السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

عن عامرِ بنِ رَبِيةَ قال: خرجتُ أنا وسهلُ بنُ حُنيف نلْتَمِسُ الخَمَرَ، فأصَبْنَا غدِيْرًا خَمَرًا، فكان أحدُنا يسْتَحِي أن يتجرَّد وأَحدٌ يراهُ، فاستَتَرَ حتّى إذا رأى أنْ قدْ فَعل نَزع جُبَّةَ صُوفٍ عليه، فنظَرتُ إليه فَأعجبنِي خَلْقُهُ، فَأَصبتُهُ بعينٍ، فأخذَتْهُ قَعْقَعَةٌ، فدعَوتُهُ فلم يُجبنِي، فأتيت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فأخبرتُه، فقال: «قُومُوا بنا»، فرفَع عن ساقَيْهِ حتى خاضَ إليه الماءَ، فكأَنِّي أَنظرُ إلى وضَحِ ساقيِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فضرب صدرَهُ وقال: «باسمِ اللهِ، اللهمَّ أَذْهِبْ حرَّها وبَرْدَها ووصَبَهَا، قُمْ بإذنِ الله» فقام، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأى أحدُكُمْ مِن نفسهِ أو مالهِ أو أخيهِ شيئًا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ بالبركةِ؛ فإنَّ العينَ حقٌّ».


رواه أحمد برقم: (15700)، والنسائي في الكبرى برقم: (10805) واللفظ له.
ورواه ابن ماجه برقم: (3509) ولفظه: «علامَ يقتلُ أحدُكُمْ أخاهُ؟ إذا رأى أحدُكم مِن أخيهِ ما يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ له بالبركةِ، ثم دعا بماءٍ، فأمرَ عامرًا أنْ يتوضَّأَ، فغسل وجهَهُ ويديْهِ إلى المرفقين، ورُكبتيه ودَاخِلَةَ إِزَارِهِ، وأمرَهُ أنْ يَصُبَّ عليه، قال سفيانُ: قال معمرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ: وأمرَهُ أنْ يَكْفَأَ الإناءَ مِن خَلْفِهِ».
صحيح الجامع برقم: (556) سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2572).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الخَمَرَ»:
بالتحريك: كلُّ ما سَتَرك مِن شجر أو بناء أو غيره. النهاية لابن الأثير(2/ 77).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: ساترًا، يتكاثف شجره. النهاية (2/ 77).

«غَدِيْرًا»:
الغَدِيْرُ: مستنقَع الماء من المطر. تحفة الذاكرين (ص: 317).

«قَعْقَعَةٌ»:
تَقَعْقَعَ الشيءُ: صَوَّت عند التحريك، وقَعْقَعْتُه قَعْقَعَةً وقِعْقَاعًا: حرَّكْتُه. لسان العرب، لابن منظور (8/ 286).

«وَضَحِ»:
الوَضَح: بفتح الواو والضاد المعجمة، وبالحاء المهملة: البياض. تحفة الذاكرين، للشوكاني(ص: 317).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الوَضَحُ: البياض من كل شيء. الكاشف، للطيبي (9/ 2966).

«وَوَصَبَهَا»:
الوَصَبُ: دَوَامُ الوجعِ ولُزُومُه، كمَرَّضْتُه من المرض، أي: دَبَّرتُه في مَرَضه. النهاية، لابن الأثير (5/ 190).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الوَصَب: بفتح الواو والصاد: دوام الوجع ولزومه، كذا قيل، والظاهر: أنَّه التعب مطلقًا. تحفة الذاكرين (ص: 317).
قال الزبيدي -رحمه الله-:
الجُبَّة: بالضم: ثوب من المقطعات يُلبس، والجمع جُبَب وجِبَاب، كقُبَب وقِباب. تاج العروس (2/ 119)].


شرح الحديث


قوله: «قال: خرجتُ أنا وسَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قد وقع في حديث سهل بن حُنَيف عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنَيف: أنَّ أباه حدَّثه أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج، وساروا معه نحو ماءٍ، حتى إذا كانوا بشِعْبِ الخَرَّار من الجُحفة، اغتسل سهل بن حنيف. فتح الباري (10/ 204).
وقال أبو نعيم -رحمه الله-:
سَهل بن حنيف بن واهب بن العكيم، وقيل: حكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث بن عمرو بن خلاس...، شهد بدرًا والمشاهِد، أحسن القتال يوم أُحُد، وكان حُسن الجسم أبيض، فاعْتَانه عامر بن ربيعة، فَلُبِطَ به (أي: صُرع وسقط إلى الأرض) تُوفي بالعراق بعد صِفِّين سَنة سبع، وقيل: ثمان وثلاثين، فصلى عليه علي بن أبي طالب، فكبَّر عليه ست تكبيرات، وقال: إنه بدري، يكنى أبا ثابت، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو الوليد روى عنه ابنه أبو أمامة بن سهل بن حنيف، وابنه عبد الله بن سهل، وعبيد السباق، وأبو وائل، ويسير بن عمرو، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. معرفة الصحابة (3/ 1306).

قوله: «نَلْتَمِسُ الخَمَرَ فأصَبْنَا غَدِيْرًا خَمَرًا فكان أحدُنَا يَسْتَحِي أنْ يتجرَّد وأَحدٌ يرَاهُ، فاستَتَرَ حتى إذا رأى أنْ قدْ فَعَلَ، نَزَعَ جُبَّةَ صُوفٍ عليه»:
قال محمد زكريا الكاندهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فنزع جُبَّة» بضم الجيم، وتشديد الموحدة... «كانت عليه» أي: تجرَّد عن الثياب للاغتسال، ولا نصَّ في أنَّه تجرَّد عن الإزار أيضًا. أوجز المسالك (16/417).

قوله: «فَنَظَرْتُ إليه، فأعجبني خَلْقُهُ، فأَصبتُهُ بعينٍ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
العين تكون مع الإعجاب، ولو بغير حَسَد، ولو من الرَّجل المحِب، ومن الرجل الصالح، وأنَّ الذي يُعجبه الشيء ينبغي أنْ يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رُقْيَةً منه. فتح الباري (10/ 205).

قوله: «فأخذته قعقعة، فدعوتُه فلم يُجِبْنِي»:
قال السندي -رحمه الله-:
«قرقعةً» هكذا بقافين في نُسخ المسند، وفي الترتيب: بالفاء موضع القاف الأُولى، وعلى الوجهين ما وجدتُ له معنى قريبًا فيما عندي من الكتب. حاشيته على مسند أحمد (3/553).
وقال الشيخ حسين التويجري -حفظه الله-:
قوله: «فأخذته قعقعة وهو في الماءِ» في رواية ابن أبي شيبة: «فأَخَذَتْهُ قَفقَفَةٌ وهو في الماءِ»، القَعْقَعَة: حكاية حركة الشيء، يُسمع له صوت، والقفقفة أي: رعدة، يقال: تَقَفْقَفَ من البَرْدِ إذا انضمَّ وارتعد، وهما بمعنى واحد. الأحاديث الواردة في العين حقيقتها والوقاية والعلاج (ص: 33).
قوله: «فأتيت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فقال: «قُومُوا بنا»، فرفع عن ساقيهِ حتى خاضَ إليه الماءَ، فكأَنِّي أنظر إلى وضَحِ ساقيِ النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:

قوله: «فضرب صدرَهُ، وقال: «باسمِ اللهِ، اللهمَّ أذهب حرَّها وبردها ووصَبَها، قُمْ بإذنِ الله، فقام»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «حرَّها» أي: حرّ العين «ووصَبَهَا» بفتحتين. حاشيته على مسند أحمد (3/553).

قوله: « فقال رسولُ اللهِ -صلّى الله عليه وسلَّم-: إذا رأى أحدُكُم مِن نفسِهِ أو مالِهِ أو أخيهِ شيئًا يُعْجِبُهُ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«من أخيه» من النسب أو الإسلام. التيسير (1/ 97).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ما يعجبه» ما يستحسنه ويرضاه. التنوير (2/ 56).

قوله: «فليدعُ بالبركةِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «فليدعُ له بالبركة»؛ وذلك لأنَّ الإعجاب قد تتولَّد عنه العين، فيجب عليه دفع ضررها بأنْ يقول: بارك الله لي، أو لك في نفسك وأهلك ومالك؛ فإن العين حق. التنوير (2/ 56).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «فليدعُ له بالبركة» ندبًا، بأنْ يقول: اللهم بارك فيه. التيسير (1/ 97).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
هذا إعلامٌ وتنبيهٌ بأنَّ البركة تدْفعُ تلك المَضرَّة، والله أعلم. المسالك (7/ 437).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال السخاوي: وهذا (يعني: تأثير التبريك) مما جُرِّب لمنع الإصابة بالعين. فيض القدير (6/ 130).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: كأن يقول: اللهم بارك فيه، ويضم إلى ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، كما قال السيوطي، ودليله: سبق في حديث أنس («مَنْ رأى شَيئاً فأعْجَبَهُ فقالَ: ما شاءَ الله لا قُوّةَ إلاَّ باللهِ لَمْ يَضُرَّهُ»)، ولعل ضعْفَه لم يصل إلى المنع من العمل به في الفضائل. الفتوحات الربانية (6/ 270).
وقال العلقمي -رحمه الله-:
قال شيخنا (السيوطي): السُّنة أنْ يدعو بالبركة، وأنْ يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. الكوكب المنير مخطوط لوح (71).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الأحسن إذا ‌كان ‌الإنسان ‌يخاف ‌أن ‌تصيب ‌عينه أحدًا لإعجابه به أن يقول: تبارك الله عليك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال للرجل الذي أصاب أَخاه بعين: «هلا بركت عليه»، أما ما شاء الله لا قوة إلا بالله فهذه يقولها: من أَعجبه ملكه، كما قال صاحب الجَنَّة لصاحبه قال: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} الكهف: 39 . وفي الأثر: «مَن رأى ما يُعجبه في ماله فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يُصبه في ماله أذىً» أو كلمة نحوها. لقاء الباب المفتوح، لقاء رقم: (19)

قوله: «فإنَّ العينَ حقٌّ»:
قال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «العين حق» أي: الإصابة بالعين حق، أي: ثابت موجود. طرح التثريب (8/ 196).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ العين حق» أي: إصابتها الْمَعِين بقدر الله «حق» أي: والإتيان بالذكر المذكور يدفع ذلك الأثر بإذن الله. الفتوحات الربانية (6/ 270).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معنى قوله: «العين حقّ» أي: الإصابة بالعين حقُّ، وأنَّ لها تأثيرًا في النفوس والطباع إبطالًا لقول مَن يزعم من أصحاب الطبيعة: أنه لا شيء إلا ما تدركه الحواس والمشاعر الخمسة، وما عداها فلا حقيقة له. أعلام الحديث (3/ 2131).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإن العين» أي: الإصابة بالعين «حق» أي: كائن يقضي به في الوضع الإلهي، لا شُبهة في تأثيرها في النفوس فضلًا عن الأموال؛ وذلك لأن بعض النفوس الإنسانية يَثبت لها قوة هي مبدأ الأفعال الغريبة، ويكون ذلك إما حاصلًا بالكسب كالرياضة، وتجريد الباطن عن العلائق وتذكيته، فإنه إذا اشتد الصفاء والذكاء حصلت القوة المذكورة كما يحصل للأولياء، أو بالمزاج والإصابة بالعين يكون من الأول والثاني، فالمبدأ فيها حالة نفسانية مُعجَبة تهتك المتعجَّب منه بخاصية خلق الله في ذلك المزاج على ذلك الوجه ابتلاء من الله تعالى للعباد؛ ليتميز المحق من غيره. فيض القدير (1/ 351).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ العين قد يصيب بها الإنسان صاحبه، وذلك واقع حقًّا، جعله الله سببًا لما يريد إنفاذه فيه. الإفصاح (3/ 225).

قوله في الرواية الأخرى: «عَلامَ يقتلُ أحدُكُم أخاهُ؟»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«علامَ؟» استفهام إنكار. التنوير (7/ 258).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
فقال: «علام» بمعنى: لم؟ وفيه معنى الإنكار «يقتل أحدكم أخاه» في الدِّين؟ زاد في بعض طرقه: «وهو غني عن قتله». شرح الموطأ (4/ 406).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يقتل أحدكم أخاه» قاله -صلى الله عليه وسلم- لعامر بن ربيعة؛ لما نظر إلى سهل بن حنيف وهو يغتسل، فرأى جسده ناعمًا، فأُغمي عليه، فتغيَّظ المصطفى عليه، ثم ذكره. التنوير (7/ 258).
قوله: «ثم دعا بماءٍ، فأمرَ عامرًا أنْ يتوضأ، فغسلَ وجههُ ويديهِ إلى المرفقين، وركبتيه وداخِلَةَ إزاره، وأَمَرَه أن يصبَّ عليه»، قال سفيانُ: قال مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ: وأمرَهُ أنْ يَكْفَأَ الإناءَ مِن خَلْفِهِ»:
وقال العيني -رحمه الله-:
يُؤمَر العائن بالاغتسال، ويُجبر إنْ أبى، لأنَّ الأمر حقيقة للوجوب، ولا ينبغي لأحد أنْ يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه، ولا يضره هو، لا سيما إذا كان سببه، وهو الجاني عليه. عمدة القاري (21/ 266).
وقال المازري -رحمه الله-:
وصفة الوضوء للعائن عند العلماء: أنْ يُؤتى بِقَدَحٍ من ماء، ولا يوضع القدح في الأرض، فيأخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يَمُجَّها في القدح، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه، ثم يأخذ بشماله ما يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ما يغسل به كفه اليسرى، ثم بشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثم قدمه اليمنى، ثم اليسرى، ثم ركبته اليمنى، ثم اليسرى على الصفة المتقدمة والرتبة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة إزاره، وهو الطرف المتدلي الذي يلي حِقْوَهُ الأيمن، وقد ظن بعضهم أنَّ داخلة الإزار: كِنَاية عن الفرج، وجمهور العلماء على ما قلناه، فإذا استكمل هذا صبَّه خلفه من على رأسه، وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه، وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار المعلومات كلها، فلا يدفع هذا أنْ لا يعقل معناه.
وقد اختُلف في العائن هل يُجبر على الوضوء للمعيون أم لا؟
واحتج من قال بالجبر بقوله في الموطأ: «توضأ له» وبقوله في مسلم: «إذا اسْتُغْسِلْتُم فاغسلوا» وهذا أمر يحمل على الوجوب، ويتضح عندي الوجوب، ويبعد الخلاف فيه إذا خَشِيَ على المعيون الهلاك، وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبُرْءِ به، أو كان الشرع أخبر به خبرًا عامًّا، ولم يمكن زوال الهلاك عن المعيون إلا بوضوء هذا العائن، فإنه يصير من باب من تعيَّن عليه إحياء نفسِ مسلم، وهو يُجبر على بذل الطعام الذي له ثمن، ويضرُّ بذله، فكيف هذا مما يرتفع الخلاف فيه؟ المعلم (3/157-158).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وقد وصف الناس الغسل، وأخص الناس به مالك؛ لأن النازلة كانت في بلده، ووقعت بجيرانه، فنقلوها وقد حصلوها مشاهدة؛ وذلك بأن يغسل وجهه، ويديه ومرفقيه، وركبتيه وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم يُصب عليه، ومن قال: لا يجعل الإناء في الأرض، ويغسل كذا بكذا، فهو كله تحكم وزيادة، وقد يصرفه الله بالتبريك، وقد قال النبي -عليه السلام- لعامر بن ربيعة: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ أَلَا بَرَّكْتَ». المسالك (7/ 437).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
في هذا الحديث اكتفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسهل بالدعاء، وفي حديث أبي أمامة أمْرهُ عامرًا بالاغتسال له، وقد يُحتمل أنْ يكون جمعهما له جميعًا، وقد يُحتمل أنْ يكون كان ذلك مرتين، أَدْرَكَ سهلًا في كل واحدة منهما من عامر ما أدركه منه، ففعل له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل واحدة منهما ما فعل فيها من دعاء، ومن أَمْرٍ باغتسال، ويُحتمل أنْ يكون الاغتسال كان، ثم نُسخ بغيره. شرح مشكل الآثار (7/ 340).
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وعلى العائن أنْ يقاوم من نفسه الشَّرَه والإعجاب الزائد بالنعمة، وأنْ يبرِّك، فعند النسائي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه شيئًا يعجبه، فليدع بالبركة؛ فإن العين حق»، فواجب على كل من أعجبه شيء أنْ يبرِّك، فإنه إذا دعا بالبركة صُرِف المحذور، إن شاء الله. فتح المنعم (8/ 546).
وقال المازري -رحمه الله-:
بظاهر هذا الحديث (أي: حديث: «وإذا استغسِلتم فاغسلوا») قال أهل السُّنة والجمهور من علماء الأمة، وقد أنكره طوائف من المبتدعة، والدليل على فساد ما قالوه: أنَّ كل معنى ليس بمحال في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد بدليل، فإنه مِن مجوّزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه فلا معنى لتكذيبه، وهل فَرْقٌ بين تكذيبه في هذا إذا ثبت جوازه وبين تكذيبه فيما يخبر من أخبار الآخرة؟
وقد زعم بعض الطبائعيين الْمُثْبِتِين لما أثبتناه من هذا أنَّ العائن تنبعث من عينه قوة سُمِّيَّةً تتصل بالمعيون، فيهلك أو يفسد، قالوا: لا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوة سُمِّية من الأفعى والعقرب تتصل باللديغ فيهلك، وإنْ كان ذلك غير محسوس لنا، فكذلك العين. المعلم (3/ 155).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قد أَشْكَلَت إصابة العين على قوم، فاعترضوا على هذا الحديث (أي: حديث: «العين حق») فقالوا: كيف تعمل العين من بعد حتى تُمرض؟
والجواب: أنَّ طبائع الناس تختلف كما تختلف طبائع الهوام، وأنَّ ذلك يصل من أعْيُنِهما في الهواء حتى يصيبه، وقال رَجُل عَيُونٌ: إذا رأيتُ شيئًا يعجبني وجدتُ حرارة تخرج من عيني. التوضيح (27/ 400).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قد أنْكَرَتْهُ (يعني: الإصابة بالعين) طوائف من المبتدعة، وهم محجُوجُون بالأحاديث النصوص الصريحة الكثيرة الصحيحة، وبما يشاهَد من ذلك في الوجود، فكم مِن رَجل أَدْخَلَتْهُ العينُ القبر؟! وكم مِن جَمَلٍ ظهير أحلَّتْهُ القِدْر؟! لكن ذلك بمشيئة الله تعالى، كما قال: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} البقرة: 102، ولا يُلتفت إلى مُعْرِض عن الشرع والعقل، يتمسك في إنكار ذلك باستبعاد ليس له أصل، فإنا نشاهد من خواص الأحجار، وتأثير السحر، وسموم الحيوانات ما يقضي منها العجب، ويتحقق أنَّ كل ذلك فعل مسبب كل سبب. المفهم (5/ 565-566).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
أحاديث إثبات العين وتأثيرها كثيرة مشهورة لا تُجحد، ومحاولة تأويلها وإخراجها عن مفهومها الظاهر فاسد وغير مقبول. فتح المنعم (8/539).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال بعضهم: إنَّما يحصل ذلك مِن سُمٍّ يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن الْمَعْيُون...، وأنَّ الصحيح ينظر في عين الأَرْمَدِ فيَرْمَد، ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو. التوشيح (8/3534-3535).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الحقيقة والحق فيه: أنَّ الله سبحانه يخلق عند نظر المعاين إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألمٍ أو هلكةٍ، وكما لا يخلقه بإعجابه وبقوله فيه، فقد يخلقه ثم يصرفه دون سبب، وقد يصرفه قبل وقوعه بالاستعاذة، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُعَوِّذ الحسن والحسين بما كان أبوه (يعني: إبراهيم -عليه السلام-) يُعَوِّذ به ابْنَيْهِ إسماعيل وإسحاق: «أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة»، وقد يصرفه بعد وقوعه بالاغتسال؛ فإنه أَمَرَ -صلى الله عليه وسلم- بالغسل، وأمر الذي يسأل الغسل أن يجيب إليه، كما تقدم في قوله: «وإذا اسْتُغْسِلْتُم -أي: سُئلتم الغسل- فأَجِيْبُوا إليه». المسالك (7/ 436).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح كما يحدث لمن ينظر إليه من يَحْتَشِمُه من الخَجَل، فيرى في وجهه حُمْرَة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسْقَمُ بمجرد النظر إليه وتضعف قُواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات، ولشدَّة ارتباطها بالعين نُسِبَ الفعل إلى العين، وليست هي المؤثِّرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طَبَائِعِهَا وقواها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثِّر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به؛ لشدة خُبْث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة.
والحاصل: أنَّ التأثير بإرادة الله تعالى وخَلْقِه ليس مقصورًا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجُّه الروح، كالذي يحدث من الأدعية والرُّقَى والالتجاء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيُّل، فالذي يخرج من عين العائن سهمٌ معنوي إن صادف البدن لا وِقَايَة له أثر فيه، وإلا لم يَنْفُذ السهم، بل ربما رُدَّ على صاحبه كالسهم الحسي سواء. فتح الباري (10/200).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
تأثير العين وإصابتها للمَعِين -بإذن الله تعالى- حق لا شك فيه، وسببها استحسان الناظر للشيء. منار القاري (5/227).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال بعض أهل العلم: إذا عُرف أحد بالإصابة بالعين فينبغي اجتنابه، والتحرز منه، وإذا ثبت عند الإمام فينبغي للإمام منعه من مُداخَلَة الناس والتعرض لأذاهم، ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيرًا رَزَقَهُ ما يقوم به، وكفَّ عن الناس عادِيَتَه، فضرّه أشد مِن ضر آكل الثوم الذي منعه النبي مشاهدة صلاة الجماعة، وضره أشد من ضر المجذومة التي منعها عمر بن الخطاب الطواف مع الناس. شرح صحيح البخاري (9/ 431).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لو انتهت إصابة العين إلى أنْ يُعرف بذلك، ويُعلم مِن حاله أنه كلما تكلَّم بشيء معظِّمًا له، أو متعجبًا منه أصيب ذلك الشيء، وتكرر ذلك بحيث يصير ذلك عادة، فما أَتْلَفه بعينه غَرِمَه، وإنْ قتل أحدًا بعينه عامدًا لِقَتْلِه قُتل به، كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفر، وأما عندنا فيُقتل على كل حال، قَتَل بسحره أو لا؛ لأنه كالزنديق. المفهم (5/ 568).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
على المسلم إذا لاقى عائنًا، أو خاف عينًا، أو حسدًا، أنْ يحصِّن نفسه، بقراءة المعوذتين والفاتحة، وبعض الأدعية. فتح المنعم (8/ 546).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أنَّه إذا عُرف العائن أنه يقضي عليه بالوضوء؛ لأمر النبي -عليه السلام- بذلك، وأنها نُشْرَة ينتفع بها...
(و) فيه: أنَّ من رأى شيئًا فأعجبه فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، وبرَّك فيه فإنه لا يضرُّه بالعين، وهى رُقية منه. شرح صحيح البخاري (9/ 430).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
في حديث سهل من الفقه أبواب:
فمنها: جَبْرُ العائن على الوضوء المذكور على الوجه المذكور.
وقيل: لا يُجبر، وأنَّ مَن اتُّهِمَ بأمر أُحْضِر للحاكم، وكشف عن أمره.
وأن العين قد تَقتل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «علام يَقتل أحدكم أخاه؟».
وأنَّ الدعاء بالبركة يُذْهِب أثر العين بإذن الله تعالى.
وأنَّ أثر العين إنما هو عن حسد كامِنٍ في القلب.
وأنَّ مَن عُرف بالإصابة بالعين مُنع مِن مُداخلة الناس؛ دفعًا لضرره.
قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرًا رَزَقه ما يقوم به، وكفَّ أذاه عن الناس.
وفيه: جواز النّشر (المباحة) والتطبب بها. المفهم (5/ 568).
وقال العيني -رحمه الله-:
(و) فيه: دليل على أنَّ العين لا تضرُّ ولا تعدو إذا برَّك العائن، فواجب على كل مَن أعجبه شيء أنْ يُبرِّك؛ فإنه إذا دعا بالبركة صُرِف المحذور لا محالة. عمدة القاري (21/ 266).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: أنَّ الإنسان قد يعين نفسه أو أهله أو ماله.
وأنَّ الدعاء بالبركة يدفع ضررها. التنوير (2/ 56).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «علام يقتل أحدكم أخاه؟» دليل على أن العين ربما قَتَلَتْ، وكانت سببًا من أسباب المنيَّة. التمهيد (6/ 238).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
في الحديث: مشروعية الرقية من العين بما ذكر. تحفة الذاكرين (ص: 317).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ