الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«يا رسول الله، قُل لي في الإسلام قولًا لا أسألُ عنه أحدًا بعدك»، - وفي حديث أبي أسامة «غيرَك»- قال: «قل: آمنتُ بالله، فاستقِم».


رواه مسلم برقم: (38) من حديث سفيان بن عبد الله الثَّقَفِيِّ -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (15416)، والنسائي في الكبرى برقم: (11776) بلفظ: «قل: ‌آمنتُ ‌باللهِ، ثمَّ استقمْ».


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «قلتُ: يا رسول الله، قُل لي في الإسلام قولًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- «قلتُ» لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا رسول الله، قل لي في الإسلام» أي: في أحكامه وخصاله وأموره «قولًا» جامعًا لها، واضحًا في نفسه. الكوكب الوهاج (2/ 337).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«قل لي في الإسلام» أي: فيما يكملُ به الإسلام «قولًا» أي: قولًا جامعًا لأصوله وفروعه، أستغني به. شرح المصابيح (1/ 40).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «قل لي في الإسلام» أي: قل لي فيما يكمُل الإسلام به، ويُراعَى به حقوقه، ويُستدلُّ به على توابعه ولواحقه. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 456).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
قوله: «قل لي في الإسلام» أي: في حكمه؛ ولما كانت أحكامه (أي: الإسلام) من الأفعال والتروك وشرائط ذلك لا تنحصر، سأل بحُسن نظره بيانَ جميع ذلك بقولٍ جامعٍ جليّ يستغني بجمعه ووضوحه عن سؤال غيره. إكمال إكمال المعلم (1/134).

قوله: «لا أسألُ عنه أحدًا بعدك» وفي حديث أبي أسامة: «غيرَك»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا أسالُ عنه» أي: عن تفسير ذلك القول «أحدًا» من الناس «بعدك» أي: بعد قولك لي وتعليمك إيّاي. الكوكب الوهاج (2/ 337).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لا أسألُ عنه أحدًا بعدك» أي: عَلِّمني قولًا جامعًا لمعاني الإسلام، واضحًا في نفسه، بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك، أعمل عليه، وأكتفي به؛ وهذا نحو مما قاله له الآخر: «علمني شيئًا أعيش به في الناس، ولا تُكثر عليَّ فأنسى»؛ فقال: «لا تغضب». المفهم (1/ 221).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لا أسأل أحدًا» بعد سؤالك هذا، كقوله تعالى: {وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} فاطر: 2، أي: من بعد إمساكه، وقوله في رواية أخرى: «غيرك» ملزوم ذلك اللفظ، فإنه إذا لم يسأل بعد سؤاله أحدًا، يلزم منه أنْ لا يسأل غيره. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 457).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«لا أسأل» أي: لا يُحوجني؛ لما اشتمل عليه من بديع الإحاطة والشمول، ونهاية الإيضاح والظهور، إلى أن أسأل عنه «أحدًا غيرك». الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 386).

قوله: قال: «قل: آمنتُ بالله»:
قال ابن رجب -رحمه الله-:
«قل: آمنتُ باللهِ»، وفي الرواية الأخرى: «قل: ربي الله». جامع العلوم والحكم (ص:472).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «آمنتُ بالله» هو بمعنى: {قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} فصلت: 30؛ إذ لا يعتقد ربوبيته إلا مَن آمن به، وهو على اختصاره مِن أجمع الأحاديث لأصول الإسلام؛ إذ الإسلام توحيد وطاعة، فالتوحيد حاصل بـ «آمنتُ بالله». المعين على تفهم الأربعين (ص: 264).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«قل: آمنتُ بالله» أي: جدِّد إيمانك متذكِّرًا بقلبك، ذاكرًا بلسانك؛ لتستحضر تفاصيل معاني الإيمان الشرعي. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 386).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قل: آمنتُ بالله» المراد بالإيمان هو: الشرعي الذي هو التصديق بالجنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان، فيكون معنى قوله: «فاستقم»، وفي بعض النسخ: «ثم استقم»، أي: ثُمّ دُم ‌على ‌ذلك ‌الإيمان ‌حتى ‌تموت عليه. البحر المحيط الثجاج (2/ 70).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«قل: آمنتُ» ليس المراد بذلك: مجرد القول باللسان، فإن من الناس مَن يقول: آمنتُ بالله واليوم الآخر، وما هم بمؤمنين، ولكن المراد بذلك: قول القلب واللسان أيضًا، أي: أن يقول الإنسان بلسانه بعد أن يُقِرَّ ذلك في قلبه، ويعتقده اعتقادًا جازمًا لا شك فيه؛ لأنه لا يكفي الإيمان بالقلب، ولا الإيمان باللسان، لا بد من الإيمان بالقلب واللسان؛ ولهذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول وهو يدعو الناس إلى الإسلام: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تُفلحوا»؛ فقال: «قُولوا» أي: بألسنتكم، كما أنه لا بد من القول بالقلب، وقوله: «آمنتُ بالله» يشمل الإيمان بوجود الله -عز وجل-، وبربوبيته، وبألوهيته، وبأسمائه وبصفاته، وبأحكامه، وبأخباره، وكل ما يأتي من قِبلِه -عز وجل- تؤمن به. شرح رياض الصالحين (1/ 571).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
احتج بهذا الحديث مَن قال: الإيمان والإسلام واحد، فإنَّه سأل عن الإسلام، فقال: «قل: آمنتُ بالله»، وقال الآخرون: سأل عن كمال الإسلام، لا عن الإسلام نفسه، فأشار بقوله: «قل: آمنتُ بالله» إلى الإقرار، وبقوله: «ثم استقم» إلى الأعمال على الوجه المأمور، والثبات عليها، وكلمة آمنتُ وأسلمتُ ليست بإيمان، حتى لو قال كافرٌ: آمنتُ وأسلمتُ، فلا يحكم بإسلامه، على ما ذكر الفقهاء. الأزهار مخطوط لوح (21).

قوله: «فاستقم»، وفي رواية: «ثم استقم»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «فاستقم» وفي بعض النسخ: «ثم استقم» أي: ثُمّ دُم ‌على ‌ذلك ‌الإيمان ‌حتى ‌تموت عليه. البحر المحيط الثجاج (2/ 70).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«ثم استقم» هذا من جوامع كلمه -عليه السلام-، وهو مطابق لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فصلت: 30، أي: وحَّدوا الله، وآمنوا به، ثم استقاموا، فلم يحيدوا عن توحيدهم، ولا أشركوا به غيره، والتزموا طاعته إلى أن تُوفُّوا على ذلك. إكمال المعلم (1/ 275).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قلتُ: كان من جوامعه؛ لأنَّه أجمل فيه ما فصَّله في ثلاث وعشرين سنة، أو العشرين، على الخلاف كم بقي بعد البعثة؟ إكمال إكمال المعلم (1/134).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: ثم «استقم» قال الأشرف البقاعي: لفظ: «ثم» موضوع للتراخي، دالة على أنَّ الكفار غير مُكلفين بفروع الإسلام، بل هم مكلفون بأصوله فقط، فإذا آمنوا كُلِّفوا بفروعه.
وأقولُ: اتفق علماء البيان على أنَّ (ثم) في مثل قوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} هود: 3، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فصلت: 30، للتراخي في الرتبة، وأنَّ الثبات والاستقامة على ذلك أفضل من قول: «آمنتُ بالله» ومقتضياته؛ وذلك أنَّ هذا القول ادّعاء من القائل بأنه رضي بالله ربًّا، والرضا بذلك إقرارٌ بأن المعبود الخالق الْمُنعم على الإطلاق مالكه، ومدبر أمره، يوجب القيام بمقتضياته من الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ومن الشكر باللسان، وتحقيق مراضيه بالقلب والجوارح، ثم الاستقامة على هذا، والثبات عليه، وألَّا يرُوغ رَوَغان الثعلب أفضل وأكمل.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين قول الشَّارحِين؟
نقول: إنَّ قوله: «آمنتُ بالله» على هذا مستتبع لما ذهب إليه الشارحون في تفسير قوله: «ثم استقم»؛ فيسلم على هذا معنى الاستقامة للثبات؛ والاستدامة على القول ومقتضياته، فتحسن موقع «ثم» الْمُستدعية للتراخي في الرُّتْبَة لا الزمان لفساده، وينصره قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} الحجرات: 15، فإن قوله: {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} يفسِّر معنى قوله: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} بالثبات، وهو لتفسير الشارحِين غير مطابق.
وأيضًا: لما تقرر من قبل أنَّ مذهب الصحابة والتابعين والمحدِّثين على أنَّ الإيمان مشتملٌ على التصديق بالجَنان، والقول باللسان، والعمل بالأركان، وجب حمل معنى قوله: «آمنتُ» على المجموع، وقوله: «ثم استقم» على الثبات على ذلك. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 457).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«ثُمَّ استقم» هذا منتزعٌ من قوله -عز وجل-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} فصلت: 30...، ولعل مَن قال: إنَّ المراد: الاستقامة على التوحيد إنَّما أراد التوحيد الكامل الذي يحرِّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى "لا إله إلا الله"؛ فإنَّ الإله هو الذي يطاع فلا يُعصى؛ خشيةً وإجلالًا ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلًا ودعاءً، والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان. جامع العلوم والحكم (ص:472-476).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «ثُمّ استقم» محمولٌ على الثبات فيهما...، وقد يقال: السين لطلب القيام والثبات على الحالات والمقامات في جميع الساعات إلى الممات، ثم قد يقال: الحكمة في عدم الإطاقة على دوام الإطاعة: أنَّ تراب الإنسان عُجِنَ بماء النسيان الناشئ عنه العصيان؛ ولذا قال -عليه الصلاة والسلام-: «كلكم خطَّاؤون، وخير الخطّائين التَّوابون»؛ فجنس الإنسان كنوع النسوان التي خلقن من الضلع الأعوج، فلا يتصور منهن الاستقامة على صفة الإدامة، وكلٌّ ميسر لما خلق له، ولا يزول طبْعٌ عما جُبِلَ عليه...، و(الاستقامة) هي لغةً: ضد الاعوجاج، أي: الاستواء في جهة الانتصاب، وتنقسم إلى استقامة العمل: وهو الاقتصاد في غير متعد من منهج السُّنة، ولا متجاوز عن حد الإخلاص إلى الرياء والسمعة، أو رجاء العوض، أو طلب الغرض، واستقامة القلب: وهي الثبات على الصواب، وعند المحققين هي: استواء القصد في السير إلى الله، وثبات القوى على حدودها بالأمر والنهي. مرقاة المفاتيح (1/ 84).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثُمَّ استقِم» ... قيل: الاستقامة امتثال كل مأمور، وتجنب كل منهيّ، وقيل: هي المتابعة للسنن النَّبوية، مع التخلق بالأخلاق المرضيَّة، وقيل: الاتباع مع ترك الابتداع، وقيل: حمل النفس على أخلاق الكتاب والسُّنة. التنوير (8/ 83).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ثمّ استقِم» استقم على دين الله، ولا تَحِدْ عنه يمينًا ولا شمالًا، لا تقصِّر، ولا تَزِدْ، فاستقم على الدين، واستقم على شهادة: "أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله"، وذلك بالإخلاص لله -عز وجل-، والمتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واستقم على الصلاة، وعلى الزكاة، والصيام والحج، وعلى جميع شريعة الله.
وقوله: «قل: آمنتُ بالله، ثم» دليل على أنَّ الاستقامة لا تكون إلا بعد الإيمان، وأنَّ مِن شرط الأعمال الصالحة، أي: مِن شرط صحتها وقبولها أنْ تكون مبنيَّة على الإيمان، فلو أنَّ الإنسان عمل بظاهره على ما ينبغي، ولكن باطنه خرابٌ، وفي شكٍّ أو في اضطرابٍ، أو في إنكارٍ وتكذيبٍ، فانَّ ذلك لا ينفعه؛ ولهذا اتّفق العلماء -رحمهم الله- على أنَّ مِن شروط صحة العبادة وقبولها: أنْ يكون الإنسان مؤمنًا بالله، أي: مُعترفًا به، وبجميع ما جاء مِن قِبَله -تبارك وتعالى-. شرح رياض الصالحين (1/ 572).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وعطف الاستقامة بـ«ثم» لبعد رُتبتها عن رُتبة الإقرار، فهي للبعد في الرتبة لا في الزمان، وكانت رتبة الاستقامة أعلى؛ لأن الاستقامة هي الدوام على الطاعة، والوقوف على قدم الصدق...، وجعلها بعضهم للبُعد في الزّمان، وانتزع من الحديث أنَّ الكفار غير مخاطبين بالفروع، قال: لأنه لم يأمره بالاستقامة إلا بعد الإيمان. الكوكب الوهاج (2/338-339).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
(فيه) دليلٌ على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أُوتي جوامع الكلِم، واختُصر له القول اختصارًا؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مخبرًا بذلك عن نفسه؛ فإنه -عليه الصلاة والسلام- جمع لهذا السائل في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلها؛ فإنه أمره أنْ يُجددَ إيمانه متذكرًا بقلبه، وذاكرًا بلسانه.
ويقتضي هذا استحضار تفصيل معاني الإيمان الشرعي بقلبه...، وأمره بالاستقامة على أعمال الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات؛ إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج، فإنها ضده. المفهم (1/ 221-222).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
هذا الحديث: من جوامع الكلم الذي أوتيه النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ فإن هاتين الكلمتين: «قُلْ: ‌آمَنْتُ ‌بِاللَّهِ، ‌فَاسْتَقِمْ» تجمعان الدِّين كُله، فمَن آمن بالله ووحَّده، ثم استقام بالعمل الصالح، حصل على كل خير؛ لأن الاستقامة تشمل أداء الفرائض، والانتهاء عن الْمَحارم، والثبات على الدّين، فالاستقامة هي الدين كله. توفيق الرب المنعم (1/١١١).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد هذا الحديث:
1. حرص الصّحابة -رضي الله عنهم- على العلم؛ وذلك لما يَرِد على النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم من الأسئلة.
2. عقل أبي عمرو أو أبي عمرة (سفيان بن عبد الله الثقفي) -رضي الله عنه-، حيث سأل هذا السؤال العظيم الذي فيه النهاية، ويستغني عن سؤال أي أحدٍ.
3. أن الإنسان ينبغي له أن يسأل عن العلم السؤال الجامِع المانِع؛ حتى لا تشتبه عليه العلوم وتختلط؛ لقوله: «قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك»، وفي هذا إشكال، وهو قوله: «لا أسأل عنه أحدًا غيرك» فهل يمكن أن يسأل الصحابة -رضي الله عنهم- أحدًا غير رسول الله في أمور الدِّين؟
فالجواب: نعم، يمكن أنْ يسأل أحدهم مَنْ يفوقه في العلم، وهذا وارد، ثم هذه الكلمة تُقال حتى وإن لم يكن يسأل، لكن تُقال من أجل أن يهتم المسؤول بالجواب.
4. أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أُعطِيَ جوامع الكلم؛ حيث جمع كل الدين في كلمتين: «آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِم»، وهذا يشهد له قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} الأحقاف: 13.
5. التعبير بكلمة الاستقامة دون التعبير المشهور عند الناس الآن بكلمة الالتزام، فإن الناس اليوم إذا أرادوا أن يُثنوا على شخص بالتمسك بالدِّين قالوا: فلانٌ مُلتزم، والصواب: أنْ يقال: فلانٌ مستقيمٌ؛ كما جاء في القرآن والسُّنة.
6. أنَّ مَن قصَّر في الواجبات فما استقام، بل حصل عنده انحرافٌ، والانحراف تكون شدَّته بقدر ما ترك من الواجبات، أو فعل من المحرمات.
7. ينبغي للإنسان أنْ يتفقَّد نفسه دائمًا: هل هو مستقيم أو غير مستقيم؟ فإن كان مستقيمًا حمِد الله، وأثنى عليه، وسأل الله الثبات، وإن كان غير مستقيمٍ وجب عليه الاستقامة، وأنْ يعدِّل سيره إلى الله -عزّ وجل-، فمَن أخَّر الصلاة عن وقتها فهو غير مستقيم؛ لأنه أضاع الصلاة، ومَن منع الزكاة فهو غير مستقيم؛ لأنه أَضاع الزكاة، ورجل يعتدي على الناس في أعراضهم فغير مستقيم؛ لفعل المحرم، ورجل يغُش الناس ويخادعهم في البيع والشراء والإجارة والتأجير، وغير ذلك، فهذا غير مستقيم، فالاستقامة وصفٌ عامٌّ شاملٌ لجميع الأعمال -والله الموفق-. شرح الأربعين النووية (ص:213 - 214).
وقال الشيخ إسماعيل الأنصاري -رحمه الله-:
يُستفاد منه: الأمر بالاستقامة، وهي الإصابة في جميع الأقوال والأفعال والمقاصد، وأصلها: استقامة القلب على التوحيد التي فسر بها أبو بكر الصديق قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فصلت: 30، فمتى استقام القلب على معرفة الله وخشيته، وإجلاله ومهابته ومحبته وإرادته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه- استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب مَلِك الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام الْمَلِك استقامت جنوده. التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثًا النووية (ص:47).


إبلاغ عن خطأ