«كانَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقرأُ في العيديْنِ وفي الجُمُعَةِ بِـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1»، قال: «وإذا اجْتَمَعَ العيدُ والجُمُعةُ في يومٍ واحدٍ يقرأُ بهما أيضًا في الصَّلاتيْنِ».
رواه مسلم برقم: (878)، من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلَّم- يقرأُ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«كان» في هذه الأحاديث ليس بمعنى الاستمرار، كما في قوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} الإسراء: 11، بل هو للحالة المتجددة، كما في قوله تعالى: {مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} مريم: 29. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 1004).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«كان يقرأ» أي: بعد الفاتحة. البحر المحيط الثجاج (17/ 480).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
بهذا الحديث (يعني: حديث الباب) يتبيَّن أنَّ «كان» ليست للدوام دائمًا، لو كانت كذلك للزم تعارض الحديثين؛ لأن الأول يقول: «كان يقرأ بالجمعة والمنافقين» وهنا بـ{سَبِّحِ} الأعلى: 1، والغاشية. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 350-351).
قوله: «في العِيديْنِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«في العيدين» الفطر والأضحى، أي: في صلاتهما. سبل السلام (1/ 407).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «في العيدين» هما عيد الفطر، وعيد الأضحى، وليس في الإسلام عيد سواهما إلا يوم الجمعة، وقد ذكر «وفي الجمعة» فتبيَّن أنَّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقرأ هاتين السورتين في الأعياد الثلاثة: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 350-351).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«في العيدين» أي: الفطر والأضحى، أي: في صلاتهما منْفَرِدَين عن الجمعة. الكوكب الوهاج (10/ 369).
قوله: «وفي الجُمُعةِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وفي الجمعة» أي: في صلاتها. سبل السلام (1/ 408).
قوله: «بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1» أي: في الركعة الأولى بعد الفاتحة «{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1» أي: في الثانية بعدها. سبل السلام (1/ 408).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
كأنه كان يقرأ ما ذكره أبو هريرة تارة من قراءة سورة الجمعة والمنافقون، وما ذكره النعمان (ابن بشير) تارة. الكوكب الوهاج (10/ 369).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
كأنه كان يقرأ ما ذكره ابن عباس تارة، وما ذكره النعمان (ابن بشير) تارة. سبل السلام (1/ 408).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وذلك (أي: القراءة بالأعلى والغاشية) كله مع فاتحة الكتاب في ابتداء كل ركعة. التمهيد (16/ 322).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1»، هذا هو المسنون في العيدين في المنصور عندنا (يعني: الحنابلة)، وعن أحمد رواية: ليس فيه معين، وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: يقرأ بـ{سَبِّحِ} الأعلى: 1، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} الشمس: 1،
وقال الشافعي: يقرأ في الأولى بـ{ق} ق: 1، وفي الثانية {اقْتَرَبَتِ} القمر: 1، وهذا سيأتي في مسند أبي واقد الليثي: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأهما في الأضحى والفطر.
وأما الجمعة فالمسنون عندنا أن يقرأ فيهما بسورة الجمعة والمنافقين، وهو مذهب الشافعي أيضًا.
ويُحمل هذا الحديث على أنه قد كان يقرأ في بعض الأوقات بهذا، وأخذ مالك بهذا الحديث، وقال: السُّنة أن يقرأ بـ{سَبِّحِ} الأعلى: 1، والغاشية، وقال أبو حنيفة: ليس فيهما معيَّن. كشف المشكل (2/ 216-217).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
بهذا تبيَّن أنَّه لم تكن قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة دائمًا، وأنَّ «كان» ليست للاستمرار قطعًا. لمعات التنقيح (2/ 607).
قوله: «قال: وإذا اجْتَمَعَ العيدُ والجُمُعةُ في يومٍ واحدٍ يقرأُ بهما أيضًا في الصَّلاتيْنِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» النعمان بن بشير «وإذا اجتمع العيد» أي: أحد العيدين «والجمعة في يوم واحد» بأنْ كان العيد يوم جمعة، كان «يقرأ» النبي -صلى الله عليه وسلم- «بهما» أي: بسورة الأعلى، وسورة الغاشية «أيضًا» أي: كما يقرأ بهما فيهما إذا انفردا «في الصلاتين» أي: في صلاة العيد وصلاة الجمعة. الكوكب الوهاج (10/ 369).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وأما قراءته بـ{سَبِّحِ} الأعلى: 1، والغاشية في العيد وفي الجمعة إذا اجتمعا في يوم على ما ذكره في الحديث، فلعلَّه لتخفيف صلاة الجمعة؛ لينصرف الناس الذين يشهدون العيدين من أهل العوالي إلى منازلهم؛ ليشهدوا بقية يوم عيدهم مع من تركوه من عيالهم. إكمال المعلم (3/ 283).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وجه الحكمة في القراءة في العيدين بالسورة المذكورة: أنَّ في سورة سَبِّح الحث على الصلاة، وزكاة الفطر على ما قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في تفسير قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} الأعلى: 14-15، فاختصت الفضيلة بها، كاختصاص الجمعة بسورتها. نيل الأوطار (3/ 353).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
في سورة سَبِّح والغاشية من التذكير بأحوال الآخرة والوعد والوعيد ما يناسب قراءتهما في تلك الصلاة الجامعة، وقد ورد في العيدين أنه كان يقرأ بقاف و{اقْتَرَبَتِ} القمر: 1. سبل السلام (1/ 408).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} الأعلى:1، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية:1»؛ وذلك لما فيهما من ذكر البعث، وذكر الدار الآخرة، ويوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، فنَاسَب أن يُذَكِّرَ فيه بالموت، والبعث والدار الآخرة؛ ليكون الاستعداد والتَّهَيُّؤ للقاء الله. شرح سنن أبي داود (140/ 17).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قد اختلف العلماء في هذا الباب على حسب اختلاف الآثار فيه، وهذا عندهم من اختلاف المباح الذي ورد مورد التخيير.
وأما اختلاف الفقهاء في هذه المسألة:
فقال مالك بما روى في ذلك قال: أحَبُّ إليَّ أن يقرأ الإمام يوم الجمعة {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1 مع سورة الجمعة.
وقد روي عنه أنه كان يقرأ بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، وذكر ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن عجلان، قال: صليتُ خلف عمر بن عبد العزيز الجمعة، فقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الثانية بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1.
وجملة قول مالك في ذلك: أنَّ الإمام لا يَترك سورة الجمعة في الأولى، ويقرأ في الثانية بما شاء، إلا أنه يستحب ما وصفنا.
وروى ابن وهب عن مالك: أنه سُئل عن قراءة سورة الجمعة يوم الجمعة أَسُنَّة؟ قال: لا أدري ما سُنة، ولكن مَن أَدْرَكْنَا كان يقرأ بها يوم الجمعة، قيل له: فما ترى أن يقرأ معها؟ قال: أمَّا فيما مضى فـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، وأما اليوم فيقرؤون بالسورة التي تليها.
وقال الأوزاعي: ما نعلم أحدًا من أئمة المسلمين ترك سورة الجمعة يوم الجمعة.
وقال الشافعي: أَخْتَار أنْ يقرأ في الأولى بسورة الجمعة، وفي الثانية {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} المنافقون 1، وهو قول علي وأبي هريرة وجماعة.
وقال مالك والشافعي وداود: لا يترك قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى على كل حال، فإن لم يقرأها لم تفسد صلاته، وقد أساء، وترك ما يُستحب له، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ما قرأ به فحسن، وكانوا يكرهون أنْ يوقِّتوا في ذلك شيئًا من القرآن سورة الجمعة أو غيرها.
وقال الثوري: لا يتعمد أن يقرأ في الجمعة بالسورة التي جاءت في الآثار، ولكن يتعمد ذلك أحيانًا، ويدع أحيانًا. الاستذكار (2/ 51-53).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الذي ذهب إليه الشافعي -رضي الله عنه- أنَّه يُستحب أنْ يقرأ في الركعة الأولى من صلاة العيدين بـ{ق} ق: 1، وفي الثانية {اقْتَرَبَتِ} القمر: 1؛ عملًا بهذا الحديث (يعني: حديث أبي واقد الليثي)...
قال الشافعي -في رواية حرملة في حديث أبي واقد-: يحتمل: أنْ يكون ذلك الذي حفظ من عِيْدٍ أو أعياد، وقد كانت أعيادٌ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيكون صادقًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بما ذكر في العيد.
وإنما أراد الشافعي بما ذكر حديث النعمان بن بشير «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ في الجمعة والعيدين بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1». الشافي (2/ 295).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله-:
ينبغي للإمام أنْ يقرأ في كل ركعة (في صلاة العيدين) بفاتحة الكتاب وسورة، مقدار ما يقرأ في صلاة الظهر...، ولو قرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة الجمعة، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورة المنافقين؛ تبرُّكًا بفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحسن؛ فإنه روي أنه كان يقرأهما في صلاة الجمعة.
وروي أنه «قرأ في صلاة العيدين والجمعة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، والغاشية» فإنْ تبرك بفعله -صلى الله عليه وسلم- وقرأ هذه السورة في أكثر الأوقات فنِعْمَ ما فعل، ولكن لا يواظب على قراءتها، بل يقرأ غيرها في بعض الأوقات؛ حتى لا يؤدي إلى هجر بعض القرآن؛ ولئلا تظنه العامة حتمًا. بدائع الصنائع (1/ 269).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وهذا يدل على أنَّ قراءة هذه السور في الجمعة والعيدين ليست بسُنة عند الحنفية، خلافًا لما ذهب إليه الجمهور.
وقول الجمهور هو الحق والصواب؛ لأنه تواترت الروايات بذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال ابن رشد وابن عبد البر، ولم يصح عنه غير ذلك، فلا شك في كونها سُنة.
وتعليل الحنفية: بأنَّ المواظبة على قراءتها تؤدي إلى هجران الباقي، وظن العامة واعتقادهم قراءتها فيها حتمًا، باطل؛ لأنه لو صح هذا التعليل لزم ألا يكون قراءة قصار المُفصَّل في المغرب سُنة؛ لإفضاء المواظبة عليها إلى هجران بقية القرآن، واعتقاد العامة قراءة القصار فيها حتمًا.
وأيضًا: على فرض حصول هذه المفسدة الأخيرة على ما زعموا تُدفع بالتنبيه والتعليم، كما هي عادة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لا بالترك والهجران. مرعاة المفاتيح (3/ 147).
وقال زروق المالكي -رحمه الله-:
يَقرأ فيهما جهرًا بأم القرآن، و{سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} الأعلى: 1، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} الشمس: 1، ونحوهما، يعني: لأنَّه السُّنة، وقد جاء بسبح والغاشية، رواه الترمذي، وحسنه اللخمي.
وفي الموطأ كان -عليه السلام- يقرأ في الفطر والأضحى بـ(ق) و{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} القمر: 1، واستحب ذلك ابن حبيب، والأول أرفق بالناس اليوم، وليس هم في الرغبة في الخير كما كان السلف.
(وقال) ابن الحاجب: بـ{وَالضُّحَى} الضحى: 1، {أَلَمْ نَشْرَحْ} الشرح: 1، والله أعلم. شرحه على الرسالة (1/ 395).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
معلوم أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في العيد بسور شتى لا يفضل في قراءته في ذلك سورةً تعمَّد إليها لا يتعداها، وأكثر ما روي وتواترت به طرق الأحاديث كان يقرأ في العيدين بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1. الاستذكار (2/ 393).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
ليست القراءة في الصلوات مخصوصة ببعض القرآن دون بعض، إنَّما يُستحب المحافظة على ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر وقوعه منه. الشافي (2/ 221).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في اختلاف الآثار في هذا الباب دليل على أنْ لا توقيت فيه -والله أعلم-، وما قرأ به الإمام في صلاة العيدين أجزأه إذا قرأ فاتحة الكتاب. التمهيد (16/ 330).
وقال الباجي -رحمه الله-:
لا خلاف بين أهل العلم أن ذلك على التخيير. المنتقى شرح الموطأ (1/ 318).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
الإمام بالخيار إن شاء قرأ في صلاة العيدين بـ{ق} ق: 1، و{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} القمر: 1، وإن شاء قرأ بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1، والاختلاف في هذا من جهة المباح، وإن قرأ بفاتحة الكتاب وسورة سوى ما ذكرناه أجزأه. الأوسط (4/ 284).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ في الأحاديث الواردة فيما يقرأ في الجمعة والعيدين وغيرهما، وفيما يتعلَّق بفضائل السور دلالة ظاهرة على أنَّ السور المؤلَّفة من الآيات كانت معلومة مضبوطة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن الصحابة لم يؤلفوها برأيهم. شرح مسند الشافعي (2/ 33).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
فتحصَّل من أحاديث الباب: أنَّ السُّنة أنْ يقرأ الإمام في صلاة الجمعة في الركعة الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، أو في الأولى بـ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} الأعلى: 1، وفي الثانية بـ{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} الغاشية: 1. مرعاة المفاتيح (3/ 147).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد تبيَّن بما سبق من الأحاديث أنَّه يُستحب للإمام أنْ يقرأ بهذه السور في العيدين، تارة بهذا، وتارة بهذا، ولكن لا يتعيَّن عليه ذلك، كما قال ابن المنذر، وابن عبد البر -رحمهما الله تعالى- من أنَّ هذا الاختلاف من الاختلاف المباح، فيجوز أن يقرأ بعد الفاتحة بما شاء من القرآن، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (17/ 484).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
هذا الحديث لا يعارِض ما سبق (يعني: حديث أبي واقد الليثي)؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ هاتين السورتين في بعض الجمعات، وتَيْنَكَ السورتين في بعض الجمعات الأخرى. منة المنعم (2/ 17-18).
وقال السندي -رحمه الله-:
الاختلاف محمول على جواز الكلِّ واستنانه، وأنه فعل تارة هذا، وتارة ذاك، فلا تعارض في أحاديث الباب. فتح الودود (1/ 648).
وقال عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله-:
لا يُستحب أنْ يقرأ من كل سورة بعضها، أو إحداهما في الركعتين، فإن ذلك خلاف السُّنة. حاشية الروض المربع (2/ 460).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد..» هذا يدل على أنه لا يُكتفى بصلاة العيد عن صلاة الجمعة إذا اجتمعا في يوم، وهو المشهور من مذاهب العلماء، خلافًا لمن ذهب إلى أنَّ الجمعة تسقط يومئذٍ، وإليه ذهب ابن الزبير وابن عباس، وقالا: هي السُّنة، وذهب غيرهما إلى أنهما يُصَلَّيان، غير أنه يُرَخَّص لمن أتى العيد من أهل البادية في ترك إتيان الجمعة، وإلى ذلك ذهب عثمان -رضي الله عنه-، والذي استمر العمل عليه: ما دل عليه ظاهر الحديث. المفهم (2/ 517).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
بيان اختلاف أهل العلم في حكم اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد:
ذهبت طائفة إلى أن العيد يجزئ عن الجمعة، وهو مذهب ابن الزبير وابن عباس -رضي الله عنهم-، وأخرج ابن المنذر -رحمه الله- عن علي -رضي الله عنه- أنه اجتمعا في عهده فصلى بهم العيد، ثم خطبهم على رَاحِلَتِه، فقال: أيها الناس، من شهد منكم العيد، فقد قضى جمعته إن شاء الله.
وأخرج عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال في يوم عيد: قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع، فقد أَذِنْتُ له.
وروي نحو ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال عطاء بن أبي رباح، وروي عن الشعبي والنخعي أنهما قالا: يجزئ عنك أحدهما.
وذهبت الحنابلة إلى أن الجمعة تسقط عمن حضر العيد مع الإمام إلا الإمام فلا تسقط عنه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإنا مُجمِّعُون».
وللمالكية في هذا روايتان، فروى مطرف وابن وهب وابن الماجشون عن مالك الاكتفاء بالعيد عن الجمعة؛ لما رواه الشافعي في الأم عن عثمان -رضي الله عنه- أنه قال: اجتمع في يومكم عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أَذِنْتُ له.
ووجه الدلالة في هذا: أن عثمان خطب بذلك في جمع من الصحابة، ولم ينكروا عليه، فهو إجماع منهم على جواز ذلك، وروى ابن القاسم عن مالك أنه لا بد من الجمعة، وهو مشهور المذهب، وقول الحنفية، والحديث حجة عليهم.
وذهبت الشافعية إلى أنه تجب الجمعة على أهل البلد، ولا يجزئهم العيد عنها، واختلفوا في أهل القرى الذين يسمعون نداء الجمعة، ومشهور المذهب أن الجمعة تسقط عنهم، ويصلون الظهر، لرواية عثمان المتقدمة...
(و) الذي يترجح عندي قول مَن قال: إنَّ صلاة العيد تجزئ عن الجمعة، فيرخَّص لكل من حضر العيد أن يتخلف عن الجمعة.
وأما القول بسقوط الظهر عمن سقطت عنه الجمعة، فمما لا دليل عليه، فالذين قالوا بسقوط الظُّهر ما أتوا بدليل صريح، بل كلها محتملات، كفعل ابن الزبير المتقدِّم، فالحق أن لا يسقط وجوب أداء الظهر؛ لأن وجوبه بالنصوص القطعية، وهذا الذي ادعوه من السقوط إنما هو بالنصوص المحتملة، فلا تَبْرَأ الذمة بيقين إلا بالأداء. ذخيرة العقبى (17/ 236-237).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وإذا كانت الجمعة يوم العيد قرأ بهما في الصلاتين جميعًا» هذا فيه فائدة عظيمة، وهي أنَّ صلاة الجمعة لا تسقط بصلاة العيد، وأنَّ ما ورد عن ابن الزبير من اقتصاره على الصلاة إنما أرد الجمعة ليجمع بين فعله ووصف ابن عباس له بأنه السُّنة، وبين ما ثبت في صحيح مسلم من أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الجمعة والعيد جميعًا في يوم واحد، وقد سبق لنا البحث في هذا، وبينا أنَّ القول الحق في هذه المسألة: أن الجمعة لا بد أنْ تُقام، ولكن من حضر العيد فله الرخصة في ترك الجمعة، وعليه أنْ يصلي الظهر. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 351).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: استحباب القراءة فيهما بهما، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ(قاف) و{اقْتَرَبَتِ} القمر: 1، وكلاهما صحيح، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقت يقرأ في الجمعة: الجمعة والمنافقين، وفي وقت {سَبِّحِ} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ} الغاشية: 1، وفي وقت يقرأ في العيد قاف و{اقْتَرَبَتِ} القمر: 1، وفي وقت {سَبِّحِ} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ} الغاشية: 1. المنهاج شرح صحيح مسلم (6/ 167).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: استحباب القراءة بالسورتين المذكورتين في العيدين والجمعة، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ{ق} ق: 1، و{اقْتَرَبَتِ} القمر: 1، وكلاهما صحيح، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في الجمعة: الجمعة، والمنافقون، وفي وقت {سَبِّحِ} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ} الغاشية: 1، وفي وقت يقرأ في العيد {ق} ق: 1، و{اقْتَرَبَتِ} القمر: 1، وفي وقت {سَبِّحِ} الأعلى: 1، و{هَلْ أَتَاكَ} الغاشية: 1. شرح أبي داود (4/ 466).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
في الحديث: استحباب قراءة هذه السور في الجمعة والأعياد؛ لما فيها من الفوائد، والحث على التوكل والذكر، والتزهيد في الدنيا، والتذكير بالآخرة، وبيان أجر الصالحين، وجزاء أهل السوء، وفضح المنافقين في سورة المنافقين إلى غير ذلك. منة المنعم (2/ 17-18).
وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)