الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قبلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قلنا يا رسولَ اللَّهِ: اليهودَ، والنَّصارى؟ قال: «فمَنْ»؟


رواه البخاري برقم: (3456) واللفظ له، ومسلم برقم: (2669)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
ورواه الحاكم برقم: (8404) بلفظ: «... وحتَّى لو أنَّ أحدَهُمْ جامِعَ امرأتَهُ بالطَّريقِ لَفَعَلْتُمُوهُ»، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
ورواه الدولابي في "الكنى" (2 / 30)، بلفظ: «وحتى لو أن أحدهم ضاجع أُمِّه بالطريق لفَعلتُم».
صحيح الجامع برقم: (5067)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1348).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«سَنَنَ»:
بفتح المهملة والنون؛ أي: سيرتهم وطريقتهم. اللامع الصبيح، البرماوي (17/ 260).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
بفتح السين للأكثر، وقال ابن التين: قرأناه بضمها، وقال المهلب: بالفتح أولى؛ لأنه الذي يُستعمل فيه الذراع والشبر، وهو الطريق، قلتُ: وليس اللفظ الأخير ببعيد من ذلك. فتح الباري (13/ 301).

«جُحْرَ ضَبٍّ»:
الضب: هذا الحيوان المعروف، وجحره: ‌ثقبه ‌الذي ‌يأوي ‌إليه، يعني: لو دخلوا إلى ثقب الضب مبالغة؛ لدخلتموه. جامع الأصول، لابن الأثير (10/ 35).


شرح الحديث


قوله: «لتَتَّبِعُنَّ سَنَن مَن قبلَكُم»:
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لتَتَّبِعُنَّ» بمثناتين مفتوحتين، ثم موحدة مكسورة، وعين مهملة مضمومة، ونون ثقيلة، وأصله: تتبعُون. فتح الباري (13/ 300).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لتتبعنَّ» اللام موطئة للقسم، والنون للتوكيد، فالكلام مؤكد بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، والنون، والتقدير: والله لتتبعن. القول المفيد (1/ 463).
وقال الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-:
إنَّما أقسم -عليه الصلاة والسلام- ليؤكد هذا الأمر تأكيدًا عظيمًا، وأنَّ هذه الأمة ستتبع لا محالة طريق وسبيل من كان قبلها من الأمم، وهذا تحذير لأن الأمم السالفة إما أن يكونوا من أهل الكتاب اليهود والنصارى، وهؤلاء قد وصفهم الله -جل وعلا- بأنهم مغضوب عليهم وضالون، فإذا اتبعت هذه الأمة سبيلهم، فمعنى ذلك أنها تعرضت للغضب واللعنة، وقد وجد في هذه الأمة من سلك سبيل اليهود، ومن سلك سبيل النصارى. التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص: 290).
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «سَنن من قبلكم» أي: طريق الذين كانوا قبلكم، والسنن بفتح السين: السبيل والمنهاج. عمدة القاري (16/ 43).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «‌سَنن ‌مَن ‌قبلكم» بفتح السين والنون رويناه، أي: طريقهم، وسنن الطريق: نهجه، وسننه بالضم فيهما، وسننه بفتح السين وضم النون، وكأنَّ هذا جمع سنة، وهي الطريقة. مطالع الأنوار (5/ 518).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «‌سَنن ‌مَن ‌قبلكم» بضم السين، أي: طرقهم ومناهجهم، وسبل أفعالهم، وفي نسخة بفتحها، أي: على منوالهم، وطبق حالهم، وشبه قالهم. مرقاة المفاتيح (8/ 3404).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «‌سَنن ‌الذين من قبلكم» قيدناه «سَنن» بفتح السين، وهو الطريق، وبضمها وهو جمع سُنة، وهي الطريقة المسلوكة. المفهم (6/ 694، 695).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «‌لتتبعنَّ ‌سَنن ‌من ‌قبلَكُم» السُّنن جمع سُنة، وهي هنا: الرسم والعادة، يعني: لتفعل أمتي مثل ما فعلت الأمم الماضية من الأفعال القبيحة. المفاتيح (5/ 330).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«‌سَنن» فسَّره بعض الشارحين بجميع السنة، وهي الأوضاع. الأزهار مخطوط لوح (439).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «سَنن من قبلكم» السنن جمع سنة، وهي الطريقة حسنة كانت أو سيئة، والمراد بها ها هنا طريقة أهل الأهواء والبدع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم، من تغيير دينهم، وتحريف كتابهم، كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل. الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3390).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من قبلكم» يعني: اليهود والنصارى. الكوكب الوهاج (24/ 587).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من كان قبلكم» أي: من الأمم. القول المفيد (1/ 464).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «لتتبعن سَنن» ليس على ظاهره، بل هو عام مخصوص؛ لأننا لو أخذنا بظاهره كانت جميع هذه الأمة تتبع سَنن من كان قبلها، لكننا نقول: إنَّه عام مخصوص؛ لأن في هذه الأمة من لا يتبع تلك السنن، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق، وقد يقال: إنَّ الحديث على عمومه، وأنه لا يلزم أنْ تتبع هذه الأمة الأمم السابقة في جميع سننها، بل بعض الأمة يتبعها في شيء، وبعض الأمة يتبعها في شيء آخر، وحينئذٍ لا يقتضي خروج هذه الأمة من الإسلام، وهذا أولى لبقاء الحديث على عمومه، ومن المعلوم أنَّ من طرق من كان قبلنا ما لا يخرج من الملة، مثل: أكل الربا والحسد والبغي والكذب، ومنه ما يخرج من الملة: كعبادة الأوثان. القول المفيد (1/ 464).

قوله: «شِبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «شبرًا بشبرٍ» نُصِب بنزع الخافض، تقديره: ‌لتتبعن ‌سنن ‌من ‌قبلكم اتباعًا بشبر ملتبس بشبر، وذراع ملتبس بذراع، وهذا كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي، لا في الكفر. عمدة القاري (16/ 43).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراع» نصبهما على الحال من الفاعل، أي: مماثلين لهم من غير تفاوت، وأكد ذلك بقوله: «لو دخلوا جُحْر ضبٍّ لدخلتموه». الكوثر الجاري (6/ 326).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«شبرًا» مساويًا «بشبر» منهم «وذراعًا» مساويًا «بذراع» منهم فشبرًا وذراعًا منصوبان على الحالية، من فاعل (تتبعن) نظير قولهم: بعته يدًا بيد متقابضين، أي: لتتبعن ولتقتدن بهم في الأفعال والأقوال والملابس والمطاعم والمعايش والأخلاق قليلًا وكثيرًا؛ حالة كونكم مساوين إياهم في ذلك. الكوكب الوهاج (24/ 587، 588).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ما ذكره من الشبر والذراع، ودخول الجُحْر تمثيل للاقتداء بهم شيئًا شيئًا، هذا فيما نهى الشرع عنه وذمه من أمرهم وحالهم. إكمال المعلم (8/ 163).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ذِكْر الشبر والذراع والجُحْر أمثال تفيد أنَّ هذه الأُمَّة يطرأ عليها من الابتداع والاختلاف مثل الذي كان وقع لبني إسرائيل، وقد روى الترمذي هذا المعنى بأوضح من هذا، فقال: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من يأتي أمه علانية، لكان في أمتي مَن يصنع ذلك، وإنَّ بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» خرجه من حديث عبد الله بن عمرو، وقد رواه أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان، وقال: «ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة» يعني: جماعة أصحابي، ومن تابعهم على هديهم، وسلك طريقهم، كما قال في حديث الترمذي. المفهم (6/ 694 ، 695).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«شبرًا بشبرٍ» يريد بهذا الكلام: أنكم ستفعلون مثل فعلهم سواء بسواء. المفاتيح (5/ 330).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
قوله: «شبرًا بشبرٍ» استعارة تمثيلية، مثَّل حالهم بحال مَن يتبع من تقدمه في المسافة، ووجه الشبه كمال المتابعة بقدر الإمكان. الكوثر الجاري (11/ 166).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ثم إنَّ هذا لفظ خبر، معناه النهي عن اتباعهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام؛ لأن نوره قد بهر الأنوار، وشرعته نسخت الشرائع؛ وذا من معجزاته، فقد اتبع كثير من أمته سنن فارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم، وإقامة شعارهم في الحروب وغيرها، وأهل الكتابين في زخرفة المساجد، وتعظيم القبور، حتى كاد أن يعبدها العوام، وقبول الرُّشا، وإقامة الحدود على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت، والسرور بخميس البيض (من أعياد النصارى من طقوسه: صبغ البيض بطريقة معينة) وأنَّ الحائض لا تمس عجينًا، إلى غير ذلك مما هو أشنع وأبشع. فيض القدير (5/ 261).

قوله: «حتى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لسلكتموه»:
قال النووي -رحمه الله-:
المراد بالشبر والذراع وجُحْر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكُفر، وفي هذا مُعجزة ظاهرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد وقع ما أَخبر به -صلى الله عليه وسلم-. شرح صحيح مسلم(16/ 219- 220).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«حتى لو دخلوا جُحْر ضب» الجحر: الثقبة، يريد بهذا اللفظ أيضًا: أنكم تفعلون مثل فعلهم. المفاتيح (5/ 330).
وقال الشيخ موسى شاهين لاشين -رحمه الله-:
جُحْر الضب مَثَل في الضيق والتعاريج، وهو كناية عن تمام المتابعة، وفيه تمثيل بالمستحيل. فتح المنعم (10/ 204).
وقال العيني -رحمه الله-:
ووجه التخصيص بجحر الضب؛ لشدة ضيقه ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لوافقوهم. عمدة القاري (16/ 43، 44).
وقال المناوي -رحمه الله-:
مبالغة في الاتباع، فإذا اقتصروا في الذي ابتدعوه فستقتصرون، وإن بسطوا فستبسطوا، حتى لو بلغوا إلى غاية لبلغتموها، حتى كانت تقتل أنبياءها، فلما عصم الله رسوله قتلوا خلفاءهم؛ تحقيقًا لصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم-. فيض القدير (5/ 261).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
والمقصود: أنَّ هذه الأُمّة تتشبه بأهل الكتاب في كل ما يفعلونه، حتى لو فعلوا هذا الذي يخشى منه الضرر البين لتبعوهم فيه. التيسير (2/ 289).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «حتى لو دخلوا جُحْر ضب لدخلتموه» هذه الجملة تأكيد منه -صلى الله عليه وسلم- للمتابعة، وجُحْر الضب من أصغر الجحور، ولو دخلوا جُحْر أسد من باب أولى أنْ ندخله، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك على سبيل المبالغة، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين» ومَن اقتطع ذراعًا فمن باب أولى. القول المفيد (1/ 467).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
فهذا تنفير لنا عن متابعتهم، والاقتداء بهم، وإنما أمرنا بأن نقتدي بما جاء عن رسول الله -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه-. شرح سنن أبي داود (283/ 7).

قوله: «قلنا يا رسولَ اللهِ: اليهود والنصارى؟ قال: «فمَن؟»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قلنا» لم أقف على تعيين القائل، قوله: «قال: فمن؟» هو استفهام إنكار، والتقدير: فمن هم غير أولئك؟! فتح الباري (13/ 301).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«يا رسول الله، اليهود والنصارى؟» الذين نتبعهم هم اليهود والنصارى أم قوم أُخر؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: «فمَن؟» يعني: فمَن هم إنْ لم يكونوا اليهود والنصارى، يعني: الذين تتبعونهم هم اليهود والنصارى لا غيرهم. المفاتيح (5/ 330).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «اليهود والنصارى؟» أي: أتعني مَن نتبعهم اليهود والنصارى؟ فأجاب: «فمن؟» أي: إن لم أردهم فمَن سواهم؟ الكاشف عن حقائق السنن (11/ 3390).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «قالوا: اليهود والنصارى؟» يجوز فيها وجهان:
الأول: نصب اليهود والنصارى على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: أتعني اليهود والنصارى؟
الثاني: الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أهم اليهود والنصارى؟ وعلى كل تقدير، فالجملة إنشائية؛ لأنهم يسألون النبي -صلى الله عليه وسلم- فهي استفهامية، والاستفهام من باب الإنشاء، واليهود: أتباع موسى -عليه الصلاة والسلام-، وسموا يهودًا نسبة إلى يهوذا من أحفاد إسحاق، أو لأنهم هادوا إلى الله، أي: رجعوا إليه بالتوبة من عبادة العجل، والنصارى: هم أتباع عيسى -عليه الصلاة والسلام-، وسموا بذلك نسبة إلى بلدة تسمى الناصرة، وقيل: من النصرة، كما قال تعالى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} الصف: 14.
قوله: «قال: فمَن»: من هنا: اسم استفهام، والمراد به التقرير، أي: فمن أعني غير هؤلاء، أو فمن هم غير هؤلاء؟ فالصحابة -رضي الله عنهم- لما حدثهم -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث كأنه حصل في نفوسهم بعض الغرابة، فلما سألوا قرَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم اليهود والنصارى. القول المفيد (1/ 467-468).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«اليهود» بالرفع: الذين قبلنا هم اليهود، ولا ينافي هذا ما سبق من أنهم كفارس والروم؛ لأن الروم نصارى، وفي الفرس كان يهود، مع أنَّ ذلك كله على سبيل المثال؛ إذ قال: كفارس. اللامع الصبيح (17/ 261).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ثم إنَّه فسَّر هنا باليهود والنصارى، وفي خبر البخاري بفارس والروم، ولا تعارض؛ لاختلاف الجواب بحسب اختلاف المقام. فيض القدير (5/ 333).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: هو مغاير لما تقدَّم آنفًا أنهم كفارس.
قلتُ: الروم نصارى، وفي الفرس كان يهود، مع أنَّ ذلك ذكر على سبيل المثال؛ إذ قال: كفارس. الكواكب الدراري (25/ 62-63).
وقال الكرماني -رحمه الله- أيضًا:
«فمن؟» استفهام للإنكار، فإنْ قلتَ: الناس ليسوا منحصرين فيهما.
قلتُ: المراد حصر الناس المعهودين المتبوعين المتقدمين. الكواكب الدراري (25/ 62).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «قال: فمَن؟» أي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فمَن غيرهم؟ وهذا استفهام على وجه الإنكار، أي: ليس المراد غيرهم. عمدة القاري (16/ 44).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«يا رسول الله، اليهود» أي: المتبوعون هم اليهود «والنصارى» أم قومٌ آخرون؟ «قال: فمَن؟» أي: فمَن يكون غيرهم، يعني: المتبعون هم لا غير، استفهام على سبيل التقرير. شرح المصابيح (5/ 462).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
ويعكر عليه جوابه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «ومَن الناس إلا أولئك؟» لأن ظاهره الحصر فيهم، وقد أجاب عنه الكرماني: بأن المراد حصر الناس المعهود من المتبوعين.
قلتُ: ووجهه: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- لما بعث كان ملك البلاد منحصرًا في الفرس والروم وجميع من عداهم من الأمم من تحت أيديهم، أو كلا شيء بالنسبة إليهم، فصح الحصر بهذا الاعتبار، ويحتمل أنْ يكون الجواب اختلف بحسب المقام، فحيث قال: فارس والروم، كان هناك قرينة تتعلَّق بالحكم بين الناس، وسياسة الرعية، وحيث قيل: اليهود والنصارى، كان هناك قرينة تتعلَّق بأمور الديانات أصولها وفروعها، ومن ثم كان في الجواب عن الأول، ومن الناس إلا أولئك، وأما الجواب في الثاني بالإبهام، فيؤيد الحمل المذكور، وأنه كان هناك قرينة تتعلَّق بما ذكرت. فتح الباري (13/ 301).

قوله في حديث ابن عباس: «وحتى لو أنَّ ‌أحدهم ‌جامع ‌امرأته بالطريق، لفعلتموه»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «وحتى لو أنَّ أحدهم جامع امرأته في الطريق» على أعين الخلق «لفعلتموه» في متابعتهم في القبائح. التنوير (9/ 28).

قوله في لفظ: «حتى لو أن أحدكم ضاجع أُمَّه بالطريق لفَعلتُم»
قال الشيخ الألباني -رحمه الله:
تنبيه: قوله: «‌أُمَّه» هكذا وقع في كل المصادر التي تقدم عزو الحديث إليها: ابن نصر، الدولابي، البزار، وهو الصواب، ووقع في مستدرك الحاكم: «امرأته» وهو خطأ من أحد رواته أو نُسّاخه، ‌فاتني ‌أن ‌أُنَبِّه ‌عليه في صحيح الجامع الصغير وزيادته ...، فقد أورده السيوطي من رواية الحاكم فقط بلفظه المذكور. سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/ 335)
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال بعض العلماء: المراد بالأم هُنا زوجة الأب وموطؤته، وكُل من حرُمن عليه برضاع، أو نسب أو مصاهرة، قال الله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} النساء: 22، فزاد على الزنا بالمقت...، فلا يكون نكاحها شبهة دارئة للحد. الأزهار مخطوط لوح (69).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
إخبارهم عن هذا تحذير، وتبعيد لهم عن ذلك، وتقبيح لطرائق اليهود والنصارى ومتابعتهم. التنوير (9/ 28، 29).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنَّ أَمتَه قبل قيام الساعة يتبعون المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء المضلة، كما اتبعتها الأمم من فارس والروم، حتى يتغير الدين عند كثير من الناس، وقد أنذر -صلى الله عليه وسلم- في كثير من حديثه أنَّ الآخر شرٌّ، وأنَّ الساعة لا تقوم إلا على شرار الخَلْق، وأنَّ الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من المسلمين، لا يخافون العداوات، ويحتسبون أنفسهم على الله في القول بالحق، والقيام بالمنهج القويم في دين الله. شرح صحيح البخاري (10/ 366).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وقد وقع معظم ما أنذر به -صلى الله عليه وسلم-، وسيقع بقية ذلك. فتح الباري (13/ 301).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
كان -صلى الله عليه وسلم- يحب ‌مخالفة ‌أهل ‌الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أُمَّته اتباعهم، ألا ترى إلى قوله -صلى الله عليه وسلم- على جهة التعيير والتوبيخ: «لتتبعن سَنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل، حتى إن أحدهم لو دخل جُحْر ضب لدخلتموه». التمهيد (3/ 465).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات.
فعلم أنَّ مشابهتها اليهود والنصارى، وفارس والروم، مما ذمه الله ورسوله، وهو المطلوب، ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسُّنة قد دلا على وقوع ذلك، فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسُّنة أيضًا قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث به محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى قيام الساعة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة، وتثبيتها، وزيادة إيمانها، فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها. اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 170، 171).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
وقد أمرنا بمخالفة ‌أهل ‌الكتاب والمشركين أصحاب الجحيم. دعاوى المناوئين (ص:373).
وقال العيني -رحمه الله-:
فكان -صلى الله عليه وسلم- يأمر ‌بمخالفة ‌أهل ‌الكتاب، وكان أولًا يحب موافقة ‌أهل ‌الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء، ثم أُمر بعد ذلك بمخالفتهم. عمدة القاري (10/ 288).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الحديث:
1. التحذير من متابعة من قبلنا في معصية الله.
2. أنَّه ينبغي معرفة ما كان عليه من كان قبلنا مما يجب الحذر منه لنحذره، وغالب ذلك -ولله الحمد- موجود في القرآن والسُّنة.
3. استعظام هذا الأمر عند الصحابة؛ لقولهم: «اليهود والنصارى؟» فإن الاستفهام للاستعظام، أي: استعظام الأمر أن نتبع سنن من كان قبلنا بعد أن جاءنا الهدى مع النبي -صلى الله عليه وسلم-.
4. أنه كلما طال العهد بين الإنسان وبين الرسالة، فإنه يكون أبعد من الحق؛ لأنه أخبر عن مستقبل، ولم يخبر عن الحاضر؛ ولأن من سنن من قبلنا أنه لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم. القول المفيد (1/ 468-469).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
1. منها: أنَّ فيه بيان عَلَم من أعلام النبوّة، ومعجزة من معجزات النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، حيث أخبر مآل أمته، وأنها تتبع سنن الأمم الماضية، في قليلها، وكثيرها، فوقع كما أخبر -صلى الله عليه وسلم-.
2. ومنها: ما قاله المناويّ -رحمه الله-: هذا الحديث لفظه لَفْظ الخبر، ومعناه النهي عن اتباعهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام. البحر المحيط الثجاج (41/ 603).


إبلاغ عن خطأ