السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

سمعتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: «‌إنْ ‌كان ‌في ‌شيءٍ ‌مِن ‌أَدوِيَتِكُم خيرٌ، ففِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أو شَربَةٍ مِن عَسلٍ، أو لَذْعَةٍ بِنارٍ». قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «وما أُحِبُّ أنْ أَكتَوِيَ». قال: «فجاء بِحَجَّامٍ فَشَرَطَهُ، فذهبَ عنه ما يَجِدُ».


رواه البخاري برقم: (5683)، ومسلم برقم: (2205) واللفظ له، من حديث جابر -رضي الله عنه-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (5683): «أو لذعة بنار توافق الداء».
وفي رواية للبخاري برقم: (5681): «الشفاء في ثلاث... أو كيّة بنار، وأنهى أُمَّتي عن الكي»، من حديث ابن عباس –رضي الله عنهما-. 


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«شَرْطَة مِحْجَم»:
هي الضَّرْب على موضع الحجامة. مجمع بحار الأنوار، للفتني (3/ 203).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
المِحْجَم: هو ها هنا المشرط من الحديد. مطالع الأنوار (2/ 237).
وقال القاضي-رحمه الله-:
أو الحديدة التي يُشْرط بها ذلك الموضع. مشارق الأنوار (1/ 182).

«مِحجَمٍ»:
المحجم بالكسر: الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص، والمحجم أيضا مشرط الحجام. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 347)

«لَذعَةٍ»:
اللذع: حرقة كحرقة النار، وقيل: هو مس النار وحدتها. لذعه يلذعه لذعا ولذعته النار لذعا: لفحته وأحرقته. لسان العرب (8/ 317) 


شرح الحديث


قوله: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «‌إِن ‌كانَ ‌في ‌شَيءٍ ‌مِن ‌أَدوِيَتِكُم خَيرٌ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «إن كان في أدويتكم» ولم يقل: في الأدوية، يريد بذلك ما كانوا يتداوون به مِمَّا لم يرتضي منه. الإفصاح (8/ 306).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذه القسمة في التَّداوي منتظمة جملة ما يتداوى به الناس؛ وذلك أن الحَجْم يستَفْرغ الدَّم، وهو أعظم الأخلاط، وأنجحها شفاءً عند الحاجة إليه، والعسل مُسهِّل، وقد يدخل أيضًا في المعجونات المُسهِّلة؛ ليحفظ على تلك الأدوية قُواها، فيُسهِّل الأخلاط التي في البدن.
وأمَّا الكيُّ؛ فإنما هو للدَّاء العضال الخِلطُ الباغي الذي لا يُقدَر على حَسْم مادَّته إلَّا به، وقد وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم نهى عنه نهي كراهة؛ لِمَا فيه من الألم الشَّديد، والخطَر العظيم؛ ولذلك قالت العرب في أمثالها: آخر الدَّاء الكيُّ، وقد كوى -صلى الله عليه وسلم- سعد بن معاذ على أبجَلِهِ (أي: أكحله، والأكحل: عِرْق في وسط الذِّراع يكثر فصده)، واكتوى غير واحد من الصَّحابة بعده. أعلام الحديث (3/ 2105).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وأمَّا ما كان من العلل غير مفهوم السَّبب فكالسِّحر والعين ونظرة الجنِّ، فعلاجه بالرُّقى...؛ ولهذا القسم أشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما روي عنه أنه زاد في هذا الحديث: «أو آية من كتاب الله» زيادة على ما ذكر فيما تقدَّم منه.
قلتُ: هذا معنى ما قاله علماؤنا، ويمكن أن يقال: إن هذه المذكورات في هذا الحديث إنما خُصَّت بالذِّكر لأنها كانت أغلب أدويتهم، وأنفع لهم من غيرها بحكم اعتيادهم لها، ومناسبتها لغالب أمراضهم، ولا يلزم أن تكون كذلك في حقِّ غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم وعاداتهم وأهويتهم، ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف العلاجات والأدوية بحسب اختلاف البلاد والعادات، وإنِ اتِّحدت أسباب الأمراض، والله تعالى أعلم. المفهم (5/ 594- 595).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ولم يُرِدِ النبي -صلى الله عليه وسلم- الحصر في الثلاثة، فإن الشِّفاء قد يكون في غيرها، وإنما نبَّه بها على أصول العلاج؛ وذلك أن الأمراض الامتلائية تكون دموية وصفراوية وبلغمية وسوداوية...، وقد قيل: إنَّ المراد بالشِّفاء في هذا الحديث الشِّفاء من أحد قسمي المرض؛ لأن الأمراض كُلَّها إمَّا مادية أو غيرها، والمادية كما تقدَّم حارَّة وباردة، وكُلٌّ منهما وإن انقسم إلى رطبة ويابسة ومركَّبة، فالأصل الحرارة والبرودة، وما عداهما ينفعل من إحداهما، فنبَّه بالخبر على أصل المعالجة بضرب من المثال، فالحارَّة تعالج بإخراج الدَّم؛ لِمَا فيه من استفراغ المادة، وتبريد المزاج، والباردة بتناول العسل؛ لِمَا فيه من التَّسخين والإنضاج والتَّقطيع والتَّلطيف والجلاء والتَّليين؛ فيحصل بذلك استفراغ المادة برفق. فتح الباري (10/ 138- 139).

قوله: «ففِي شرطة مِحجَمٍ»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «شَرطة مِحْجم» هو ها هنا ‌المشرط ‌من ‌الحديد. مطالع الأنوار (2/ 237).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
و«شرطة بِمِحْجم» يعني به: الإخراج للدَّم، وخصَّه بشرطة المحجم؛ لأن ذاك كان غالبَ إخراجهم للدَّم بالحجامة، وفي معنى ذلك إخراجُه بالفصاد، وقطع العروق، واللَّه أعلم. اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه (4/ 368).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«شرطة محجم» أي: ففي شِقَّة مشراط، أي: ففي شِقَّة الحديدة التي يُشقُّ بها موضع الحجامة؛ ليخرج منه الدَّم، وهي الموسى، والشَّرطة بفتح الشِّين، وسكون الرَّاء، أي: ضربة مشراط. الكوكب الوهاج (22/ 235).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
أي: ما يضرب على موضع الحجامة؛ ليخرج منه الدَّم، والشَّرطة المرَّة منه، والمراد بالْمِحْجم هنا الحديدة التي يُشرط بها، وهي المعنية هنا، والْمِحْجم هو بكسر الميم، وسكون الحاء، وفتح الجيم، وهي الآلة التي تمصُّ، ويجمع بها موضع الحجامة، والمحْجَمة قارورة الحجَّام، وهو الوعاء الذي يجمع فيه موضع الحجامة، وهي الآلة التي تَمصُّ موضع الحجامة. فتح القريب المجيب (13/ 495).
وقال المازري -رحمه الله-:
وأمَّا الحديث الآخر وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن كان في شيء من أدويتكم خَير فَفِي شرَطَة مِحْجَم، أو شرْبةٍ من عَسَلٍ، أو لَذعَةٍ بِنَارٍ» فإنَّ هذا من البديع عند من علم صناعة الطِّبِّ؛ وذلك أنَّ سائر الأمراض الامتلائية إنما تكون دمويَّة أو صفراوية، أو سوداوية أو بلغمية، فإن كانت دمويَّة فشفاؤها إخراج الدَّم، وإن كانت من الثّلاثة الأقسام الباقية فشفاؤها بالإسهال بالمسهِّل الذي يليق بكُلِّ خلط منها؛ فكأنّه -صلى الله عليه وسلم- نبَّه بالعَسَل على المسهِّلات، وبالحجامة على الفصد، ووضعِ العَلَق (دُود العَلَق الماص للدم) وغيرهما مما في معناهما، وقد قال بعض النّاس بأن الفَصد قد يدخل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «شرطة مِحْجم»، وإذا أعيا الدَّواء فآخِر الطِّبِّ الكَيُّ، فذكره -صلى الله عليه وسلم- في الأدوية؛ لأنه يُستعمل عند غَلَبةِ الطِّباع لقُوَى الأدوِيَةِ، وحيث لا ينفع الدَّواء المشروب، فيجب أن يُتأمَّلَ ما في كلامه -صلوات الله وسلامه عليه- من هذه الإشارات. المعلم بفوائد مسلم (3/ 168- 169).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وشفاء الدَّموية بإخراج الدَّم، وإنما خصَّ الحجم بالذِّكر لكثرة استعمال العرب، وإلْفِهم له؛ بخلاف الفَصْد، فإنه وإن كان في معنى الحجم، لكنه لم يكن معهودًا لها غالبًا، على أن في التَّعبير بقوله: «شرطة مِحْجم» ما قد يتناول الفَصْد، وأيضًا فالحجم في البلاد الحارَّة أنجح من الفَصْد، والفَصْد في البلاد التي ليست بحارَّة أنجح من الحَجْم. فتح الباري (10/ 138).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
كان معلومًا أن المقصود بالحجامة إخراج الدَّم الزَّائد الذي يضرُّ البدن، فهذا هو المقصود، وخصَّ الحجامة لأن البلاد الحارَّة يخرج الدَّم فيها إلى سطح البدن، فيخرج بالحجامة، فلهذا كانت الحجامة في الحجاز ونحوه من البلاد الحارَّة يحصل بها مقصود استفراغ الدَّم، وأمَّا البلاد الباردة فالدَّم يغور فيها إلى العروق، فيحتاجون إلى قطع العروق بالفصاد، وهذا أمر معروف بالحسِّ والتَّجربة. مجموع الفتاوى (17/ 486- 487).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والحجامة: عبارة عن إخراج الدَّم الفاسد في البدن، وهي نافعة، قرنها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعسل والكيِّ، وقال: «الشِّفاء في ثلاث» وذكر منها «‌شَرطة ‌مِحْجم»، ولها أطباء معروفون؛ يعرفون من أين يحجمون؟ وفي أيِّ موضع؟ ويعرفون الإنسان يحتاج إلى الحجامة أو لا يحتاج؟ وقد كان الناس يفعلونها كثيرًا، وإذا اعتادها الإنسان فإنه لا بُدَّ أن يفعلها، وإذا لم يفعلها كثر عليه الدَّم، وربما يؤثِّر عليه، حتى إن الإمام أحمد قال: لو هاج به الدَّم وهو صائم في رمضان فله أن يحتجم ويفطر. ثم إن الحجامة لها مواضع معينة في البدن، ولها أزمنة من الشَّهر، فلا تُفعل في نصف الشَّهر، ولا في أوَّل الشَّهر، ولا في آخر الشَّهر، يعني: لا تفعل حين ضعف الهلال من أوَّل الشَّهر، ولا من آخره، ولا حين امتلائه بالنُّور؛ لأن فوران الدَّم في الأجسام له صلة بنور القمر، فهو يغور في أوَّل الشَّهر وفي آخره، وعند وسطه يزداد فورانه، والحجامة في هذا وفي هذا ليست جيِّدة؛ لأنها في حال فوران الدَّم ربما يخرج دم كثير من الإنسان يضرُّه، وفي حال انقباضه وغوره ربما تكون الحجامة مؤثِّرة؛ لأن الدَّم يكون أنقص. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 248- 249).
وقال ابن جرير الطبري -رحمه الله-:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأخدعين (عِرقان في جانب العُنق) وبين الكتفين». قيل: إن صحَّة ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غير مبطلة صحَّة الخبر عنه أنه احتجم على رأسه وكاهله؛ وذلك أن حجم المحتجم ما يحجم من جسده؛ لِمَا ذكرت قَبْلُ، من طلب النَّفع لنفسه، ودفع الضُّرِّ عنها، فإذ ذلك كذلك، فالحقُّ على كُلِّ محتجم أن يحجم من جسده أحرى أماكنه بسَوْق النَّفع بحجمه إيَّاه إليه، ودفع الضُّرِّ عنه، فاحتجامه -عليه السلام- في أخدعيه وبين كتفيه في بعض أحايينه غير موجب علينا إحالة احتجامه على هامته ونقرته، وغير ذلك من سائر أماكن جسده في حال أخرى، إذا كانت أماكن الحاجة إلى ذلك من أجساد بني آدم مختلفة، لاختلاف عللهم فيها، وقد ذُكِر عن المقدَّمين في العلم بعلاج أدواء الأجسام، أن حجامة الأخدعين نفعها للعارض من الأدواء في الصَّدر والرئة والكَبِد؛ لأنها تجذب الدَّم منها، وأن الحجامة على النقرة، للعارض من الأدواء في العينين والعنق والرَّأس والظَّهر، وأن الحجامة على الكاهل نفعها من الأدواء العارضة في الجسد كُلِّه، وأن الحجامة على الهامة فوق القِحْف (العظم الذي فوق الدماغ) نفعها من السَّدَر (بالتحريك: كالدُّوارِ وهو كثيرًا ما يَعْرِض لراكِب البحر) وقروح الفخذ، واحتباس الطَّمث، فإذا كانت منافع الحجامة لاختلاف أماكنها من أجساد بني آدم مختلفة، على ما وصفت، فمعلوم أن اختلاف حجم النبي -صلى الله عليه وسلم- من جسده ما حجم، كان على قدر اختلاف أسباب الحاجة إليه، فحجم مرَّة أو مرارًا الأخدعين والكاهل، ومرَّة أعلى هامته وبين كتفيه، ومرَّة الأخدعين دون غيرهما، وليس حجمه بعض ذلك دون بعض في الحال التي حجمه فيه بدافع صحَّة الخبر عنه حجمه مرَّة أخرى موضعًا غيره من جسده، إذ كان فعله ما كان يفعل من ذلك التماس نفعه، ونفي الأذى عن نفسه، وقد روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أن حجمه هامته كان لوجع أصابه في رأسه من أكله ما أكل بخيبر من الطَّعام المسموم، وأنه كان يصف حجم ذلك لعامة علل الرَّأس، وما اتَّصل به من الأعضاء. تهذيب الآثار(1/ 523).

قوله: «أو شَربَةٍ مِن عَسَلٍ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أو شَربة عسل» نحل، و«شَربة» بفتح الشِّين اسم مرَّة. فتح المنعم (8/ 583).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أو» للتَّنويع، لا للشَّكِّ «شَربة» بفتح الشِّين المعجمة، وإسكان الرَّاء. البحر المحيط الثجاج (36/ 159).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وأمَّا العسل فهو ‌مسهِّل ‌للأخلاط ‌البلغمية، ويدخل في المعجونات؛ ليحفظ على تلك الأدوية قُوَاها، ويخرجها من البدن...
أمَّا الامتلاء الصَّفراوي، وما ذكر معه، فدواؤه بالمسهِّل، وقد نبَّه عليه بذكر العسل. فتح الباري (10/ 138).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
العسل يُذكَّر ويؤنَّث، وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه من المنافع ما لَخَّصَه الموفَّق البغدادي وغيره، فقالوا: يجلو الأوساخ التي في العروق والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويَغسِلُ خَمْلَ الْمَعِدة، ويسخِّنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح أفواه العروق، ويشدُّ الْمَعِدة والكَبِد والكُلَى والمثانة والمنافذ، وفيه تحليل للرُّطوبات أكلًا وطلاءً وتغذيةً، وفيه حفظ المعجونات، وإذهاب لكيفية الأدوية المستكرهة، وتنقية الكَبِد والصَّدر، وإدرار البول والطَّمث، ونفع للسُّعال الكائن من البلغم، ونفع لأصحاب البلغم والأمزجة الباردة، وإذا أضيف إليه الخلُّ نفع أصحاب الصَّفراء، ثم هو غذاء من الأغذية، ودواء من الأدوية، وشراب من الأشربة، وحلوى من الحلاوات، وطِلاء من الأطلية، ومُفرح من المفرحات. ومن منافعه: أنه إذا شرب حارًّا بدهن الورد نفع من نهش الحيوان، وإذا شرب وحده بماء نفع من عضَّة الكَلْب الكَلِب، وإذا جُعِلَ فيه اللَّحم الطَّري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك الخيار والقرع والباذنجان واللَّيمون، ونحو ذلك من الفواكه، وإذا لُطِّخ به البدن للقمل قتل القمل والصِّئبان (واحدها: صُؤَابة وهي بيضة القمل والبرغوث)، وطَوَّل الشَّعر وحسَّنه ونعَّمه، وإن اكتحل به جَلَا ظُلمة البصر، وإن استنَّ به صقل الأسنان، وحفظ صحَّتها، وهو عجيب في حفظ جثث الموتى، فلا يُسْرِع إليها البلى، وهو مع ذلك مأمون الغائلة، قليل المضرَّة، ولم يكن يعوِّل قدماء الأطِبَّاء في الأدوية المركَّبة إلا عليه، ولا ذكر للسُّكَّر في أكثر كتبهم أصلًا، وقد أخرج أبو نعيم في الطِّبِّ النَّبويِّ بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رفعه وابن ماجه بسند ضعيف من حديث جابر رفعه: «مَنْ لَعِقَ العسل ثلاث غدوات في كُلِّ شهر لم يصبه عظيم بلاء»، والله أعلم. فتح الباري (10/ 140).

قوله: «أَو لَذعَةٍ بِنارٍ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أو لَذْعة بنار» أي: كي...والكيُّ بالأشعة في أيَّامنا يقوم مقام الحديدة المحميَّة في النار، آلة الكيِّ آنذاك. فتح المنعم (8/ 583).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «أو لذعة بنار» اللَّذع: الطَّفيف من إحراق النار، والمراد به: ها هنا الكيُّ، وهو من العلاج الذي تعرفه الخاصَّة، وأكثر العامة، والكيُّ: أن يحمى حديد ويوضع على عضو معلول ليحترق ويحتبس دمه، ولا يخرج منه الدَّم، أو لأن ينقطع العرق؛ لئلا تنتشر منه العِلَّة. وقد جاء النَّهي عن الكيِّ، والرُّخصة أيضًا لبيان جوازه، حيث لا يقدر الرَّجل على أن يداوي العِلَّة بدواء آخر، والنَّهي لأن الكيَّ فيه تعذيب بالنار، ولا يجوز؛ ولأنه يبقى من الكيِّ أثر فاحش؛ ولأن أهل الجاهلية يعتقدون الشِّفاء منه، فنهاهم؛ لأن الشِّفاء من الله تعالى. فتح القريب المجيب (13/ 496).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
والكيُّ جنسان:
أحدهما: ‌كيُّ ‌الصَّحيح؛ لئلا يعتلَّ...
وأمَّا الجنس الآخر: فكيُّ الجرح إذا نغل (فسد)، وإذا سأل دمه فلم ينقطع، وكيُّ العضو إذا قطع أو حَسَمَه، وكيُّ عروق مَنْ سقى بَطنه وبدنه...، وهذا هو الكيُّ الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن فيه الشِّفاء». وكوى أسعد بن زرارة لعِلَّة كان يجدها في عنقه، وليس هذا بمنزلة الأمر الأوَّل، ولا يقال لمن يعالج عند نزول العِلَّة به: لم يتوكَّلْ، فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتَّعالج، وقال: «لكُلِّ داء دواء» لا على أن الدَّواء شافٍ لا محالة، وإنما يشرب على رجاء العافية من الله تعالى به؛ إذ كان قد جعل لكُلِّ شيء سببًا. تأويل مختلف الحديث (ص:462- 465).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فالكيُّ داخل في جملة العلاج والتَّداوي المأذون فيه...، وأمَّا حديث عمران بن حصين في النهي عن الكيِّ، فقد يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون من أجل أنهم ‌كانوا ‌يعظِّمون ‌أمره، ويقولون: آخر الدَّواء الكيُّ، ويرون أنه يحسم الدَّاء ويبرئه، وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك، فنهاهم عن ذلك إذا كان على هذا الوجه، وأباح لهم استعماله على معنى التَّوكُّل على الله سبحانه، وطلب الشِّفاء والتَّرجِّي للبُرء بما يحدث الله -عزَّ وجلَّ- من صنعه فيه، ويجلبه من الشِّفاء على أَثَره، فيكون الكيُّ والدَّواء سببًا لا عِلَّةً...، وفيه وجه آخر: وهو أن يكون معنى نهيه عن الكيِّ هو أن يفعله احترازًا عن الدَّاء قبل وقوع الضَّرورة، ونزول البليَّة؛ وذلك مكروه، وإنما أبيح العلاج والتَّداوي عند وقوع الحاجة، ودعاء الضَّرورة إليه، ألَا ترى أنه إنما كوى سعدًا حين خاف عليه الهلاك من النَّزف.
وقد يحتمل أن يكون إنما نهى عمران خاصة عن الكيِّ في عِلَّة بعينها؛ لعلمه أنه لا ينجع، ألَا تراه يقول: فما أفلحنا ولا أنجحنا، وقد كان به النَّاصور، فلعلَّه إنما نهاه عن استعمال الكيِّ في موضعه من البدن والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورًا، والكيُّ في بعض الأعضاء يعظم خطره، وليس كذلك في بعض الأعضاء، فيشبه أن يكون النهي منصرفًا إلى النَّوع المخوف منه، والله أعلم. معالم السنن (4/ 218- 219).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قالوا: الحجامة وشرب العسل والكيُّ إنما هو شفاء لبعض الأمراض دون بعض، ألَا ترى قوله -عليه السلام-: «أو لذعة بنار توافق الدَّاء»، فشرط موافقتها للدَّاء، فدلَّ هذا أنها إذا لم توافق الدَّاء فلا دواء فيها. شرح صحيح البخاري (9/ 396).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
الكيُّ باب من أبواب التَّداوي والمعالجة، ومعلوم أن طلب العافية بالعلاج والدُّعاء مباح بما قدَّمنا من الأصول في غير موضع من هذا الكتاب، وحسبك بما أوردنا من ذلك في باب زيد بن أسلم، فلا يجب أن يمتنع من التَّداوي بالكيِّ وغيره إلَّا بدليل لا معارض له، وقد عارض النَّهي عن الكيِّ من الإباحة ما هو أقوى، وعليه جمهور العلماء، ما أعلم بينهم خلافًا، أنهم لا يرون بأسًا بالكيِّ عند الحاجة إليه، فمَنْ ترك الكيَّ ثقةً بالله، وتوكَّلًا عليه كان أفضل؛ لأن هذه منزلة يقين صحيح، وتلك منزلة رخصة وإباحة. التمهيد (15/ 477).
وقال النووي -رحمه الله-:
وذكر الكيَّ لأنه يستعمل عند عدم نفع الأدوية المشروبة، ونحوها، فآخر الطِّبِّ الكيُّ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أُحِبُّ أن أكتوي» إشارة إلى تأخير العلاج بالكيِّ، حتى يضطرَّ إليه لِمَا فيه من استعمال الألم الشَّديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكيِّ. شرح مسلم (14/ 193).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
وفيه: أن كُلَّ ما يتأذَّى به المؤمن، وإن ضعف أذاه، وإن كان مُحرَّمًا، يُباح له إزالته؛ فمداواة أسقام الأجسام بالطَّريق الأَوْلَى. اللامع الصبيح (14/ 304).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وأمَّا الكيُّ فإنه يقع آخرًا لإخراج ما يتعسَّر إخراجه من الفضلات، وإنما نهى عنه مع إثباته الشِّفاء فيه، إمَّا لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه فكرهه لذلك؛ ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الدَّاء لظنِّهم أنه يحسم الدَّاء، فيتعجَّل الذي يكتوي التَّعذيب بالنار لأمر مظنون، وقد لا يتَّفِق أن يقع له ذلك المرض الذي يقطعه الكيُّ. ويؤخذ من الجمع بين كراهته -صلى الله عليه وسلم- للكيِّ، وبين استعماله له أنه لا يترك مطلقًا، ولا يُستعمل مطلقًا، بل يستعمل عند تعيّنه طريقًا إلى الشِّفاء، مع مصاحبة اعتقاد أن الشِّفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التَّفسير يحمل حديث المغيرة رفعه: «مَنِ اكتوى أو استرقى فقد برئ من التَّوكُّل» أخرجه الترمذي والنسائي وصحَّحه ابن حبان والحاكم، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -رحمه الله-: عُلِمَ من مجموع كلامه في الكيِّ أن فيه نفعًا، وأن فيه مضرَّة، فلمَّا نهى عنه عُلِمَ أن جانب المضرَّة فيه أغلب، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع، ثم حرَّمها؛ لأن المضارَّ التي فيها أعظم من المنافع، انتهى ملخَّصًا...، وأمَّا الكيُّ فخاصٌّ بالمرض المزمن؛ لأنه يكون عن مادة باردة فقد تفسد مزاج العضو، فإذا كوي خرجت منه...
قوله: «توافق الدَّاء» فيه إشارة إلى أن الكيَّ إنما يشرع منه ما يتعيّن طريقًا إلى إزالة ذلك الدَّاء، وأنه لا ينبغي التَّجربة لذلك، ولا استعماله إلَّا بعد التَّحقُّق، ويحتمل أن يكون المراد بالموافقة موافقة القَدَر. فتح الباري (10/ 138- 141).

قوله: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وما أُحِبُّ أن أَكتَوِيَ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«وما أُحِبُّ أن أكتويَ» لِمَا في الكيِّ من الألم الشَّديد، فيؤخَّر العلاج به؛ لذا قيل: آخر الدَّواء الكيُّ. فتح المنعم (8/ 583).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وما أُحِبُّ أن أكتويَ» لشِدَّة ألمه، وعظم خطره. إرشاد الساري (8/ 370).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في حديث جابر إباحة الكيِّ والحجامة، وأن الشِّفاء فيهما؛ لأنه -عليه السلام- لا يدلُّ أُمَّته على ما فيه الشِّفاء لهم إلَّا ومباح لهم الاستشفاء والتَّداوي. فإن قال قائل: ما معنى قوله -عليه السلام-: «لا أُحِبُّ أن أكتويَ»؟ قيل: معنى ذلك -والله أعلم- أن الكيَّ إحراق بالنار وتعذيب، وقد كان -عليه السلام- يتعوَّذ كثيرًا من فتنة النار، وعذاب النار، فلو اكتوى بها لكان قد عجَّل لنفسه ألم ما قد استعاذ بالله منه.
شرح صحيح البخاري (9/ 404).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
وبعث إلى أُبيِّ بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا، ثم كواه عليه، وهذا يدلُّ على الرُّخصة في ذلك...، ثم قد رُوِّينا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «الشِّفاء في ثلاثة: في شَرْطة مِحْجم، أو شَربة عسل، أو كَيَّة بنار، وأنا أنهى أُمَّتي عن الكيِّ»، وهذا القول صدر منه بعد قصة أسعد بن زرارة، ويُشبه أنْ يكون بعد قصة أُبيٍّ أيضًا، وأراد بهذا النَّهي -والله تعالى أعلم- التنزيه، فقد روى هذا الحديث بعينه جابر بن عبد الله عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شَرْطة حجَّام، أو شَربة عسل، أو لدغة بنار، وما أُحِبُّ أن أكتويَ»، وهذا يدلُّ على أنّ ذلك على غير التَّحريم. شعب الإيمان (2/ 59- 60).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ما توكَّل حقَّ التَّوكُّل مَنِ استرقى أو اكتوى؛ لأن مَنْ ترك ذلك توكُّلًا على الله، وعلمًا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن أيَّام الصِّحَّة لا سقم فيها، كان أفضل منزلة، وأعلى درجة، وأكمل يقين وتوكُّل، والله أعلم.
وقد قيل: إن الذي نُهي عنه من الكيِّ هو ما يكون منه قبل نزول البلاء؛ حفظًا للصِّحَّة، وأمَّا بعد نزول ما يحتاج فيه إلى الكيِّ فلا. التمهيد (15/ 478).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «وما أُحِبُّ أن أكتويَ» وفي لفظ البخاري: «وأنا أنهى أُمَّتي عن الكيِّ» إنَّما كان ذلك لشِدَّة ألم الكيِّ، فإنه يُرْبي على ألم المرض؛ ولذلك لا يرجع إليه إلَّا عند العجز عن الشِّفاء بغيره من الأدوية، وأيضًا فلأنه يُشْبِه التَّعذيب بعذاب الله الذي نُهِيَ عنه. المفهم (5/ 595).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «وما أُحِبُّ أن أكتويَ» فيه إشارة إلى تأخير العلاج بالكيِّ حتَّى يضطر إليه لِمَا فيه من استعجال الألم الشَّديد، وقد كوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُبي بن كعب يوم الأحزاب وسعد بن معاذ. الكواكب الدراري (20/ 207).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وحاصل الجمع: أنَّ الفعل يدلُّ على الجواز، وعدم الفعل لا يدلُّ على المنع، بل يدلُّ على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثَّناء على تاركه، وأمَّا النَّهي عنه، فإمَّا على سبيل الاختيار والتَّنزيه، وإمَّا عما لا يتعيَّن طريقًا إلى الشِّفاء، والله أعلم. فتح الباري (10/ 155- 156).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
هذا وقد تضمَّنت أحاديث الكيِّ أربعة أمور:
فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- له، وعدم مَحبَّته له، والثَّناء على مَنْ تركه، والنَّهي عنه، ولا تعارض بينها؛ لأن الفعل يدلُّ على الجواز، وعدم المحبَّة لا يدلُّ على المنع، بل يدلُّ على أن تركه أَوْلَى، وكذا الثَّناء على تاركه، وأمَّا النهي عنه، فإمَّا على سبيل الاختيار والتَّنزيه، أو عما لا يتعيَّن طريقًا إلى الشِّفاء، أو عما لا يحتاج إليه، بل يُفعل خوفًا من حدوث الدَّاء. الدين الخالص (7/ 69).

قوله: «فجَاءَ بحجَّام فشرطه، فذهب عنه ما يجد»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» عاصم بن عمر «فجاء» الغلام «‌بحجَّام ‌فشرطه» أي: فشرط الحجَّام ذلك الرَّجل «فذهب عنه» أي: عن الرَّجل «ما يجد» أَوَّلًا من الألم، وزال عنه، فشفي. الكوكب الوهاج (22/ 236).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» عاصم بن عمر «فجاء» ذلك الغلام «بحجَّام» وفي بعض النُّسخ: «بالحجَّام» «فشرطه» أي: بزغه، يقال: شَرَطَ الحاجم يَشْرُطُ، ويَشْرِطُ، من بابي ضرب، ونصر: إذا بزغ...، «فذهب عنه» أي: عن الرَّجل المشتكي «ما يجد» أي: من الألم. وفيه أن الحجامة من أنفع الأدوية، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (36/ 160).


إبلاغ عن خطأ