلك، ولا يُمكِّنونَ أحدًا من العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، وكان في ذلك نوعٌ من الظلمِ والجهلِ، فلما رأى ذلك علماءُ الصحابةِ -كابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ وغيرِهما- جعلوا يُنكِرونَ ذلك، ويأمرونَ بالمتعةِ اتباعًا للسُّنَّةِ؛ فصار بعضُ الناسِ يُناظِرُهم بها بوَهْمِه على أبي بكرٍ وعمرَ، فيقولونَ لابنِ عمرَ: إن أباكَ كان يَنْهى عنها، فيقولُ: إن أبي لم يُرِدْ ذلك، ولا كان يضربُ الناسَ عليها، ويبيِّنُ لهم أن قصدَ عمر كان الأفضلَ، لا تحريمَ المفضولِ، فكانوا يُنازِعونَه، فيقولُ لهم: قدِّروا أنَّ عمرَ نهى عن ذلك؛ تتبعونه أم النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-؟ وكذلك ابنُ عباسٍ لما كانوا يعارضونَه بما توهَّموه على أبي بكرٍ وعمرَ، يقول لهم: «يوشكُ أن تَنزِلَ عليكم حجارةٌ من السماءِ، أقول: قال رسولُ اللهِ، وتقولونَ: قال أبو بكرٍ وعمرُ»... أو يكونُ مرادُ عثمانَ: أن غالبَ الأرضِ كانوا كفارًا مخالفين لنا، والآنَ قد فُتِحتِ الأرضُ، فيُمكَّنُ الإنسانُ أن يذهبَ إلى مِصرِه، ثم يرجعُ لعمرةٍ، وهذا لم يكُنْ ممكنًا في حجةِ الوداعِ لمن كان مجاورَ العدُوِّ بالشامِ والعراقِ ومصرَ.
وفي الصحيحينِ عن مُطرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ، قال: قال لي عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ: «أُحدِّثُكَ حديثًا لعلَّ اللهَ أنْ ينفَعَكَ به؛ إن رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جمَعَ بينَ حَجِّهِ وعُمرته، ثم إنه لم يَنْهَ عنه حتى ماتَ، ولم ينزلْ فيه قرآنٌ يُحرِّمُه»، وفي روايةٍ: «تمتَّعَ رسولُ الله وتمَتَّعْنا معه» فهذا عِمْرانُ من أجلِّ السابقينَ الأوَّلِينَ أخبَرَ أنه تمَتَّعَ، وأنه جمَع. القواعد النورانية في اختصار الدرر المضية (1/ 457).
وقال الجصاص -رحمه الله-:
قد روي عن عثمان أنه لم يكن ذلك منه على وجه النهي، ولكن على وجه الاختيار؛ وذلك لمعان:
أحدها: الفضيلة؛ ليكون الحج في أشهره المعلومة له، ويكون العمرة في غيرها من الشهور.
والثاني: أنه أحبَّ عمارة البيت، وأن يكثر زُوَّاره في غيرها من الشهور.
والثالث: أنه رأى إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم، فقد جاءت بهذه الوجوه أخبار مفسرة عنه. أحكام القرآن (1/ 345).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وأما نهي عثمان -رضي الله عنه- عن المتعة، فكما أسلفت: أنه -رضي الله عنه- وعمر وأبا بكر نهوا عن ذلك من أجل أن يُعمر البيت الحرام بالزائرين؛ لأن الناس في ذلك الوقت إذا كان تهيأ لهم أن يأتوا بعمرة وحج في سفر واحد كان سهلًا عليهم، وإذا أُنشئ السفر من بلاد بعيدة على الإبل ففيه صعوبة، فخاف هؤلاء الخلفاء أن يتهاون الناس في زيارة البيت، ولكن لا شك أن الأَولى ما دلت عليه السُّنة وهو الأمر بالمتعة، وأن الأفضل أن يتمتع الإنسان على كل حال، إلا إذا ساق الهدي فالأفضل القِران. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (1/ 47).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «المتعة» اختلفوا في المتعة التي نهى عنها، فقيل: هي فسخ الحج إلى العمرة؛ لأنه كان مخصوصًا بتلك السَّنة التي حج فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان تحقيقًا لمخالفة ما عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج، وقيل: هو التمتع المشهور، والنهي للتنزيه؛ ترغيبًا في الإفراد، قوله: «وأنْ يُجمع» أي: القران. الكواكب الدراري (8/ 91-92).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقال بعضهم: يحتمل أنْ تكون الواو في قوله: «وأنْ يُجمع بينهما» عاطفة، فيكون النهي عن التمتع والقِران معًا، ويحتمل أنْ تكون تفسيرية؛ وذلك لأنَّ السلف كانوا يطلقون على القِران تمتعًا، انتهى، قلتُ: الواو هنا عاطفة قطعًا، ولا إجمال في المعطوف عليه حتى يقال: إنَّها تفسيرية، وهو قد رد على نفسه كلامَه بقوله: إنَّ السلف كانوا يطلقون على القِران تمتعًا، فإذا كان كذلك يكون عطفَ التمتعَ على المتعةِ، وهو غير جائز. عمدة القاري (9/ 198).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «وأنْ يُجمع بينهما» يحتمل أنْ تكون الواو عاطفة؛ فيكون نهى عن التمتع والقِران معًا، ويحتمل أنْ يكون عطفًا تفسيريًا، وهو على ما تقدم أنَّ السلف كانوا يطلقون على القِران تمتعًا، فيكون المراد: أنْ يُجمع بينهما قِرانًا أو إيقاعًا لهما في سَنة واحدة، بتقديم العمرة على الحجّ.
وقد زاد مسلم: «أنَّ عثمان قال لعليّ: دعنا عنك، فقال عليّ: إني لا أستطيع أنْ أدعك» وقد تقدَّم في أول الباب أنَّ عثمان قال: «أجل، ولكنا كنَّا خائفين». نيل الأوطار (9/ 126).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«وعثمانُ ينهى عن المتعة، وأنْ يُجمع بينهما» تقدَّم أنَّ عمرَ وعثمان كانا يكرهان المتعة...، ثم انعقد الإجماع على عدم الكراهة. الكوثر الجاري (4/ 42).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
للنسائي أيضًا ما يشعر بأنَّ عثمان رجع عن النهي، ولفظه: «فلبَّى عليٌّ فلم ينههم عثمان، فقال عليٌّ: ألم تسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تمتع؟ قال: بلى» وله من وجه آخر عن علي: «سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُلبي بهما جميعًا». شرح الزرقاني على الموطأ (2/ 379).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
اعلم أنَّ المتعة تطلق في الشرع بمعانٍ:
أحدها: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، والظاهر أنها المرادة هنا، وسُمِّي متمتعًا: لاستمتاعه بمحظورات الإِحرام من التحلُّيلين، أو لتمكنه من الاستمتاع لحصول التحلل، ولتمتعه بسقوط العَوْد إلى الميقات للحج، ولا خلاف بين العلماء أنها المرادة أيضًا بقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} البقرة: 196، وكذا قال ابن عبد البر: لا خلاف في ذلك بين العلماء، وقال ابن الزبير وعلقمة وإبراهيم وسعيد بن جبير: معنى التمتع في الآية: المحصَر يفوته الحج فيتحلل بعمل عمرة، ثم يحج في العام المقبل، فيكون متمتعًا بما بينهما في العامين.
ثانيها: نكاح المرأة إلى أجل، وليس مرادًا هنا بالاتفاق، وكانت مباحة، ثم حُرِّمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح، ثم حُرمت واستمر التحريم إلى يوم القيامة، وقد كان فيها خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع وأجمعوا على التحريم.
ثالثها: فسخ الحج إلى العمرة؛ لتمتُّعه بإسقاط بقية العمل.
رابعها: تمتع المحصَر كما مضى لتمتعه بالإِحلال منه.
خامسها: القِران؛ لتمتعه بإسقاط أحد العملين. الإعلام (6/ 230-231).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
من معنى التمتع أيضًا: القران عند جماعة من الفقهاء؛ لأنَّ القارن يتمتع بسقوط سفره الثاني من بلده، كما صنع المتمتع في عمرته إذا حج من عامه ولم ينصرف إلى بلده، فالتمتع والقران يتفقان في هذا المعنى، وكذلك يتفقان عند أكثر العلماء في الهدي والصيام لمن لم يجد هديًا منها. الاستذكار (4/ 93).
قوله في رواية: «قال علي: لقد علمتَ أنا قد تمتعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: أجل، ولكنا كُنّا خائفين»
قال ابن حجر -رحمه الله-:
زاد مسلم من طريق عبد الله بن شقيق عن عثمان، قال: «أجل، ولكنا كنا خائفين» قال النووي: لعله أشار إلى عُمرة القضية سَنة سبع، لكن لم يكن في تلك السَّنة حقيقة تمتع، إنما كان عُمرة وحدها.
قلتُ: هي رواية شاذة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب، وهما أعلم من عبد الله بن شقيق، فلم يقولا ذلك، والتمتع إنما كان في حجة الوداع، وقد قال ابن مسعود كما ثبت عنه في الصحيحين: «كنا آمَن ما يكون الناس». فتح الباري (3/ 425).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «ولكنَّا كنَّا خائفين» أي: من أنْ يكون أجرُ مَن أفرد أعظم من أجر من تمتع منهم، فالخوف من التمتع. المفهم (3/ 350).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقِّبًا:
كذا قال، وهو جمعٌ حسن، ولكن لا يخفى بُعْدُه، ويحتمل أنْ يكون عثمان أشار إلى أنَّ الأصل في اختياره -صلى الله عليه وسلم- فسخ الحج إلى العمرة في حجة الوداع دفع اعتقاد قريش منع العمرة في أشهر الحج، وكان ابتداء ذلك بالحديبية؛ لأنَّ إحرامهم بالعمرة كان في ذي القعدة، وهو من أشهر الحج، وهناك يصح إطلاق كونهم خائفين، أي: من وقوع القتال بينهم وبين المشركين، وكان المشركون صدوهم عن الوصول إلى البيت، فتحللوا من عمرتهم، وكانت أول عُمرة وقعت في أشهر الحج، ثم جاءت عمرة القضية في ذي القعدة أيضًا، ثم أراد -صلى الله عليه وسلم- تأكيد ذلك بالمبالغة فيه، حتى أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. فتح الباري (3/ 425).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وأما قول عثمان: «كنا خائفين» فإنهم كانوا خائفين في عمرة القضية، وكانوا قد اعتمروا في أشهر الحج، وكان كل مَن اعتمر في أشهر الحج يسمّى أيضًا متمتعًا؛ لأن الناهين عن المتعة كانوا ينهون عن العمرة في أشهر الحج مطلقًا، وشاهِدُه ما في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص لما بلغه أن معاوية نهى عن المتعة قال: «فعلناها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا كافر بالعُرُش (بيوت مكة)» يعني: معاوية، ومعلوم أن معاوية كان مسلمًا في حجة الوداع، بل وفي عمرة الجعرانة عام الفتح أو قبل ذلك، ولكن في عمرة القضية كافر بعُرُش مكة، وقد سمى سعدٌ عمرة القضية متعة، فلعل عثمان أراد الخوف عام القضية، وكانوا أيضًا خائفين عام الفتح، وأما عام حجة الوداع فكانوا آمنين، لم يكن قد بقي مشرك، بل نفى الله الشرك وأهله. شرح عمدة الفقه (4/ 319).
قوله: «فلما رأى عليٌّ أهلَّ بهما: لبيكَ بعمرةٍ وحَجَّةٍ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «فلما رأى عليٌّ» أي: النهي، وهو مفعوله محذوفًا و«أهلّ» جواب لـ«لما»، و«لبيك» مقول "قائلًا" مقدرًا. الكواكب الدراري (8/ 92).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فلما رأى عليٌّ» نَهيَ عثمانَ عن التمتع والقِران «أهل بهما: لَبَّيْكَ» أي: قائلًا: لَبَّيْكَ «بعمرة وحجة»؛ فعل ذلك خشية أن يحمل غيرُه النّهي على التّحريم. منحة الباري (4/ 59).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فلما رأى عليٌّ» منْعَ عثمان «أهلّ بهما». الكوثر الجاري (4/ 42).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فلما رأى عليٌّ» مفعوله محذوف تقديره: فلما رأى عليٌّ النهيَ «أهلَّ بهما» أي: بالعمرة والحج، وقوله: «أهلّ» جواب «لما»، وفي رواية سعيد بن المسيب: فقال علي -رضي الله تعالى عنه-: «ما تريد إلى أنْ تنهى عن أمرٍ فعله -صلى الله عليه وسلم-؟» وفي رواية الكشميهني: «إلَّا أنْ تنهى» بحرف الاستثناء، وفي رواية مسلم من هذا الوجه زيادة، وهي: «فقال عثمان: إني لا أستطيع أن أدعك». عمدة القاري (9/ 198).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فلما رأى عليٌّ أهلَّ بهما» وأما إهلال عليٍّ بهما فقد يَحتج به من يُرجح القِران، وأجاب عنه مَن رجَّح الإفراد بأنه إنما أهلّ بهما ليُبَيِّن جوازهما؛ لئلا يَظن الناسُ أو بعضُهم أنه لا يجوز القِران ولا التمتع، وأنه يتعين الإفراد، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 202).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«فلما رأى عليٌّ» في رواية سعيد بن المسيب: فقال علي: «ما تُريد إلى أن تنهى عن أمرٍ فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟»، وفي رواية الكشميهني: «إلا أن تنهى» بحرف الاستثناء، زاد مسلم من هذا الوجه: «فقال عثمان: دعنا عنك، قال: إني لا أستطيع أن أدعك». فتح الباري (3/ 424).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لبيك بعمرة وحجة» مَقول لمقدَّر، والتقدير: أهلّ بهما حال كونه قائلًا: لبيك. عمدة القاري (9/ 198).
قوله: «قال: ما كنتُ لأدَعَ سُنةَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لقولِ أحدٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «قال: ما كنتُ» أي: قال عليٌّ، وهو استئناف، كأنَّ قائلًا يقول: لم خالفه؟ فقال: «ما كنتُ...» إلى آخره، وحاصله: أنه مجتهِد لا يجوز عليه أنْ يقلد مجتهدًا آخر، لا سيما مع وجود السُّنة، وفي رواية النسائي والإسماعيلي: «فقال عثمان: ترى أني أنهى الناس وأنت تفعله؟ فقال: ما كنتُ لأدع» أي: لِأَترك، اللام فيه للتأكيد. عمدة القاري (9/ 198).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«فقال عليٌّ: لم أكن لأدع سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» وهذا يحتمل أن يكون لأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أباح ذلك فصار سُنة.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): التمتع والقِران والإفراد كل ذلك جائز بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد مضى القول في معنى نهي عمر عن التمتع بما فيه بيان لِمَن فَهِمَ، ولم يكن تمتعٌ ولا قِرانٌ في شيء مِن حجِّ الجاهلية، وإنما كانوا على الإفراد، وكانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. التمهيد (8/ 214).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
«ما كنتُ لأدع سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لقول أحدٍ من الناس» فهذا يبين أنه إذا جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي فعلها علي بن أبي طالب، ووافقه عثمان على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك، لكن كان النزاع: هل ذلك أفضل في حقنا أم لا؟ وهل يشرع فسخ الحج إلى المتعة في حقنا؟ كما تنازع فيه الفقهاء، وفي الصحيح عن عبد الله بن شقيق قال: «كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، فقال: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أجل، ولكنّا كنا خائفين» فقد اتفق عثمان وعلي على أنهم تمتعوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم. شرح عمدة الفقه (4/ 319).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختلف المتأولون في هذه المتعة التي اختلف فيها عثمان وعلي -رضي الله عنهما-: هل هي فسخ الحج إلى العمرة، وهي التي يُجمع فيها بين حجّ وعمرة في عمل واحد، وسفر واحد (أو الاعتمار في أشهر الحج ثم الحَجُّ بعدها)؟ فمَن قال بالأول صرف خلافهما إلى: أنَّ عثمان كان يراها خاصَّة بمن كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، وكان عليٌّ لا يرى خصوصيتهم في ذلك.
ويستدلُّ على هذا بقول عثمان: «أجل؛ ولكنا كنا خائفين» أي: مَن فسخ الحج إلى العمرة، فإنه على خلاف الإتمام الذي أمر الله به، وفيه بُعدٌ، والأظهر القول الثاني، وعليه: فخلافهما إنما كان في الأفضل، فعثمان كان يعتقد أن إفراد الحج أفضل، وعلي -رضي الله عنه- كان يعتقد أن التمتع أفضل؛ إذ الأمَّة مُجمعة على أن كل واحد منهما جائز...، وهذا الذي ظهر لعثمان هو الذي كان ظهر لعمر -رضي الله عنهما- مِن قبله، كما قال عمران بن حصين -رضي الله عنه- فإنه ظهر من استدلال عمر بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جَمَع بين حجٍّ وعُمرة أنَّ الذي منعه عمر هو ما عدا الإفراد، وهذا منه محمول على أنَّه كان يعتقد: أن الإفراد أفضل من التمتع والقِرَان، وكان عمران يعتقد أن الإفراد أفضل؛ ولذلك قال: «قال رجل برأيه ما شاء» يعني به عمر، بعد أن روى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرن، وليست هذه المتعة التي منعها ابن عمر -هنا - هي التي منعها هو في حديث ابن الزبير، بل تلك فَسخ الحج إلى العمرة، كما تقدَّم.
وعلى الجملة: فأحاديث هذا الباب كثيرة الاختلاف والاضطراب، وما ذكرناه أشبهُ بالصواب، والله الموفق الملهم. المفهم (3/ 349).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: جواز الإهلال بالعمرة والحج، وما ذهب إليه عثمان -رضي الله عنه- فقد ذكر الاحتجاج له بأن ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ذلك كان لأجل الخوف، وما فعله عليٌّ محتجًّا بظاهر فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان كل منهما مأجورًا، إلا أن مثل ذلك لو اتفق في زماننا هذا كان المتعين متابعة الإمام فيما يفعله. الإفصاح (1/ 249).
وقال الذهبي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ مذهب الإمام علي كان يرى مخالفة ولي الأمر لأجل متابعة السُّنة، وهذا حسنٌ لمن قوي، ولم يؤذه إمامُه، فإن آذاه، فله ترك السُّنة، وليس له ترك الفرض، إلَّا أن يخاف السيف. سير أعلام النبلاء (15/ 479).
وقال العيني -رحمه الله-:
ذكر ما يُستفاد منه:
فيه: إشاعة العالِم ما عنده من العلم وإظهاره، ومناظرته ولاة الأمور وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك؛ لقصد مناصحة المسلمين.
وفيه: البيان بالفعل مع القول؛ لأن عليًّا -رضي الله تعالى عنه- أمر وفعل ما نهاه عنه عثمان.
وفيه: ما كان عليه عثمان من الحلم أنه لا يلوم مخالِفَه.
وفيه: أن القوم لم يكونوا يسكتون عن قولٍ يرون أن غيره أمثل منه إلا بيَّنوه.
وفيه: أنَّ طاعة الإمام إنما تجب في المعروف.
وفيه: أنَّ معظم القصد الذي بوَّب عليه هو مشروعية المتعة لجميع الناس، فإنْ قلتَ: روي عن أبي ذر أنه قال: «كانت متعة الحج لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- خاصة» في صحيح مسلم.
قلتُ: قالوا: هذا قول صحابي يخالف الكتابَ والسُّنة والإجماع، وقولَ مَن هو خير منه، أما الكتاب فقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} البقرة: 196، وهذا عامٌّ، وأجمع المسلمون على إباحة التمتع في جميع الأعصار، وإنما اختلفوا في فضله، وأما السُّنة فحديث سراقة: «المتعة لنا خاصة أو هي للأبد؟ قال: بل هي للأبد» وحديث جابر المذكور في صحيح مسلم في صفة الحج نحو هذا، ومعناه: أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتع، ولا يرون العمرة في أشهر الحج، فجُوِّزا، فبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الله قد شرع العمرة في أشهر الحج، وجوَّز المتعة إلى يوم القيامة، رواه سعيد بن منصور من قول طاوس، وزاد فيه: «فلما كان الإسلام أمر الناس أن يعتمروا في أشهر الحج، فدخلت العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة»، وقد خالف أبا ذر عليٌّ وسعد وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين وسائر الصحابة وسائر المسلمين، قال عمران: «تمتعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونزل فيه القرآن، ولم ينهنا عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم ينسخها شيء، فقال فيها رجل برأيه ما شاء» متفق عليه. عمدة القاري (9/ 198).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في قصة عثمان وعلي من الفوائد:
جواز الاستنباط من النص؛ لأن عثمان لم يخفَ عليه أن التمتع والقِران جائزان، وإنما نهى عنهما ليعمل بالأفضل كما وقع لعمر، لكن خشي عليٌّ أن يَحمل غيره النهي على التحريم، فأشاع جواز ذلك، وكلٌّ منهما مجتهد مأجور.
(تنبيه): ذكر ابن الحاجب حديث عثمان في التمتع دليلًا لمسألة: اتفاق أهل العصر الثاني بعد اختلاف أهل العصر الأول، فقال: وفي الصحيح أن عثمان كان نهى عن المتعة، قال البغوي: ثم صار إجماعًا، وتُعقِّب بأن نهي عثمان عن المتعة إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج فلم يستقر الإجماع عليه؛ لأن الحنفية يخالفون فيه، وإن كان المراد به فسخ الحج إلى العمرة فكذلك؛ لأن الحنابلة يخالفون فيه، ثم وراء ذلك أن رواية النسائي السابقة مشعِرة بأن عثمان رجع عن النهي، فلا يصح التمسك به، ولفظ البغوي بعد أن ساق حديث عثمان في شرح السنة: "هذا خلاف علي، وأكثر الصحابة على الجواز، واتفقت عليه الأئمة بعد، فحمله على أن عثمان نهى عن التمتع المعهود، والظاهر أن عثمان ما كان يبطله، وإنما كان يرى أن الإفراد أفضل منه، وإذا كان كذلك فلم تتفق الأئمة على ذلك، فإن الخلاف في أي الأمور الثلاثة أفضل باقٍ، والله أعلم.
وفيه: أن المجتهد لا يُلزم مجتهدًا آخر بتقليده؛ لعدم إنكار عثمان على علي ذلك، مع كون عثمان الإمام إذ ذاك، والله أعلم. فتح الباري (3/ 424).