«كانوا يرونَ أنّ العمرةَ في أشهرِ الحجِّ من أفجرِ الفجورِ في الأرضِ، ويجعلونَ المُحَرَّمَ صفَرًا، ويقولونَ: إذا بَرَا الدَّبَرْ، وعَفَا الأَثَرْ، وانسلخَ صَفَرْ، حلَّتِ العمرةُ لمن اعتمرَ، قدِمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه صبيحةَ رابعةٍ مُهِلِّينَ بالحجِّ، فأمرَهم أنْ يجعلوها عمرةً، فتعاظمَ ذلك عندَهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الحلِّ؟ قالَ: حِلٌّ كُلُّهُ».
رواه البخاري برقم: (1564) ومسلم برقم: (1240) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لمسلم برقم: (1240): «أهلَّ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بالحجِّ، فقَدِمَ لأربعٍ مَضَيْنَ من ذي الحجةِ، فصلى الصُّبْحَ، وقالَ لما صلَّى الصبحَ: مَن شاءَ أن يجعلَها عمرةً فليجعلْها عمرةً».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الدَّبَر»:
بالتحريك: الجرح الذي يكون في ظهر البعير، يقال: دَبِرَ يَدْبَرُ دَبَرًا، وقيل: هو أن يقرح خفُّ البعير. النهاية، لابن الأثير (2/ 97).
«عَفَا الأَثَر»:
أي: انمحى أثر الحاجّ من الطريق بوقوع الأمطار، أو ذهب أثر الدَّبَر. مجمع بحار الأنوار، للفتني (2/ 143).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
عَفَتِ الريحُ الأثرَ: إذا طمسَتْه ومحَتْه. النهاية في غريب الحديث(3/ 265).
«أهلَّ»:
أهلَّ المحرمُ بالحجِّ يُهِلُّ إهلالًا: إذا لبّى ورفع صوته. النهاية، لابن الأثير (5/ 271).
شرح الحديث
قوله: «كانوا يرونَ أنَّ العمرةَ في أشهرِ الحجِّ من أفجرِ الفجورِ في الأرضِ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«يرون» أي: يعتقدون، والضمير لأهل الجاهلية «أنَّ العمرة» في الكلام مضاف محذوف، والتقدير: أنَّ فعل العمرة «من أفجر الفجور» هو من باب أكذب الكذب، والقصد منه المبالغة في المعنى، حيث جعل الفجور كأنه يفجر، والمعنى: أنَّ ذلك من أعظم الذنوب. المنهل الحديث (2/ 184- 185).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«كانوا» أي: أهل الجاهلية «يرون» بفتح الياء، أي: يعتقدون، وقال في المصابيح (للدماميني) كالتنقيح (للزركشي) وغيره: بضمها، أي: يظنون «أن العمرة» أي: الإحرام بها «في أشهر الحجّ» شوّال وذي القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة النحر أو عشر أو ذي الحجة بكماله على الخلاف السابق، «من أفجر الفجور» من باب: جدّ جدّه، وشِعْر شاعر، والفجور الانبعاث في المعاصي، فجر يفجر من باب نصر ينصر، أي: من أعظم الذنوب «في الأرض» وهذا من مبتدعاتهم الباطلة التي لا أصل لها، وسقط حرف الجر في رواية أبي الوقت؛ فـ«أفجر» نُصب على المفعولية. إرشاد الساري (3/ 130- 131).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«كانوا يرون أن العمرة» بفتح أوله أي: يعتقدون، والمراد أهل الجاهلية، ولابن حبان من طريق أخرى عن ابن عباس قال: «والله ما أعمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك؛ فإن هذا الحي من قريش ومَن دان دينهم كانوا يقولون ...» فذكر نحوه، فعرف بهذا تعيين القائلين: قوله: «من أفجر الفجور» هذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة عن غير أصل. فتح الباري (3/ 426).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور» وليس لهم في ذلك ما يتمسك به إلا أنه من مخترعاتهم كالطواف عريانًا، وعدم الوقوف بعرفة؛ ولذلك أبطله الشارع. الكوثر الجاري(7/ 41).
قوله: «ويجعلونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «ويجعلون المحرم صفر» هكذا هو في النسخ «صفر» من غير ألف بعد الراء، وهو منصوب مصروف بلا خلاف، وكان ينبغي أن يكتب بالألف، وسواء كُتب بالألف أم بحذفها لا بدّ من قراءته هنا منصوبًا؛ لأنه مصروف. المنهاج شرح صحيح مسلم (8/ 225).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
قوله: «ويجعلون المحرم صفر» كذا هو في جميع الأصول من الصحيحين...، يعني والمشهور عن اللغة الربيعية (منسوبة إلى ربيعة من قبائل العرب) كتابة المنصوب بغير ألف، فلا يلزم من كتابته بغير ألف ألا يصرف، فيقرأ بالألف. فتح الباري (3/ 426).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ويجعلون المحرم» أي: يسمونه صفرًا، بالتنوين والألف؛ لأنه مصروف، وفي نسخة: «صفر» بلا ألف بالوقف على لغة ربيعة في الوقف على المنصوب المنون، فإن وُصل قرئ مُنَوَّنًا، لكن حكي أنه غير منصرف، فيقرأ غير مُنَوَّن. منحة الباري (4/ 60- 61).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«ويجعلون المحرم صفرًا» يعني النسيء، كانوا يسمون المحرم صفرًا ويحلونه وينسؤون المحرم، أي: يؤخرونه بعد صفر؛ لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر حُرُم فتضيق بها الأمور عليهم، فرد الله تعالى ذلك عليهم، وقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} التوبة:37. إكمال المعلم (4/ 318).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«ويجعلون المحرم صفرًا» أي: يجعلون صفرًا من الأشهر الحرم لا المحرم. الكواكب الدراري (8/ 92).
قوله: «ويقولونَ: إذا بَرَا الدَّبَرْ، وعفا الأثرْ، وانسلخَ صَفَرْ، حلَّتِ العمرةُ لمن اعتمرَ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ويقولون» جملتا «يجعلون» «ويقولون» معطوفتان على «يرون»، «إذا برأ الدبر» برأ بالهمزة وبدونها، ومعناه صحّ وشفي، والدَّبَر بفتح الدال المشددة، والباء المفتوحة: الجرح، و(أل) فيه للعهد أي: إذا شفي جرح ظهور الإبل الحادث من عناء الحمل في الحج، «وعفا الأثر» (أل) في الأثر للعهد، والمعنى: ذهب وانمحى أثر سير الإبل من الطريق بعد رجوعهم من الحج بسبب الأمطار أو طول الأيام مع الهواء، ويحتمل أن يكون المراد من الأثر أثر هذه الجروح... «حلت العمرة لمن اعتمر» أي: صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يُحرم بها جائزًا، ففي لفظ «اعتمر» مجاز مرسل. المنهل الحديث (2/ 185).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«ويقولون: إذا برأ» -بفتحتين فهمزة- أي: أفاق، يقال: بَرَأْتُ من المرض، وبَرِئْتُ أيضًا، بكسر الراء «الدَّبر» -بدال مهملة وياء موحدة مفتوحتين- أي: الجرح الذي يكون في ظهر الدابة، يريدون: أن الإبل كانت تدبر بالسير عليها إلى الحج، «وعفا الأثر» أي: دُرِسَ أثر الحاجّ من الطريق، والمجيء بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها؛ لطول الأيام، «وانسلخ صفر» أي: انقضى وانفصل. مصابيح الجامع (4/ 90- 91).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«برأ» بفتح الراء «الدَّبَر» بمهملة وراء مفتوحتين، أي: ما يلحق ظهور الإبل من جرح ونحوه من الأثر باصطكاك الأقتاب، فيبرأ ذلك الدَّبر إن حصل في زمن الحج بعد الانصراف منه «وعفا الأثر» أي: ذهب أثر ذلك الدَّبَر، يقال: عفا الشيء: إذا ذهب، وقيل: المراد بالأثر: أثر الإبل والسير، أي: آثار مشي الحاج في الطريق من وقوع الأمطار وغيرها؛ لطول الأيام، «حلت العمرة» أي: صارت حلالًا. اللامع الصبيح (6/ 29- 30).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «إذا برأ الدَّبر» يحتمل أن يكونوا أرادوا بروء الدَّبر من ظهور الإبل إذا انصرفت عن الحج دبرت ظهورها، وقوله: «عفا الأثر» أي: ذهب أثر الدبر، يقال: عفا الشيء، بمعنى دُرِسَ وانمحى، إلا أن المعروف من هذا في عامة الروايات: عفا الوبر، ومعناه: طرّ (طَلَعَ) الوَبر وكثر، يقال: عفا الشيء، بمعنى كثر، ومنه قوله -عز وجل-: {حَتَّى عَفَوْا} الأعراف:95، أي: كثروا. أعلام الحديث (2/ 857- 858).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «وعفا الأثر» أي: دُرِسَ وأُمْحِيَ، والمراد أثر الإبل وغيرها في سيرها، عفا أثرها لطول مرور الأيام هذا هو المشهور...، وهذه الألفاظ تُقرأ كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها؛ لأن مرادهم السجع. المنهاج شرح صحيح مسلم (8/ 225- 226).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «حلَّت» أي: صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يُحْرِم بها جائزًا، فإنْ قلتَ: ما وجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار في أشهر الحج الذي هو المقصود من الحديث والمحرَّم وصفر ليسا من أشهر الحج؟
قلتُ: لما سموا المحرم صفرًا وكان من جملة تصرفاتهم جعل السَّنة ثلاثة عشر شهرًا صار صفر على هذا التقدير آخر السَّنة، وآخر أشهر الحج، أو يقال: بُرْء الدبر هو عبارة عن مُضِي شهر ذي الحجة والمحرم؛ إذ لا بُرء بأقل من هذه المدة غالبًا، وأما ذكر انسلاخ صفر الذي من الأشهر الحرم بزعمهم فلأجل أنه لو وقع قتال في الطريق وفي مكة لقدروا على المقاتلة، فكأنه قال: إذا انقضى شهر الحج وأثره والشهر الحرام جاز الاعتمار، أو يراد بالصفر المحرَّم، ويكون إذا انسلخ صفر كالبيان والبدل لقوله: «إذا برأ الدبر» فإن الغالب أن البُرْءَ لا يحصل من أثر سفر الحج إلا في هذه المدة وهي ما بين أربعين يومًا إلى خمسين ونحوه، وهذا أظهر لكن بشرط أن يكون مرادهم من حرمة الاعتمار في أشهر الحج: أشهره وزمانًا آخر بعده فيه أثره. الكواكب الدراري (8/ 92- 93).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وعفا الأثر» أي: اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها، ويحتمل أثر الدبر المذكور، وفي سنن أبي داود: «وعفا الوبر» أي: كثر وبر الإبل الذي حُلق بالرحال...، ووجه تعلُّق جواز الاعتمار بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر الحج وكذلك المحرم: أنهم لما جعلوا المحرم صفرًا ولا يستقرون ببلادهم في الغالب ويبرأ دَبَر إبلهم إلا عند انسلاخه ألحقوه بأشهر الحج على طريق التبعية، وجعلوا أول أشهر الاعتمار شهر المحرم الذي هو في الأصل صفر والعمرة عندهم في غير أشهر الحج، وأما تسمية الشهر صفرًا، فقال رؤبة: أصلها أنهم كانوا يغيرون فيه بعضهم على بعض فيتركون منازلهم صَفَرًا، أي: خالية من المتاع، وقيل: لإصفار أماكنهم من أهلها. فتح الباري (3/ 426).
قوله: «قدِمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه صبيحةَ رابعةٍ مُهِلِّينَ بالحجِّ»:
قال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه» أي: دخلوا مكة «صبيحة رابعة» أي: صبيحة يوم الأحد الموافق لليوم الرابع من ذي الحجة. منار القاري (3/ 89).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «قدِم صبيحة رابعةٍ» فيه: دخولها نهارًا، وكان ابن عمر يستحبه، وكذا عطاء والنخعي وابن راهويه وابن المنذر، وهو أصح الوجهين عندنا (الشافعية)، وقيل: دخولها ليلًا ونهارًا سواء، وهو قول طاوس والثوري، وعن عائشة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز: دخولها ليلًا أفضل من النهار، وقال مالك: يستحب دخولها نهارًا، فمن جاءها ليلًا فلا بأس به، قال: وقد كان عمر بن عبد العزيز يدخلها لطواف الإفاضة ليلًا، وسيأتي ترجمة البخاري دخولها ليلًا ونهارًا، ولم يأتِ في دخولها ليلًا شيء نعلمه. التوضيح (11/ 254-255).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه» مكة «صبيحة» ليلة «رابعة» مضت من ذي الحجة، حالة كونهم «مُهِلِّين» أي: مُحْرِمِين «بالحج» أي: أكثرهم. الكوكب الوهاج (14/ 145).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قدم النبي -صلى الله عليه وسلم-» كذا في الأصول من رواية موسى بن إسماعيل عن وهيب، وقد أخرجه المصنف (البخاري) في أيام الجاهلية عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب بلفظ: «فقدم» بزيادة فاء وهو الوجه، وكذا أخرجه مسلم من طريق بهز بن أسد، والإسماعيلي من طريق إبراهيم بن الحجاج كلاهما عن وهيب، قوله: «صبيحة رابعةٍ» أي: يوم الأحد، قوله: «مُهِلِّيْنَ بالحج» في رواية إبراهيم بن الحجاج: «وهم يُلَبُّون بالحج» وهي مفسرة لقوله: «مُهِلِّيْنَ»، واحتجّ به مَن قال: كان حج النبي -صلى الله عليه وسلم- مفردًا، وأجاب مَن قال: كان قارنًا بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة. فتح الباري (3/ 426).
وقال العيني -رحمه الله-:
«مُهِلِّيْنَ» نُصب على الحال، أي: حال كونهم مُهِلِّيْنَ بالحج، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج: «وهم يُلَبُّون بالحج» وهذه الرواية تفسر قوله: «مُهِلِّيْنَ». عمدة القاري (9/ 200).
وفي رواية لمسلم: «أهلَّ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بالحجِّ، فقَدِمَ لأربعٍ مَضَيْنَ من ذي الحجةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أهلّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحج فقدِم» مكة «لأربع» ليالٍ «مضينَ» أي: خلونَ «من ذي الحجة». الكوكب الوهاج (14/ 146).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «أهلّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحجّ» تقدم أن المراد بالحج معه العمرة؛ لأن الصحيح أنه -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا من أول الأمر؛ لصريح حديث عمر -رضي الله عنه- المتقدم، فتنبه. البحر المحيط الثجاج (23/ 324- 325).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي رحمه الله أيضًا:
وقوله: « فقدم لأربع مَضَين من ذي الحجّة» أي: لأربع ليال مضين من شهر ذي الحجة، وفي رواية البخاريّ: «قدم النبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأصحابه لصبح رابعةٍ يُلبُّون بالحجّ»، أي في صبح ليلة رابعة لشهر ذي الحجة، وكان ذلك صباح يوم الأحد. البحر المحيط الثجاج (23/ 325).
قوله: «فأمرَهم أن يجعلوها عُمرةً»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فأمرهم» -عليه الصلاة والسلام- «أن يجعلوها» أي: يقلبوا الحجة «عُمرة» ويتحللوا بعملها، فيصيروا متمتعين، وهذا الفسخ خاصّ بذاك الزمن خلافًا لأحمد. إرشاد الساري (3/ 132).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأمرهم» أي: أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة، أي: مَن لم يسق الهدي منهم «أن يجعلوها» أي: أن يجعلوا حجتهم «عمرة» ويفسخوا إليها. الكوكب الوهاج (14/ 145).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «فأمرهم أن يجعلوها عمرة» وذلك بفسح نية الحج وقطع أفعاله، وأن يجعل الإحرام للعمرة، فإذا فرغ من أعمال العمرة حلّ ثم أحرم من مكة ليكون متمتعًا، وهذا إذا لم يسق الهدي، فإن ساقه لم يجز له الفسخ؛ لأنه لو فسخ الحج احتاج إلى أن يشرع في أفعال عمرة ولا يحلّ منها إلا بالحلق، وقد قال تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} البقرة:196، وإنما أمر أصحابه بالفسخ ليقع الخلاف بين حجهم وحج المشركين، فإن المشركين كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، وكان يحب مخالفتهم، وقد قال أصحابنا (الحنابلة): إنما أمرهم بالفسخ ليتمتعوا، وتأسَّف على التمتع، وقال ابن عقيل: وهذا يبعد عندي أن يكون الله -عز وجل- فوَّت نبيه في حجته الإحرام بها على الوجه الأفضل.
وهذا الحديث نصّ في جواز فسخ الحج إلى العمرة، وقد رواه جماعة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه إنما أمر أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة، وتأسَّف هو على كونه لا يمكنه الفسخ لأجل الهدي، فهو في الصحيحين من حديث جابر وغيره، وقد نصّ أحمد على جواز ذلك، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود: لا يجوز فسخ الحج بحال، وإنما تأسَّف -عليه السلام- على سوق الهدي؛ لئلا يخالف فعله فعل أصحابه، فيظنّ المنافقون أنه غير متَّبَع في فعله، فأراد أن يكون الأمر واحدًا. كشف المشكل (2/ 340- 341).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قد استدل بهذه الأحاديث...، إنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد، وبه قال أحمد وطائفة من أهل الظاهر.
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي -قال النووي: وجمهور العلماء من السلف والخلف-: إن فسخ الحج إلى العمرة هو مختص بالصحابة في تلك السَّنة لا يجوز بعدها، قالوا: وإنما أُمروا به في تلك السَّنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدلوا بحديث أبي ذر وحديث الحارث بن بلال عن أبيه وسيأتيان ويأتي الجواب عنهما، قالوا: ومعنى قوله: «للأبد» جواز الاعتمار في أشهر الحج، أو القران، فهما جائزان إلى يوم القيامة، وأما فسخ الحج إلى العمرة فمختص بتلك السَّنة، وقد عارض المجوِّزون للفسخ ما احتج به المانعون بأحاديث كثيرة عن أربعة عشر من الصحابة قد ذكر المصنِّف في هذا الباب منها أحاديث عشرة منهم، وهم جابر وسراقة بن مالك وأبو سعيد وأسماء وعائشة وابن عباس وأنس وابن عمر والربيع بن سبرة والبراء، وأربعة لم يذكر أحاديثهم وهم حفصة وعلي وفاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو موسى، قال في الهدي (ابن القيم): وروى ذلك عن هؤلاء الصحابة طوائف من كبار التابعين، حتى صار منقولًا عنهم نقلًا يرفع الشك، ويوجِب اليقين، ولا يمكن أحدًا أن ينكره، أو يقول: لم يقع، وهو مذهب أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومذهب حبر الأمة وبَحْرها ابن عباس وأصحابه ومذهب أبي موسى الأشعري، ومذهب إمام أهل السُّنة والحديث أحمد بن حنبل وأهل الحديث معه، ومذهب عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ومذهب أهل الظاهر، انتهى.
واعلم أن هذه الأحاديث قاضية بجواز الفسخ، وقول أبي ذر لا يصلح للاحتجاج به على أنها مختصة بتلك السَّنة، وبذلك الرَّكْب، وغاية ما فيه أنه قول صاحبي فيما هو مسرح للاجتهاد، فلا يكون حجة على أحد على فرض أنه لم يعارضه غيره، فكيف إذا عارضه رأي غيره من الصحابة كابن عباس. نيل الأوطار (4/ 382-383).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
أما الإمام أحمد وأهل الحديث فلا يرون وجوب الفسخ، وإنما يرون استحبابه، ويرون أنَّ تغليظ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفسخ وغضبه هو لعدم المبادرة في امتثال أمره؛ ليزيل العادة الجاهلية في عدم الاعتمار في أشهر الحج، ومسلك الإمام أحمد وأتباعه مسلك حسن، وسط في الأقوال، والله أعلم. توضيح الأحكام (4/ 63).
وقال المازري -رحمه الله-:
جمهور الفقهاء على أن فسخ الحج في عمرة إنما كان خاصًّا بالصحابة، وأنه -عليه السلام- إنما أمرهم بذلك ليخالفوا ما كانت الجاهلية عليه من أنها لا تستبيح العمرة في أشهر الحج، وتقول: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر.
قال بعض أصحاب الظاهر: بل ذلك جائز إلى الآن، واحتجوا بقوله -عليه السلام- لسراقة: «بل للأبد».
ويحتمل عندنا أن يريد بقوله: «بل للأبد» الاعتمار في أشهر الحج لا فسخ الحج في العمرة، واحتجوا أيضًا بما في بعض طرق الحديث لما قال سراقة: «ألعامنا أم للأبد؟ فقال: دخلت العمرة في الحج، لا بل لأبدِ أبدٍ».
ويحتمل عندنا أن يريد بقوله: «دخلت العمرة في الحجّ» أي: جازت العمرة في أشهر الحج؛ خلافًا لما كانت الجاهلية تعتقده، ويحتمل أن يكون دخولها في الحج في عمل القارن، وقد تأوله بعض مَن لم يرَ العمرة واجبة على أن المراد به سقوط فرض العمرة بالحج، فمعنى دخول العمرة في الحج سقوط وجوبها به.
وقد ذكر النسائي في كتابه: «أنه سئل فقيل له: ألعامنا أم للأبد؟ فقال: لكم خاصّة» فهذا يؤكد ما قلناه، ويحمل على هذا الفسخ وهو الذي لهم خاصة، والأول على إجازة العمرة في أشهر الحج هو الذي لهم وللناس بعدهم. المعلم (2/ 83- 84).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد ذكر مسلم بعد هذا في حديث أبي ذر: «كانت لنا رخصة»: يعني: المتعة في الحجّ، وفي الحديث الآخر: «لأصحاب محمد خاصة» وذكر النسائي حديث سراقة، وفيه: تمتعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلنا: لنا خاصة أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد» وذكر حديث الحارث بن بلال عن أبيه، وفيه: فقلتُ: يا رسول الله، فَسْخُ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: «بل لنا خاصة» فقد تبين بمجموع هذه الأحاديث وتفسير ما فُسر منها في رواية، وبيانه لما أجمل في غيرها أن الخصوص لفسخ الحج في العمرة، وعموم الإباحة فعل العمرة في أشهر الحج. إكمال المعلم (4/ 261).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أما فسخ الحج في عمرة فهو في حديث عائشة وابن عباس وجابر وغيرهم، فالجمهور على تركه، وأنه لا يجوز فعله بعد النبي -عليه السلام-، وليس لأحد دَخَلَ في حجَّة أن يخرج منها إلا بتمامها، ولا يحله منها شيء قبل يوم النحر من طواف ولا غيره، وإنما أَمر به أصحابه ليفسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج؛ لأنه خشي -عليه السلام- حلول أجله قبل حجة أخرى فيجعلها عمرة في أشهر الحج، فلما لم يتسع له العمر بما استدل عليه من كتاب الله ومن قرب أجله، أمرهم بالفسخ وأحلّ لهم ما كانت الجاهلية تحرمه من ذلك، وقد قال أبو ذر: ما كان لأحد بعده أن يُحْرِم بالحج ثم يفسخه في عمرة. شرح صحيح البخاري (4/ 249).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
اختلف الناس فيما بعد هذه الواقعة: هل يجوز فسخ الحج إلى العمرة، كما في هذه الواقعة أم لا؟
فذهب الظاهرية إلى جوازه، وذهب أكثر الفقهاء المشهورين إلى منعه، وقيل: إن هذا كان مخصوصًا بالصحابة، وفي هذا حديث عن أبي ذر -رضي الله عنه- وعن الحارث بن بلال عن أبيه أيضًا، أعني في كونه مخصوصًا. إحكام الأحكام (2/ 86).
وقال العمراني الشافعي -رحمه الله-:
مَن أحرم بالحج لم يجز له فسخه إلى العمرة، وبه قال عامة الفقهاء، وقال أحمد: يجوز ذلك لمن لم يكن معه هدي، واحتجّ بما روى جابر: «أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أحرم هو وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلحة، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- مَن لم يكن معه هدي أن يفسخ الحج، ويُحرم بالعمرة».
دليلنا: ما روى بلال بن الحارث قال: قلتُ: يا رسول الله، الفسخ لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ فقال: «بل لنا خاصة»؛ ولأنه عبادة لا يخرج منها بالفساد، فلا يخرج منها بالفسخ كالعمرة، وأما الحديث المذكور في الفسخ: فأومأ الشافعي -رضي الله عنه- في الأم إلى: أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أحرموا إحرامًا موقوفًا، فلما انتظر النبي -صلى الله عليه وسلم- القضاء بين الصفا والمروة، نزل عليه القضاء: «مَن ساق الهدي فليجعله حجًّا، ومَن لم يسق الهدي فليجعله عمرة» وروي ذلك عن طاوس.
فإن كان على هذا التأويل فهو جائز في وقتنا هذا.
قال الشيخ أبو حامد (الإسفراييني): والمشهور في الأخبار خلاف هذا، وأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أحرم هو وأصحابه بالحجّ، فلما دخل مكة فسخ الحج على مَن لم يكن معه هدي، وأمرهم بالإحرام بالعمرة، وإنما فعل ذلك؛ ليبين جواز الاعتمار في أشهر الحج؛ لأنّ أهل الجاهلية كانوا لا يرون ذلك، ويقولون: هو من أفجر الفجور، ويقولون: إذا عفا الأثر، وبرأ الدَّبَر، وانسلخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر، فأحبّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبين الجواز بأظهر ما يكون، ففسخ عليهم الحج، وإنما خص بالفسخ مَن لم يكن معه هدي؛ لأنه فرضهم الصوم، ولا ضرر عليهم في الصوم بمكة، ولو فسخها على الذين معهم هدي لاحتاجوا إلى ذبح هديهم بمكة، وفي ذلك ضرر؛ لأنهم يحرمون بالحج من مكة، والمتمتع يذبح هديه إذا أحرم بالحج، فكان يصير سنَّة الذبح بمكة، وفي ذلك ضرر؛ لأنها تتلوث بالدم، فتركهم على إحرامهم لكي يذبحوا بمنى، وتكون سنَّة الذبح بها، ولا تتلوث مكة بالدم.
فإذا كان على هذا التأويل فإنّ الفسخ يكون خاصًّا لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو الصحيح؛ لما ذكرناه من حديث بلال بن الحارث. البيان (4/ 88- 90).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
حاصله: أنهم كانوا يحلُّون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره، وكان الذين يفعلون ذلك يسمون: النَّسَأَة، وكانوا أشرافهم، وفي ذلك قال شاعرهم:
ألسنا الناسئين على معدٍّ *** شهور الحلِّ نجعلها حرامًا
فردّ الله تعالى كل ذلك بقوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} التوبة:37. المفهم (3/ 363).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
«والنَّسِيء» تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر؛ وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محارِبون شق عليهم ترك المحاربة، فيُحِلُّونه ويحرمون مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحُرم بالتحريم، فكانوا يحرِّمون مِن شق شهور العام أربعة أشهر؛ وذلك قوله تعالى: {لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} التوبة:37، أي: ليوافقوا العدّة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين، وربما زادوا في عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت. تفسير الكشاف (2/ 270).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فسْخُ الحج في العمرة هي المتعة التي كان عمر ينهى عنها في الحج ويعاقب عليها، لا التمتع الذي أذن الله ورسوله فيه.
وقال بعض أصحابنا: في أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يفسخوا حجهم في عمرة، أوضح دليل على أنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج؛ لأنه لو جاز ذلك لم يؤمروا بفسخ الحج في العمرة؛ إذ الغرض كان في ذلك أن يريهم -صلى الله عليه وسلم- جواز العمرة في أشهر الحج لا غير؛ لما كانوا عليه من أن ذلك لا يحلّ ولا يجوز، على ما كانوا عليه في جاهليتهم؛ فأراهم -صلى الله عليه وسلم- فسخ ذلك وإبطاله بعمل العمرة في أشهر الحج، ولو جاز إدخالها على الحج ما احتاج -والله أعلم- إلى الخروج عما دخل فيه، واستئنافه بعد؛ للمعنى المذكور، والله الموفق للصواب. التمهيد (15/ 321- 322).
وفي رواية لمسلم: «فَصَلَّى الصُّبْحَ، وقالَ لما صلَّى الصُّبْحَ: مَن شاءَ أنْ يجعلَها عمرةً فلْيجعلْها عمرةً»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«مَن شاء أن يجعلها» أي: الحجة «عمرة فليجعلها عمرة» وكان هذا الحكم المعلَّق على المشيئة من غير إيجاب في ابتداء الأمر، فلما رأى استنكافهم عن ذلك أوجبه عليهم، وكان هذا خاصة لهم في تلك السنة لدفع أمر الجاهلية. بذل المجهود (7/ 113).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهره التخيير؛ ولذلك كان منهم الآخذ، ومنهم التارك، لكن بعد هذا ظهر منه -صلى الله عليه وسلم- عزم على الأخذ بفسخ الحج في العمرة لَمَّا غضب ودخل على عائشة، فقالت له: مَن أغضبك أغضبه الله، فقال: «أَوَ ما شعرتِ أني أمرتُ الناس بأمر فإذا هم يترددون» وعند هذا أخذ في ذلك كل مَن أحرم بالحج، ولم يكن ساق هديًا، وقالوا: فحللنا وسمعنا وأطعنا. المفهم (3/ 312).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «مَن يشاء أن يجعلها عمرة» كأنّ هذا كان أولًا ثم أمرهم بالفسخ أمرَ عزيمة كما ثبت، والله تعالى أعلم. فتح الودود (2/ 316).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
مَن تتبع الأحاديث الواردة في حجه -صلى الله عليه وسلم-... يتبين له أنَّ التخيير المذكور إنما كان في مبدأ حجته -صلى الله عليه وسلم-، وعليه يدل حديث عائشة هذا، ولكن حديث جابر المشار إليه وغيره دلنا على أن الأمر لم يستقر على ذلك، بل نهى -صلى الله عليه وسلم- كل مَن لم يسق الهدي من المفردين والقارنين أن يجعل حجه عمرة، ودلت بعض الأحاديث الصحيحة أنه -صلى الله عليه وسلم- غضب على من لم يبادر إلى تنفيذ أمره -صلى الله عليه وسلم- بفسخ الحج إلى عمرة، ثم جعل ذلك شريعة مستمرة إلى يوم القيامة. إرواء الغليل (4/ 183).
قوله: «فتعاظمَ ذلك عندَهم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فتعاظم» أي: تثاقل «ذلك» أي: جَعْل حجتهم عمرة «عندهم» أي: عند الصحابة. الكوكب الوهاج (14/ 145).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فتعاظم ذلك عندهم» أي: لِمَا كانوا يعتقدونه أولًا، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج: «فكبُر ذلك عندهم». فتح الباري (3/ 426).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فتعاظم ذلك» أي: الاعتمار في أشهر الحج...، أراد أنه تعاظم عندهم مخالفة العبادة التي كانوا عليها من تأخير العمرة عن أشهر الحجّ. عمدة القاري (9/ 200).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فتعاظم»... لما كانوا يعتقدونه أولًا من أن العمرة فيها من أفجر الفجور. إرشاد الساري (3/ 132).
قوله: «فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الحلِّ؟ قالَ: حِلٌّ كُلُّهُ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقالوا» بعد أن رجعوا عن اعتقادهم: «يا رسول الله، أيُّ الحلّ؟» أي هل هو الحلّ العام لكل ما حرم بالإحرام حتى الجماع، أو حلٌّ خاص؛ لأنهم كانوا محرمين بالحج؟ وكأنهم كانوا يعرفون أن له تحللين «قال» -عليه الصلاة والسلام-: «حل ٌّكله» أي: حلٌّ يحلّ فيه كل ما يحرم على المحرم حتى غشيان النساء؛ لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد. إرشاد الساري (3/ 132).
وقال العجلوني -رحمه الله-:
«قَالُوا» أي: أصحابه: «يا رسولَ اللَّهِ أَيُّ الحِلِّ؟» بتشديد «أيُّ» ورفعها مبتدأ وإضافته إلى «الحِل»: بكسر الحاء؛ أي: التحلل العام، فيجوز فيه الجماع أيضًا ومقدماته أو خاص فلا، «قَالَ» أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم مجيباً لهم «الحِلُّ كُلُّهُ» أي: لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد برفع «كلُّه» تأكيد للحل الواقع مبتدأ، وخبره محذوف كما أشرنا إليه. الفيض الجاري (ص: 13885).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«وأيُّ الحل؟» معناه: أيّ شيء من الأشياء يحلّ لنا؛ لأنه قال لهم: اعتمروا وأَحِلِّوا، فقال: حلٌّ يحلّ فيه جميع ما يحرم على المحرم حتى الجماع؛ وذلك تمام الحلّ. الكواكب الدراري (8/ 93).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أيّ الحلّ؟» كأنهم كانوا يعرفون أن للحج تحللين، فأرادوا بيان ذلك، فبين لهم أنهم يتحللون الحل كله؛ لأنّ العمرة ليس لها إلا تحلُّل واحد، ووقع في رواية الطحاوي: «أي الحلّ نحلّ؟ قال: الحلّ كله». فتح الباري (3/ 426).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فبيَّن لهم أنهم يتحللون الحلّ كله؛ لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد بخلاف الحج فإنه تحللين:
الأول: بعد رمي جمرة العقبة، فإنه يحلّ كل شيء ما عدا النساء.
والثاني: بعد طواف الإفاضة فإنه يحلّ كل شيء. التحبير (3/ 284).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ففي هذا دليل على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها، وكان ذلك له ولمن معه خاصة؛ لأن الله قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل مَن دخل فيهما أمرًا مطلقًا، ولا يجب أن يخالف ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا إشكال فيه، من كتاب ناسخ، أو سنَّة مبيِّنة. التمهيد (6/ 23).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا الحديث يدلّ على فسخ الحج إلى العمرة، وهو بمعنى قوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، وقال بعض العلماء: الإشارة بذلك إلى تداخل النُّسكين، فيجزئ عنها طواف واحد وسعي واحد. الإفصاح (3/ 26).
وقال العيني -رحمه الله-:
ذكر ما يُستفاد منه:
فيه: فسخ الحج إلى العمرة الذي بوّب عليه.
وفيه: استحباب دخول مكة نهارًا...
وفيه: حُجة لمن قال: كان حجّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مفردًا، ومَن قال: كان قارنًا لا يلزم من إهلاله بالحج ألا يكون أدخل عليه العمرة. عمدة القاري (9/ 200- 201).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يُؤخَذ من الحديث:
1. جواز الاعتمار في أشهر الحج.
2. جواز التمتع.
3. محاربة الاعتقادات الفاسدة بالقول والعمل.
4. منع التلاعب بالشهور وبأسمائها؛ لأنه عدّ من أعمالهم الخاطئة. المنهل الحديث (2/ 187).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):...
ومنها: بيان مشروعية فسخ الحج بأعمال العمرة...
ومنها: أنه احتج به مَن قال: إنه -صلى الله عليه وسلم- حجّ مفردًا، والصحيح -كما تقدم- أنه حج قارنًا، وتأويل قول ابن عباس -رضي الله عنهما-: «مهلين بالحج» أي: مع العمرة، ولا بدّ من التأويل؛ لئلا يتعارض مع حديث عمر -رضي الله عنه- في قصة مجيء الملك إليه -صلى الله عليه وسلم-، وأمره له بالإهلال بهما معًا، فقال له: «قل: عمرة في حجة» رواه البخاري.
ومنها: بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من اتباع الهوى، وتشريع ما لم يأذن به الله -عزّ وجلّ-، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، فلذلك عنَّفهم، وضَلَّلهم، فقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} التوبة: 37. البحر المحيط الثجاج (23/ 323- 324).