الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

أخذَ عمرُ جُبَّةً مِن إسْتَبْرَقٍ تُباعُ في السُّوقِ، فأَخَذَهَا، فأَتَى بها رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هذهِ تَجَمَّلْ بها للعيدِ والوفُودِ، فقالَ له رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّما هذه لِبَاسُ مَن لا خَلاَقَ له»، فَلَبِثَ عمرُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَلْبَثَ، ثم أرسلَ إليه رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فأَقْبَلَ بها عمرُ، فأَتَى بها رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقالَ يا رسولَ اللَّهِ: إنَّكَ قلتَ: «إنَّما هذه لِبَاسُ مَن لا خَلاَقَ له» وأَرْسَلْتَ إليَّ بهذه الجُبَّةِ، فقالَ له رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «تَبِيعُهَا أو تُصِيبُ بها حاجتَكَ».


رواه البخاري برقم: (948) واللفظ له، ومسلم برقم: (2068)، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ للبخاري برقم: (886) ومسلم برقم: (2068): «إني لم أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا» فكساها عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- أخًا له بمكة مُشركًا.
وفي لفظ البخاري برقم: (886)، ومسلم برقم: (2068): «أن عمر بن الخطاب رأى حلَّة سِيَرَاءَ عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله لو اشتريتَ هذه، فلبستها يوم الجمعة وللوفد».
وفي رواية لمسلم برقم: (2068): قال -صلى الله عليه وسلم- لأسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: «إنِّي لم أَبْعَثْ إليكَ لِتَلْبَسَهَا، ولكنِّي بَعَثْتُ بها إليكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بينَ نسائِكَ»


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«جُبَّة»:
ضَرْب مِن مقطَّعات الثياب تُلْبَس، وجمعها جُبَبٌ وجِبَاب. لسان العرب، لابن منظور (1/ 249).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الجِبَاب: بالفتح والكسر، والجُبَّة من الملابس معروفة، والجمع: جُبَبٌ، مثل: غُرْفَة وغُرَفٌ. المصباح المنير (1/ 89).

«إسْتَبْرَق»:
الإستبرق: غليظ الديباج، فارسي معرب. المصباح المنير، للفيومي (1/ 14).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
هو ما غلظ من الحرير والإبريسم، وهي لفظة أعجمية معربة أصلها استبره. النهاية (1/ 47).

«ابْتَعْ»:
بصيغة الأمر، أي: اشترِ. اللامع الصبيح، للبرماوي (4/ 342).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الابْتِياع: الاشتراء. شمس العلوم (1/ 690).

«تَجَمَّل»:
قال سيبويه: الجَمَال رِقَّة الحُسن، والأصل جَمَالَة بالهاء، مثل: صبح صَبَاحة، لكنهم حذفوا الهاء تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وتجمَّل تجمُّلًا بمعنى: تَزَيَّن، وتحسَّن، إذا اجْتَلَبَ البهاء والإضاءة. المصباح المنير، للفيومي (1/ 110).

«الوفُود»:
جمع وفد، والوفد جمع وافد: وهو الذي يقدُم على الإنسان رسولًا أو زائرًا أو منتجعًا أو مسترفدًا، تقول: وفد فلان على الأمير إذا ورد عليه رسولًا، وأوفدْتُه إلى الأمير أرسلْتُه. الشافي، لابن الأثير (2/ 174).
وقال السهار نفوري-رحمه الله-:
والوفد ‌جمع وافد، الذين يقصدون الأمراء للاسترفاد، أو ليسلِّموا على يده ويبايعوه. بذل المجهود(12/١٦٠).

«دِيْبَاج»:
الدِّيباج: هي الثياب المتخذة من الإبريسم، فارسي مُعرب، وقد تفتح داله. لسان العرب (2/ 262).
قال مرتضى الزبيدي -رحمه الله-:
والدّيباج: كلامٌ مُوَلَّد، وَهُوَ ضَرْبٌ من الثِّيَاب مُشْتَقّ من دَبَج، وفي الحديث ذكر الدِّيباج، وهي الثياب المُتَّخذة من الإِبْرَيْسَمِ، وقال اللَّبْلِيّ: هو ضَرْبٌ من المَنْسوج مُلَوَّنٌ أَلوانًا. تاج العروس (5/ 544).

«خَلَاق»:
الخَلَاق: النصيب. الشافي، لابن الأثير (2/ 174).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
النصيب من الحظ الصالح، وهذا رجل ليس له ‌خَلاقٌ، أي: ليس له رغبة في الخير. العين (4/١٥١).

«خُمُرًا»:
الخِمَار: ثوب تغطي به المرأة رأسها، والجمع خُمُر، مثل: كِتَاب وكُتُب. المصباح المنير، للفيومي (1/ 181).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
الخِمَار: ما تغطي به المرأة رأسها، وجمعه أَخْمِرَةٌ وخُمُر وخُمْرٌ، والخِمِرُّ: بكسر الخاء والميم وتشديد الراء: لغة في الخِمَار. لسان العرب (4/ 257).

«سِيَرَاء»:
السِّيَرَاء بكسر السين وفتح الياء والمد: نوع من البُرود يخالطه حرير كالسِّيُور، فهو فِعَلاءُ مِنَ السَّيْرِ: القِدّ. النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 433)


شرح الحديث


قوله: «أخذَ عمرُ جُبَّةً من إسْتَبْرَق»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«أخذ» بهمزة وخاء وذال معجمتين في الموضعين، وفي بعض النسخ «وجد» بواو وجيم في الأول، وهو أوْجَه، وكذا أخرجه الإسماعيلي والطبراني في مسند الشاميين، وغير واحد من طرق إلى أبي اليمان شيخ البخاري فيه. فتح الباري (2/ 439).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«جُبَّة من إستبرق» بكسر الهمزة، أي: غليظ الديباج، وهو المتخذ من الإبريسم، فارسي معرب. إرشاد الساري (2/ 203).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «من إستبرق» وهو الحرير الغليظ، ويقال للرقيق: السندس. فيض الباري (2/ 462).

قوله: «تُبَاعُ في السوق»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«تُبَاع في السوق» جملة في موضع جر، صفة لـ«إستبرق». إرشاد الساري (2/ 203).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
(وفي رواية) «تُباع بالسوق» الباء بمعنى في، والتقدير: تباع في السوق، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ} آل عمران: 123، و{نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} القمر: 34. شرح سنن أبي داود (5/ 537).

قوله: «فأخذها، فأتى رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال العيني -رحمه الله-:
«فأخذها» أي: عمر -رضي الله تعالى عنه-، وهذا من الأخذ بلا خلاف. عمدة القاري (6/ 267).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: ما معنى قوله: «أخذ عمر جُبَّة»، ثم قال: «فأخذها»؟
قلتُ: أجاب بعضهم (يعني: الكرماني): بأنه أراد بالأخذ أولًا مَلْزُومه؛ وهو: الشراء؛ وهذا خلاف الواقع إذ لم يقع شراء.
والجواب: أنه أخذها فنظرها، ثم أخذها، فأتى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو الفاء تفسيرية، وفي بعضها: «فوجدها» بدل: «أخذها» ولا إشكال فيه. الكوثر الجاري (3/ 65).

قوله: «فقالَ: يا رسولَ الله، ابْتَعْ هذه تَجَمَّلْ بها للعيدِ والوفُودِ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ابتعْ هذه تَجَمَّلْ بها» بجزم الفعلين، ثانيهما جواب الأول. منحة الباري (3/ 22).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ابتع» أَمْرٌ من الابتياع، أي: اشترِ. عمدة القاري (14/ 300).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
كأنَّ عمر استأذن أن يبتاعها؛ ليتجمل بها النبي -صلى الله عليه وسلم.
ويحتمل: أن يكون بعض الرواة أشبع فتحة التاء (ابتاع) فظُنت ألفًا. فتح الباري (2/ 439).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قول عمر: «تجمَّل بها» يدل أنَّ ذلك من عادتهم وفعلهم.
وقال الأبهري: إنما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحرير والذهب للرجال؛ لأنه من زَيِّ النساء وفعلهم، وقد نهى -صلى الله عليه وسلم- أن يتشبَّه الرجال بالنساء، وقيل: إنَّما نُهي عن ذلك؛ لأنه من باب السرف والخيلاء، وقد جوز لباسه في الحرب للترهيب على العدو. شرح صحيح البخاري (5/ 216).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«للعيد» يحتمل: أنْ تكون اللام بمعنى "في" كقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} الأنبياء: 47.
ويحتمل: أن تكون للتعليل، أي: لأجل العيد الذي يتجمل فيه الناس، وهذان الوجهان قد ذُكرا في قوله تعالى: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} الفجر: 24، أي: يا ليتني قدمت عملًا صالحًا في حياتي في الدنيا، أو قدمت عملًا لأجل حياتي في الآخرة. شرح سنن أبي داود (5/ 538).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
في رواية نافع: «للجمعة» ولعل ابن عمر ذكرهما معًا، فأخذ كل راوٍ عنه واحدًا منهما. منحة الباري (3/ 22).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: تقدم ثَمَّتَ أنه قال: «للجمعة وللوفود» وها هنا: «للعيد والوفود» فهي قصة واحدة أو قصتان؟
قلتُ: الظاهر أنها قصة واحدة، والجمعة أيضًا عيد، بل لا يمكن أن يتعدد؛ لأن عمر -رضي الله عنه- لا يتكرر منه مثلها قطعًا. الكواكب الدراري (6/ 59).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد يكون أريد بالعيد جنس الأعياد، فيدخل فيه العيدان والجمعة. فتح الباري (8/ 413).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
«الوفود» وهو جمع وفد، والوفد: جمع وافد، وهو اسم جنس، وهو القادم رسولًا أو زائرًا أو منتجعًا أو مسترفدًا. التوضيح (7/ 413).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: عند حضور الجماعة الزائرين لك لبيعتك على الإسلام؛ كالملوك وسفرائهم. مرشد ذوي الحجا (21/ 116).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قد دل هذا الحديث على التجمل للعيد، وأنه كان معتادًا بينهم، وقد تقدم حديث لبس النبي -صلى الله عليه وسلم- في العيدين بُرْدَهُ الأحمر، وإلى هذا ذهب الأكثرون، وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا وغيرهم.
وقال ابن المنذر: كان ابن عمر يصلي الفجر وعليه ثياب العيد، وقال مالك: سمعتُ أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد، واستحبه الشافعي، وخرَّج البيهقي بإسناد صحيح عن نافع، أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه، والمنصوص عن أحمد في المعتكِف: أنه يخرج إلى العيد في ثياب اعتكافه، وحكاه عن أبي قلابة، وأما غير المعتكف فالمنصوص عن أحمد: أنه يخير بين التزين وتركه.
قال المروذي: قلتُ لأحمد: أيما أحبُّ إليك: أنْ تخرج يوم العيد في ثياب جياد أو ثياب رثة؟ قال: أما طاوس فكان يأمر بزينة الصبيان حتى يخضبوا، وأما عطاء فقال: لا، هو يوم تخشُّع، فقلتُ لأحمد: فإلى ما تذهب؟ قال: قد روي هذا وهذا، واستحسنهما جميعًا، ذكره أبو بكر بن جعفر (المعروف بغلام الخلال) في كتابه الشافي (في الفقه الحنبلي) عن الخلال، عنه (أي: أحمد) وحكاه القاضي (أبو يعلى) في شرح المذهب مختصرًا، وفيه: وقال عطاء: لا، هو يوم تخشُّع، وهذا أحسن. فتح الباري (8/413-415).

قوله: «فقال له رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنَّما هذه لِبَاسُ مَن لا خَلاَقَ له»:
قال المازري -رحمه الله-:
الخَلَاق: النصيب الوافر من الخير، ومنه قوله -عز وجل-: {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} التوبة: 69، أي: انتفَعوا به، وقال تعالى: {أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} آل عمران: 77. المعلم (3/ 129).
وقال العيني -رحمه الله-:
الخَلَاق: الحظُّ والنصيب من الخير والصلاح، ورَجُلٌ لا خَلَاق له: لا رغبة له في الخير. شرح أبي داود (4/ 407).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«من لا خلاق له» أي: من لا حظ له، ولا نصيب له من الخير. إرشاد الساري (2/ 163).
وقال السندي -رحمه الله-:
«من لا خلاق له» أي: لا نصيب له في لبس الحرير. كفاية الحاجة (2/ 375).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«من لا خلاق له» أي: من لا نصيب له من الدِّين، أو في الآخرة، وهذا إذا كان مستحلًا لذلك. إرشاد الساري (9/ 10).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان إذا لبس الحرير في الدنيا فإنه لا يدخل الجنة -والعياذ بالله-؛ لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: «لا خلاق له في الآخرة» أي: لا نصيب له. شرح رياض الصالحين (4/ 322).
وقال النووي -رحمه الله-:
قيل: معناه: من لا نصيب له في الآخرة.
وقيل: من لا حُرمة له.
وقيل: من لا دِين له.
فعلى الأول يكون محمولًا على الكفار، وعلى القولين الأخيرين يتناول المسلم والكافر، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 38).
قال الطيبي -رحمه الله- معلقًا:
أقول: ويحتمل أنْ يُراد بقوله: «من لا خلاق له» النصيب من لبس الحرير، فيكون كِنَايَة عن عدم دخول الجنة، كقوله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} الحج: 23، أما في حق الكافر فظاهر، وفي حق المؤمن فعلى سبيل التغليظ. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2893).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
خرج مخرج التغليظ في النهي عن لبس الحرير، وإلا فالمؤمن العاصي لا بد من دخوله الجنة، فله نصيب منها؛ ولذا خُصَّ من عمومه النساء، فإنهن خرجن بدليل آخر. إرشاد الساري (2/ 203).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «من لا خلاق له» يريد به -والله أعلم- أنَّها لباس الكفار في الدنيا، ومن لا حظ له في الآخرة، فنهى عن مشابهتهم، واستعمال زيهم. التوضيح (16/ 389).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«من لا خلاق له» أي: من الرجال. فتح الباري (10/ 299).
وقال العيني -رحمه الله-:
أما مسألة الحرمان في الآخرة فمنهم من حمله على حقيقته، وزعم أنَّ لابسه يُحرم في الآخرة من لبسه سواء تاب عن ذلك أو لا؛ جريًا على الظاهر، والأكثرون على أنه لا يُحرم إذا تاب ومات على توبته. عمدة القاري (6/ 179).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«من لا خلاق له...» واضح في تحريمه، والوعيد الشديد على لباسه. المنتقى شرح الموطأ (7/ 229).

قوله: «فلَبِثَ عمرُ ما شاءَ الله أنْ يَلْبَثَ»:
قال العجلوني -رحمه الله-:
«فَلَبِثَ» بكسر الموحدة «عمرُ» أي: ابن الخطاب -رضي الله عنه- «ما شاءَ اللهُ أنْ يَلْبَثَ» بفتح الموحدة، وهذا صادق بطول المدة وقِصَرها. الفيض الجاري (7/7).

قوله: «ثم أرسلَ إليه رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«بجبَّةِ ديباج» الرفيع من الحرير، أصله ديباه معرب. الكوثر الجاري (3/ 65).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ثم أرسل إليه بجبة دِيْبَاج» وهو حُلَّتين من الحرير والإستبرق، والسندس من أنواعه. شرح سنن أبي داود (16/ 234).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: بجبَّةٍ من ديباج، والجبة قميص، أي: قباء طويل محشوٌّ يُلبس للبرد. الكوكب الوهاج (21/ 326).

قوله: «فأَقْبَلَ بها عمرُ، فأتى بها رسولَ اللَّه -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فأقبل» أي: جاء «بها» أي: بتلك الجُبَّة «عمر» -رضي الله عنه- «حتى أتى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: دخل بها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. الكوكب الوهاج (21/ 326).

قوله: «فقال يا رسولَ الله: إنَّكَ قلتَ: إنَّما هذه لِبَاسُ مَن لا خلاقَ له»:
قال الرافعي -رحمه الله-:
كأنه (يعني: عمر) يقول: كان من حقي أنْ أَلْبَسَها إذا أَعْطَيْتَنِيْهَا، وكيف ألبسها وقد قلتَ في مثلها ما قلتَ؟! شرح مسند الشافعي (1/ 495).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «إنما هذه لباس من لا خلاق له» يعني: من الحرير المُصْمَت (الخالص) من الرجال في غير حال المرض والحرب لغير ضرورة تكبُّرًا واختيالًا في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ولباس ذلك كذلك لباس من لا خلاق له.
وإنَّما قلنا: عنى به من الحرير المُصْمَت؛ لقيام الحجة بالنقل الذي يمتنع منه الكذب أنه لا شيء بلبس الخز، والخز (ثياب تُنسج من إبرسيم وصوف أو غيره وهي مباحة) -لا شك- سداه حرير ولحمته وَبَرٌ (يعني: أنه مشوب بحرير) فإذا كانت الحُجَّة ثابتة بحِلِّه، فسبيل كل ما اختلف سداه ولحمته سبيل الخز أنه لا بأس بلبسه في كل حال للرجال والنساء.
وإنما قلنا: عنى به ما كان ثوبًا دون ما كان عَلَمًا في ثوب؛ لصحة الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استثنى قدر إصبعين أو ثلاثة أو أربعة.
أما حال الضرورة فلصحة الخبر أيضًا فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه أرخص للزبير وابن عوف لحِكَّة كانت بهما، وألحقنا بها كل علة ترجى بلبسه خفتها، وكذا لدفع السلاح من باب أولى.
وفرقنا بين الرجال والنساء؛ لصحة خبر أبي موسى السالف (يعني: «حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم») فبان أن الأخبار لا تضاد فيها ولا نسخ، وقد سلف في الجهاد اختلاف العلماء في لبس الحرير في الحرب. التوضيح (27/ 671).

قوله: «وأَرسلتَ إليَّ بهذه الجُبَّةِ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
الْجُبَّة: مَا قُطِع من الثِّيَاب وخُيِّط. مشارق الأنوار (1/ 138).
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
في قول عمر: «ثم أرسلت إليَّ» أنَّه ينبغي السؤال عما يُشْكِل. التوضيح (18/ 290).

قوله: «فقالَ له رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «تَبِيعُهَا أو تُصِيبُ بها حاجتَكَ»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«تبيعها، أو تصيب بها حاجتك» بأن يلبسها من يحل له لبسه؛ ولهذا كساها أخًا له مشركًا في مكة. الكوثر الجاري (3/ 65).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «تبيعها وتصيب بها حاجتك» في رواية الكشميهني «أو تصيب» ومعنى الأول: وتصيب بثمنها، والثاني يحتمل أنَّ «أو» بمعنى الواو، فهو كالأول أو للتقسيم، والمراد المقايضة أو أعم من ذلك، والله أعلم. فتح الباري (2/ 439).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «حاجتك» بأن تجعلها لبعض نسائك مثلًا. الكواكب الدراري (6/ 58).

قوله في رواية: «إني لم أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «إني لم أَكْسُكَهَا لتلبسها» يعني: لم أرسلها لك لتلبسها، بل لتبيعها، كما في رواية البخاري، وفيها: «فقال: إنما بَعَثْتُ بها إليك لتبيعها وتصيب حاجتك» وفي رواية له: «لتصيب بها مالًا» وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: «فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم». المنهل العذب المورود (6/ 227).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
في قوله -صلى الله عليه وسلم- لعمر: «لم أَكْسُكَهَا لتلبسها» يوهم ظاهره تناقضًا؛ لأن الكسوة هي اللباس، فكأنه قال: لم أَكْسُكَهَا لتكتسي بها، أو لم ألبسكها لتلبسها، وليس الأمر كذلك، فإنه إذا قال: كسوتُك ثوبًا إنما يريد به أنه جعله له كسوة، وقد يكون للإنسان ملابس -ثياب- معدَّة للُبسه، وقد لا يلبس بعضها، ويطلق عليها اسم الكسوة؛ ولذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر، أي: لم أجعلها لك كسوة لتلبسها، إنما أردتُ بها إيثارك وتخصيصك وتمليكك لها. الشافي (2/ 175).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«لم أكسكها لتلبسها» فيه دليل على أنه يقال: كساه: إذا أعطاه كسوة، لبسها أو لا.
ويؤخذ من ذلك: أن فرض الكفارة يتأدى بإعطائه الكسوة، لبسها أو لا، وكذا الطعام. مصابيح الجامع (2/ 434).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
لا يلزم من الهدية الإباحة للشخص إذا كانت محرَّمة عليه، فلا يلزم من إهداء خاتم الذهب أو الحرير حِلّه للرَّجل؛ لقوله: «لم أهدها لك لتلبسها».
وفيه: شرعية التجمل في العيد لإقراره لعمر. الحلل الإبريزية (1/ 284).

قوله: «فكساها عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- أخًا له بمكة مُشركًا»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة»: قيل: كان أخاه من أمه، وكذلك ذكر النسائي.
فيه: صلة الرحم المشرك، وجواز الهدية له بما يصح استعمال المسلم له وما لا يصح، وقسم النبي -صلى الله عليه وسلم- الحُلل من أصحابه مما لا يجوز لهم لبسه لينتفعوا بها. إكمال المعلم (6/ 576).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «فكساها عمر أخًا له بمكة مشركًا» هكذا في الصحيحين، وفي رواية للبخاري: «أرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يُسلم» وهذا يدل على إسلامه بعد ذلك، وفي النسائي وصحيح أبي عوانة: «فكساها أخًا له من أمه مشركًا». التوضيح (7/ 413).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قلتُ: ولم أقف على تسمية هذا الأخ إلا فيما ذكره ابن بَشْكُوال في المبهمات نقلًا عن ابن الحذاء في رجال الموطأ، فقال: اسمه عثمان بن حكيم.
قال الدمياطي: هو السلمي، أخو خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وهو أخو زيد بن الخطاب لأمه، فمن أطلق عليه أنه أخو عمر لأمه لم يصب.
قلتُ: بل له وجه بطريق المجاز، ويحتمل: أن يكون عمر ارتضع من أم أخيه زيد، فيكون عثمان أخا عمر لأمه من الرضاع، وأخا زيد لأمه من النسب، وأفاد ابن سعد أن والدة سعيد بن المسيب هي أم سعيد بن عثمان بن الحكم، ولم أقف على ذكره في الصحابة، فإن كان أسلم فقد فاتهم فليُستدرك، وإن كان مات كافرًا وكان قوله: «قبل أن يسلم» لا مفهوم له، بل المراد أن البعث إليه كان في حال كفره مع قطع النظر عما وراء ذلك. فتح الباري (10/ 299).

قوله: «حلَّة سِيَرَاءَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
يقتضي أنَّ السُّيَرَاء قد تكون من غير حرير. فتح الباري (10/ 299).

قوله في رواية: «إنِّي لم أَبْعَثْ إليكَ لتلبَسَهَا، ولكنِّي بَعَثْتُ بها إليكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بينَ نسائِكَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إني لم أبعث بها إليك لتلبسها» بنفسك، و«إنما بعثت بها إليك لتشققها» وتقطعها وتجعلها «خُمُرًا» موزعة «بين النساء» من حرمك. الكوكب الوهاج (21/ 344-345).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لتشقِّقها» بكسر القاف الأولى المشددة، أي: لتقطِّعها «خُمُرَا» بضمتين جمع خِمَار بكسر أوله، وهو المِقْنَعَة، ونصبه على الحال، كقوله: خِطْتُهُ قميصًا...، والمعنى: لتقطِّعَها قطعة قطعة، كل قطعة قدر خِمار، وتقسمها بين النساء. مرقاة المفاتيح (7/ 2769).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الخُمُر: بضم المعجمة والميم، جمع خِمَار بكسر أوله والتخفيف، ما تُغَطِّي به المرأة رأسها. فتح الباري (10/ 297).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله في الحلة التي وجَّهها إليهما: «شقِّقها خُمُرًا بين نسائك» وكذلك قال لأسامة، فيه: جواز لباس النساء الحرير، وهو قول الجمهور، والخلاف فيه شاذ. إكمال المعلم (6/ 577).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قد استُدل بالحديث على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أرسلها لعلي -عليه السلام- فبنى على ظاهر الإرسال، وانتفع بها في أشهر ما صُنِعَت له، وهو اللبس، فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يبح له لبسها. سبل السلام (1/ 459).
قال ابن بطال -رحمه الله-:
التجمل في العيدين بحسن الثياب سُنة مندوب إليها كل من يقدر عليها.
قال المهلب: وكذلك التجمل في الجماعات والوفود بحسن الثياب مما جرى به العمل، وترك -عليه السلام- لباس الجبة زهدًا في الدنيا، وأراد أن يؤخر طيبات الدنيا للآخرة التي لا انقضاء لها، ورأى أن تعجيل طيباته في الدنيا المنقطعة، وبيع الدائم بها ليس من الحزم، فزهد في الدنيا للآخرة، وأمر بذلك، ونهى عن كل سرف وحرَّمه. شرح صحيح البخاري (2/ 547).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع العلماء على أن لباس الحرير للنساء حلال، وأجمعوا أن النهي عن لباس الحرير إنما خوطب به الرجال دون النساء، وأنه حظر على الرجال وأبيح للنساء، وكذلك التحلي بالذهب لا يختلفون في ذلك، وَرَدَت بمثل ما أجمعوا عليه من ذلك آثار صحاح من آثار العدول عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. التمهيد (14/ 241-242).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختُلف في علة النهي عن لبس الحرير، فقال الأبهري: لئلا يتشبه بالنساء، وقال غيره: لما فيه من الخيلاء. إكمال المعلم (6/ 575).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قد استثني من ذلك للرجال بقدر أربع أصابع اليد المضمومة بما رواه الجماعة إلا البخاري عن عمر -رضي الله عنه- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم– نهى عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع» وزاد فيه أحمد وأبو داود: «وأشار بكفه».
وهذا الحديث فيه: دلالة على أنه يحل من الحرير مقدار أربع أصابع كالطراز (يعني: علم الثوب) كالسِّجَاف (وهو السِّتْر أو الستارة)، من غير فرق بين المركَّب على الثوب والمنسوج، والمعمول بالإبرة والترقيع كالتطريز، ويحرم الزائد على الأربع. بذل المجهود (5/ 84).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قد اختلفوا في الصغار أيضًا هل يحرم إلباسهم الحرير أم لا؟
فذهب الأكثر إلى التحريم، قالوا: لأن قوله: «على ذكور أُمَّتي» كما في الحديث الآتي يعمهم، ولحديث ثوبان عند أبي داود: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدم من غَزَاةٍ، وكان لا يقدم إلا بدأ حين يقدم ببيت فاطمة، فوجدها قد علَّقت سِترًا على بابها، وحلَّت الحَسَنين بقلبين من فضة، فتقدم فلم يدخل عليها، فظنت أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى، فهتكت الستر، وفكت القلبين عن الصبيين، فانطلقا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبكيان، فأخذه منهما، وقال: يا ثوبان، اذهب بهذا إلى آل فلان» الحديث.
وهذا وإن كان واردًا في الحلية ولكنه مشعِر بأن حكمهم حكم المكلفين فيها، فيكون حكمهم في لبس الحرير كذلك، ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن في آخر الحديث ما يشعر بعدم التحريم، فإنه قال: «نحن أهل بيت لا نستغرق طيِّباتنا في حياتنا الدنيا» أو كما قال.
وقد ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم» والصغار غير مكلفين، إنما التكليف على الكبار، وقد روي أن إسماعيل بن عبد الرحمن دخل على عمر وعليه قميص من حرير وسواران من ذهب، فشق القميص، وفك السوارين، وقال: اذهب إلى أمك.
وقال محمد بن الحسن: إنه يجوز إلباسهم الحرير، وقال أصحاب الشافعي: يجوز في يوم العيد؛ لأنه لا تكليف عليهم، وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه: أصحها: جوازه، والثاني: تحريمه، والثالث: يَحْرُم بعد سنِّ التمييز. نيل الأوطار (2/ 97-98).
وقال السهارنفوري -رحمه الله- متعقبًا الشوكاني:
قلتُ: ما نسب الجواز إلى الإمام محمد بن الحسن، فلم أجده في كتب الحنفية، بل قال الإمام محمد بن الحسن في موطئه: قال محمد: لا ينبغي للرجل المسلم أن يلبس الحرير والديباج والذهب، كل ذلك مكروه للذكور من الصغار والكبار، ولا بأس به للإناث. بذل المجهود (5/ 85).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
ولا شك أن التجمُّل بالثياب غير منكر شرعًا، وأن التهيؤ للقاء الناس بالتجمل المباح لا يُنكر؛ ولهذا لم يُنكر الشارع إلا كونها حريرًا، وهذا على خلاف بعض المتقشفين، وقد روي عن الحسن البصري أنه خرج يومًا وعليه حلة يَمَانٍ (يعني: يمانية) وعلى فرقد جبة صوف، فجعل فرقد ينظر ويمس حلة الحسن ويسبِّح، فقال له: يا فرقد، ثيابي ثياب أهل الجنة، وثيابك ثياب أهل النار -يعني: القسيسين والرهبان-، ثم قال له: يا فرقد، التقوى ليس في هذا الكساء، إنما التقوى ما وقر في الصدر وصدَّقه العمل. التوضيح (8/ 53).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فيه: مباشرة الصالحين والفضلاء للبيع والشراء.
وفيه: أن الجمعة يُلبس فيها من أحسن الثياب، وكذلك يتجمل بالثياب الحسان في الأعياد؛ لأن الجمعة عيد، ويتجمل بها أيضًا على وجه الترهيب للعدو، والتغليظ عليهم، وهذا كله في معنى حديثنا المذكور، ولا أعلم بين العلماء اختلافًا في استحباب التجمل بأحسن الثياب يوم الجمعة لمن قدر.
وفيه: أن الإنسان يجوز له أن يملك ما لا يجوز له أن يلبس.
وفيه: إباحة الطعن عليه، وأما قوله: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له» فمعناه: من لا نصيب له من الخير.
وفيه: قبول الخليفة للهدايا من قِبل الروم وغيرهم...
وفيه: بعض ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من السخاء وصلة الإخوان بالعطاء.
وفيه: أنه جائز أن يعطي الرجل ما لا يجوز له لباسه إذا جاز له ملكه والتصرف فيه.
وفيه: صلة القريب المشرك ذميًّا كان أو حربيًّا؛ لأن مكة لم يبقَ فيها بعد الفتح مشرك، وكانت قبل ذلك حربًا، ولم يختلف العلماء في صدقة التطوع أنها جائزة من المسلم على المشرك قريبًا كان أو غيره، والقريب أولى ممن سواه، والحسنة فيه أتم وأفضل.
وإنما اختلفوا في كفارة الأيمان وزكاة الفطر، فجمهور العلماء على أنه لا تجوز لغير المسلمين؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أُمِرْتُ أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها على فقرائكم»، وكذلك كل ما يجب أن يؤخذ منهم، فواجب أن يرد على فقرائهم.
وأجمعوا أن الزكاة المفروضة لا تحل لغير المسلمين، فسائر ما يجب أداؤه عليهم من زكاة الفطر، وكفارة الأيمان، والظهار، فقياس على الزكاة عندنا، وأما التطوع بالصدقة فجائز على أهل الكفر من القربات وغيرهم، لا أعلم في ذلك خلافًا، والله أعلم.
روى الثوري عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (يعطوا) لأنسابهم من أجل الكُفر، فنزلت {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} الآية البقرة: 272. التمهيد (14/ 262-263).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
وتُعقب بأنَّ عطاردًا (كما في الرواية الأخرى) إنما وفد سَنة تسعٍ، ولم يبقَ بمكة بعد الفتح مشرك.
وأُجيب: بأنه لا يلزم من كون وفادة عطارد سنة تسع أن تكون قصة الحُلَّة كانت حينئذٍ، بل جاز أن تكون قبل ذلك، وما زال المشركون يقدمون المدينة، ويعاملون المسلمين بالبيع وغيره، وعلى تقدير أن يكون ذلك سنة الوفود، فيحتمل أن يكون في المدة التي كانت بين الفتح وحج أبي بكر، فإنَّ منع المشركين من مكة إنما كان من حجة أبي بكر سنة تسع، ففيها وقع النهي ألَّا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فتح الباري (10/ 301).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدل به على أن الكافر ليس مخاطبًا بالفروع؛ لأن عمر لما مُنع من لبس الحلَّة أهداها لأخيه المشرك، ولم ينكر عليه.
وتُعقب: بأنه لم يأمر أخاه بلبسها، فيحتمل: أن يكون وقع الحكم في حقه كما وقع في حق عمر، فينتفع بها بالبيع، أو كسوة النساء، ولا يلبس هو.
وأُجيب: بأن المسلم عنده من الوازع الشرعي ما يحمله بعد العلم بالنهي عن الكف بخلاف الكافر، فإنَّ كفره يحمله على عدم الكف عن تعاطي المحرم، فلولا أنه مباح له لبسه لما أهدى له؛ لما في تمكينه منه من الإعانة على المعصية، ومن ثم يحرم بيع العصير ممن جرت عادته أن يتخذه خَمْرًا، وإن احتمل أنه قد يشربه عصيرًا، وكذا بيع الغلام الجميل ممن يشتهر بالمعصية، لكن يحتمل أن يكون ذلك كان على أصل الإباحة، وتكون مشروعية خطاب الكافر بالفروع تراخت عن هذه الواقعة، والله أعلم. فتح الباري (10/ 301).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فأخذها» يعني للسَّوم «فأتى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
فيه: دليل على جواز أخذ السلعة من المنادي عليها، والذهاب بها إلى بيت الآخذ، وإلى بعض الإخوان لينظرها بغير إذن مالكها لكن يضمنها إذا تلفت. شرح سنن أبي داود (5/ 537).


إبلاغ عن خطأ