الثلاثاء 26 صفر 1448 | 2026-08-11

A a

عنْ زِيادِ بنِ جُبَيْرٍ قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ -رضي اللَّه عنهما- أَتَى على رَجُلٍ قدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قال: «ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-».


رواه البخاري برقم: (1713)، واللفظ له، ومسلم برقم: (1320) من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ عند مسلم: «أتى على رَجُلٍ وهو ‌ينحر ‌بَدَنَتَهُ ‌باركةً...».  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَنَاخَ»:
أَناخَ الإبلَ: أبرْكَها. المحكم، لابن سيده (5/ 305).
قال ابن منظور -رحمه الله-:
أناخَ الإبلَ: أبْركَها فبرَكَت. لسان العرب (3/ 65).

«بَدَنَتَه»:
البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير الذكر مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة، سُميت بدنة لِعِظَمها، وجمع البَدَنة: البُدْن. تهذيب اللغة، للأزهري (14/ 102).
وقال أبو عبدالله القرطبي -رحمه الله-:
البُدُن: لغتان، واحدتها بدَنة...، وسمِّيت بدَنة لأنها تبدُن، والبدانة السِّمَن، وقيل: إنَّ هذا الاسم خاص بالإبل، وقيل: البُدْنُ جمعُ "بَدَنٍ" بِفتحِ الباء والدالِ، ويقال: بَدُنَ الرجل بضم الدال، إذا سمِن، وبدَّنَ بتشديدها: إذا كَبِر وأسَنَّ، وفي الحديث «إني قد بدَّنت» أي: كَبِرتُ وأسننتُ، وروي «بَدُنْتُ» وليس له معنى؛ لأنه خلاف صفته -صلى الله عليه وسلم-، ومعناه: كثرة اللحم، يقال: بدُن الرجل يَبدُن بَدْنًا وبَدانةً فهو بادن، أي: ضخم. الجامع لأحكام القرآن (12/ 60).

«ابْعَثْهَا»:
بَعَثَ: الباء والعين والثاء أصلٌ واحد، وهو الإِثارة، ويقال: بعثتُ الناقةَ: إذا أَثَرْتها. مقاييس اللغة، لابن فارس (1/ 266).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
بعثَ الناقةَ: أثارها فانبعَثت: حلّ عِقالهَا، أو كانت باركةً فهاجَها... وكل شيء أَثَرْته فقد بعثته، ومنه حديث عائشة -رضي الله عنها- «فبعثْنا البعيرَ، فإذا العِقدُ تحته». تاج العروس (5/ 168).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «عنْ زِيادِ بنِ جُبَيْرٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «عن زياد بن جُبير» بجيم وموحدة مصغَّر، بصري تابعي ثقة، ليس له في الصحيحين سوى هذا الحديث، وحديث آخر أخرجه المصنف في النذر بهذا الإسناد. فتح الباري (3/ 553).
قوله: «قال: رأيتُ ابنَ عُمرَ -رضي اللَّه عنهما- أَتَى على رَجُلٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أتى على رجل» لم أقف على اسمه. فتح الباري (3/ 553).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «عن ابن عمر أنَّه» أي: ابن عمر «أتى» أي: مرَّ «على رجل» أي: «بمِنَى» كما في مسند أحمد، وهذا الرجل لم يُعرف، ولم يسمِّه أحدٌ من أصحاب الأصول. مرعاة المفاتيح (9/ 226).

قوله: «قدْ أناخ بَدَنَتَه ينحرها»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قد أناخَ بدَنته، ينحرها» زاد أحمد عن إسماعيل بن علية، عن يونس: «لينحرها بمِنى». فتح الباري (3/ 553).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«قد أناخ بدَنته ينحرها» أي: حال كونه يريد نحرها، وهذا لفظ البخاري، ولمسلم: «وهو ينحر بدَنته باركةً». مرعاة المفاتيح (9/ 226).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في البُدْن هل تُطلق على غير الإبل من البقر أم لا؟ فقال ابن مسعود وعطاء والشافعي: لا، وقال مالك وأبو حنيفة: نعم، وفائدة الخلاف فيمن نذر بَدَنة فلم يجد البَدَنة، أو لم يقدر عليها، وقدَر على البقرة، فهل تُجزئه أم لا؟ فعلى مذهب الشافعي وعطاء لا تُجزئه، وعلى مذهب مالك تجزئه، والصحيح ما ذهب إليه الشافعي وعطاء؛ لقوله -عليه السلام- في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدَنةً، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة» الحديث، فتفريقه -عليه السلام- بين البقرة والبَدَنة يدل على أنَّ البقرة لا يقال عليها: بدَنة، والله أعلم، وأيضًا قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج: 36، يدل على ذلك، فإنَّ الوصف خاص بالإبل، والبقر يُضجع ويُذبح كالغنم...، ودليلنا: أنَّ البدَنة مأخوذة من البَدانة، وهو الضخامة، والضخامة توجد فيهما جميعًا، وأيضًا فإنَّ البقرة في التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم بمنزلة الإبل، حتى تجوز البقرة في الضحايا على سبعة كالإبل، وهذا حُجة لأبي حنيفة حيث وافقه الشافعي على ذلك، وليس ذلك في مذهبنا، وحكى ابن شجَرة أنه يقال في الغنم: بدَنة، وهو قول شاذّ. الجامع لأحكام القرآن (12/ 60 - 61).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
قوله -عز وجل-: {وَالْبُدْنَ} الحج: 36، في البُدْنِ ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنَّها الإِبل، وهو قول الجمهور.
والثاني: أنَّها الإِبل والبقر والغنم، وهو قول جابر وعطاء.
والثالث: كل ذات خُفٍّ وحافر من الإِبل والبقر والغنم، وهو شاذ، حكاه ابن الشجرة، وسُميت بُدْنًا؛ لأنها مُبْدِنَة في السِّمَن. النكت والعيون (4/ 26).

قوله في لفظ: «ينحر بَدَنَتَهُ بَارِكَةً»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
نهى ابن عمر عن نحر البُدن باركةً، وقال: «ابعثها قيامًا مقيدة؛ تلك سُنة نبيِّكم» هو قول كافة العلماء، وبه فُسِّر قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} الحج:36 إلا أبا حنيفة والثوري فأجازا نحرها باركة وقيامًا، وشذَّ عطاء فخالف واستحب نحرها باركة معقولة. إكمال المعلم بفوائد مسلم (4/ 405).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«باركةً» أي: مُنَاخَةً من البروك، يقال: بَرَكَ البعير أي استناخ، وحقيقته: وَقَعَ على بركِهِ أي: صدره، «فقال» ابن عمر للرجل: «ابعثها» أي: ابعث البدنة، أي: أَثِرْهَا من الأرض وأَقِمْهَا، يقال: بعثَ الناقة إذا أَثَارَهَا، أي: حلَّ عِقَالها فأرسلها أو كانت باركة فهَاجَهَا وهذا الثاني هو المراد هنا أي: هِجْها وانحرها حالة كونها «قيامًا» أي: قائمة. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (14/ 359).

قوله: «قال: ابْعَثْهَا قِيامًا مقيدة»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ابعثْها» أي: أثِرها، يقال: بعثتُ الناقة أثَرْتها، وقوله: «قيامًا» أي: عن قيام، و«قيامًا» مصدر بمعنى: قائمة، وهي حال مقدّرة، أو قوله: «ابعثْها» أي: أقِمها، أو العامل محذوف تقديره: انحرها، وقد وقع في رواية عند الإسماعيلي: «انحرها قائمةً».
قوله: «مقيَّدة» أي: معقولة الرِّجْل، قائمة على ما بقي من قوائمها، ولأبي داود من حديث جابر: «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا ينحرون البدَنة معقولة اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها»، وقال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير: «رأيتُ ابن عمر ينحر بدَنته وهي معقولة إحدى يديها». فتح الباري (3/ 553).
وقال ابن فرحون -رحمه الله-:
يحتمل أنْ يكون مع الرَّجُل بُدُنًا غيرها؛ لأنه قال: «ابعثها قيامًا مقيدة» فأمره فيها بالسُّنة، ويحتمل أنْ يكون الأمر لغير الرَّجُل؛ تعريفًا بالسُّنة، بمعنى: «ابعثوها قائمةً» بَعْثُ الدابة: إثارتها، وبَعْثُ الموتى: نشرهم، ومنه: «فبَعَثْنَا البعير».
قوله: «قيامًا» حال من ضمير المفعول، وهذا يدل على أنَّه أراد جماعة بُدْنٍ، وهي حال مقدَّرة؛ لأنها إذا كانت قائمةً فقد انبعثت، ويحتمل أنْ يكون «ابعثها» بمعنى: حثَّها على القيام، و«مقيّدة» حال بعد حال، إنْ قلنا: بتعدد الحال، أو حال من الضمير في «قيامًا» فتكون الحال متداخلة، و«قيامًا» جمع قائم، ويحتمل أنْ يكون مصدر قام، أي: «ابعثها قيامًا» بمعنى: أَقِمْهَا قيامًا، من معنى «ابْعَثْهَا» مثل: قعدتُ جلوسًا، أو يُقدَّر: ابعثها فتقوم قيامًا...، و«مقيَّدة» اسم مفعول، من قيَّد يقيِّد. العدة في إعراب العمدة (2/ 578 - 579).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
السُّنة نحر الإبل قائمةً معقولة يدها اليسرى، فيضربها بالحربة في الوهْدَة التي بين أصل العُنُق والصدر، وممَّن استحب ذلك: مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر، واستحب عطاء نحرها باركةً، وجوّز الثوري وأصحاب الرأي كلَّ ذلك، ولنا: ما روى زياد بن جُبير، قال: «رأيتُ ابن عمر أتى على رَجُل أناخ بدنته لينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيّدةً، سُنة محمد -صلى الله عليه وسلم-» متفق عليه، وروى أبو داود بإسناده عن عبد الرحمن بن سابط «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا ينحرون البَدَنة معقولة اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها»، وفي قول الله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج:36، دليل على أنَّها تُنحر قائمةً، ويُروى في تفسير قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} الحج:36، أي: قيامًا، وتجزئه كيفما نحر، قال أحمد: ينحر البُدن معقولةً على ثلاث قوائم، وإن خشي عليها أن تَنْفِر أناخها. المغني (3/ 384).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
عن أبي حنيفة: نحرت بدنة قائمةً، فكدتُ أُهلك فئامًا من الناس؛ لأنها نَفَرت فاعتقدت أنْ لا أنحر الإبل بعد ذلك إلا باركةً معقولةً، وأستعين بمَن هو أقوى عليه مِني. فتح القدير (3/ 164).
وقال ابن الهمام -رحمه الله- أيضًا:
إنَّما سَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- النحر قيامًا عملًا بظاهر قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَت جُنُوبَهَا} والوجوب: السقوط، وتحقُّقه في حال القيام أظهر. فتح القدير (3/ 164).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُعلقًا:
أقول: الاستدلال بقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} الحج : 36، أظهر، وقد فسره ابن عباس بقوله: «قيامًا على ثلاث قوائم» وهو إنَّما يكون بعقْل الرُّكبة، والأَولى كونها اليسرى؛ للاتّباع، رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم، وعن أبي حنيفة: "نحرتُ بدنة قائمة، فكدت أهلك فئامًا من الناس؛ لأنها نفرت، فاعتقدت أن لا أنحر بعد ذلك إلا باركةً معقولةً"، والحاصل: أنَّ القيام أفضل، فإن لم يتسهل فالقعود أفضل من الاضطجاع، نعم، ذبح الإبل خلاف الأَولى، إنْ ثبت عن مالك ما نقل عنه أنَّ الإبل لا يحل ذبحها، والظاهر عدم ثبوته عنه، فقد قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا حرَّم ذلك، وإنَّما كرهه مالك، وأما ما وقع في بعض كتب الشافعية من أنَّ نحر البقر والغنم يحرم إجماعًا فهو غلط، والصواب كما عبَّر به العبدري وغيره يجوز إجماعًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1823).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيُستحب نحر الإبل وهي قائمة معقولة اليد اليسرى، صح في سنن أبي داود عن جابر -رضي الله عنه- «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا ينحرون البدَنة معقولةَ اليسرى، قائمةً على ما بقي من قوائمها» إسناده على شرط مسلم، أما البقر والغنم فيستحب أن تُذبح مُضجعةً على جنبها الأيسر، وتُترك رجلها اليمنى، وتُشد قوائمُها الثلاث، وهذا الذي ذكرنا من استحباب نحرها قيامًا معقولة، هو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة والثوري: يستوي نحرها قائمةً وباركةً في الفضيلة، وحكى القاضي (عياض) عن طاوس أنَّ نحرها باركةً أفضل، وهذا مخالف للسُّنة، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 69).
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
السُّنة تُنحر البُدْن قيامًا؛ لقول الله -عز وجل-: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} الحج: 36، والصواف: التي قد صفَّت قوائمها، ومَن قرأ "صوافن" فإنَّه يريد قائمة على ثلاث قوائم، ومن قرأ "صوافي" أراد خالصةً لله، والاختيار عند الجميع: ألَّا تُنحر البدنة إلا قائمةً، إلا أن تمتنع من ذلك، وما أظنهم -والله أعلم- استحبوا نحرها قيامًا إلا لقوله -عز وجل-: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج: 36، أي: سقطت على جنوبها إلى الأرض. الاستذكار (4/ 242).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
قوله: «ابعثها قيامًا مقيّدة» أراد... بيان السُّنة في النحر، وأنها تُنحر قائمةً على ثلاث، وتُعْقَل الرابعة إحدى يديها، ويتمكن سقوطها؛ لئلا تنفر، وأما البقر والغنم تُذبح على جنبها الأيسر، هذا هو الأفضل، وإنْ نُحرت لا حرج. الحلل الإبريزية (2/ 62).
وقال أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-:
في كيفية نحر الهدي، وفيه أقوال:
الأول: قال ابن وهب: أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن الصوافِّ، فقال: يقيدها ثم يصفُّها، وقال لي مالك بن أنس مثله، وقال: فينحرها قائمة ولا يعقلها، إلا أنْ يضعف إنسان فيتخوف أن تتفلت بدنته، فلا بأس بأن ينحرها معقولةً، وإن كان يقوى عليها فلينحرها قائمة مصفوفة يداها بالقيود، قال: وسألتُ مالكًا عن البدنة تُنحر وهي قائمة هل تُعَرْقَب (أي تُقطع عَرَاقيبها)؟ قال: ما أحب ذلك إلا أن يكون الإنسان يضعف عنها، فلا يقوى عليها، فيخاف أن تتفلت منه، فلا أرى بأسًا أن يعرقبها، وهذه الأقوال الثلاثة للعلماء:
الأول: يقيمها.
الثاني: يقيدها أو يعقلها.
الثالث: يعرقبها.
وزاد مالك: أن يكون الأمر يختلف بحسب قوة الرجل وضعفه، وروي عن بعض السلف مثله، والأحاديث الصحاح في ذلك ثلاثة:
الأول: في نحرها مقيدة: في الصحيح عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته فنحرها قال: «ابعثها قيامًا مقيدةً؛ سنة محمد».
الثاني: في نحرها قائمة: في الصحيح عن أنس «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر بيده سبع بُدُن قيامًا».
(الثالث): وقد كان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عُنفوان أَيْدِه، فينحر بها في صدرها، ويخرجها على سنامها، فلما أسنَّ كان ينحرها باركةً؛ لضعفه، ويمسك معه رجل الحَربة، وآخر بخطامها. والعقل بعض تقييد، والعرقبة تعذيب لا أراه إلا لو ندّ، فلا بأس بعرقبته. أحكام القرآن (3/ 292 - 293).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ السُّنة في الإبل النحر في الثَّغرة، وهو عند اللَّبَّة في موضع الصدر؛ لأنه أرقُّ وأوجى (يقال: وجأْتُهُ بالسِّكين أي: ضربْتُه به)، والسُّنة في البقر والغنم الذبح في أسفل مجامع اللَّحيين، وأعلى العنق؛ لأنه أرقّ وأوجى، فيكون النحر قطع الحلقوم والمريء من أسفل العُنق، والذبح قطع الحلقوم والمريء من أعلى العنق، فصار قطع الحُلقوم والمريء معتبرًا فيهما، وإنْ اختلف محل قطعهما بالسُّنة وتعجيل التوجِيَة فإنْ خالف فذبح ما يُنحر من الإبل، ونحر ما يُذبح من البقر والغنم أجزأ، وأساء، وقال مالك: إنْ ذبح ما يُنحر من الإبل حلّ، وإن نحر ما يُذبح من البقر والغنم حَرُم، والدليل على جواز الأمرين: قول الله تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} المائدة: 3، ولم يخصّ، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الذَّكَاة في الحلق واللبّة» فكان على عمومه؛ ولأن الذبح قطع الحلقوم والمريء من أعلاهما، والنحر قطع الحلقوم والمريء من أسفلهما، فاستوى حكم قطعهما في المحلّين؛ ولأنَّ ما حلَّ بالذبح حلَّ بالنحر كالإبل؛ ولأن ما حلَّت به الإبل حلَّت به البقر كالذبح. الحاوي الكبير (15/ 89 - 90).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فالسُّنة نحر الإبل وذبح غيرها...، أي: غير الإبل، والذبح يكون في أعلى الرقبة، لا في أسفلها، والنحر يكون في أسفلها؛ ولهذا تموت الإبل أسرع من موت الضأن والمعز والبقر؛ وذلك لأن النحر قريب من القلب، فيتفجر الدم من القلب بسرعة، ولو أنها ذُبحت من عند الرأس، لكانت تتألم من الذبح؛ لأن الدم سيكون مجراه ما بين القلب إلى محل الذبح بعيدًا فيتأخر موتها، فكان من الحكمة أن تُنحر. الشرح الممتع (7/ 441 - 442).

قوله: «سُنَّةَ محمد -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «سُنةَ محمد» بنصب سُنة بعامل مضمر، كالاختصاص، أو التقدير: متّبعًا سُنةَ محمد، قلتُ: ويجوز الرفع، ويدلُّ عليه رواية الحربي في المناسك بلفظ: «فقال له: انحرها قائمة؛ فإنها سُنةُ محمد». فتح الباري (3/ 553).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
في هذا الحديث: استحباب نحر الإبل على الصفة المذكورة،...
وفيه: تعليم الجاهل، وعدم السكوت على مُخالفة السُّنة، وإن كان مباحًا.
وفيه: أنَّ قول الصحابي: «من السُّنة كذا» مرفوع عند الشيخين؛ لاحتجاجهما بهذا الحديث في صحيحيهما. فتح الباري (3/ 553-554).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
- سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- نحر الإبل قائمة مقيدة؛ لأنه من إحسان الذبحة، والرفق بالحيوان...
-كراهة ذبحها باركةً؛ لأن فيه تطويلًا في إزهاق روحها.
- عادة الناس الآن نحرها باركةً معقولةً، فإذا كانوا غير قادرين على نحرها قائمةً، ويُخشى من عدم التمكن من إحسان ذبحها، وتطعينها بما يعذبها، ولا يريحها، فالأحسن أن تكون باركةً حسب القدرة والمستطاع.
- رحمة الله تعالى ورأفته بخلقه، حتى في حال إزهاق أرواحه، وبمثل هذه الأحكام الرحيمة، والحنان العظيم، يُعلم أنَّه دين عطف وشفقة، لا دين وحشية وعسف، فمَن ينبئ الذين رموه بذلك، وهم يقتلون أبرياء بني آدم في عقر دارهم؛ لعلهم يفقهون؟ تيسير العلام (ص: 415).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في الحديث أحكام...
منها: استحباب نحر الإبل معقولةً من قيام على الصفة المذكورة، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور، وقال أبو حنيفة، والثوري: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وحكى القاضي عياض -رحمه الله- عن عطاء: أنَّ نحرها باركة أفضل، والمذهبان مخالفان للسُّنة، واتباعها أولى، والله أعلم.
ومنها: ما كانت الصحابة -رضي الله عنهم- عليه من التقيد بالسُّنة، قولًا وعملًا واعتقادًا، والله سبحانه أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 1037 - 1038).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ