«لا تزالُ أُمَّتِي على سُنَّتي ما لم تنتظرْ بفِطْرِهَا النُّجومَ» قال: «وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان صائِمًا أَمَرَ رجلًا، فأَوْفَى على شيءٍ، فإذا قال: غابتِ الشمسُ؛ أَفطَرَ».
رواه ابن حبان برقم: (3510) واللفظ له، وابن خزيمة برقم: (2061)، والحاكم برقم: (1584)، من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4772)، والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان برقم: (3501).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فأوفى»:
أوفى: أشرف. المحكم، لابن سيده (10/ 550).
قال البندنيجي -رحمه الله-:
الإيفاء: الإشراف، يقال: أوفى يوفي إيفاءً، أي: أشرف. التقفية في اللغة(ص: 67).
شرح الحديث
قوله: «لا تزال أُمَّتي على سُنَّتي، ما لم تنتظر بفطرها النُّجوم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«لن تزال أُمَّتي على سُنَّتي ما لم ينتظروا بفطرهم» من الصُّوم «النُّجوم» أي: ظهورها للنَّاظر واشتباكها. التيسير (2/ 302).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«لن تزال أُمَّتي على سُنَّتي ما لم ينتظروا بفطرهم» من الصُّوم «طلوع النُّجوم» فتعجيل الفطر بعد تحقيق غروب الشَّمس مندوب. السراج المنير (4/ 139).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لن تزال أُمَّتي على سُنَّتي» على طريقتي في الإفطار، أو مطلقًا «ما لم ينتظروا بفطرهم طلوع النُّجوم» فيه الحثُّ على التَّعجيل بالفطور، وتقدَّم أنه من سُنن الأنبياء. التنوير (9/ 118).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
من السُّنَّة تعجيل الفطر، وتأخير السُّحور، والتَّعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بمغيب الشَّمس، ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاكٌّ هل غابت الشَّمس أم لا؟ لأن الفرض إذا لزم بيقين لم يخرج عنه إلَّا بيقين، والله -عزَّ وجلَّ- يقول: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة: 187، وأَوَّل الليل مغيب الشمس كُلِّها في الأفق عن أعين النَّاظرين، ومَنْ شكَّ لزمه التَّمادي حتى لا يشكَّ في مغيبها. التمهيد - (13/ 250).
وقال الباجي -رحمه الله-:
تعجيل الفطر أن لا يؤخَّرَ بعد غروب الشَّمس على وجه التَّشدُّد والمبالغة، واعتقاد أنه لا يجزئ الفطر عند غروب الشَّمس على حسب ما تفعله اليهود، وأمَّا من أخَّر فطره باختياره لأمر عنَّ له، مع اعتقاده أن صومه قد كمل عند غروب الشمس، فلا يُكره له ذلك. المنتقى شرح الموطأ (2/ 42).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فالمراعى نِيَّة التَّعجيل لا صورة التَّعجيل، ردًّا على مَنْ يؤخِّره إلى اشتباك النُّجوم احتياطًا على الصُّوم، حتى لو اشتغل الرَّجل بأمر ما عن الفطر مع اعتقاد الفطر، وقد انقضى الصُّوم بدخول الليل، لم يدخل في كراهية تأخير الفطر، وكذلك مَنِ اشتغل بأداء عبادة كالصَّلاة وغيرها كما فعل عمر وعثمان، فإنه لا يدخل في كراهية تأخير الفطر. المسالك في شرح موطأ مالك (4/ 172).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال المهلب: والحكمة في ذلك: أن لا يُزاد في النهار من الليل؛ ولأنه أرفق بالصَّائم، وأقوى له على العبادة. شرح سنن أبي داود (10/ 351).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
المراد بالإفطار: الأكل والشُّرب، وإنْ كان الإفطار يحصل بغروب الشمس حُكْمًا، وإنما يفطر مع تيقُّن غروب الشمس، فأمَّا مع الشَّكِّ فلا. الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 198).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
لأن فيه (أي: تعجيل الإفطار) مخالفة أهل الكتاب، وكان مما يتديَّنون به الإفطار عند اشتباك النُّجوم، ثم صار في مِلَّتنا شعارًا لأهل البدعة، وسِمَةً لهم، وهذه هي الخصلة التي لم يرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الميسر (2/ 463).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
وهو صريح في أنَّ تأخير الفطر إلى طلوع النَّجم بدعةٌ مخالفة للسُّنة.حسن التنبه لما ورد في التشبه (8/ 92).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
تعجيل الفطر والحضُّ عليه لأمور:
أحدها: منصوص عليه، وهو ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يزال الدِّين ظاهرًا ما عجَّل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخِّرون»... فجعل -صلى الله عليه وسلم- العِلَّة في التَّعجيل مخالفة أهل الكتاب في التَّأخير.
ثانيها: مستنبط، وهو أنه -عليه الصلاة والسلام- إنما حضَّ على التَّعجيل للفطر لئلا يُزاد في النهار من الليل، فيكون زيادة في الفرض.
ثالثها: أن ذلك أرفقُ للصَّائم...الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (5/ 309- 310).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: ما داوموا على هذه السُّنَّة؛ لأن تعجيله بعد تيقُّن الغروب من سُنن المرسلين، فمَنْ حافظ عليه تخلَّقَ بأخلاقهم؛ ولأن فيه مخالفةَ أهل الكتاب في تأخيرهم إلى اشتباك النُّجوم، وفي مِلَّتنا شعار أهل البدع، فمَنْ خالفهم واتَّبع السُّنَّة لم يزل بخير، فإن أخَّر غير معتقد وجوب التَّأخير، ولا ندبه، فلا ضير فيه. فيض القدير (6/ 450).
وقال الشيخ موسى شاهين -حمه الله-:
قد يظنُّ بعض المغالين في العبادة أن إطالة زمن الصُّوم بتعجيل وتقديم السُّحور أو تركه بالكليَّة، وتأخير الإفطار عن أوَّلِ وقته، قد يظنُّ ذلك فضيلة تزيد أجره وثوابه، وهو ظنٌّ فاسد؛ لأن الله تعالى شرع العبادات بموازين تُحقِّق الحكمة منها، فالزِّيادة فيها قد تفسد حكمتها. لقد رأينا حين صام قوم في السَّفر وأفطر قوم، وقام المفطرون بخدمة الصَّائمين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»، وإن هذا الظنَّ الفاسد قد يسوِّل لصاحبه أن الزِّيادة في الأمر المشروع خير دائمًا، والحقُّ غير ذلك، فصلاة الظُّهر خمسًا عمدًا يبطلها، ثم إن هذا الظنَّ الفاسد لا يتَّفِق مع شكر الله على رحمته وعفوه وتخفيفه وتيسيره على الأُمَّة، وهو يشبه الإباء والرَّفض لهذا التيسير؛ لهذا كان تعجيل الفطر مُستحبًّا، بل كان السُّحور وأَكْلَة السَّحر مندوبة، وتأخيرها إلى ما يقرب من طلوع الفجر خير من تعجيلها عند نصف الليل، وما زال المسلمون بخير ما تمسَّكُوا بسُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الرُّخص، وأمور التيسير، ويا ويلهم إن أهملوها، سواء أهملوا في أداء ما يؤدَّى، أو تشدَّدوا فيها، وغلوا في الدِّين بما ليس فيه، هداهم الله سواء السبيل. فتح المنعم (4/ 524)
قوله: «قال: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان صائمًا أمر رجلًا فأوفى على شيء، فإذا قال: غابت الشمس، أفطر»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«على شيء» عالٍ يرتقب الغروب، يقال: أوفى على الشيء، أشرف عليه «فإذا قال»: قد «غابت الشمس أفطر». فيض القدير (5/ 158).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان إذا كان صائمًا، أمر رجلًا فأوفى» أشرف، يقال: أوفى «على شيء» أشرف عليه، ولفظ الطبراني (هذا عند الحاكم لعل وهمٌ): «على نشز من الأرض» أي: يأمره ينتظر غروب الشمس «فإذا قال: غابت الشمس، أفطر» أفطر مسارعةً إلى الفطر؛ ليحوز أجر المسارعة، وفيه: أن ذلك يندب، وأنه يُقبل خبر الآحاد. التنوير (8/ 442).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الاحتياط أنْ لا يأكل آخر النهار إلَّا بيقين؛ لخبر: «دع ما يُريبك إلى ما لا يريبك»، ويَحِلُّ بسماع أذان عدلٍ عارف، وبإخباره بالغروب عن مشاهدة، نظير ما مرَّ في أول رمضان، وبالاجتهاد بوردٍ (أي: من قراءة أو ذِكْر) ونحوه في الأصحِّ، كوقت الصلاة. تحفة المحتاج في شرح المنهاج (3/ 411).
وقال الروياني -رحمه الله-:
وفي الشَّهادة على غروب الشمس لا بُدَّ من اثنين، كالشَّهادة على هلال شوال. بحر المذهب للروياني (3/ 311).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قول (صاحب) البحر: لا يجوز بخبر العدل كهلال شوال، ردُّوه بما صحَّ «أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا كان صائمًا أمر رجلًا فأوفى على نشز، فإذا قال: قد غابت الشمس، أفطر» وبأنه قياس ما قالوه في القبلة والوقت والأذان، ويفرق بينه وبين هلال شوال، بأن ذاك فيه رفع سبب الصُّوم من أصله، فاحتيط له، بخلاف هذا، ويجوز الأكل إذا ظن بقاء الليل باجتهاد، أو إخبار. تحفة المحتاج (3/ 411).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
ولو بقي نور في الدُّنيا، وصفرة الدُّنيا، ما عليها عبرة، متى غابت الشمس وسقطت الشمس أفطر الصَّائم، ولو بقي لها آثار الصُّفرة في الجبال والأشجار، ما دام غاب القرص، وسقط القرص؛ فإنه يُفطر الصَّائم، أمَّا إذا كان ما غابت، وإنما حال دونها جبل أو قصر أو كذا، فلا يفطر حتى يعلم أنها غابت؛ وذلك بغيبوبتها من جهة المغرب، فإذا غابت الشمس أفطر الصَّائم، ولو كان بقي لها آثار نور من جهة أطراف الجبال، أو أطراف الشَّجر صفرة، صفرة أول الليل، فهذه لا تُعدُّ، المهم غيبتها، فإذا غاب القرص وسقط القرص أفطر الصَّائم. الإفهام في شرح عمدة الأحكام (ص: 411- 412).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال المهلب: والحكمة في ذلك (تعجيل الفطر): أنْ لا يُزاد في النهار من الليل؛ ولأنه أرفق بالصَّائم، وأقوى له على العبادة.
واتَّفق العلماء على أنَّ مَحلَّ ذلك إذا تحقَّق غروب الشمس بالرُّؤية، أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح. فتح الباري (4/ 199).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وخرج بقيد: تحقُّق الغروب ما إذا ظنَّه، فلا يسنُّ له تعجيل الفطر به، وما إذا شكَّه فيحرم به، وأمَّا ما يفعله الفلكيُّون أو بعضهم من التَّمكين بعد الغروب بدرجة، فمخالف للسُّنَّة. إرشاد الساري (3/ 393).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
وأُحِبُّ تعجيل الفطر، وترك تأخيره، وإنَّما أكره تأخيره إذا تعمَّد ذلك؛ كأنه يرى الفضل فيه. الأم (2/ 106).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
ومقتضاه (أي: كلام الشافعي) أنَّ التَّأخير لا يُكره مطلقًا، وهو كذلك؛ إذ لا يلزم من كون الشَّيء مستحبًّا أنْ يكون نقيضه مكروها مطلقًا. فتح الباري (4/ 199).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هكذا قال في الفتح، وفيه نظر لا يخفى؛ إذ كونه مكروهًا هو الذي دلَّ عليه ظاهر النَّصِّ؛ لأنه نصَّ على أنَّ التَّعجيل فيه مخالفة لليهود والنَّصارى، كما سلف من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وقد أُمِر -صلى الله عليه وسلم- بمخالفتهم، وأمر به أُمَّته، وفي تأخير الفطر موافقة لهم، ومخالفة لهديه -صلى الله عليه وسلم-، فكيف يُقال: إنه غير مكروه؟! بل الذي يظهر من النُّصوص المذكورة التَّحريم، فتأمَّلْ بالإنصاف. البحر المحيط الثجاج (20/ 567-568).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
ولو أنَّ بعض الناس صنع هذا الصَّنيع (تأخير الفطر) وقصده في ذلك: تأديب النَّفس، ودفع جماحها، أو مواصلة العشاءين بالنَّوافل غير معتقد فيما يعتقده أولئك الفئة الزَّائغة من القول بوجوبه لم يضرره ذلك، ولم يدخل به في جملتهم...، وتأخير الإفطار نظرًا إلى سياسة النَّفس أمر قد صنعه كثير من الرَّبانيين، وأصحاب النَّظر في الأحوال والمعاملات. الميسر (2/ 464).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
أقولُ: بل يضرُّه، حيث يفوته السُّنَّة، وتعجيل الإفطار بشربة ماء لا ينافي التَّأديب والمواصلة، مع أنَّ التَّحصيل إظهار العجز المناسب للعبودية، ومبادرة إلى قبول الرُّخصة من الحضرة الرُّبوبية...، (و) متابعة الرَّسول هي الطَّريق المستقيم، مَنْ تعوَّج عنها فقد ارتكب المعوج من الضَّلال، ولو في العبادة، ويؤيِّده ما صحَّ أنَّ الصَّحابة كانوا أعجل الناس إفطارًا، وأبطأهم سحورًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1381).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
معنى الاستحباب فيه: مخالفة اليهود، ومحافظة الحدود، وأن لا تُفسدوا شرعكم، كما أفسد اليهود شرعهم. فيض الباري (3/ 356).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وعِلَّة استحباب تعجيل الفطر: إشباع الناس؛ ليكون لها حضورٌ وقوَّةٌ عند أداء الصلاة. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 18).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وفي الحديث دلالة على استحباب تعجيل الفِطر إذا تحقق غروب الشمس. والحِكمة في ذلك أن لا يُزاد في النهار من الليل ولأنه أَرفق بالصائم وأقوى له على العبادة. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (10/ 77).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذه الأحاديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعجل الإفطار، ويعجل الصلاة، خلافًا لبعض أهل البدع كالرافضة ونحوهم، فإنهم يؤخرون الإفطار، ويؤخِّرون المغرب إلى اشتباك النُّجوم، وهذا مخالف للسُّنَّة. توفيق الرب المنعم (3/ 270).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
تنبيهٌ: من البدع المنكرة ما أُحدِثَ في هذا الزَّمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جُعِلَت علامة لتحريم الأكل والشُّرب على مَنْ يريد الصِّيام زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرَّهم ذلك إلى أنْ صاروا لا يؤذِّنون إلَّا بعد الغروب بدرجة؛ لتمكين الوقت زعموا، فأخَّروا الفطر، وعجَّلوا السُّحور، وخالفوا السُّنَّة، فلذلك قلَّ عنهم الخير، وكثير فيهم الشَّرُّ، والله المستعان. فتح الباري (4/ 199).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)