«إذا صليت، فلا تبصق عن يمينك، ولا بين يديك، وابصق خَلفك، وعن شمالك إن كان فارغًا، وإلا فهكذا». ودَلَك تحت قدمِه.
رواه أحمد برقم: (27221)، وأبو داود برقم: (478)، والنسائي برقم: (726)، واللفظ لهم. والترمذي برقم: (571)، وابن ماجه برقم: (1021)، من حديث طارق بن عبد الله المُحَارِبِيِّ -رضي الله عنه-.
صحيح سنن أبي داود برقم: (497)، صحيح سنن النسائي برقم: (701).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«تَبْصُق»:
بصق لغة في بَسَق، وبُصَاق الجراد لعابه. العين، للخليل (5/ 69).
قال ابن هشام اللخمي -رحمه الله-:
يقال: بصق وبسق وبزق، بالصاد والسين والزاي، وهو البصاق والبساق والبزاق، وهو واقع على ما يُلْقى من الفم من الماء. شرح الفصيح (ص: 291، 292).
«دَلَكَ»:
الدَّلْكُ: مِن دَلَكَ، الفَرْكُ، ومنه دَلَكَ النعل بالتراب تطهيرًا. معجم لغة الفقهاء، لقلعجي (ص: 210).
شرح الحديث
قوله: «إذا صليت»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إذا صليت» أي: دخلت في الصلاة. فيض القدير (1/ 392).
وقال العراقي -رحمه الله-:
هل المراد بالقيام للصلاة الدخول فيها، أو النهوض والانتصاب لها، ولو قبل الإحرام؟
والجواب: أنه إن كان المراد أعم من كونه في المسجد أو في غيره فلا حرج في ذلك قبل الشروع في الصلاة إذا كان في غير المسجد، وإن كان المراد بذلك فقيد كونه في المسجد فسواء في ذلك بعد الإحرام أو قبله، بل دخول المسجد كان في النهي عن البزاق فيه، وإن لم يكن قائمًا إلى الصلاة، كما ثبت في حديث أنس المتفق عليه «البزاق في المسجد خطيئة». طرح التثريب (2/ 381).
قوله: «فلا تبصق عن يمينك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أي: ولا تبزقنَّ في جهة يمينك. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 129).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
تعظيمًا لليمين وزيادة لشرفها، «فإنّ عن يمينه ملكًا» يكتب الحسنات التي هي علامة الرحمة، فهو أشرف، والتنكير للتعظيم، وقد ورد: إنه أمير على ملك اليسار يمنعه من كتابة السيئات إلى ثلاث ساعات لعله يرجع إلى الطاعات. مرقاة المفاتيح (2/ 600).
وقال عبد القادر الأسطواني -رحمه الله-:
لشرف اليمين، وجاء في رواية المؤلف: «فإنَّ عن يمينه ملَكًا»، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح: «لا يبزق عن يمينه؛ فعن يمينه كاتب الحسنات». أصل الزراري شرح صحيح البخاري (ص: 277- 278).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قيل: إن المراد به الملك الذي يحضر المصلي لتأييده وإلهامه، والتأمين على دعائه حال صلاته، ويحتمل: أنه الملك الموكَّل بكَتْبِ الحسنات، وأن الملك الموكل بكَتْبِ السيئات يتنحى عنه. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 122).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
مراعاة لملك اليمين، إما لأنه كاتب الحسنات وهو محسن إليه بكتابة حسناته ظاهرًا، سيما في حالة الصلاة؛ فإنها من أعظم الحسنات، فينبغي مراعاته، أو لأنه أعظم رتبة، فيستحق من التأدب فوق ما يستحق الآخر، ويحتمل أن يكون هناك ملك آخر مخصوص حضوره بحالة المناجاة. شرح سنن ابن ماجه (5/ 269).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذا النهي مع التمكن من البصاق في غير جهة اليمين، فلو اضطر إلى ذلك جاز. المفهم (2/ 159).
وقال العراقي -رحمه الله- متعقبًا للقرطبي:
ما أدري ما أراد بالاضطرار إلى ذلك، هل أراد بكون اليسار مشغولة بمصلٍّ، أو بمحترم، وعلى هذا فيقتضي تقديم مراعاة المصلي على جهة الملَك مع ما في جهة اليمين من الشرف، وأيضًا فمعه أيضًا تحت رجله اليسرى فما الذي يصرفه عنها، يحتمل: أن يكون بقربها مصحف، أو أحد جالس، والله أعلم. طرح التثريب (2/ 384).
وقال الدميري -رحمه الله-:
ينبغي أن يستثنى من كراهة البصاق عن اليمين إذا كان في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- مستقبل القبلة، فإن بصاقه عن يمينه أولى؛ لأن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن يساره. النجم الوهاج في شرح المنهاج (2/ 241).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ونهيه عن البصاق عن يمينه دليل على احترام تلك الجهة، وقد ظهر منه تأثير ذلك، حيث كان (-صلى الله عليه وسلم-) يحب التيمن في شأنه كله، وحيث كان يبدأ بالميامن في الوضوء والأعمال الدينية، وحيث كان يعدُّ يمينه لحوائجه، وشماله لما كان من أذى.
وقد علل ذلك في حديث أبي داود حيث قال: «والملك عن يمينه»، بل وفي البخاري: «عن يمينه ملكًا»، ويقال على هذا: إن صح هذا التعليل لزم عليه ألا يبصق عن يساره؛ فإنَّ عليه أيضًا ملكًا، بدليل قوله تعالى: {عَنِ اليَمِيْنِ وَعَنِ الشِّمَالِ} ق: 17.
والجواب بعد تسليم أن على شماله ملكًا: أن ملك اليمين أعلى وأفضل، فاحترم بما لم يحترم غيره من نوعه، والله تعالى أعلم. المفهم (2/ 159).
قوله: «ولا بين يديك»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
لأنها قِبْلَته، وهو مواجِهٌ لربه. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 122).
وقال العراقي -رحمه الله-:
علَّل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجيًا لله، وعلَّله في حديث ابن عمر بعده بأن الله قِبَلَ وجهه إذا صلى، وفي حديث لأبي هريرة عند مسلم: «ما بالُ أحدكم يقوم مستقبلًا ربه فيتَنَخَّع أمامه». طرح التثريب (2/ 382).
قوله: «وابصق خلفك»:
قال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
أي: إذا لم يكن خلفك أحد يصلي. تحفة الأحوذي (3/ 131).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث، وهي قوله: «خلفك»، وقال: لم يقل ذلك وكيع ولا عبد الرزاق.
قال الدارقطني: هي وهمٌ من يحيى بن سعيد، ولم يذكرها جماعة من الحفاظ من أصحاب سفيان، وكذلك رواه أصحاب منصور عنه، لم يَقل أحدٌ منهم: «ابزق خلفك». فتح الباري (3/ 130-131).
قوله: «وعن شمالك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
لكونها مكان قرينه من الشيطان. البحر المحيط الثجاج (12/ 377).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
لعدم شرفها؛ ولأن كاتب السيئات يفارقه في حالة الصلاة، وليست له كتابة، «تحت قدمه» على ما قالوا: هذا إذا لم يكن في المسجد، فإن كان فيه فليبزق في ثوبه. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (5/ 269).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيحتمل أن يكون المراد بجهة الشمال كونه تحت قدمِه اليُسرى. طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 383 - 384).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وهذا مع إمكان البصاق لغير اليمين من على اليسار وتحت القدم كما جاء في الحديث، فأما مع تعذر هذه الجهات لكون من يصلى على يساره، فله أن يبصق عن يمينه ويدفنه، لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما قدر؛ لما ذكرناه. إكمال المعلم (2/ 484).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا لعياض:
لا يظهر وجود التعذُّر مع وجود الثوب الذي هو لابسه، وقد أرشده الشارع إلى التفل فيه. فتح الباري (1/ 510).
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
إن لم يَكُن جهة يساره أحدٌ، وإن كان جهة يساره أحد بزق تحت قدمه اليسرى. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (4/ 94).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وكذا لو كان يصلي مثلًا في الروضة الشريفة، ولو لم يكن على يساره مصل آخر حيث قلنا بجواز البصاق في المسجد ودفنه؛ احترامًا لجهة القبر الشريف، وهذا واضح. طرح التثريب (2/ 383).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وخص اليسرى؛ لِمَا قدَّمناه من تنزيه اليمنى عن إزالة الأقذار وتناولها، قال بعضهم: فيه دليل على أن المصلي لا يكون عن يساره ملك؛ لأنه لا يجد ما يكتب لكونه في طاعة؛ لأنه علَّل منع البصاق على اليمين لكون الملك هناك وأباحه على اليسار. إكمال المعلم (2/ 485).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فالبُزاق عَن يسَاره إنما يقع عَلى قرينه وهوَ الشيطان، وهذا يُظْهِرُ استشكال بعضهم بالبَصْق عَلى اليسَار؛ لأن عَلى اليسَار مَلكًا كما على اليَمِين.
وَأُجيب: باحْتِمال اختصاص المنع على اليَمين تشريفًا لملك اليَمين وتكريمًا، دون كاتب السَّيئات.
وأجَابَ بعض المتَأخرين بأن الصلاة أمُّ الحَسَنَات البدَنِيِّة؛ فلا مدخل لكِاتب السيئات فيهَا. شرح سنن أبي داود (3/ 329).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
فإذا قيل: كيف يبصق عن شماله وفيه الملك؟
فالجواب -والله أعلم- هو ما يأتي:
أ ـ أن المصلي لا يبصق في الصلاة إلا في حال الحاجة، والحاجة تبيح المكروهات.
ب ـ جهة اليمين أشرف من جهة الشمال، فيجعل اليمين للمستطابات، والشمال للمستقذرات.
ج ـ الملك المقيم في جهة اليمين، أشرف من الملك المقيم في جهة الشمال.
د ـ أرشد الشارع المصلي أن يبصق تحت قدمه الشمال، فهو لم يبصق جهة الملك، وإنما أسفل منه وتحت القدم، والمسلم يتقي الله تعالى ما استطاع. توضيح الأحكام من بلوغ المرام (2/ 94).
قوله: «إن كان فارغًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إن كان فارغًا» من آدمي محترم يتأذى به. فيض القدير (1/ 393).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن كان فارغًا» أي: لا تؤذي فيه أحدًا. التنوير شرح الجامع الصغير (1/ 547).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«إن كان فارغًا» عن المصلين ونحوهم «وإلا» يكن فارغًا فتحت قدمك اليسرى. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 122).
قوله: «وإلا فهكذا، ودَلَكَ تحت قدمه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وإلا» هي (إن) الشرطية، أُدغمت في (لا) النافية، وفِعْلُ الشرط محذوف، أي: وإن لم يكن شمالك فارغًا، بأن كان مشغولًا بما ذُكر «فهكذا» الفاء رابطة لجواب (إن)، و(ها) حرف تنبيه، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف، تقديره: فافعل هكذا، والجملة في محل جزم جواب الشرط. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 130).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإلا» يكن فارغًا فتحت قدمك اليسرى. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 122).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وإلا» بأن لم يكن فارغًا من ذلك «فـ»ـابزق تحت قدمك اليسرى «وادلكه» أي: امرسه بيدك أو برجلك؛ ليُدفن في التراب أو الرمل، ويغيب أثره، وسواء فيما ذُكِرَ كله من بالمسجد وغيره؛ لأن البصاق إنما يحرم فيه إن بقي جُرمه لا إن استهلك في نحو ماءِ مضمضة وأصاب جزءًا من أجزائه دون هوائه، سواءٌ مَنْ به (في المسجد) وخارِجَه؛ لأن الملحظ التقذير. فيض القدير (1/ 393).
وقال العراقي -رحمه الله-:
المراد به الرِّجل اليسرى كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد: «ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى». طرح التثريب (2/ 383).
قال النووي -رحمه الله-:
والأمر بالبُصاق عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه. رياض الصالحين (ص:211).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
ومحله: في غير المسجد لا فيه؛ لشرفه، ولا عن يمينه؛ لأن عن يمينه كاتبَ الحسنات، «أو تحت قدميه» في نسخة: «قدمه» أي: اليسرى، وهي المرادة من الأولى. منحة الباري بشرح صحيح البخاري (2/ 112).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الترخيص في البصاق في المسجد هو: ما إذا كان فراش المسجد حصى أو ترابًا دونما إذا كان رخامًا أو بلاطًا أو بساطًا أو حصيرًا. طرح التثريب في شرح التقريب (2/ 384).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
فأما إذا كان في المسجد بُسُط، أو ما له بال من الحُصُر مما يُفسده البصاق ويُقذِّره؛ فلا يجوز ذلك فيه احترامًا للمالية -والله أعلم-. مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه (5/ 270).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
هذا في غير المسجد، أما فيه: فلا يبزقن إلا في ثوبه، وهذا محمول على عدم النطق فيه بحرفين، كما في النفخ، أو التنخم، أو البكاء، أو الضحك، أو الأنين، أو التأَوُّه، أو التنحنُح. إرشاد الساري (2/ 359).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
وهذا إذا كان الإنسان خارج المسجد، كأن يصلي في بيته في أرض غير مفروشة أو في الصحراء، وأما في المسجد فلا يبصق تحت قدمه، وإنما في ثوبه أو منديله. منحة العلام في شرح بلوغ المرام (2/ 447).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دلالة على طهارة البزاق؛ لأنه لو لم يكن طاهرًا لما أمر النبي -عليه السلام- المصلي بإلقاء البزاق في مصلاه، وقد أمره في حديث آخر: أن يأخذ البزاق بثوبه. المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 70).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
لا أعلم خلافًا في أن البزاق طاهر إلا أن أبا محمد الكُداني حدثني قال: سمعت الساجي يقول: كان إبراهيم النخعي يقول: البُزاق نجس. معالم السنن (1/ 144).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فيه: فضل الميمنة على الميسرة. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (4/ 76).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف (يعني: النسائي) وهو جواز بصق المصلي خلفه، أو تلقاء شماله.
ومنها: عدم جواز البصق إلى اليسار إذا كان فيه أحد؛ لئلا يتأذى به.
ومنها: إذا كان في شماله أحد يبصق تحت رجله ويدلكه.
ومنها: طهارة البصاق؛ لأنه أَمَرَ بِدَلْكِهِ، وهو في الصلاة، وقد تقدم أنه لم يخالف فيه أحد، إلا ما روي عن سلمان والنخعي.
ومنها: ما قاله ابن خزيمة -رحمه الله-: إن فيه دلالة على إباحة لَيِّ عنقه وراء ظهره إذا أراد أن يبصق في صلاته؛ إذ البزق خلفه غير ممكن إلا بِلَيِّ العنق. والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (9/ 132-133).
وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)