«أنا زعِيمٌ بِبيتِ في رَبَضِ الجَنَّةِ، لمن تركَ المِراءَ وإنْ كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ لمن تركَ الكذِبَ وإنْ كانَ مازِحًا، وببيتٍ في أعلى الجَنَّةِ لمن حَسَّنَ خُلُقَه».
رواه أبو داود برقم: (4800)، والطبراني في الكبير برقم: (7488)، من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (1464)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2648).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«زعِيم»:
أي: كفيل وضامن. الغريبين، للهروي (3/ 821).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
الزَّعيم: الكفيل بالشَّيء. العين، للفراهيدي (1/ 365).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
الزَّعيم: الضَّامن والكفيل. والزَّعامة الكفالة. معالم السنن (4/ 110).
«رَبَضِ»:
الرَّبض: بفتح الرَّاء والموحدة بعدها ضاد معجمة: الأسفل. فتح الباري، لابن حجر (13/ 181).
وقال المديني -رحمه الله-:
«ربض الجنة» ما حولها، وما حول المدينة والمصر من المساكن أرباض. المجموع المغيث(1/ 724).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«رَبَضُ المدينة»: ما حولها من العمارة. جامع الأصول (11/ 734).
«المِراء»:
المخاصمة والمحاجَّة وطلب المغالبة. جامع الأصول، لابن الأثير (2/ 749).
وقال ابن الأثير -رحمه الله- أيضًا:
«المراء» الجدال. جامع الأصول (11/ 734).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
وحَدُّ المراء: هو كُلُّ اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إمَّا في اللفظ، وإمَّا في المعنى، وإمَّا في قصد المتكلم. إحياء علوم الدين (3/ 117).
«مُحِقًّا»:
أي: وإن كان ذا الحقِّ في نفس الأمر. دليل الفالحين، لابن علان (5/ 83).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
محقٌّ: أي: صادق ومتكلم بالحقِّ. مرقاة المفاتيح (7/ 3035).
«وسَطِ»:
وسَط الشَّيء: ما بين طرفيه. المحكم، لابن سيده (8/ 594).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وحقيقة الوسط: ما تساوت أطرافه، وقد يُراد به: ما يكتنف من جوانبه، ولو من غير تساوٍ. المصباح المنير (2/ 659).
«مازحًا»:
المزح: الدَّعابة. الصحاح، للجوهري (1/ 404).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
المزح: كلام الرَّجل بغير ما يريده، ضاحكًا. شمس العلوم (9/ 6288).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
المزح: مطايبة وانبساط مع الجليس؛ لتطييب قلبه ومؤانسته. شرح سنن أبي داود (18/ 468).
شرح الحديث
قوله: «أنا زعِيم بِبيتِ في رَبَضِ الجنةِ، لمن تركَ المِراء وإن كان مُحِقًّا»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
الزَّعيم: الضَّامن والكفيل، والزَّعامة الكفالة، ومنه قول الله سبحانه: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: 72، والبيت ها هنا: القصر، أخبرني أبو عمر أخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: البيت القصر، يقال: هذا بيت فلان، أي: قصره. معالم السنن (4/ 110).
قال السندي -رحمه الله-:
«زعيم» أي: ضامن «ببيت» بقصر «في مربض الجنة» بفتحتين، أي: حوالي الجنة، وأطرافها، لا في وسطها، وليس المراد خارجًا عن الجنة، كما قيل، فتأملْ، والله تعالى أعلم.
«ترك المراء» أي: الجدال؛ خوفًا من أن يقع صاحبه في اللِّجاج في الباطل. فتح الودود (4/ 532).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أنا زعيم» أي: ضامن وكفيل، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: 72، «ببيت» أي: بقصر في الجنة، ومنه حديث: «بَشِّر خديجة ببيت في الجنة من قصب» «في ربض» بفتح الموحَّدة وبالضَّاد المعجمة «الجنة»، وظاهر السِّياق أن رضَّ الجنة أسفلها «لِمَنْ ترك المراء» وحدُّ المراء: هو كُلُّ اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه...
ولفظ رواية الترمذي: «مَنْ ترك المراء وهو مبطل بنى اللَّه له بيتًا في ربض الجنة، ومَنْ تركه وهو مُحِقٌّ بُني له في وسطها»، وإنما حصل له هذا لشِدَّة ذلك على النَّفس، وكثير ما طبعت عليه من السبعية المحبَّة للقهر والغلبة على الغير، وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد، فإن المراء طبع، فإذا علم أو ظنَّ أن له عليه ثوابًا اشتدَّ حرصه عليه وتعاون الطَّبع والشَّرع؛ وذلك خطأ محض. شرح سنن أبي داود (18/ 467- 468).
وقال الشيخ عبدُ المُحسن العباد -حفظه الله-:
يعني: أنا ضامِنٌ وكفيلٌ وملتزِمٌ بأنَّ من فعل كذا فله كذا، وهو نظير قول الله -عزَّ وجلَّ-:
{وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: 72، يعني: أنا ملتزِمٌ بحِملِ البعيرِ لِمَن أتى بصُواعِ الملك، {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يعني: بهذا الذي وُعِدتُ به، وهذا الجَعْلُ الذي جُعِلَ، فأنا ملتزِمٌ به.
والمعنى هنا: أنا كفيلٌ وضامِنٌ لِمَن فعل هذا الفعل أن يكون له بيتٌ في الجنّة. شرح سنن أبي داود(546/8).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«رَبَضُ الجَنَّةِ» مُشبَّهٌ بِرَبَضِ المدينة، وهو ما حولها من العمارة. التحبير (3/ 173).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«في ربض الجنة»... فالصَّواب أن المراد به أدناها...، «ومَنْ ترك المراء» بكسر الميم، أي: الجدال «وهو مُحِقٌّ» أي: صادق ومتكلِّم بالحقِّ. تحفة الأحوذي (6/ 109).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«رَبَضِ» بفتحتين «الجنة» أي: حواليها وأطرافها، لا في وسطها «لِمَنْ ترك المِراء» أي: الجدال والمنازعة. بذل المجهود (13/ 231).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لِمَنْ ترك المراء» بالكسر مصدر كالمماراة، وهي: المجادلة... «وإن كان محقًّا» بضمِّ أوَّله، وكسر المهملة، فيما يماري ويجادل، أي: وإن كان ذا الحق في نفس الأمر؛ وذلك لأنه بعد أن يرشد خصمه إليه، ويأبى عن قبوله، وليس من طالبي الاستبصار، فلا ثمرة للمراء إلا تضييع الوقت فيما هو كالعبث...
«الزَّعيم» بوزن عظيم بالزَّاي والعين المهملة والتَّحتيَّة: الضَّامن، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: 72. دليل الفالحين (5/ 83- 84).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
المراء: الجدال، والتَّماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشَّكِّ والرِّيبة، ويقال للمناظرة: مماراة؛ لأن كُلَّ واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه، كما يمتري الحالب اللبن من الضَّرع. النهاية (4/ 322).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته...، ويقال: ماريته أيضًا إذا طعنت في قوله تزييفًا للقول، وتصغيرًا للقائل، ولا يكون المراء إلَّا اعتراضًا، بخلاف الجدال، فإنه يكون ابتداءً واعتراضًا. المصباح المنير (2/ 570).
وقال الفيومي -رحمه الله- أيضًا:
المراء: الجدال والتَّماري، والمماراة: المجادلة على مذهب الشَّكِّ، ويقال للمناظرة: مماراة؛ لأن كُلَّ واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه، ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضَّرع، وهو المنازعة في القول أو العمل أو الاعتقاد بقصد الباطل، فإن كان يقصد الحقَّ فهو جدال، قال الله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} العنكبوت: 46، الآية، وحدُّ المراء: كُلُّ اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إمَّا في اللفظ، وإمَّا في المعنى، والباعث عليه إمَّا التَّرفُّع بإظهار الفضل، أو إلى تنقيص الغير، وإنما كان لتارك المراء وهو مُحِقٌّ بيتًا في الجنة لشِدَّة ذلك على النَّفس، وأكثر ما يغلب على المذاهب والعقائد، فإن المراء طبع، فإذا ظن أن له عليه ثوابًا اشتدَّ حرصه عليه، وينبغي للإنسان أن يَكُفَّ لسانه عن أهل القبلة، وإذا رأى مبتدعًا تلطَّف في نصحه في خلوة لا بطرق المجادلة، فإذا عرف أن النُّصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه، قال -صلى الله عليه وسلم-: «رحم الله مَنْ كَفَّ لسانه عن أعراض الناس»، وفي رواية: «رحم الله مَنْ كَفَّ لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه». قال هشام بن عروة: كان يُردِّد -عليه السلام- قوله هذا سبع مرَّات، وكُلُّ مَنْ تعوَّد أن يجادل الناس مُدَّة، وأثنى عليه الناس ووجد لنفسه بسبب ذلك عزًّا وقبولًا تقوَّتْ فيه هذه المهلكات، ولا يستطيع عنها نزوعًا إذا اجتمع عليه سلطان الكبر والغضب والرِّياء، وحبُّ الجاه والتَّقدُّم بالفضل، وآحاد هذه الصِّفات تشقُّ مجاهدتها فكيف بمجموعها...
(و) المحق: المتكلِّم بالحقِّ، يعني: مَنْ ترك المجادلة مع أن ما يقوله حقًّا استحقَّ أن يسكن وسط الجنة. فتح القريب المجيب (2/ 136- 138).
وقال البربهاري -رحمه الله-:
والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث يقدح الشَّكَّ في القلب، وإن أصاب صاحبه الحقَّ والسُّنَّةَ. شرح السنة (ص: 39).
وقال البربهاري -رحمه الله- أيضًا:
وإذا سألك أحد عن مسألة في هذا الكتاب، وهو مسترشد فكلِّمه، وأرشده، وإذا جاءك يناظرك، فاحذره، فإن في المناظرة: المراء والجدال والمغالبة والخصومة والغضب، وقد نُهيت عن هذا جدًّا، يخرجان جميعًا من طريق الحق، ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا، وعلمائنا أنه ناظر أو جادل أو خاصم.
قال الحسن (البصري): الحكيم لا يُماري ولا يداري، حكمته ينشرها، إن قبلت حمد الله، وإن رُدَّت حمد الله.
وجاء رجل إلى الحسن (البصري) فقال له: أناظرك في الدِّين؟ فقال الحسن: أنا عرفت ديني، فإن ضلَّ دينك فاذهب فاطلبه. شرح السنة (ص: 125- 127).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
والجدال قسمان: قسم في واجب وحقٍّ، وقسم في باطل؛ فالذي في الحقِّ واجب في الإحرام وغير الإحرام، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل: 125، ومن جادل في طلب حقٍّ له فقد دعا إلى سبيل ربِّه تعالى، وسعى في إظهار الحقِّ، والمنع من الباطل، وهكذا كُلُّ مَنْ جادل في حقٍّ لغيره أو لله تعالى.
والجدل بالباطل وفي الباطل عمدًا ذاكرًا لإحرامه مبطل للإحرام وللحج؛ لقوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} البقرة: 197، وبالله تعالى التوفيق. المحلى (5/ 209).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
وحدُّ المراء: هو كُلُّ اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه؛ إمَّا في اللفظ، وإمَّا في المعنى، وإمَّا في قصد المتكلم، وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكُلُّ كلام سمعته، فإن كان حقًّا فصدِّق به، وإن كان باطلًا أو كذبًا، ولم يكن مُتعلِّقًا بأمور الدِّين، فاسكت عنه. إحياء علوم الدين (3/ 117- 118).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا الغزالي:
قوله: «فاسكت» أراد فيما إذا كان ذلك الباطل متعلِّقًا بشخصيّته مثلًا، كأن يسبَّه ويَعيبه فيتجاوز عنه، ولا يردَّ عليه بالمثل، وإن كان له الحقُّ في ذلك، كما قال -سبحانه وتعالى-: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} الشورى: 41، بل صفح وعفا إيثارًا لِمَا هو الأفضل كما قال -عزَّ وجلَّ-: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} الشورى: 43، وقال -عزَّ وجلَّ-: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الفرقان: 63، لا أنه يسكت على ما يسمعه من الباطل مُطلقًا، يدلُّ على ذلك قوله: «ولم يكن متعلِّقًا بأمور الدِّين» والله تعالى أعلم. مشارق الأنوار الوهاجة (2/ 129).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
أمَّا إذا سمع باطلًا فليسكت، إلَّا إذا كان في ذلك ضرر على الدِّين فليناضل عنه، ولا يكون مراءٍ، وإذا ناضل فليناضل بتؤدة وتقوى. عارضة الأحوذي (8/122).
وقال ابن عقيل -رحمه الله-:
وكُلُّ جدل لم يكن الغرض فيه نصرة الحقِّ، فإنه وبال على صاحبه، والمضرة فيه أكثر من المنفعة؛ لأن المخالفة توحش، ولولا ما يلزم من إنكار الباطل، واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في ردِّه عما يعتقده من الضَّلالة، وينطوي عليه من الجهالة؛ لَمَا حسنت المجادلة؛ لِمَا فيها من الإيحاش في غالب الحال، ولكن فيها أعظم المنفعة، وأكثر الفائدة إذا قصد بها نصرة الحقِّ، وإنكار ما زجر عنه الشَّرع والعقل بالحُجَّة الواضحة، والطَّريقة الحسنة. الواضح في أصول الفقه (1/ 517).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فأمَّا اجتماع الجمع منهم متجادلين في مسألة مع أن كُلَّ واحد منهم لا يطمع في أن يرجع خصمه إليه إن ظهرت حُجَّته، ولا هو يرجع إلى خصمه إن ظهرت حُجَّته عليه، ولا فيه عندهم فائدة ترجع إلى مؤانسة، ولا إلى استجلاب مودَّة، ولا إلى توطئة القلوب لوعي الحقِّ، بل هو على الضِّدِّ من ذلك؛ فإنه مما قد تكلَّم فيه العلماء، وأظهروا من عذره ما أظهروا، كابن بطة وابن حامد في جزئه، ولا يتمارى في أنه مُحْدث متجدِّد. المستدرك على مجموع الفتاوى (2/ 273).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المخاصمة تفضي غالبًا إلى ما يذمُّ صاحبه، أو يخصُّ في حقِّ المسلمين بمن خاصم في باطل، ويشهد للأول حديث: «كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا» أخرجه الطبراني عن أبي أمامة بسند ضعيف، وورد الترغيب في ترك المخاصمة، فعند أبي داود من طريق سليمان بن حبيب عن أبي أمامة رفعه: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحِقًّا»، وله شاهد عند الطبراني من حديث معاذ بن جبل. فتح الباري (13/ 181).
وقال ابن النجار الحنبلي -رحمه الله-:
فأمَّا إذا كان الجدل على وجه الغلبة والخصومة والغضب ووجه المراء، وهو -أي: المراء-: استخراج غضب المجادل: فمزيل عن طريق الحقِّ، وإليه انصرف النَّهي عن قيل وقال، وفيه -أي: في المراء- غلق باب الفائدة، وفي المجالسة للمناصحة فتحه، أي: فتح باب الفائدة. الكوكب المنير شرح مختصر التحرير (4/ 364).
وقال ابن النجار الحنبلي -رحمه الله- أيضًا:
ولولا ما يلزم من إنكار الباطل واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في ردِّه عن ضلالته لَمَا حسن، أي: الجدال للإيحاش غالبًا، لكن فيه أعظم المنفعة مع قصد نصرة الحقِّ، أو قصد التَّقوِّي على الاجتهاد لا المغالبة، وبيان الفراهة (الملاحة والحسن والصباحة) نعوذ بالله منهما، فإن طلب الرِّئاسة وطلب التَّقدُّم بالعلم يهلك، والمعوَّل فيه: على إظهار الحُجَّة، وإبطال الشُّبهة، فيرشد المسترشد، ويحذر المناظر. شرح مختصر التحرير (4/ 369- 370).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال داود لابنه: يا بني إيَّاك والمراء فإن نفعه قليل، وهو يهيج العداوة بين الإخوان، قال بعضهم: ما رأيتُ شيئًا أذهب للدِّين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيع للذَّة، ولا أشغل للقلب من المخاصمة. فإن قيل: لا بُدَّ من الخصومة لاستيفاء الحقوق، فالجواب ما قال الغزالي: إنَّ الذَّمَّ المتأكِّد إنما هو خاصٌّ بباطل أو بغير علم، كوكلاء القاضي، وقال بعض العارفين: إذا رأيتَ الرجل لجوجًا مرائيًا مُعجبًا برأيه فقد تَمَّت خسارته. فيض القدير (5/ 5).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة» أي: ظاهرها وما حولها «لمن ترك المراء وإن كان مُحِقًّا» الجدال والمخاصمة الشَّديدة؛ لأنها قد تفضي إلى العداوة والشَّحناء والباطل. دروس للشيخ عبد العزيز بن باز (6/ 37).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
المجادلة والمناظرة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السُّفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحقِّ، وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها، وعلامة ذلك، أي: المجادلة الحقة؛ أن الإنسان إذا بان له الحقُّ اقتنع، وأعلن الرُّجوع، أمَّا المجادل الذي يريد الانتصار لنفسه، فتجده لو بان أن الحقَّ مع خصمه، يورد إيرادات؛ يقول: لو قال قائل، ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم تكون سلسلة لا منتهى له، ومثل هذا عليه خطر ألَّا يقبل قلبه الحقَّ، لا بالنسبة للمجادلة مع الآخر، ولكن في خلوته، ورُبَّما يورد الشيطان عليه هذه الإيرادات، فيبقى في شكٍّ وحيرة، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الأنعام: 110، وقال الله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} المائدة: 49، فعليك يا أخي بقبول الحقِّ، سواء مع مجادلة غيرك أو مع نفسك، فمتى تبيَّن لك الحقُّ فقل: سمعنا وأطعنا، وآمنَّا وصدَّقنا.
العلم (ص: 164- 165).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
وليعلم أن المراء الذي هو لمجرد المغالبة منهي عنه، وأمَّا الجدال فقد أمر الله به؛ فالجدال لإثبات الحقِّ، وإبطال الباطل مأمور به وجوبًا أو استحبابًا حسب الحالِ، فالمراد المراء الذي هو لمجرد المعاندة؛ لأن بعض الناس الآن تجده في المجلس يختلف مع آخر في مسألة من المسائل ليست مسألة دينية يجب تحقيقها، بل مسألة عامة، وتجدهم يتعاندون: أنا أقول كذا، وأنت تقول كذا، أنا عليَّ حقٌّ، وأنت عليك حقٌّ، فهذا ليس له داعٍ؛ لأن هذا لا يزيد الأمر إلَّا شِدَّة، وربما يتحزَّب الحاضرون إلى حزبين، وربما يحدث في قلب أحدهما على الآخر حقد وعداوة، فلهذا كان من الأحسن تركه.
وأمَّا قوله في الحديث: «أنا زعيم ببيت في الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا» فليس المراد حقًّا شرعيًّا، مثلًا: أنا أقول لك: فلان وصل إلى هذا البلد، وأنت تقول: ما وصل، فالحقُّ مع الصَّادق، هذا هو الْمُحِقُّ، وليس المعنى الحقَّ الذي هو ضِدُّ الباطل الذي هو الشَّرع. تفسير القرآن(ص: 385).
قوله: «وببيتٍ في وسَطِ الجنةِ لمن تركَ الكذِبَ وإن كانَ مازحًا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«و» أنا زعيم «ببيت» أي: قصر «في وسط الجنة» والوسَط بفتح السِّين: منزلة وسطى بين الرَّبض والأعلى، ويستعمل الوسط بمعنى الخير، ومنه الحديث: «الوالد أوسط أبواب الجنة» «لمن ترك الكذب» من كلامه «وإن كان» فيه «مازحًا» فالمزح: مطايبة وانبساط مع الجليس؛ لتطييب قلبه ومؤانسته، وهو مشتقٌّ من: زحت الشَّيء عن موضعه، وأزحته عنه إذا نحَّيته؛ لأنه تنحية له عن حدِّ القول. شرح سنن أبي داود (18/ 468).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال بعض العلماء: المراد بالكذب هنا المراء الباطل؛ لأنه في مقابلة المراء بالحقِّ، وهنا المسكن في ربض الجنة، وهناك وَسَطها. الأزهار مخطوط لوح (416).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وببيت في وسَط الجنة» الواو عاطفة على ما قبله، أي: وأنا زعيم ببيت في وسَطها، وهو بفتح المهملة، أي: متوسطها، ويجوز إسكان المهملة كما في المصباح «لمن ترك الكذب» أي: الإخبار بخلاف الواقع، والمراد: ترك المذموم منه، وهو ما لا مصلحة راجحة فيه، فيكون عامًّا مخصوصًا مما عدا ذلك؛ إذ قد يكون مندوبًا تارة، كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وواجبًا أخرى، كما إذا تيقَّن ترتُّب هلاك معصوم على صدقه بالإخبار عنه. ودليل التَّخصيص الأحاديث الواردة باستثناء ذلك «وإن كان مازحًا» أي: بكذبه غير قاصد به الجِدَّ، ولا يتناول التَّعريض، فإنه ليس بكذب أصلًا، كقول إبراهيم: {إِنِّي سَقِيمٌ} الصافات: 89، أي: سأَسْقَمُ، وقوله في سارة: «إنها أخته» أي: باعتبار الإسلام، وإطلاق الكذب على ذلك في بعض الأحاديث من مجاز المشاكلة، أي: ظاهر صورته ذلك. دليل الفالحين (5/ 83).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماء: المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط، ويداوم عليه، فإنه يورث الضَّحك، وقسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى، والفكر في مهمات الدِّين، ويَؤُول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأمَّا ما سلم من هذه الأمور، فهو المباح الذي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله، فإنه -صلى الله عليه وسلم- إنما كان يفعله في نادر من الأحوال لمصلحة، وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته، وهذا لا منع منه قطعًا، بل هو سُنَّة مستحبَّة. الأذكار (ص: 521).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
النُّكت فيها تفصيل إن كانت على سبيل الكذب فلا تجوز، أمَّا إذا كان يحكي أشياء واقعية، أو يصوِّر أشياء لو وقعت كيف الحكم، لو وقع كذا أو صار كذا كيف الحكم، أو يحكي حكايات فيها فائدة للناس، وليس من أجل الضَّحك، إنما للفائدة والنَّصيحة فلا بأس، أمَّا النُّكت التي مضمونها كذب واختراع أشياء لم تقع كأنها واقعة، فهذا لا أراه جائزًا، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ثُمَّ ويل له»، ويقول: «أنا زعيم ببيت في وسَط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا...»، هذه ثلاثة أشياء أوصى بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو حديث صحيح جيد، لا بأس به، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:... «وأنا زعيم ببيت في وسَط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا». دروس للشيخ عبد العزيز بن باز (6/ 37).
قوله: «وببيتٍ في أعلى الجنةِ لمن حسَّنَ خُلُقَه»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«و» أنا زعيم «ببيت في أعلى الجنة من حسَّن» بتشديد السِّين «خُلُقه». شرح سنن أبي داود (18/ 469).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وببيت في أعلى الجنة» هو ظاهر في أن المراد بوسَط الجنة فيما قبله متوسط درجاتها ومنازلها، ففيه شرف كُلِّ مَنْ ترك الكذب، وحسَّن الخُلُق على ما قبله، «لمن حسَّن» بتشديد السِّين المهملة «خُلُقه»، وفي الإتيان به بصيغة التَّفعيل إيماء إلى مشقة التَّخلُّق بذلك، والاحتياج فيه إلى مزاولة للنَّفس، ورياضة لها. دليل الفالحين (5/ 83- 84).
وقال الملا على القاري -رحمه الله-:
«ومن حسَّن» بتشديد السِّين، أي: أحسن بالرِّياضة «خُلُقه» بضمَّتين، ويسكَّن اللَّام، أي: جميع أخلاقه التي من جملتها المراء، وترك الكذب «بُني له في أعلاها» أي: حسًّا ومعنى، وهذا يدلُّ على أن الخُلُق مكتسب وإن كان أصله غريزيًّا، ومنه خبر صحيح: «اللهمَّ حسِّن خُلُقي، كما حسَّنت خَلْقي»، وكذا خبر مسلم: «اللهمَّ اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت». مرقاة المفاتيح (7/ 3035).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وأمَّا تحسين الخُلُق، فإنه أعلى من ذلك رتبة، وأعرق منزلة، فكان قصر صاحبه في أعلى الجنة...، والخُلق بضمِّ لامه وسكونها الدِّين والطَّبع والسَّجيَّة، وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورتها الظَّاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثَّواب والعقاب يتعلَّقان بأوصاف الصُّورة الباطنة أكثر مما يتعلَّقان بأوصاف الصُّورة الظَّاهرة؛ ولهذا تكرَّرت الأحاديث في مدح حسن الخُلق في غير موضع. فتح القريب المجيب (2/ 139- 140).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فجعل البيت العُلْويَّ جزاءً لأعلى المقامات الثّلاثة، وهي حُسن الخُلق؛ والأوسط لأوسطها، وهو ترك الكذب؛ والأدنى لأدناها، وهو ترك المماراة، وإن كان معه حقٌّ، ولا ريبَ أنَّ حُسن الخُلق مشتملٌ على هذا كلِّه. مدارج السالكين (3/ 30).
وقال الشيخ عبدُ المُحسن العباد -حفظه الله-:
فيه بيانُ فضيلةِ حُسنِ الخُلُق، وأنَّ تحسينَ الإنسانِ لِخُلُقه يُوصلهُ إلى الدَّرجاتِ العاليةِ في الجنَّة؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ذكر ثلاثةَ أصنافٍ من الناس: فمنهم مَن يكون في رَبَضِ الجنَّة، وفي أَدناها، ومنهم من يكون في وسطِها، ومنهم من يكون في أعلاها، ومعلومٌ أنَّه كما أنَّ النارَ دَرَكاتٌ بعضُها تحت بعض، فالجَنة دَرَجاتٌ بعضُها فوق بعض.
شرح سنن أبي داود (٨/٥٤٦).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: استحباب ترك الجدال، وفي بعض الآثار: «إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العلم، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًّا فتح له باب الجدل، وأَغلق عنه باب العلم».
وفيه: الحثُّ على التَّخلُّق بحسن الخُلق، وترك الكذب. تطريز رياض الصالحين (ص: 412).