السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«صلَّى رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ونحنُ معه بالمدينةِ الظهرَ أربعًا، والعصرَ بذي الحُليفة ركعتينِ، ثم باتَ بها حتَّى أصبحَ، ثم ركِبَ حتَّى اسْتَوَت به على البيداءِ، حَمِدَ اللَّهَ وسبَّحَ وكبَّرَ، ثم أَهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ، وأَهلَّ الناسُ بهما، فلمَّا قدِمنَا أَمرَ الناسَ فحلُّوا، حتَّى كان يومُ التَّرويةِ أَهلُّوا بالحجِّ، قال: ونَحَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَدنات بيدِهِ قيامًا، وذبح رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بالمدينةِ كبشين أَملَحَيْنِ».


رواه البخاري برقم: (1551) واللفظ له، وأصله في مسلم برقم: (690)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
وفي أبي دواد برقم: (1796)، من حديث أنس -رضي الله عنه-: «نَحَرَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- سَبْعَ بَدَنَاتٍ بيدهِ قِيامًا».
صحيح أبي داود برقم: (1576).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«ذِي الحُلَيْفَة»:
موضع قريب من المدينة إذا تجاوَزْت العقيق مُقْبِلًا، وبه مسجد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو ميقات أهل المدينة منه يحرمون، وميقات أهل الشام إذا كان طريقهم عليه. الشافي، لابن الأثير (2/ 92).

«بَاتَ»:
بَات يَبِيْتُ بَيْتُوتَةً ومَبِيْتًا ومَبَاتًا، فهو بَائِتٌ، وتأتي نادرًا بمعنى نام ليلًا، وفي الأعم الأغلب بمعنى فعل ذلك الفعل بالليل، كما اختص الفعل في ظل بالنهار. المصباح المنير، للفيومي (1/ 67).
قال الهروي -رحمه الله-:
كل من أدركه الليل فقد بات يبيت، نام أم لم يَنَمْ. الغريبين (1/ 231).

«البَيْدَاء»:
المَفَازة، والجمع بِيْدٌ بالكسر. المصباح المنير، للفيومي (1/ 68).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
البيداء: المَفَازة التي لا شيء بها. النهاية (1/ 171).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
البَيْدَاء: الفَلَاة، والبَيْدَاء: المَفَازة المستوية يُجرى فيها الخيل، وقيل: مفازة لا شيء فيها، (قال) ابن جني: سميت بذلك لأنها تبيد مَن يحلها.
(وقال) ابن شميل: البيداء المكان المستوي المشرِف، قليلة الشجر جَرْدَاء...، وإشرافها شيء قليل لا تراها إلا غليظة صلبة، لا تكون إلا في أرض طين. لسان العرب (3/ 97).

«أهلَّ»:
أهلَّ الرجل واسْتَهَلَّ: إذا رفع صوته، وأهلَّ المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية. لسان العرب، لابن منظور (11/ 701).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
الإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية، يقال: أهل المحْرِم بالحج يُهِلُّ إِهْلَالًا إذا لبَّى ورفع صوته، المُهَلُّ بضم الميم: موضع الإهلال، وهو الميقات الذي يُحْرِمون منه، ويقع على الزمان والمصدر. النهاية (5/ 271).

«فَحَلُّوا»:
حَلَّ المحْرِم من إحرامه يَحِلّ حِلًّا وحَلَالًا: إذا خرج من حرمه. لسان العرب، لابن منظور (11/ 166).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
يقال: حلَّ المحرم يُحِلُّ حَلالًا وحِلًّا، وأَحَل يَحِلُ إِحْلَالًا: إذا حلَّ له ما يَحْرُم عليه من محظورات الحج.
ورجل حِلٌّ من الإحرام: أي حلال، والحلال: ضد الحرام، ورجل حلَال: أي غير محرم، ولا متلبِّس بأسباب الحج. النهاية (1/ 428).

«يوم التَّرْوِيَة»:
ثامن ذي الحجة، سُمي بذلك لأن الماء كان قليلًا بمنى، فكانوا يرتوون من الماء لما بعد. المصباح المنير، للفيومي (1/ 246).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
سمي به لأن الحجاج يتروون فيه من الماء، وينهضون إلى منى، ولا ماء بها فيتزودون ريَّهُم من الماء، أي: يَسْقُون ويَسْتَقُون. لسان العرب (14/ 347).

«بَدُنَات»:
البَدَنَةُ تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسُميت بَدَنَة لِعِظَمِهَا وسِمَنِهَا. النهاية، لابن الأثير (1/ 108).
قال الفيومي -رحمه الله-:
قال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصة، ويدل عليه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج: 36. المصباح المنير (1/ 39).

«أَمْلَحَيْنِ»:
الأملح: الذي فيه بياض وسواد، ويكون البياض أكثر. لسان العرب، لابن منظور (2/ 602).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
وقيل: هو النقي البياض. النهاية (4/ 354).


شرح الحديث


قوله: «صلَّى رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- ونحنُ معه بالمدينةِ الظهر أربعًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: في اليوم الذي أراد فيه الخروج إلى مكة للحج أو العمرة. مرقاة المفاتيح (3/ 999).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن معه بالمدينة» حين أراد حجة الوداع «الظهر أربعًا» أي: أربع ركعات، والواو في قوله «ونحن» للحال. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«صلَّى الظهر بالمدينة» حالة كونها «أربعًا» من الركعات، أي: تامة؛ لأنه لم يبدأ السفر، ثم سافر فأدركَتْه العصر في ذي الحليفة. الكوكب الوهاج (9/ 225).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
كان ذلك في اليوم الذي خرج فيه إلى مكة للحج، وهو يوم الخميس لستِّ ليالٍ بَقِيْنَ من ذي القعدة.
وقيل: يوم السبت لخمس ليال بقين منه، والأصح: أنه لخمس بقين من ذي القعدة، كما سيأتي للمصنف (يعني: مسلمًا) في كتاب الحج -إن شاء الله تعالى-، وذلك لسَنة عشر من الهجرة. البحر المحيط الثجاج (15/ 82).

قوله: «والعصرَ بذي الحُليفة ركعتين»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«بذي الحليفة» هي تصغير حَلَفة (وجمعها: حَلْفاء، وهي نبتٌ في الماء) وهي ميقات أهل المدينة، ماء لبني جُشَم، يقال له الآن: أبيار علي. بذل المجهود (5/ 343).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
ذو الحُليفة على ستة أميال -وقيل: سبعة- من المدينة، وهي ميقات أهل المدينة، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يَؤم (أي: يقصد) مكة (منها). شرح مسند الشافعي (1/ 241).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«بذي الحُلَيْفَةِ» هي بضمّ ففتح المهملة على ثلاثة أميال من المدينة على الأصح مع اضطراب فيه، وتسميها العوام: أبيار علي؛ لزعمهم أنه قاتل في بئرها الجان، ولا أصل لذلك. فتح الإله (5/184).
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«والعصر» أي: وصلى العصر «بذي الحُليفة». بذل المجهود (5/ 343).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وصلى العصر بذي الحليفة» حالة كونها «ركعتين» ويحتمل: أن تكون «أربعًا» و«ركعتين» بدلًا من الظهر والعصر. الكوكب الوهاج (9/ 225).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ركعتين» قصرًا؛ وذلك في حجة الوداع. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «ركعتين» أي: على سبيل القصر؛ لأنه كان منشئًا للسفر؛ وذلك كان في صلاة العصر، وأما الذي صلى بالمدينة فهي صلاة الظهر. الكواكب الدراري (8/ 76-77).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
إنَّما قصر بها هنا لأنه مسافر، وإن لم يبلغ إلى موضع المشقة منه، فإذا خرج عن مِصْرِهِ قَصَرَ. التوضيح (11/ 145).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
كونه -صلى الله عليه وسلم- لم يقْصُر حتى رأى ذا الحُليفة إنما هو لكونه أول مَنْزِل نزله، ولم يحضر قبله وقت صلاة، ويؤيده حديث عائشة، ففيه تعليق الحكم بالسفر والحضر، فحيث وُجد السفر شُرع القصر، وحيث وُجد الحضر شرع الإتمام.
واستُدل به على أن مَن أراد السفر لا يقصر حتى يبرز من البلد، خلافًا لمن قال من السلف: يقصر ولو في بيته.
وفيه حجة على مجاهد في قوله: لا يقصر حتى يدخل الليل. فتح الباري (2/ 570).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
معنى هذا الحديث: أنَّه صلى بالمدينة مقيمًا، فلما خرج إلى السفر قصر. كشف المشكل (3/ 210).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
هذا يدل على أنَّ مَن أراد سفرًا، وتهيأ له لا يقصر؛ فإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان متهيأ للسفر، ولم يقصر حتى خرج من المدينة. بذل المجهود (5/ 343).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
احتج (يعني: الشافعي) بالحديث على أنه لا يقصر بالعزم على السفر والاشتغال بأسبابه، وإنما يقصر بعد الخروج من بيوت القرية التي عنها الانتقال. شرح مسند الشافعي (1/ 241).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فهذا يدلنا على أنَّ البدء بالقصر إنما يكون عند الخروج من البلد، فيبدأ المسافر بالأخذ برخص السفر، وما دام في البلد فإنه لا يترخص؛ لأنه لا يقال له: مسافر حتى يخرج من البلد.
وكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- قصر بذي الحليفة -وهي خارج المدينة- يدلنا على أنَّ القصر إنما يكون إذا فارق الإنسان بلده الذي هو فيه، وبدأ بالسفر، فإنه بذلك يحصل له الأخذ بأحكام السفر كالقصر والجمع، والفطر، وما يتعلَّق بذلك.
وإذا وصل العمران إلى ذي الحُليفة فإنها تكون من المدينة، فلا يقصر بها، وإنما يقصر بعدما يتجاوز الإنسان العمران كله. شرح سنن أبي داود (149/ 12).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الذي أراده الشافعي من هذا الحديث: الاستدلال على أنَّ مَن أراد سفرًا وصلَّى قبل خروجه، فإنه يتم، كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الظهر بالمدينة، وقد نوى السفر، ثم صلَّى العصر بذي الحليفة ركعتين. الشافي (2/ 92).
وقال النووي -رحمه الله-:
احتج به (يعني: حديث الباب) أهل الظاهر في جواز القصر في طويل السفر وقصيره.
وقال الجمهور: لا يجوز القصر إلا في سفر يبلغ مرحلتين.
وقال أبو حنيفة وطائفة: شرطه ثلاث مراحل، واعتمدوا في ذلك آثارًا عن الصحابة.
وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر؛ لأنَّ المراد أنه حين سافر -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة في حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعًا، ثم سافر، فأدركته العصر وهو مسافر بذي الحُليفة، فصلاها ركعتين، وليس المراد أن ذا الحُليفة كان غاية سفره، فلا دلالة فيه قطعًا.
وأما ابتداء القصر فيجوز من حين يُفَارق بُنْيَان بلده، أو خيام قومه إن كان من أهل الخيام، هذا جملة القول فيه، وتفصيله مشهور في كتب الفقه.
هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا رواية ضعيفة عن مالك أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال، وحُكِيَ عن عطاء وجماعة من أصحاب ابن مسعود أنه إذا أراد السفر قصر قبل خروجه، وعن مجاهد أنه لا يقصر في يوم خروجه حتى يدخل الليل، وهذه الروايات كلها منابذة للسُّنة وإجماع السلف والخلف. المنهاج شرح صحيح مسلم (5/ 199-200).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
اعلم أنه لا يجوز القصر إلا بعد مفارقته بنيان البلد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، ورواية عن مالك، وعنه أنه يقصر إذا كان من المصر على ثلاثة أميال.مرقاة المفاتيح(3/ 999).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
فيه: أنه لا بأس بإنشاء السفر بعد انتصاف النهار، وإن كان التبكير أولى. شرح مسند الشافعي (1/ 241).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
فيه: مشروعية قصر الصلاة لمن خرج من بيوت البلد، وبات خارجًا عنها، ولو لم يستمر سفره. بذل المجهود (7/ 94).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا الحديث: يدل على أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر مقيمًا، ثم سافر؛ ولذلك قصر العصر.
وفيه من الفقه: أنَّ الإهلال بالحج أو بالعمرة يكون عند ركوب المحرم راحلته؛ فذلك أنه أبعد للصوت، وأظهر للحال، وأحسن في الإعلان بذكر الله -عزَّ وجلَّ-، وأدعى إلى أنْ يُذكِّر به مَن لم يذكر حتى يتبعه فيه. الإفصاح (5/ 106-107).

قوله: «ثم باتَ بها حتَّى أصبحَ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ثم بات بها» أي: بذي الحُليفة. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«حتى أصبح» دخل في الصباح، أي: وصلى الظهر، ثم دعا بناقته، فأَشْعَرَها (أي: أَعْلَمَها؛ ليُعلم أنها هدي، بأنْ طعن في صفحة سنامها الأيمن حتى يسيل منه الدم، ثم أماطه عنها) كما عند مسلم. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
يُستحب لأهل المدينة البيتوتة بها (أي: بذي الحُليفة) ذهابًا وإيابًا. الكوثر الجاري (4/ 28).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ليس مبيته -عليه السلام- بذي الحُليفة عند خروجه من المدينة من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق بأمَّته؛ ليلحق به مَن تأخر عنه في السَّير، ويدركه من لم يمكنه الخروج معه. شرح صحيح البخاري (4/ 219).

قوله: «ثم رَكب حتَّى اسْتَوت به على البيداءِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ثم ركب» أي: راحلته «حتى استوت به» أي: حال كونها متلبسة به كما مر. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «استوت به» أي: رفعته مستويًا على ظهرها، ولفظ «استوت به» حال، أي: متلبسة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمة. الكواكب الدراري (8/ 79).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
يريد أن تستقل قائمة، وهذا هو الاستواء، والانبعاث: أخذها في القيام، واستواؤها هو كمال القيام، كذا في ابن التين.
والظاهر: أنَّ المراد بالانبعاث: أخْذُها في السير. التوضيح (11/ 146).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«البيداء» بفتح الموحدة مع المد الشَّرَف (المكان العالي) المقابل لذي الحُليفة. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«البيداء» بالمد، الفضاء الذي أمام ذي الحُليفة. الكوثر الجاري (4/ 138).
وقال العيني -رحمه الله-:
اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال قوم: إنه أهلَّ من مسجد ذي الحُليفة.
وقال آخرون: لم يهلّ إلا بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد، وروي ذلك أيضًا عن ابن عمر وأنس وابن عباس وجابر.
وقال آخرون: بل أحرم حين أطلَّ على البيداء.
قال الطحاوي: وأنكر قوم أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحرم من البيداء، روي ذلك عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال: «ما أهلَّ إلا من ذي الحُليفة» قالوا: وإنما كان ذلك بعدما ركب راحلته، واحتجوا بما رواه ابن أبي ذئب عن الزهري عن نافع عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنه كان يُهِلُّ إذا استوت به راحلته قائمة، وكان ابن عمر يفعله».
قالوا: وينبغي أن يكون ذلك بعدما تَنْبَعِثُ به راحلته، واحتجوا بما رواه مالك عن المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر قال: «لم أرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُهِلُّ حتى تَنْبَعِثُ به راحلته قائمة» انتهى.
قلتُ: أراد الطحاوي بقوله: وأنكر قوم: الزهري وعبد الملك بن جريج وعبد الله بن وهب، فإنهم قالوا: ما أحرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا من عند المسجد.
قال الطحاوي: فلما اختلفوا في ذلك أردنا أن ننظر من أين جاء اختلافهم، فروى سعيد بن جبير، قال قلتُ: لابن عباس: كيف اختلف الناس في إِهْلَال النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت طائفة: أهلَّ في مصلاه، وقالت طائفة: حين استوت به راحلته، وقالت طائفة: حين علا البيداء؟ وساق بقية كلامه نحو ما ذكره أبو داود، ولفظه: عن سعيد بن جبير، قال: قلتُ لابن عباس: يا أبا العباس، عجبتُ لاختلاف الصحابة في إهلال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاجًّا، فلما صلى في مسجد ذي الحُليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهلَّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظوه عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام؛ وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يُهِلُّ، فقالوا: إنما أهلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما علا شَرَف البيداء أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلَّ حين علا شَرَف البيداء، وأيم الله، لقد أوجب في مصلاه، وأهلَّ حين استقلت به ناقته، وأهلَّ حين علا شَرَف البيداء.
قال سعيد بن جبير: فمن أخذ بقول ابن عباس: أهلَّ في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه.
وقال الطحاوي: فبيَّن ابن عباس الوجه الذي جاء فيه اختلافهم، وأن إهلال النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ابتدأ الحج ودخل فيه، كان في مصلاه، فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد (ابن الحسن) ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم.
وقال الأوزاعي وعطاء وقتادة: المستحب الإحرام من البيداء. عمدة القاري (9/ 160).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
اختلفت الآثار في الموضع الذي أحرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه لحَجَّتِه من أقطار ذي الحُليفة...، وقد ذكر أبو داود وغيره هذه الأحاديث كلها وهي صحيحة، وحديث ابن عباس يفسِّر ما أوهم الاختلاف بينها، والحمد لله. الاستذكار (4/ 49-50).

قوله: «حَمِدَ الله وسبَّحَ وكبَّرَ»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
أثبت البخاري أنَّ التسبيح والتَّحميد من النبي -عليه السلام- إنما كان قبل الإهلال؛ لقوله في الحديث بعد أنْ سبَّح وكبَّر: «ثم أهلَّ بالحج»، ويمكن أنْ يكون فعل تكبيره وتحميده -عليه السلام- عند ركوبه؛ أخذًا بقول الله تعالى: {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} الزخرف: 13، ويمكن أنْ يكون يُعَلِّمُنا -عليه السلام- جواز الذكر والدعاء مع الإهلال، وأنَّ الزيادة عليه مستحبة بخلاف قول الشافعي. شرح صحيح البخاري (4/ 225).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
ولا يُمنع الحاج عن الأذكار كلها، وإن كان الفضل في الوظيفة الوقتية وهي التلبية. فيض الباري على صحيح البخاري (3/ 188).

قوله: «ثم أَهلَّ بحج وعُمرة»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: الإهلال رفع الصوت بالتلبية، ومنه استهلال المولود، وهو صياحه إذا سقط من بطن أُمِّه، ومنه قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} البقرة: 173، يعني: ما رُفع به الصوت عند ذبحه للآلهة، وكل رافع صوته بشيء فهو يُهِلُّ به. شرح صحيح البخاري (4/ 220).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «ثم أهلَّ بحج وعمرة» قارنًا بينهما...، وفي الصحيحين عن جابر: «أهلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو وأصحابه بالحج» وفيهما عن ابن عمر «أنه -عليه الصلاة والسلام- لبَّى بالحج وحده» ولمسلم في لفظ: «أهل بالحج مفردًا» وعند الشيخين عن ابن عمر «أنه كان متمتعًا» وفيهما أيضًا عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «تمتع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، وتمتع الناس معه». إرشاد الساري (3/ 116).
وقال النووي -رحمه الله-:
من الصحابة مَن روى أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في حجة الوداع مفرِدًا.
ومنهم: مَن روى أنه كان قارنًا.
ومنهم: مَن روى أنه كان متمتعًا، وكله في الصحيح، وهي قصة واحدة، فيجب تأويل جميعها ببعضها، والجمع بينها، وصنَّف ابن حزم الظاهري كتابًا فيها حاصله: أنه اختار القران، وتأوَّل باقي الأحاديث، وتأويل بعضها ليس بظاهر فيما قاله.
والصواب الذي نعتقده: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- أحرم أولًا بالحج مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا، وعلى الأصح لا يجوز لنا، وجاز للنبي -صلى الله عليه وسلم- تلك السَّنة للحاجة، وأمر به في قوله: «لبيك عمرة في حجة»...
فإذا عرفتَ ما قلناه سهل الجمع بين الأحاديث، فمن روى أنه -صلى الله عليه وسلم- كان مفردًا وهم الأكثرون...، اعتمدوا أول الإحرام.
ومَن روى أنه كان قارنًا أراد أنه اعتمر آخره، وما بعد آخره.
ومن روى أنه كان متمتعًا أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والالتذاذ، وقد انتفع بأنْ كفاه عن النسكين فعل واحد، ولم يحتج إلى إفراد كل واحد بعمل، ويؤيد هذا الذي ذكرته: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعتمر تلك السَّنة عمرة مفردة لا قبل الحج ولا بعده. المجموع (7/ 159-160).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: قوله: «ثم أهلَّ بحج وعمرة» فقد رد عليه ابن عمر هذا القول، وقال: كان أنس حينئذٍ يدخل على النساء وهُنَّ مُتَكشفات، يَنْسِب إليه الصغر، وقلَّة الضبط حين نسب إلى النبي -عليه السلام- الإهلال بالقران. شرح صحيح البخاري (4/ 225-226).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا المهلب:
قلتُ: هذا فيه نظر؛ لأن حجة الوداع كانت وسنُّ أنس -رضي الله تعالى عنه- نحو العشرين، فكيف يدخل على النساء، وقد جاء في الصحيح أنه مُنِعَ من الدخول عليهن حين بلغ خمس عشرة سَنة؛ وذلك قبل الحجة بنحو خمس سنين، وأيضًا فسِنُّه نحو سن ابن عمر؛ ولعله لا يكون بينهما إلا نحوٌ من سَنة أو دونها. عمدة القاري (9/ 175).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
مما يدل على قِلَّة ضبط أنس للقصة: قوله في الحديث: «فلما قدمنا أمر الناس فحلُّوا حتى إذا كان يوم التروية أهلُّوا بالحج» وهذا لا معنى له، ولا يفهم إن كان النبي -عليه السلام- وأصحابه قارنين كما زعم أنس؛ لأن الأمَّة متفقة على أن القارن لا يجوز له الإحلال حتى يفرغ من عمل الحج كله، كان معه هدي أو لم يكن، فلذلك أنكر عليه ابن عمر، وإنما حل من كان أفرد الحج وفسخه في عمرة، ثم تمتع. شرح صحيح البخاري (4/ 225-226).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا ابن بطال:
قلتُ: ولو قال ابن بطال، ومَن يقول مثل قوله، لا ينهضون أن ينفوا صفة القران عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجِّه؛ وذلك لأن الذين رووا الإفراد اختُلف عنهم، ومن روى القران لم يختلف عليه، فالأخذ بقول من لم يختلف عليه أولى؛ ولأن معه زيادة، وهي مقبولة من الثقة. عمدة القاري (9/ 175).
وللاستزادة فيما أحرم به النبي صلى الله عليه وسلم ينظر (هنا)
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وأهلَّ الناس» الذين كانوا معه «بهما»؛ اقتداء به -عليه الصلاة والسلام-. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وأهلَّ الناسُ» أي: بعضُهم «بهما». بذل المجهود (7/ 135).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «وأهل الناس بهما» وفيه توسُّع، والمعنى: أنَّهم أهلُّوا بهما، ولو بتخلُّلِ حِل. فيض الباري (3/ 188).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «وأهل الناس بهما» يعني: بعض الناس وليس كلهم؛ لأن بعض الناس لم يكن قارنًا، فقد كان فيهم المفرد، وفيهم المتمتع، وأمهات المؤمنين كلهن كنّ متمتعات. شرح سنن أبي داود (214/ 5).

قوله: «فلمَّا قدِمنَا أَمرَ الناسَ فحلُّوا»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«قدمنا» أي: مكة. الكواكب الدراري (8/ 78).
قال ابن رسلان-رحمه الله-:
قوله: «أَمرَ الناسَ فحلُّوا»: أي: أمر مَن فسخ الحج إلى العمرة ممن كان معه أن يحل من عمرته. شرح سنن أبي داود(8/٣٥٥)
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أي: الذين لم يسوقوا ‌الهدي من القارنين أو المفْرِدين، وأما الذين كانوا معتمرين فإنهم إذا طافوا بالبيت وسعوا وقصروا تحلَّلُوا، وأما القارِنون والمفردون فقد أمروا أن يطوفوا ويسعوا، ويكون ذلك عُمرة. شرح سنن أبي داود(5/214)
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أمر الناس فحلُّوا» أي: أمر الناس الذين كانوا معه، ولم يسوقوا الهدي بالتحلل «فحلوا» أي: صاروا حلالًا. وسأل الكرماني سؤالًا فقال: كيف جاز للقارن أن يحل قبل إتمام الحج وما ذاك إلا للمتمتع؟ ثم أجاب بأن العمرة كانت عندهم مُنكرة في أشهر الحج كما هو رسم الجاهلية، فأمرهم بالتحلل من حجهم والانفساخ إلى العمرة؛ تحقيقًا لمخالفة رسمهم، وتصريحًا بجواز الاعتمار في تلك الأشهر، انتهى.
(قلت:) هذا ليس بجواب، والجواب الصواب: أنه إنما أمرهم بالتحلل لأنهم لم يسوقوا الهدي، ولم يقل أحد: إنهم كانوا قارنين في هذه الحالة حتى يرد هذا السؤال، وإنما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو القارن، وقوله: العمرة كانت عندهم منكرة، إنما كان إنكارهم قبل هذا بمدة في الجاهلية، وفي هذه الحالة لم يكونوا مُنكرين، فمن ادعى بخلاف ذلك فعليه البيان. عمدة القاري (9/١٧٥).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في هذا الفسخ هل هو خاص للصحابة تلك السنة خاصة، أم باقٍ لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصًّا، بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل مَن أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أُمروا به تلك السنة ليُخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر ‌الحج، ومما يُستدل به للجماهير: حديث أبي ذر -رضي الله عنه- الذي ذكره مسلم بعد هذا بقليل: «كانت المتعة في ‌الحج لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- خاصة»، يعني ‌فسخ ‌الحج إلى العمرة، وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ‌فَسْخُ ‌الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: «بل لنا خاصة»، وأما الذي في حديث سراقة: «أَلِعَامِنَا هذا أم لأبد؟ فقال: لِأَبَدِ أَبَدٍ» فمعناه: جواز الاعتمار في أشهر ‌الحج كما سبق تفسيره.
فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث: أن العمرة في أشهر ‌الحج جائزة إلى يوم القيامة، وكذلك القران، وأن ‌فسخ ‌الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة والله أعلم. شرح صحيح مسلم(8/١٦٧).

قوله: «حتى كان يومُ التَّروية أَهلُّوا بالحجِّ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«حتى كان يوم التروية» برفع يوم؛ لأن «كان» تامة، لا تحتاج إلى خبر، ويوم التروي هو ثامن الحجة. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
سُمِّيت بالتروية؛ لأنهم كانوا يرتوون فيه الماء، ويحملونه معهم في ذهَابِهِم من مكة إلى عرفات، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. الكواكب الدراري (8/ 79).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
أي: أن الذين تحلَّلوا أحرموا بالحج من الأبطح مِن منى، وهو المنزل الذي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نازلاً فيه، فأَحرموا من الأبطح، ثم ذهبوا إلى مِنى وهم محرمون، وصلوا بها الظهر في اليوم الثامن. شرح سنن أبي داود(٥/214)
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
اتفقوا على أن المتمتع له أن يُحرم بالحج يوم التروية وقبله.
ثم اختلفوا في الأفضل له.
فقال أبو حنيفة: يُستحب له تقديم الإحرام بالحج على يوم التروية.
وقال الشافعي: إن كان معه هدي فالأفضل له أن يُحرم يوم التروية بعد الزوال.
فإن لم يكن معه هدي أحرم ليلة السادس من ذي الحجة. والمستحب للمكي أن يُحرم إذا توجه إلى منى.
وقال مالك وأحمد: الأفضل للمتمتع أن يُحرم بالحج يوم التروية. اختلاف الأئمة العلماء (1/ 296-297).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وأما وقت الاستحباب يوم التروية فقال أبو الخطاب: الأفضل أن يُحرم يوم التروية بعد الزوال، وقال القاضي وابن عقيل: يستحب أن يوافي منى بعد الزوال محرمًا.
وقول أبي الخطاب أجود؛ لأن في الحديث: «أُمرنا عشية التروية أن نُحرم بالحج». شرح العمدة (2/ 483).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«أهلوا بالحج» من مكة. إرشاد الساري (3/ 116).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالإهلال، وخالفهم في ذلك، وهو عندهم مستحب، فروي عن ابن عباس أنه كان يرفع صوته بالتلبية، ويقول: هي زينة الحج، وكان ابن عمر يرفع بها صوته، وقال أبو حازم: كان أصحاب النبي -عليه السلام- لا يبلغون الروحاء حتى تَبُحُّ حلوقهم من التلبية، وبه قال أبو حنيفة والثوري والشافعي.
واختلفت الرواية عن مالك، فروى ابن القاسم عنه أنه لا تُرفع الأصوات بالتلبية إلا في المسجد الحرام ومسجد منى، وزاد في الموطأ: ولا يرفع صوته في مساجد الجماعات، وروى ابن نافع عنه أنه يرفع صوته في المساجد التي بين مكة والمدينة. شرح صحيح البخاري (4/ 220-221).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
يرفع الرجل والمرأة صوتهما بها ولا بد، وهو فرض ولو مرة. المحلى (5/ 81).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أجمعوا أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية، وإنما عليها أن تُسمع نفسها. شرح صحيح البخاري (4/ 221).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ليكن الرفع بحيث لا يجهده، ولا يقطع صوته، وأرى ما وقع للصحابة (أي: حين بحت حلوقهم) للإكثار لا للرفع الجهيد. التوضيح (11/ 149).

قوله: «ونَحَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَدناتٍ بيدِهِ قِيامًا»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
«ونحر النبي -صلى الله عليه وسلم- بدنات بيده» يعني: الهدي بمكة. مصابيح الجامع (4/ 68).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«بدنات» أي: المهداة إلى مكة. اللامع الصبيح (6/ 6).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
النحر كان في البدنة التي لهدي مكة، والذبح للكبش الذي للأضحية يوم العيد بالمدينة. الكواكب الدراري (8/ 79).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
ففي حديث جابر «أنه -صلى الله عليه وسلم- نحر ثلاثًا وستين بدنة، وأمر عليَّا فنحر ما غبر»، وفي حديث غرفة بن الحارث الكندي «أنه شاهد النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخذ بأعلى الحربة، وأمر عليًّا فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البُدْنَ، ثم أردف عليًّا مع نفسه -صلى الله عليه وسلم- على البغلة»، وفي حديث أنس كما ترى «أنه -صلى الله عليه وسلم- نحر بيده يومئذٍ سبع بُدْن».
قال أبو محمد -رحمه الله- (ابن حزم): فيُخرَّج هذا -والله أعلم- على وجوه:
أحدها: أنَّه -عليه السلام- نحر بيده أكثر من سبع بُدْنٍ، كما قال أنس، وأنه -عليه السلام- أمر مَن نحر ما بعد ذلك إلى ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكان، وأمر عليًّا بنحر ما بقي إما بنفسه، وإما بالإشراف على ذلك.
والثاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره -عليه السلام- سبعًا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره -عليه السلام- للباقي، فأخبر كل واحد منهما بما رأى وشهد.
والثالث: أنه -عليه السلام- نحر بيده مفردًا سبع بُدن، كما قال أنس، ثم أخذ هو وعلي الحربة معًا فنحرا كذلك باقي الثلاث والستين بدنة كما قال غرفة بن الحارث، وجابر، ثم أفرد عليًّا بنحر باقي المائة كما قال جابر، فتصح جميع الأخبار، ويُنفى عنها كل التعارض، والله أعلم أي ذلك كان، إلا أنهم -رضي الله عنهم- كلهم صادق فيما حكى، وبالله تعالى التوفيق. حجة الوداع (ص: 300).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «قيامًا» أي: قائمات، وانتصابه على الحال. عمدة القاري (9/ 175).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «قيامًا» هذه السُّنة في نحر الإبل قائمة؛ لأنه أمكن لنحرها؛ لأنه يطعن في لُبَّتِهَا (الثغرة التي في أسفل الحلق) وتكون معقولة (أي: مربوطة) اليد اليسرى، وحكى ابن التين عن مالك -فيما رواه محمد (ابن الحسن) عنه-: أنَّ الشأن أن ينحر البُدن قائمة قد عَقَلَ يدها بالحبل، وقاله ابن حبيب، وهو تفسير قوله تعالى: {صَوَافَّ} الحج: 36، قال: وروى أيضًا محمد عن مالك: لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها، والأفضل أن يتولى ذبحها بنفسه كما فعل -صلى الله عليه وسلم-. التوضيح (11/ 161).
وينظر بتوسع سنية نحر الإبل قائمة (هنا)

قوله: «وذبح رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بالمدينةِ كبشين أَملَحَيْنِ».
قال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «وذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة كبشين» هذه قطعة من حديث آخر في الأضحية، ولا تعلُّق لها بحديث الحج. فيض الباري (3/ 189).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«وذبح بالمدينة كبشين أملحين» يعني: الأضحية في عيد الأضحى. مصابيح الجامع (4/ 68).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أَملحين» تثنية أَملح، وهو الأبيض الذي يخالطه سواد. عمدة القاري (9/ 175).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «ذبح بالمدينة كبشين أملحين» جاء في رواية أخرى: «ذَبَحَ أحدهما عن أهل بيته، والآخر عمَّن لم يُضَحِّ من أمَّته». التوضيح (11/ 161).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه استحباب أن تكون تلبية الناس بعد تلبية كبير القوم، ولفظ أبي داود: «ثم أهل الناس بهما». نيل الأوطار (4/ 387).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
ويستحب أن يبدأ قبلها (أي: قبل التلبية) بذكر الركوب، سُئل عطاء: أَيَبْدَأ الرجل بالتلبية أو يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كُنَّا له مقرنين؟
قال: يبدأ بسبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وفي حديث أنس «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ركب حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله تعالى، وسبح، وكبر، ثم أهل بحج أو عمرة» رواه البخاري؛ ولأن هذا الذكر مختص بالركوب فيفوت بفوات سببه بخلاف التلبية. شرح عمدة الفقه (5/ 252).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهذا الحكم -وهو استحباب التسبيح وما ذكر معه قبل الإهلال- قَلَّ من تعرَّض لذكره مع ثبوته. فتح الباري (3/ 412).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: دليل على استحباب تقديم حمد الله تعالى، وشكره على هذه النعمة، والتسبيح، والتكبير قبل التلبية شكرًا لله تعالى. شرح سنن أبي داود (8/ 354).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث فيه زيادة على التلبية أنه بين يَدَي التلبية يسبح الله -تبارك وتعالى-، ويُكبر، ثم يُهل فيقول: سبحان الله، الله أكبر، لبيك اللهم لبيك. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (1/ 35).
وقال الشيخ القرعاوي -رحمه الله-:
ومنها (أي: سنن الإحرام): التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال كما ترجم لذلك البخاري -رحمه الله- بقوله: باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة، ثم ذكر حديث أنس وفيه: «ثم ركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة». أحكام الحج (ص: 9).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وما دام أن التسبيح والتحميد ثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فينبغي على الإنسان أن يفعله، وقد ذكر ذلك البخاري في صحيحه، وبوب له بابًا. شرح سنن أبي داود (214/ 5).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
(وفيه) الرد على أبي حنيفة في قوله: إن مَن سبَّح أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله، فأثبت البخاري أن التسبيح والتحميد من النبي -عليه السلام- إنما كان قبل الإهلال؛ لقوله في الحديث بعد أن سبح وكبر: «ثم أهل بالحج». شرح صحيح البخاري (4/ 225).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: هذا كلام وَاهٍ صادر عن غير معرفة بمذاهب العلماء؛ فإن مذهب أبي حنيفة الذي استقر عليه في هذا الباب أنه لا ينقص شيئًا من ألفاظ تلبية النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن زاد عليها فهو مستحب، وهذا هو الذي ذكر في الكتب المعتمدة فيها، ولئن سلَّمنا أن يكون ما ذكره منقولًا عن أبي حنيفة فلا نسلِّم أن الترجمة تدل على الرد عليه، أطلقها ولم يقيدها بحكم من الجواز وعدمه، فبأي دلالة من أنواع الدلالات دل على ما ذكره؟. عمدة القاري (9/ 174).
وقال النووي -رحمه الله-:
يستحب لمن أراد الإحرام بالحج من مكة أن يحرم يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، ولا يقدم الإحرام قبله إلا أن يكون متمتعًا لم يجد الهدي، فيُحرم قبل اليوم السادس من ذي الحجة؛ حتى يمكنه صوم ثلاثة أيام في الحج. المجموع (7/ 206).
وقال العراقي -رحمه الله-:
(فيه:) استحباب ‌الإحرام ‌بالحج ‌يوم ‌التروية ‌عند الشروع في التوجه إلى منى. طرح التثريب(5/32)
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
فيه: دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج استحب له أن يحرم يوم التروية ولا يقدمه عليه. الفتح الرباني (12/ 93).
وقال الشيخ محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
فيه: نحر الإبل قائمة، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: تنحر باركة وقائمة، واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة.
وروى ابن أبي شيبة: إن شاء قائمة وإن شاء معقولة، وعن الحسن: باركة أهون عليها، وعند المالكية يندب نحر الإبل قائمة مقيدة أو معقولة اليسرى. كوثر المعاني الدراري (13/ 409).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (يعني: الحديث):
منها: بيان مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر.
ومنها: بيان عدد ركعات صلاة الحضر والسفر.
ومنها: أنَّ مَن أراد سفرًا لا يشرع له القصر قبل خروجه من بيته، خلافًا لمن قال: يقصر ولو في بيته.
ومنها: أنَّ مَن خرج من بيته يقصر ولو لم يدخل الليل، خلافًا لمجاهد.
ومنها: أنَّ الخروج إلى المحل القريب لا يشرع فيه القصر؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يأتي قباء وأُحْدًا وبقيعًا وغير ذلك فما قصر فيها، وإنما قصر في السفر الطويل، كمكة ونحوها. البحر المحيط الثجاج (15/ 84).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ