«رَمَى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الجَمْرَةَ يومَ النحرِ ضُحًى، وأما بعدُ فإذا زالتِ الشمسُ».
رواه مسلم برقم: (1299)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري تعليقًا مجزومًا به (2/ 177): بلفظ: وقال جابر: «رَمَى النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يومَ النَّحرِ ضُحًى، ورَمَى بعدَ ذلك بعدَ الزَّوالِ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الجَمْرَة»:
الجَمرة: معروفة، وهي موضع رميِ الجِمار بمكة، وهي ثلاث جَمرات. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 168).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
الجَمرة: واحدةُ جَمَراتِ المناسك، وجِمارُ المناسكِ وجمراتُها: الحصيات التي يُرمى بها في مكة...، وموضع الجمار بمِنى سمِّي جمرة؛ لأنها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنها مجمع الحصى التي يُرمى بها؛ مِن الجَمرة، وهي اجتماع القبيلة على مَن ناوأها. تاج العروس (10/ 458).
شرح الحديث
قوله: «رَمَى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الجَمْرَةَ يومَ النحرِ ضُحًى»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال جابر: «رمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجمرة» أي: جمرة العَقبة «يوم النحر»؛ لأنه لا يُشرع فيه غيرها بالإجماع، «ضحًى» أي: وقت الضحوة، وهو من بعد طلوع الشمس إلى ما قبل الزوال. الكوكب الوهاج (14/ 301).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«رمى النبي -صلى الله عليه وسلم-» أي: رمى جمرة العَقَبة «يوم النحر ضُحًى» بالتنوين على أنه مصروف، وهو مذهب نحاة البصرة، سواء قصد التعريف أو التنكير... ويدخل وقت الرمي يوم النحر بنصف ليلة النحر؛ لما روى أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- «أنه -صلى الله عليه وسلم- أرسل أم سلمة ليلة النحر فرَمَتْ قبل الفجر، ثم أفاضت» ويبقى الرمي إلى آخر يوم النحر. إرشاد الساري (3/ 246).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «الجمرة» يعني: جَمرة العقبة، قوله: «يوم النحر ضحًى» لا خلاف أن هذا الوقت هو الأحسن لرميها، واختُلف فيمَن رماها قبل الفجر، فقال الشافعي: يجوزُ تقديمُهُ من نصفِ الليلِ، وبه قال عطاء وطاوس والشعبي، وقالت الحنفية وأحمد وإسحاق والجمهور: إنه لا يرمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، ومَن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعاد...، والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمَن كان لا رخصة له، ومَن كان له رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز قبل ذلك، ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعًا. نيل الأوطار (5/ 79).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «رمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجَمرة يوم النحر ضحًى» لا خلاف في أنَّ هذا هو الوقت الأحسن لرميها، واختُلف فيمن رماها قبل طلوع الفجر...، مذهب الشافعي -رحمه الله- جواز ذلك، وبه قال عطاء بن أبي رباح، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، وقال مالكٌ وجماعةٌ معه: إنَّ ذلك لا يُجزِئُ، وإن فعله أعادَ الرَّمي. المفهم (3/ 401 - 402).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
أما يوم النحر: فأول وقت الرمي ما بعد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، فلا يجوز قبل طلوعه، وأول وقته المستحب: ما بعد طلوع الشمس قبل الزوال، وهذا عندنا -الأحناف-، وقال الشافعي: إذا انتصفت ليلة النَّحر دخل وقت رمي الجمار، كما قال في الوقوف بعرفة ومزدلفة، فإذا طلعت الشمس وجب، وقال سفيان الثوري: لا يجوز قبل طلوع الشمس، وأما آخره فآخر النهار، كذا قال أبو حنيفة: إن وقت الرمي يوم النحر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو يوسف: يمتد إلى وقت الزوال، فإذا زالت الشمس يفوت الوقت، ولأبي حنيفة الاعتبار بسائر الأيام، وهو أن في سائر الأيام ما بعد الزوال إلى غروب الشمس وقت الرمي، فكذا في هذا اليوم، فإن لم يرمِ حتّى غَرَبَتِ الشَّمسُ فرمَى قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني أجزأه، ولا شيء عليه في قول أصحابنا، وللشافعي فيه قولان، في قولٍ: إذا غربت الشمس فقد فات الوقت، وعليه الفدية، وفي قول: لا يفوت إلا في آخر أيام التشريق، فإن أخَّر الرمي حتى طلع الفجر من اليوم الثاني رمى، وعليه دم للتأخير في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا شيء عليه، والكلام فيه يرجع إلى أن الرمي موقّت عنده، وعندهما ليس بموقّت، وهو قول الشافعي. بذل المجهود (7/ 463 - 464).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
أجمعوا على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى يوم النحر جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، وأجمعوا على أنه لا يُرمَى في يوم النحر غير جمرة العقبة، وأجمعوا على أن رمي جمرة يوم النحر بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أنه يجزئ. الإجماع (ص: 58).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر ضُحًى بعد طلوع الشمس إلى الغروب، وأجمع علماء المسلمين على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وأجمعوا أيضًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يرمِ من الجمرات يوم النحر غير جمرة العقبة، وأجمعوا على أن مَن رماها من طلوع الشمس إلى الزوال يوم النحر فقد أصاب سُنَّتها ووقتها المختار، وأجمعوا أن مَن رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن ذلك مستحبًا له. التمهيد (5/ 284 - 285).
وقال النووي -رحمه الله-:
المراد بيوم النحر: جمرة العقبة؛ فإنه لا يُشرع فيه غيرها بالإجماع...، وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سُنة باتفاقهم، وعندنا يجوز تقديمه من نصف ليلة النحر. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 48)
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
هذا الذي دلت عليه السُّنّةُ: جوازُ الرميِ قبلَ طلوعِ الشمسِ للمعذورِ بمرضٍ أو كِبَر يشُقُّ عليه مُزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك.
وفي المسألة ثلاثة مذاهب:
أحدها: الجواز بعد نصف الليل مطلقًا للقادر والعاجز، كقولِ الشافعي وأحمد.
والثاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة.
والثالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، كقول جماعة من أهل العلم.
والذي دلت عليه السُّنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر (والذي يظهر أيضًا أنَّ هذا التحديد بغياب القمر اجتهاد من أسماء كما سيأتي، وإلا فالنبي أرْخَصَ لهم أنْ يدفعوا قبل الفجر، ويرموا الجمرة قبل طلوع الشمس) لا نصف الليل، وليس مع مَن حدّه بالنصف دليل، والله أعلم. زاد المعاد (2/ 307).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على أن أفضل وقت لرمي جمرة العقبة هو بعد طلوع الشمس يوم النحر؛ لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال: «لِتَأخُذوا مناسِكَكُم» ويجوز الرمي بعد الانصراف من مزدلفة إذا غاب القمر للضعفة والمرضى وكبار السن، ونحوهم، ومن يرافقهم مِن مَحْرَم وسائق...، ويمتدُّ وقت رمي جمرة العقبة إلى غروب الشمس على قول جمهور العلماء، ولا سيما مَن معه نساء ولم ينصرف من مزدلفة في الليل، فالأَولى في حقه أن يؤخِّر الرمي إلى الظهر أو إلى العصر؛ لأن رمي النساء ضحى يوم العيد فيه مشقة عظيمة، كما هو مشاهَد، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقتٍ لها. منحة العلام (5/ 320).
قوله: «وأما بعدُ فإذا زالتِ الشمسُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «وأما بعدُ» بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي: بعد يوم النحر، وهو أيام التشريق «فإذا زالت الشمس» أي: فيَرمي بعد الزوال. البحر المحيط (23/ 669).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأما» رميه «بعدُ» أي: فيما بعد يوم النحر، وهو أيام التشريق «فــ»كان «إذا زالت الشمس» أي: وقت زوال الشمس. الكوكب الوهاج (14/ 301).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «ثم رمى بعد ذلك بعد الزوال» فإنه يعني: رمي الجمار أيام التشريق، وممّن رماها بعد الزوال: عمر بن الخطاب وابن عباس وابن الزبير؛ ولذلك قال ابن عمر: «كنا نتحيّن؛ فإذا زالت الشمس رمينا» وهذه سُنة الرمي أيام التشريق الثلاثة، لا تجوز إلا بعد الزوال عند الجمهور، منهم: مالك والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد (ابن الحسن) والشافعي، ولكنا استحسنا أن يكون في اليوم الثالث قبل الزوال، وقال إسحاق (ابن راهويه): إنْ رمى في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أعاد، وفي اليوم الثالث يجزئه.
وقال عطاء وطاوس: يجوز في الأيام الثلاثة قبل الزوال، وحديث جابر وابن عمر يردُّ هذا القول، والحُجة في السُّنة، فلا معنى لقول مَن خالفها، ولا لمَن استحب غيرها، واتفق مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور، إذا مضت أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها فقد فات الرمي، ويُجبر ذلك بالدم. شرح صحيح البخاري (4/ 414 - 415).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وما بعد ذلك» أي: بعد يوم النحر، وهو أيام التشريق «فإذا زالت الشمس» أي: فرميٌ بعد الزوال...، وفي الجملة: يُسنّ تقديم الرمي على صلاة الظهر إن لم يخف فَوْتَها، كما دل عليه حديث ابن عمر في البخاري، ورواه ابن ماجه. مرقاة المفاتيح (5/ 1816).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «وأما بعدُ فإذا زالت الشمس» يعني: بعد جمرة العقبة، وهذا قول كافة العلماء والسلف، غير أن طاوسًا وعطاءً قالا: يجزئه في الثلاثة الأيام قبل الزوال، وقال أبو حنيفة وإسحاق (ابن راهويه): يجزئ في اليوم الثالث الرمي قبل الزوال، وهذا الحديث حجة عليهم. المفهم (3/ 402).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
أجمعوا على أن مَن رمى الجِمار في أيام التشريق بعد زوال الشمس أن ذلك يجزئه. الإجماع (ص: 58).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الحاج يرمي الجمرات الثلاث أيام منى الثلاثة بعد الزوال، وهذا من العلم العام الذي تناقَلَته الأمَّة خلفًا عن سلف عن نبيها -صلى الله عليه وسلم-. شرح عمدة الفقه (2/ 557).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما أيام التشريق: فمذهبنا ومذهب مالك وأحمد وجماهير العلماء: أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح، وقال طاوس وعطاء: يجزئه في الأيام الثلاثة قبل الزوال، وقال أبو حنيفة وإسحاق بن راهويه: يجوز في اليوم الثالث قبل الزوال، دليلنا: أنه -صلى الله عليه وسلم- رمى كما ذكرنا، وقال -صلى الله عليه وسلم- «لتأخذوا مناسككم». المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 48).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
لا يجزئ رمي الجمار في غير يوم الأضحى قبل زوال الشمس، بل وقته بعد زوالها، كما في البخاري وغيره من حديث جابر: «أنه -صلى الله عليه وسلم- رمى يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال» وإلى هذا ذهب الجمهور، وخالف في ذلك عطاء وطاوس، فقالا: يجوز الرمي قبل الزوال مطلقًا، ورخَّص الحنفية في الرمي يوم النَّفر قبل الزوال، وقال إسحاق (ابن راهويه): إن رمى قبل الزوال أعاد، إلا في اليوم الثالث فيجزئه، والأحاديث المذكورة ترد على الجميع. نيل الأوطار (5/ 96).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الرمي قبل الزوال لا يجوز ولا يصح، فمَن رمى قبل الزوال يجب عليه أن يعيده بعد الزوال، وإن لم يعده فإنه لم يرمِ، وهو كالذي يصلي الظهر قبل الزوال لا تصح صلاته، فكذلك الذي يرمي قبل الزوال لا يصح رميه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جلس في منى ثلاثة أيام متوالية، وفي كلها ينتظر الشمس حتى تزول ثم يرمي، حتى في اليوم الثالث عشر انتظر حتى زالت الشمس ثم رمى، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي -صلى الله عليه وسلم- في يوم واحد من الأيام الثلاثة، حتى يبيّن أنه جائز، لكن كونه يتحرى الزوال في أيام ثلاثة متوالية فإنه يدل على أن الرمي قبل الزوال لا يجوز، وأن مَن رمى قبله فعليه أن يعيد، وإن لم يُعِد فإنه لم يرمِ، وعليه فدية، وهي شاة يذبحها في مكة، ويوزعها على فقراء الحرم إن استطاع، وإلا صام عشرة أيام مكانها. شرح سنن أبي داود (229/ 23).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
قول جمهور العلماء: إنَّ ابتداء وقت الرمي في أيام التشريق الثلاثة هو بزوال الشمس، والإجماع منعقد إلى امتداده إلى الغروب، والاختلاف في انتهاء وقت الجواز فهل ينتهي بالغروب أو يمتد ليلًا حتى طلوع الفجر؟ فالقول الأول: هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والقول الثاني: هو مذهب الحنفية والشافعية، إلا أنَّ المشهور عن المالكية هو أنَّ الرمي ليلًا قضاءٌ، والحنفية والشافعية يقولون: أداءٌ. توضيح الأحكام (4/ 168 - 169).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ التحقيق أنَّه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ لثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: «رمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس»... ثم ساق البخاري -رحمه الله- بسنده عن ابن عمر قال: «كنا نتحيَّن، فإذا زالت الشمس رمينا»... وحديث جابر الصحيح المذكور قبله صريح في الرفع...، وبهذه النصوص الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تعلم أن قول عطاء وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق (ابن راهويه): إنْ رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالِف لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الثابت عنه المعتضد بقوله: «لتأخذوا عني مناسككم»؛ ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد (ابن الحسن) وأبو يوسف، ولم يَرِد في كتاب الله، ولا سُنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- شيء يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له ألبتة، مع مخالفته للسُّنة الثابتة عنه -صلى الله عليه وسلم-، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى. أضواء البيان (4/ 463-464).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله الشيخ الشنقيطيّ -رحمه الله- تحقيق نفيس، خلاصته: أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكن لو أفتى مُفتٍ بقول عطاء وطاوس وإسحاق (ابن راهويه) وأبي حنيفة -رحمهم الله تعالى- من جواز الرمي قبل الزوال بسبب ما حدث في الوقت الحاضر من كثرة الحُجَّاج، وموت كثير منهم، وتضرُّر جميعهم بسبب كون الرمي بعد الزوال، ولا سيّما في اليوم الأخير، لا أرى به بأسًا؛ لقول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام: 119، الآية، فتأمله حقّ التأمل، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (23/ 672-673).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
لا دليل على ما ذهب إليه عطاء وطاوس لا مِن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا من قوله.
وأما ترخيص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، فاستدلوا عليه بأثر ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو ضعيف، فالمعتمد ما قال به الجمهور. تحفة الأحوذي (3/ 545).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
أثر ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: ما أخرجه البيهقيّ بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إذا انتفخ النهار من يوم النفر الآخر، فقد حَلَّ الرّمي والصَّدَر» قال البيهقيّ: طلحة بن عمرو المكي -يعني أحد رواته- ضعيف. البحر المحيط الثجاج (23/ 671).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وأمَّا بعد ذلك فإذا زالت الشَّمس»... ولم يُبيِّن منتهى الوقت، دليل على أنه له أن يرمي ولو بعد غروب الشمس، ويؤيده عموم حديث: «رميتُ بعدما أمسيتُ فقال: لا حرج». فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 416).
وقال الشيخ سعيد بن علي القحطاني -رحمه الله-:
سمعتُ شيخنا ابن باز -رحمه الله- يقول" :والرمي بعد الزوال عند جمهور أهل العلم والأئمة الأربعة، وخالف بعض التابعين، وهو قول شاذٌّ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «خذوا عني مناسككم» ولو كان هناك رخصة لما أخَّرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومعلوم أن الرمي أول النهار فيه سهولة، وفيه سَعة، فلو كان جائزًا لبادَر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد تتبَّعتُ هذا كثيرًا وزمنًا طويلًا، فلم أجد عن صحابيٍّ واحدٍ ما يدل على الرمي قبل الزوال، لا مِن قوله، ولا مِن فعله، والصواب أن الرمي قبل الزوال لا يجزئ، ولو قال به بعض التابعين، ولو قال به أبو حنيفة في يوم النفر، فهو فاسدٌ، ومَن ترك ذلك فعليهِ دمٌ. رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة (ص: 34).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله- أيضًا:
قرار هيئة كبار العلماء بشأن رمي الجمار، ونصه ما يلي:
1. جواز رمي جمرة العقبة بعد منتصف ليلة النحر للشفقة على النساء وكبار السن والعاجزين، ومن يكون معهم للقيام بشؤونهم؛ لما ورد من الأحاديث الصحيحة، والآثار الدالة على جواز ذلك.
2. عدم جواز رمي الجمار الثلاث أيام التشريق قبل الزوال.
3. يقرِّر المجلس -بالأكثرية- جواز الرمي ليلًا عن اليوم السابق، بحيث يمتد وقت الرمي حتى طلوع فجر اليوم الذي يليه؛ دفعًا للمشقة التي تلحق بالحُجاج؛ عملًا بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُم اليُسْرَ} البقرة: 185، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ} الحج: 78؛ ولعدم الدليل الصحيح الصريح الدال على منع الرمي ليلًا، وبالله التوفيق. توضيح الأحكام (4/ 169).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ السُّنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور. فتح الباري (3/ 580).