«مرَّ على النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- رجلٌ، فرأى أصحابُ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن جَلَدِهِ ونشاطِهِ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: إنْ كان خَرج يسعى على ولدِهِ صِغارًا فهو في سبيلِ اللهِ، وإنْ كان خَرجَ يَسْعَى على أَبَوينِ شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان يَسْعَى على نفسِهِ يُعِفُّهَا فهو في سبيلِ اللهِ، وإنْ كان خَرَجَ رِياءً ومُفاخَرةً، فهو في سبيلِ الشيطانِ».
رواه الطبراني في المعجم الكبير واللفظ له برقم: (282)، والأوسط برقم: (6835) والصغير برقم: (940) من حديث كعب بن عجرة -رضي الله عنه-.
ورواه البيهقي شعب الإيمان برقم: (9892)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
حديث كعب في صحيح الجامع برقم: (1428)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1692).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«جَلَدِهِ»:
الجَلَد: القوَّة والصَّبر. النهاية، لابن الأثير (1/ 284).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
الجَلَد: ما صلب من الأرض، واستوى متنه...، وناقةٌ جَلدَةٌ ونوقٌ جَلَداتٌ، وهي القويَّةُ على العملِ والسَّير، وتُجمع على جِلادٍ. العين(6/ 81).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الجيم واللَّام والدَّال أصل واحد، وهو يدلُّ على قوَّة وصلابة. مقاييس اللغة (1/ 471).
أي: قويًّا في نفسه وجسمه. فتح القريب المجيب، للفيومي (7/ 743).
«يُعِفُّهَا»:
العِفَّة: الكفُّ عما لا يحِلُّ. العين، الفراهيدي (1/ 92).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
العفاف والتَّعفُّف: وهو الكفُّ عن الحرام، والسُّؤال من الناس. النهاية (3/ 264).
شرح الحديث
قوله: «مرَّ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ، فرأى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
«فرأى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جَلَده ونشاطه»... يقال: رجل جَلْد ساكن اللَّام، وجليد بين الجَلَد والجلادة ومجلود، والجَلَد: بالفتح القوَّة والشِدَّة والصَّبر، أي: قويًّا في نفسه وجسمه. فتح القريب المجيب (7/ 743).
قوله: «فقالوا: يا رسول الله: لو كان هذا في سبيل الله؟»:
قال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
يعني: أن الرجل قوي ويعمل بجد وبهمة وبنشاط، فلو كان يجاهد في سبيل الله لكان أحسن. شرح رياض الصالحين (12/ 6).
قوله: «إنْ كان خرج يسعى على وَلَدِهِ صِغَارًا، فهو في سبيل الله»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا» أي: يسعى على مؤنة بنيه، حال كونهم أطفالًا، لا مُموِّن لهم غيره. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 372).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «وإن خرج يسعى على ولده صغارًا، فهو في سبيل الله»... وقال عبد الله بن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو: وتعلمون عملًا أحسن مما نحن فيه؟ قالوا: لا نعلم ذلك، قال: أنا أعلم، رجل مُتعفِّف ذو عيال، قام من الليل فنظر إلى صبيانه يتامى متكشِّفين، فسترهم وغطاهم بثوبه، فعمله أفضل مما نحن فيه...، وقال بعض السَّلف: من الذُّنوب ذنوب لا يكفِّرها إلَّا الهمُّ بطلب المعيشة، وهذا رواه الطبراني. فتح القريب المجيب (7/ 743).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا» أي: يسعى على ما يقيم به أَوَدَهُم (الأود: العوج والميل)، «فهو» أي: الإنسان الخارج لذلك، أو الخروج أو السَّعي «في سبيل الله» أي: في طريقه، وهو مثاب مأجور؛ إذ الخروج فيه كالخروج في سبيل الله، أي: الجهاد أو السَّعي كالسَّعي فيه. فيض القدير (3/ 31).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«إن كان خرج يسعى على ولده» بضمِّ الواو، وسكون اللَّام، حال كونهم «صغارًا فهو» أي: سعي ذلك الشَّخص «في سبيل الله» أي: طريقه الذي أمر بالسَّعي فيها، مثاب مأجور. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 179).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن كان خرج يسعى على ولده صِغارًا» سببه: أنه مرَّ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجل من أصحابه، فرأوا مِنْ جَلَده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟ فذكره، و«صِغارًا» منتصب على الحال من «ولده»، وهو اسم جنس يقع على الواحد والجماعة، فلذا جمع الحال.
وفيه: أنه لا سعي على الأولاد الكبار -على الأبوين-، وأنه سعى على الصِّغار، أي: يتكسَّب لهم «فهو» أي: ذلك الإنسان ساعٍ «في سبيل الله» أي: في طاعته. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 241).
قوله: «وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وإن كان خرج يسعى على» مُؤْنة «أبوين» له «شيخين كبيرين» أي: أدركهما الهرم عنده «فهو في سبيل الله». التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 372).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين» فيه التَّكسُّب على الوالدين العاجزين، وأمَّا الإيجاب في الأطراف كُلِّها، فلا ينتهض هذا دليل عليه «فهو في سبيل الله». التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 241).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
«وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين» أي: لا يستطيعان التَّكسُّب «أو» على «ذرية» صغار «ضعفاء» عادمين القوّة «ليغنيهم» عن المسألة، ويكفهم «فهو في سبيل الله». تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (2/ 1018).
قوله: «وإن كان يسعى على نفسه يُعِفُّهَا فهو في سبيل الله»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعِفُّها» أي: لأجل أن يُعِفَّها عن سؤال الناس، أو عن أكل الحرام، أو عن الوطء الحرام «فهو في سبيل الله». التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 372).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
قال -صلّى الله عليه وسلم-: «لا تقولوا هذا، فإنه إن كان يسعى لنفسه» أي: لإعانة نفسه «ليكُفَّها» أي: يمنعها عن المسألة، أي: عن سؤال مخلوق مثله «ويغنيها عن الناس» إذ الحاجة إليهم لا تخلو عن الذُّلِّ «فهو في سبيل الله»؛ لأن هذا المقصد من جملة أعمال الخير. تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (2/ 1018).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
والعفاف قد يكون منه العفاف عن الرَّذائل على كثرتها، ومنه العفاف عن أموال الناس، ومنه العفاف عن سؤال الأجر على تبليغ الحقِّ، ومنه العفاف الذي يؤدي إلى العون (الغض) عما لا يَحِلُّ من النَّظر فما فوقه، ومنه العفاف عما جاوز الكفاية بالمعروف في كُلِّ معنى. الإفصاح (2/ 128).
قوله: «وإن كان خرج رِيَاءً ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فهو في سبيل الشيطان» أي: طريقه، وعلى ما يُحِبُّه، ويرضاه، والمراد: إبليس، أو الجنس. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 372).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«وإن كان خرج يسعى» لا لواجب أو مندوب، بل «رياء ومفاخرة» بين الناس «فهو في سبيل الشيطان» إبليس أو المراد الجنس، أي: في طريقهم، أو على منهجهم. فيض القدير (3/ 31).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان» أي: طريقه التي يُحِبُّ أن يسعى بنو آدم فيها. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 179).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإن خرج رياء ومفاخرة» أي: التَّكسُّب أو التفاخر بقوته ونشاطه «فهو في سبيل الشيطان»، فأبان -صلى الله عليه وسلم- أن مَنْ خرج يكسب لواجب أو مندوب، فهو مأجور أجر المجاهد، وإلَّا فهو آثم. التنوير شرح الجامع الصغير (4/ 241- 242).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
«وإن كان يسعى مُكاثرًا» على أقرانه وأمثاله «ومفاخرًا» بتحصيل ماله «فهو في سبيل الشيطان» هكذا أورده صاحب القوت (قوت القلوب لأبي طالب المكي). تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (2/ 1018).
وقال أبو الحسن المنوفي المالكي -رحمه الله-:
ولا يلزمه أيضًا النَّفقة على أحد من أقاربه إلَّا في صورتين:
إحداهما: على أبويه الفقيرين الحُرَّين مُسلِمَين كانا أو كافرين إذا كان حرًّا، واعترف بفقرهما، أمَّا إذا أنكر فقرهما، فعلى الأبوين إثبات عدمهما، ولا يحلفان مع ذلك؛ لأن تحليفهما عقوق.
والأخرى: على صغار ولده الذين لا مال لهم، أمَّا لزوم النَّفقة على الأولاد الصِّغار الذُّكور حتى يحتلموا، والحال أنه لا زمانة، أي: لا آفة بهم تمنعهم من الكسب؛ ظاهره أن الزَّمانة إذا طرأت بعد البلوغ، وهو صحيح لا أثر لها، فلا تعود النَّفقة على الأب، وهو كذلك على المشهور. كفاية الطالب (2/ 172-173).
وقال ابن باديس -رحمه الله-:
وكذلك إذا شغل بالسَّعي على نفسه، أو على العيال، فإن له أجرين: أجر ما شغل عنه، وأجر سعيه على عياله. وأدِلَّة ثواب السَّاعي على عياله كثيرة، منها حديث الرَّجل الذي رأى الصحابة -رضي الله عنهم- من جَلَده ونشاطه...، مثله مَنْ شُغِل بطاعة عن طاعة، كمَنْ شُغِل بالرِّباط عن نافلة الحجِّ مثلًا؛ لأنه إذا كان المشغول بالسَّفر المأذون فيه يُكتب له ما كان يعمله مقيمًا؛ لأن نِيَّته المداومة لولا عارض السَّفر، فالمشغول بالطَّاعة عن طاعة كان ينوي فعلها لولا عروض الطَّاعة الأخرى أحرى وأَوْلَى. مجالس التذكير (ص: 138).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
السعي وراء تحصيل الرزق بالوسائل المشروعة وبالقدر المشروع الذي لا يجعله غايته من حياته ... يعتبره الشارع الحكيم من الجهاد في سبيل الله -عز وجل-.
فقد جاء في الحديث الصحيح: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان جالسًا يومًا وحوله أصحابه، حينما مر رجلٌ شابٌ جلدٌ قويٌ عليه آثار النشاط والشباب، فقال أحد الحاضرين: لو كان هذا في سبيل الله، أي: لو كانت هذه الفتوة وهذا الشباب والقوة في سبيل الله -عز وجل- يتمنى أحد الحاضرين أن يكون هذا الشاب المار بهذه القوة والفتوة يجاهد في سبيل الله -عز وجل- فقال -صلى الله عليه وآله وسلم- ملفتًا نظر من حوله أولًا، ثم من سيبلغهم هذا الحديث ثانيًا، إلى أن السعي وراء الرزق -كما قلت آنفًا- هو من الجهاد في سبيل الله -عز وجل- حيث قال -صلى الله عليه وآله وسلم- مجيبًا ذلك الصحابي الذي تمنى أن يكون شباب ذلك الرجل المار وقوته في سبيل الله -عز وجل،- قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن كان هذا خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أهله وأولاده الصغار فهو في سبيل الله».
إذًا: السعي وراء الرزق هو من الأمور المرغوب فيها، والتي حظ الشارع الحكيم عليها، ولكن على اعتبار أنها وسيلة وليست غاية، المسلم في هذه الحياة إنما غايته أن يعبد الله -عز وجل- وحده لا شريك له، وسعيه وراء الرزق ليتمتع بالقدرة والقوة على القيام بما فرض الله -عز وجل- عليه من الجهاد، ليس فقط في قتال الأعداء الذين حرمنا -مع الأسف الشديد- في عصرنا هذا من هذا الجهاد، وإنما على الأقل في الجهاد جهاد النفس الأمارة بالسوء، التي تتطلب القيام بكثيرٍ من الفروض والواجبات، ومنها -مثلًا- الصلاة التي هي الركن الثاني بعد الشهادتين في الإسلام.
فمن كان هزيلًا، ومن كان مريضًا لا يسعى لتقوية بدنه بما أنعم الله عليه من رزقٍ؛ فقد لا يستطيع أن يقوم بما فرض الله -عز وجل- من عليه الجهاد النفسي العام، الذي عبَّر عنه الرسول -عليه السلام- في الحديث الصحيح حين قال: «المجاهد من جاهد نفسه لله» وفي رواية: «هواه لله -عز وجل-» هذا الجهاد يتطلب -كما ألمحت آنفًا- إلى أن يكون المسلم قويًا في جسده، كما هو قويٌ في عقيدته وفي معانيه الإيمانية الإسلامية. دروس للشيخ الألباني (18/ 3).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
وأشرنا سابقًا إلى الشَّاب الذي خرج على المسلمين، والرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجلسه مع أصحابه، وكله نشاط وحيوية، فقال أحد الجلساء: «لو كان هذا في سبيل الله؟» أي: لو كان هذا النشاط وهذه الطَّاقة توجه إلى سبيل الله... (الحديث)، فالرَّسول -صلى الله عليه وسلم- يجعل الساعي ليعفَّ نفسه، أو ليكُفَّها عن الحرام، ويعول أسرته: أبويه أو زوجه أو أولاده «في سبيل الله». إذًا الجهاد ميادينه واسعة، وكُلٌّ بحسبه. شرح الأربعين النووية (67/ 9).
وقال الشيخ سعيد بن وهف القحطاني -رحمه الله-:
وهكذا نجد السُّنَّة المطهَّرة تحثُّ على طلب الرِّزق، كما حثَّ على ذلك القرآن الكريم، والأدِلَّة من القرآن والسُّنَّة على أنَّ طلب الرِّزق عبادة كثيرة جدًّا، ولكن الفرق بين هذه الأعمال، والتي تتحوَّل إلى عبادة، وبين أعمال الذين يكدحون من غير المسلمين أن هذه الأعمال تتحوَّل بنِيَّة المؤمن الصَّادق، واحتسابه إلى عبادة.
إذًا نأخذ مما تقدَّم أنه يجب على والد الطَّفل أن يعلِّمَه حرفة شريفة يكتسب منها، لكي يعيش على الحلال، ويبتعد عن الحرام والشُّبهات.
ولقد قال بعض المربين: إنه من المستحسن لوالد الطَّفل بعد أن يُعلِّمَه العلوم الشَّرعيَّة التي لا بُدَّ منها: أن يراعي رغبة الولد، وميوله إلى المهنة التي يرغب أن يكون عالمًا فيها، ما لم تتعارض مع الشَّريعة الإسلامية، ومِنْ هؤلاء العلماء: العلَاّمة ابن خلدون، وابن سينا وغيرهما. الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة (ص: 137).