«إنَّ أعظمَ الذنوبِ عندَ اللهِ رجُلٌ تَزَوَّجَ امرأةً، فلما قضى حاجتَه منها، طلَّقَها، وذهبَ بمهرِها، ورَجُلٌ استعملَ رجلًا، فذهبَ بأجرتِهِ، وآخرُ يقتلُ دابةً عَبَثًا».
رواه الحاكم برقم: (2743)، والبيهقي في الكبرى برقم: (14395)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (1567)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (999).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«قضى حاجتَه»:
كناية عن الجماع. إتحاف السادة المتقين، للزبيدي (5/ 305).
«بِمَهْرِهَا»:
المهْرُ: الصَّداق، والجمع: مُهور، وقد مَهَرَها، كَمَنَع ونَصَرَ، يَمْهَرُها ويَمْهُرُها مَهْرًا وأَمْهَرها: جَعَلَ لَهَا مَهْرًا. تاج العروس، للزبيدي (14/ 156).
«استعملَ»:
اسْتَعْمَلَ فلانٌ غيرَه إذا سأَله أنْ يَعْمَل له، واسْتَعْمَلَه طَلَب إليه العَمَل...، والاعْتمال: افتعال من العَمَل. لسان العرب، لابن منظور (4/ 3108).
«عَبَثًا»:
أي: لَعِبًا. تهذيب اللغة، الأزهري (2/ 199).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
العبث: اللعب، والمراد: أن يقتل الحيوان لعبًا لغير قصد الأكل، ولا على جهة التصيد للانتفاع. النهاية(3/ 169).
شرح الحديث
قوله: «إنَّ أعظمَ الذنوبِ عندَ اللهِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
أي: مِن أعظمها، على وزان قولهم: فلان أعقل الناس، أي: من أعقلهم. فيض القدير (2/ 425).
وقال العيني -رحمه الله-:
هذا («أعظمَ الذنوبِ عندَ اللهِ») من الأمور النسبية؛ فكل ذنب فوقه ذنب، وتحته ذنب؛ فهو بالنسبة إلى ما تحته أعظم الذنوب؛ فالكفرُ أعظم الذنوب على الإطلاق؛ لأنه لا ذنب أعظم منه، وما بعده أعظم بالنسبة إلى ما تحته؛ وهذا مثل ما يُقال: هذا صغيرة، وهذا كبيرة، وهذا أكبر الكبائر، كل ذلك أمُور نسبيَّة، وكذلك يُقال في فضائل الأعمال نحو هذا.
وأيضًا تختلف هذه الأشياء باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان، فافهم. شرح أبي داود (2/ 370).
قوله: «رَجُلٌ تَزَوَّجَ امرأةً، فلمّا قضى حاجتَه منها، طلَّقَها، وذهبَ بمهرِها»:
قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الكبيرة السابعة والستون بعد المائتين: أنْ يتزوج امرأة، وفي عزمه ألا يوفيها صداقها لو طلبته، أخرج الطبراني بسند رواته ثقات أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر، وليس في نفسه أنْ يُؤدِّي إليها حقها خدعها، فمات، ولم يؤد إليها حقها، لقي الله يوم القيامة وهو زان»... والبيهقي «من أصدق امرأة صداقًا، والله يعلم أنه لا يريد أداءه إليها فغرها بالله، واستحل فرجها بالباطل لقي الله يوم القيامة وهو زان»، وفي رواية أخرى له أيضًا: «إن أعظم الذنوب عند الله -عز وجل- رجل تزوج امرأة؛ فلما قضى حاجته منها طلقها وذهب بمهرها»... تنبيه: عُدَّ هذا هو صريح الحديث الأول الصحيح، وما بعده، وبه جزم بعضهم، لكنه عبَّر بقوله: «أنْ يتزوج امرأة، وليس في نفسه أن يوفيها الصداق»، وعدلتُ عنه في الترجمة إلى ما عبَّرت به؛ لما هو واضح أنَّ من ليس في نفسه أداء، ولا منع، لا حرمة عليه، فضلًا عن كون ذلك كبيرة الذي أفهمته هذه العبارة، لكن قائلها اغتر بظاهر الحديث الأول، ولم ينظر إلى آخره، ولا إلى الرواية التي بعده، وهي -والله يعلم- أنه لا يريد أداءه إليها، ولو نظر لذلك لعبَّر بما عبرتُ به، ووجه كون ذلك كبيرة: تضمُّنُهُ لثلاث كبائر: الغدر والظلم، واستيفاء منافع الحر بعوض، ثم منعه منه، وإنَّما قيَّدتُ في الترجمة بقولي: لو طلبته لاحترز به عما لو كان في عزمه أنه لا يؤديه إليها؛ لغلبة المسامحة في الإبراء من المهر؛ وعدم المطالبة به؛ لأنه لم يقض ذلك إثمه، فضلًا عن فسقه. الزواجر (2/ 293-294).
وقال ابن النحاس -رحمه الله-:
ومنها (الكبائر): أنْ يتزوج المرأة، وليس في نفسه أن يوفيها الصداق؛ إذ هو من أنواع الغرر والظلم، واستيفاء منافع الحر من غير عوض...، وروى البيهقي أيضًا عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أعظم الذنوب عند الله رجل تزوج امرأة، فلما قضى حاجته منها طلقها، وذهب بمهرها...»، وفي سنده إرسال. تنبيه الغافلين (ص: 269-270).
وقال الشيخ محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله-:
المرأة لا تفقد مهرها إلا في حالة واحدة فقط، هي حالة الخُلْع، وهو طلبها مفارقة الزوج مقابل مال تبذله له، وذلك جائز إذا تم مخافة أن تقيم حدود الله في زوجها؛ بسبب كراهية تؤدي إلى تضييع حقوق الزوج، وحُسْن معاشرته، وإذا كان عارض الكراهية من قبل الرجل بغير ذنب منها، وخشي ألا يعاملها بما يجب بالمعروف، فله أن يُسَرحَها بإحسان؛ لأن عقدة الزوجية بيده، وليس له في هذه الحالة أن يأخذ مما أعطاها شيئًا، بل يعطيها حقوقها كاملة. عودة الحجاب (2/ 301).
قوله: «ورَجُلٌ استعملَ رجلًا، فذهبَ بأجرتِهِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: جعله عاملًا عليهم في أَي أَمرٍ. التنوير(4/٤٢٥)
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
مَن منع أجيرًا حقه، فقد ظلمه حين استخدمه، واستحل عرقه بغير أجر، وخالف بصيرة الله في عباده؛ لأنَّه استعملهم ووعدهم على عبادته جزيل الثواب، وعظيم الأجر، وهو خالقهم ورازقهم. شرح صحيح البخاري (6/ 399).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
مِن أكبر الكبائر: عدم إعطاء العامل أجرته، ولا سيما بعد استخدامه. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (6/ 42).
قوله: «وآخرُ يقتلُ دابةً عَبَثًا»:
قال الذهبي -رحمه الله-:
يكرهُ قتل الحيوان عَبَثًا؛ لِما رُوِيَ عن النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «مَن قتل عصفورًا عَبَثًا عجَّ (رفع صوته بالشكوى) إلى اللهِ يوم القيامة، وقال: يا رب، سَل هذا لِمَ قتلني عَبَثًا ولم يقتلني لمنفعَة». الكبائر (ص: 206).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فلو لم يقصد الانتفاع به (الصيد) حَرُم؛ لأنه من الفساد في الأرض، بإتلاف نفس عبثًا. فتح الباري (9/ 602).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
(الحيوان) غير الحلال ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما أَمر الشارع بقتله.
والثاني: ما نهى عن قتله.
والثالث: ما سكت عنه.
أمَّا ما أمر الشارع بقتله فاقتله، ومنه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» هذه الخمسة وما كان بمعناها في الأذية، أو أشد منها؛ هذه مأمور بقتلها؛ لِمَا فيها من الأذِيَّة.
والثاني: ما نهى الشارع عن قتله، مثل نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد، هذا أيضًا معروف، هذا لا يقتل.
الثالث: ما سَكت عنه، فهذا اختلف فيه العلماء؛ فبعضهم قال: لا بأس بقتله، مع أنه لا ينبغي قتله، اتركه، ومنهم من قال: يحرم قتله؛ لأنك إذا قتلته منعت تسبيح الله منه، قال الله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} الإسراء: 44، ما دام أنه لا يؤذيك، ولا أُمِرَ بقتله اتركه، ولا شك أنَّ الأولى ألا تقتله؛ لأنك إما سالم وإما آثم، والإنسان العاقل لا يعرض نفسه للإثم.
لكن هذا القسم الثالث الذي لم يؤمر بقتله، ولم يُنْهَ عنه، إنْ اعتدى عليك وآذاك فاقتله، فإنْ كان مما نُهِيَ عن قتله فاقتله قتل مدافعة، كيف يكون قتل المدافعة؟ يعني: بالأسهل فالأسهل، مثلًا النمل منهي عن قتله أو لا؟ منهي عن قتله، لا ترش عليه المبيد مباشرة، حاول أنْ تطرده طردًا، إما بالقراءة؛ لأن بعض الناس يقرأ على النمل ويرتحل، وإما بشيء يكره رائحته ويرتحل، وقد جربنا ذلك. لقاء الباب المفتوح (5/ 62).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أنْ يُصطاد (الصيد) على سبيل اللهو والعبث، وليس بحاجة إلى الأكل، وإذا صاد الصيد تركه، فهذا مكروه، ولو قيل: بتحريمه لكان له وجه؛ لأنه عبث، وإضاعة مال، وإضاعة وقت. الشرح الممتع (15/ 99).