«ذبحَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ضحِيَّتَهُ، ثمَّ قال: يا ثوبانُ، أصلحْ لحمَ هذه، فلم أزلْ أُطعِمُهُ منها حتى قدِمَ المدينةَ».
رواه مسلم برقم: (1975)، من حديث ثوبان -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له: «قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، في حجة الوداع أصلح هذا اللحم...».
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «ذبحَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ضَحِيَّتَهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال ثوبان: «ذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحيته» في حجة الوداع كما هو مصرح به في الرواية الآتية. الكوكب الوهاج (20/ 449).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحيته» أي: في حجة الوداع...، فالنهي عن إمساك لحوم الضحايا كان في السنة التاسعة. فتح المنعم (8/ 94).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحيته» هي شاة. البحر المحيط الثجاج (33/ 463).
قوله: «ثمَّ قالَ: يا ثوبانُ، أصلحْ لحمَ هذه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم قال» لي: «يا ثوبان أَصْلِحْ» لي «لحم هذه» الضحية، أي: افعل ما يصلحه، ويمكن به ادخاره، والمراد بإصلاحه: أن يُغلى قليلًا، ثم يُجعل بين حَجَرين حتى يصير قديدًا، اهـ، دهني (حاشية محمد الدهني على صحيح مسلم). الكوكب الوهاج (20/ 449).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«يا ثوبان، أصلح لحم هذه الشاة» معناه: أنه يُقَدِّده أو يغْلِيه؛ لئلا يفسد بمرور الزمن. الفتح الرباني (13/ 105).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أصلح هذا اللحم» أي: قطِّعْه واغسله وملِّحْه وقدِّده واطبخه بما يصلحه لأيام. فتح المنعم (8/ 94).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثم قال: يا ثوبان، أصلح» بقطع الهمزة، من الإصلاح رباعيًّا «لحم هذه» الأضحية. البحر المحيط الثجاج (33/ 463).
قوله: «فلم أزلْ أُطعِمُهُ منها حتى قدِمَ المدينةَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلم أزل أُطْعِمُه» بضم الهمزة، من الإطعام «منها» أي: من لحم تلك الأضحية «حتى قدم المدينة». البحر المحيط الثجاج (33/ 463).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «فلم أزل أُطْعِمُه» -صلى الله عليه وسلم- فيه مجاز بالحذف، والتقدير: فأَصْلَحْتُهُ بما أراده -صلى الله عليه وسلم-، فلم أزل أُطْعِمُه «منها» أي: من تلك الضحية «حتى قدم المدينة». الكوكب الوهاج (20/ 449).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في المسافر هل تجب عليه أضحية؟ فقال الشافعي: الضحية سُنة على جميع الناس، وعلى الحاج بمنى، وبه قال أبو ثور، وقال مالك: الأضحية على المسافر، ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بمنى، وذكر ابن المواز عن مالك: أن من لم يحجَّ من أهل مكة ومنى فليضحِّ، ومذهب ابن عمر أن الضحية تلزم المسافر، وهو قول الأوزاعي والليث، وقال أبو حنيفة: لا تجب الضحية على المسافر، وروى عن النخعي أنه قال: رخّص للحاج والمسافر في ألَّا يضحي. شرح صحيح البخاري (6/ 9).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا ابن بطال -رحمه الله-:
وحكى ابن بطال: أن مذهب ابن عمر أن الأضحية تلزم المسافر. قلتُ: قد مر أنَّ ابن عمر قال: هي سنة ومعروف. عمدة القاري (21/ 146).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُستحب التضحية للمسافر كالحاضر هذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: لا أضحية على المسافر، وروي هذا عن علي رضي الله عنه وعن النخعي، وقال مالك وجماعة: لا تُشرع للمسافر بمنى ومكة.
دليلنا: حديث عائشة «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى عن نسائه بمنى في حجة الوداع» رواه البخاري ومسلم، وعن ثوبان قال: «ذبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحيته، ثم قال ثوبان: أَصْلِحْ لحم هذه، فلم أزل أُطْعِمه منها حتى قدم المدينة» رواه مسلم. المجموع (8/٤٢٦).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا أنه ضحى في السفر، وعليه: فيكون المسافر مخاطبًا بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؛ إذ الأصل عموم الخطاب بها، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «أُمرتُ بالأضحى، وهو لكم سُنة» وهذا قول كافة العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة والنخعي، فلم يريا على المسافر أضحية، وروي ذلك عن علي -رضي الله عنه-، واستثنى مالك من المسافرين الحاجّ بمنى، فلم يرَ عليه أضحية، وبه قال النخعي، ويروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر وعمر، وابن عمر -رضي الله عنهم-، وجماعة من السلف؛ لأنّ الحاجّ إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي، فإذا أراد أن يضحي جعله هديًا، والناس غير الحاجّ إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منى، فيحصل لهم حظّ من أجورهم.
وقال الشافعي وأبو ثور: الأضحية واجبة على الحاجّ بمنى أخذًا بالعموم المتقدم، والقول ما قاله الخليفتان -رضي الله عنهما-؛ إذ قد أُمرنا بالاقتداء بهما، كما بيناه في الأصول. المفهم (5/ 381).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
والقول ما قال الخليفتان..." إلخ، فيه نظر لا يخفى، بل القول ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفَعَله، فإنه ضحى بمنى، فالواجب الاقتداء به، ويُعتذر عن الخليفتين ومَن قال بقولهما: بأنهم لم يعلموا بهذه السُّنة، كما علَّمها ثوبان -رضي الله عنه-، فلذا قالوا ما قالوا.
والحاصل أن الأضحية مشروعة للمسافر كالمقيم، كما هو مذهب كافة العلماء، كما عزاه إليهم القرطبي في كلامه السابق، فتبصر بالإنصاف. البحر المحيط الثجاج (33/ 464).
وقال السهانفوري -رحمه الله-:
شرط عندنا (الحنفية) لوجوب الأضحية الإقامة، فلا تجب على المسافر، وذكر في الأصل (لمحمد بن الحسن الشيباني): ولا تجب الأضحية على الحاج، وأراد بالحاج المسافر، فأمَّا أهل مكة فتجب عليهم الأضحية وإن حجوا، فأضحيته -صلى الله عليه وسلم- محمولة عندنا على التطوع. بذل المجهود (9/ 571- 572).
قال الشافعي -رحمه الله-:
والحاجُّ المكيُّ، والمنتوي (يعني: المنتقلَ المتحوِّل من بلد إلى بلد)، والمسافر، والمقيم، والذَّكر، والأنثى، ممن يجد ضحية، سواءٌ كلهم، لا فرق بينهم؛ إن وجبت على كل واحد منهم، وجبت عليهم كلهم، وإن سقطت عن واحدٍ منهم، سقطت عنهم كلهم.
ولو كانت واجبةً على بعضهم دون بعض، لكان الحاجُّ أولى أن تكون عليه واجبة؛ لأنها نُسُك، وعليه نُسُك، وغيرُه لا نُسُك عليه.
ولكنه لا يجوز أن يُوجَب على الناس إلا بحُجَّة، ولا يُفرَّق بينهم إلا بمثلهم. الأم للشافعي(2/ 248).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
الأضحية مستحبة للحاجّ بمكة وللمسافر كما هي للمقيم ولا فرق، وكذلك العبد والمرأة؛ لقول الله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} الحج: 77، والأضحية فعل خير.
وكل مَن ذكرنا محتاجٌ إلى فعل الخير مندوب إليه؛ ولِمَا ذكرنا من قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في التضحية والتقريب، ولم يخص -عليه السلام- باديًا من حاضر، ولا مسافرًا من مقيم، ولا ذكرًا من أنثى، ولا حرًّا من عبد، ولا حاجًّا من غيره، فتخصيص شيء من ذلك باطل لا يجوز، وقد ذكرنا قبل «أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ضحى بالبقر عن نسائه بمكة، وهنّ حواجٌّ معه» وروينا من طريق النخعي: أنّ عمر كان يحجُّ فلا يضحي، وهذا مرسل، ومن طريق الحارث عن علي: ليس على المسافر أضحية، والحارث كذاب، وعن أصحاب ابن مسعود: أنهم كانوا لا يضحون في الحج، وليس في شيء من هذا كله منع للحاجّ ولا للمسافر من التضحية، وإنما فيه تركها فقط، ولا حُجة في أحد دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. المحلى (6/ 37).
وقال ابن حزم -رحمه الله- أيضًا:
وقد حضَّ رسول الله -عليه السلام- على الأضحية فلا يجوز أن يمنع الحاج من الفضل والقُربة إلى الله -تعالى- بغير نصٍّ في ذلك. المحلى بالآثار (5/ 314-315).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
لا خلاف عَلِمْتُه من العلماء في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث وقبل ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ على ما جاء في هذا الحديث، لا خلاف بين فقهاء المسلمين في ذلك. التمهيد (2/ 579).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذا فيه: تصريح بجواز ادخار لحم الأضحية فوق ثلاث، وجواز التزود منه، وفيه أنّ الادخار والتزود في الأسفار لا يقدح في التوكل، ولا يخرج صاحبه عن التوكل.
وفيه: أنّ الضحية مشروعة للمسافر كما هي مشروعة للمقيم، وهذا مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، وقال النخعي وأبو حنيفة: لا ضحية على المسافر، وروي هذا عن علي -رضي الله تعالى عنه-، وقال مالك وجماعة: لا تُشرع للمسافر بمنى ومكة. المنهاج شرح صحيح مسلم (13/ 134).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يجوز ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث في قول عامة أهل العلم، ولم يجزه علي ولا ابن عمر -رضى الله عنهما-؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ولنا أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «كنتُ نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمْسِكُوا ما بدا لكم» رواه مسلم، وروت عائشة -رضى الله عنها- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما نهيتكم للدافّة التي دفَّتْ، فكلوا وتزودوا وتصدقوا وادّخروا»، وقال أحمد: فيه أسانيد صحاح، فأما علي وابن عمر فلم يبلغهما ترخيص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد كانوا سمعوا النهي، فرووا على ما سمعوا. المغني (13/ 381).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث: ادخار لحم الأضحية. وفيه: الضحية في السفر. التمهيد (2/ 581).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في اختلاف أهل العلم في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث:
اعلم أنهم اختلفوا في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: أنّه كان للتحريم، وأنه منسوخ بالأحاديث الآتية الموضحة لذلك، حكاه النووي عن جماهير العلماء...
المذهب الثاني: أنّ هذا ليس نسخًا، ولكن كان التحريم لعلة، فلما زالت زال، فلو عادت لعاد، وبهذا قال ابن حزم...
المذهب الثالث: كالذي قبله في أن هذا ليس نسخًا، ولكن التحريم لعلة، فلما زالت زال، ولكن لا يعود الحكم لو عادت، وهذا وجه لبعض الشافعية، حكاه الرافعي والنووي، وهو بعيد.
المذهب الرابع: أن النهي الأول لم يكن للتحريم، وإنما كان للكراهة، وهذا ذكره أبو علي الطبري صاحب الإفصاح على سبيل الاحتمال، كما حكاه الرافعي، ونصّ عليه الشافعي كما حكاه البيهقي...
المذهب الخامس: أن هذا النهي للتحريم، وأن حكمه مستمرّ، لم ينسخ...
(و) عندي أرجح المذاهب هو المذهب الثاني؛ لوضوح دليله، وحاصله أن النهي مستمر، وليس منسوخًا، وإنما كان لعلة، فلما زالت زال، فإذا عادت تلك عاد الحكم، وهذا هو الأولى في الجمع بين الأحاديث من غير دعوى إهمال لبعضها، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (33/ 430- 432).
وينظر الرواية الأخرى في مشروعية الأضحية للمسافر (هنا)
وينظر تزود المسافر لحم أضحيته (هنا)
وينظر الرواية الأخرى الدالة على مشروعية الادخار بعد ثلاث (هنا)