الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

عن غُنَيْمِ بنِ قَيْسٍ، قال: سألتُ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ -رضي الله عنه- عنِ المُتْعَةِ؟ فقال: «فَعَلْنَاهَا وهذا يومئذٍ كافِرٌ بالْعُرُشِ، يعني: بُيُوتَ مكَّةَ».


رواه مسلم برقم: (1225)، من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
وفي رواية لمسلم برقم: (1225): «يعني: مُعاويةَ».
وفي رواية لمسلم برقم: (1225): «المُتْعَةُ في الحَجِّ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«المُتْعَةِ»:
بضم الميم، وكسرها لغةً، اسم للتمتيع، كالمتاع، وهو ما يتمتع به من الحوائج...، وأنْ يضم لحَجه عمرةً. تحفة المحتاج، لابن حجر الهيتمي (31/ 332).
وقال الزركشي -رحمه الله-:
المتعة في الحج تُطلق على شيئين:
أحدهما: على الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، وهو المراد بقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ} البقرة: ١٩٦، كما حكاه ابن عبد البر وغيره.
والثاني: على فسخ الحج إلى العمرة. المعتبر (ص: 97).
وقال العيني -رحمه الله-:
قيل: سُمِّي المتمتِّع مُتمتِّعًا؛ لأنهم يتمتعون بالنساء والطيب بين العمرة والحج. البناية شرح الهداية (4/ 300).

«بالعُرُشِ»:
بضمَّتين، يعني: بيوت مكة. فتح الباري، لابن حجر (3/ 566).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
بيُوت مَكَّة سُمِّيت العُرُش؛ لأنَّها عيدان تُنصَب، ويُظلَّل عليها، وقد يُقال لها أيضًا: عُروش... غريب الحديث (4/ 21).


شرح الحديث


قوله: «قال: سألتُ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ -رضي الله عنه- عنِ المُتْعَةِ؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عن» حُكْم «المتعة» أي: عن متعة الحج، كما في الرواية الآتية، هل هي جائزة أم لا؟ أي: عن الاعتمار في أشهر الحج. الكوكب الوهاج (14/ 88).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
المراد بالمتعة المذكورة: الاعتمارُ في أشهر الحج. إكمال المعلم (4/ 299).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
وكان الشّاميون ينهَوْنَ عن الاعتمار في أشهر الحجّ، فصار الصَّحابة يَرْوُون السُّنة في ذلك، ردًّا على مَنْ نهى عن ذلك، فالقارِنُ عندهم مُتمتّعٌ؛ ولهذا وجبَ عليه الهديُ، ودخل في قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} البقرة: 196. كشف اللثام (4/ 290).
وقال النووي -رحمه الله-:
وكان عمر وعثمان ينهيان عنها (المتعة في الحج) نهي تنزيه، لا تحريم، وإنَّما نهيا عنها؛ لأن الإفراد أفضل، فكان عمر وعثمان يأمران بالإفراد؛ لأنَّه أفضل، وينهيان عن التمتع نهي تنزيه؛ لأنه مأمور بصلاح رعيته، وكان يرى الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (8/ 202).
وقال المازري -رحمه الله-:
اختُلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل: هي فسخ الحج في العمرة، وقيل: بل هي العمرةُ في أشهر الحج، ثم الحَجُّ بعدها، ويكون نهيه عن ذلك على جهة التَّرغيب فيما هو الأفضل الذي هو الإِفراد؛ وليكثر تَرَدُّدُ الناس إلى البيت. المعلم (2/ 86).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ظاهر هذا في حديث جابر وعمران وأبي موسى: أنَّ المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج والعمرة؛ ولذلك جاء ضرب عمر عليها، وما كان ليضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنَّما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة: أنَّه كان خصوصًا قبل ذلك في تلك الحِجة من فسخ الحج في العمرة.
قال أبو عمر الحافظ (ابن عبد البر): لا خلاف بين العلماء في أنَّ التمتع المراد بقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْي} البقرة: 196 أنَّه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، على ما تقدم من صفته. إكمال المعلم (4/ 264).
وقال النووي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: والمختار أنَّ عمر وعثمان وغيرهما إنَّما نُهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامِه، ومرادهم نهي أولوية للترغيب في الإفراد؛ لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقِرَان من غير كراهة، وإنَّما اختلفوا في الأفضل منها. المنهاج شرح مسلم (8/ 169).

قوله: «فعَلنَاهَا»:
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
وهذا إنما أراد به سعد عُمرة القضية؛ فإن معاوية لم يكن أسلم إذ ذاك. وأما في حِجة الوداع فكان قد أسلم فكذلك في عمرة الجعرانة فسمى سعد الاعتمار في أشهر الحج متعة؛ لأن بعض الشاميين كانوا ينهون عن الاعتمار في أشهر الحج فصار الصحابة يَرْوُون السنة في ذلك ردًّا على من نهى عن ذلك. مجموع الفتاوى(26/٧٠).
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» سعْد «فعلناها» أي: فعلنا المتعة، أي: العمرة في أشهر الحج معاشر أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-، والمراد بالمتعة هنا العمرة التي كانت سنة سبع من الهجرة، وهي عمرة القضاء. الكوكب الوهاج (14/ 88).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
والمراد بالمتعة: العمرة التي كانت سنة سبع من الهجرة، وهي عُمرة القضاء، وكان معاوية يومئذ كافرًا، وإنما أسلم بعد ذلك، عام الفتح، سنة ثمان، وقيل: إنه أسلم بعد عمرة القضاء، سنة سبع، والصحيح الأول، وأما غير هذه العُمرة من عُمَر النبي -صلى الله عليه وسلم - فلم يكن معاوية فيها كافرًا مقيما بمكة، بل كان معه -صلى الله عليه وسلم-. فتح المنعم، شرح صحيح مسلم(5/٢٢٥).

قوله: «وهذا يومئذٍ كافِرٌ بالْعُرُشِ، يعني: بُيُوتَ مكَّةَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
الإشارة في قوله: «وهذا» إلى معاوية بن أبي سفيان، أي: والحال أنَّ هذا الرجل الذي ينهى عنها «يومئذٍ» أي: يوم إذ فعلنا المتعة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «كافر» على دين الجاهلية، مقيم «بالعُرُش» يعني سعدٌ بالعُرُش: «بيوت مكة»؛ لأنَّها مظلَّلة بسعف النخل. الكوكب الوهاج (14/ 88).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهذا» إشارة إلى معاوية، كما تبيَّن في الرواية التالية، حيث قال: «يعني: معاوية». البحر المحيط الثجاج (23/ 202).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «يومئذٍ كافرٌ» فيه شيء من المجاز، أي: كان قريب العهد بالكفر؛ لأنَّه أسلم يوم فتح مكة...، وكأنَّ معاوية كان ينهى عن التمتع، فقال ذلك فيه سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-. منة المنعم (2/ 267).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
لعل معاوية أيضًا أراد بالمنع منها ما أراده عثمان وعمر -رضي الله عنهم أجمعين-. الكوكب الوهاج (14/ 89).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «يعني: بُيُوتَ مكَّةَ» وهذا التفسير من مروان بن معاوية، ففي آخر الحديث عند أبي نعيم ما لفظه: «وقال مروان: يعني: بيوت مكة». البحر المحيط الثجاج (23/ 203).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقال بعضهم: «بالعَرْش» بفتح العين، وسكون الراء، وتأوَّله عرش الله سبحانه، وهو تصحيف. إكمال المعلم (4/ 299).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «وهذا كافر بالعُرُش» أي: كان حينئذٍ كافرًا، وأراد: إِنَّي أَقْدَم وأعْرَف بما كان، والعُرُش: بيوت مكة. الإفصاح (1/ 364).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الأَولى أنْ يُحمل الكفر ها هنا على المعروف، وأنَّ المراد بالمتعة المذكورة الاعتمارُ في أشهر الحج، والإشارة بذلك إلى عمرة القضاء؛ لأنَّها كانت في ذي القعدة، وقد قيل: إنَّ في هذا الوقت كان إسلام معاوية، والأظهر أنه من مَسْلَمة الفتح، وأما غير هذه من عمرة الجعرانة وإنْ كانت أيضًا في ذي القعدة، فمعاوية قد كان أسلم، ولم يكن مقيمًا بمكة، وكان في عسكر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى هوازن في جملة أهل مكة، وكذلك في حجة الوداع لم يكن معاوية ممن تخلَّف عن الحج مع النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، ولا تخلف عنه غيره إلا أنْ يكون أراد فسخ الحج في العمرة التي صنعها مَن قَدِمَ مع النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فمعاوية أيضًا لا يثبت أنه كان مقيمًا بمكة حينئذٍ، وكيف وقد استكتبه النبي -عليه السلام-، وكان معه بالمدينة، فلم يكن حينئذٍ مقيمًا بمكة. إكمال المعلم (4/ 299).
وقال النووي -رحمه الله-:
في المراد بالكفر هنا وجهان:
أحدهما: ما قاله المازري وغيره المراد: وهو مقيم في بيوت مكة، قال ثعلب: يُقال: اكتفر الرجل إذا لزم الكُفُور، وهي القُرى، وفي الأثر عن عمر -رضي الله عنه-: «أهل الكُفُور هم أهل القبور» يعني: القُرى البعيدة عن الأمصار، وعن العلماء.
والوجه الثاني: المراد الكفر بالله تعالى، والمراد: أنَّا تمتعنا ومعاوية يومئذٍ كافر على دين الجاهلية، مقيم بمكة، وهذا اختيار القاضي عياض وغيره، وهو الصحيح المختار. شرح صحيح مسلم (8/ 204).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله- بعد ذكر الاختلافات في المراد بالكفر هنا:
قلتُ: وما ذُكر من أنَّ الأظهر أنَّه يعني الكفر المعروف، يقدح فيه أنه لا يجوز إطلاق كافر لكُفْرٍ سبق، لا سيَّما في صحابي.
فإنْ قلتَ: تسمية الشيء بما كان عليه أحد أنواع المجاز، فيكون إطلاق كافر هنا منه.
قلتُ: إطلاق كافر لكُفْرٍ سبق مما استثنوه من هذا النوع، ولا يضرُّ عدم اطِّراد المجاز، بل هو خاصَّته عكس الحقيقة، فإنها مطَّردة. إكمال إكمال المعلم (3/ 360).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
إنكار الأُبيّ إطلاق لفظ كافر لكُفْرٍ سبق فيه نظر، فتأمَّله، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (23/ 204).
وقال العيني -رحمه الله-:
ثم إنَّه أراد بهذا الكلام أنهم تمتعوا قبل إسلام معاوية، وقيل: أراد بقوله كافرٌ الاختفاء والتغطي، يعني: أنَّه كان مختفيًا في بيوت مكة، والأول أشهر؛ لأنَّه صرح في الرواية الأخرى: «وهو يومئذٍ مشرك»، وقد قالوا: إنَّ المراد بقوله: «فعلنا متعة الحج وهو يومئذٍ مشرك» هو إحدى العمرتين المتقدمتين: إما الحديبية، وإما عمرة القضاء، فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية معه، وقد أسلم؛ لأنَّها كانت بعد الفتح، وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر، وهذا ظاهر. نخب الأفكار (9/ 173).
وقال النووي -رحمه الله-:
في هذا الحديث: جواز المتعة في الحج. شرح صحيح مسلم (8/ 205).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: ذِكْر تقدُّم إسلام سعد على إسلام معاوية؛ ولا خلاف في أنَّه أفضل منه؛ لأنَّه قُطِعَ له بالجنة -رضي الله عنهما-. الإفصاح (1/ 364).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف -رحمه الله تعالى- (النسائي) وهو بيان مشروعية المتعة.
ومنها: ما كان عليه السلف من المناقشة العلمية، وإبداء كلٍّ دليله الذي يستند إليه.
ومنها: أنَّ السُّنة هي الحُجة بنفسها، ولا يضرها مخالفة مَن خالفها بتأويل، وأنَّ مَن خالفها يُعتذر عنه بأنه ما خالفها إلا لاجتهاد أدَّاه إلى ذلك؛ ولذا لم يعنف سعد، ولم يذم عمر -رضي الله تعالى عنهما- بأنه خالف السُّنة عمدًا، بل تركه ورأيه، وأظهر السُّنة، ودعا إليها، وهكذا واجب كل عالم، ألَّا ينتقص من أهل العلم أحدًا بمجرد مخالفته لبعض النصوص تأويلًا، ولا ينصب العداوة معه، بل يعتذر عنه بما استطاع من الأعذار، ويظهر الحق، ويدعو إلى السُّنة.
ومنها: أنَّ في إنكار سعد على الضحاك قوله دليلًا على أنَّ العالم يلزمه إنكار ما سمعه من كل قول يضاف به إلى العلم ما ليس بعلم إنكارًا فيه رفق وتؤدة، ألا ترى قول سعد -رضي الله عنه- له (في رواية النسائي): «ليس ما قلتَ يا ابن أخي»، فلما أخبره الضحاك أنَّ عمر -رضي الله عنه- نهى عنها، لم ير ذلك حجة؛ لما كان عنده حُجَّة من السُّنة، وقال: «صنعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وصنعناها معه...» والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (24/ 186-187).


إبلاغ عن خطأ