السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- صلَّى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ثم رَقَدَ رَقْدَةً بالمُحَصَّبِ، ثم ركب إلى البيتِ، فَطافَ به».


رواه البخاري برقم: (1756)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌المُحَصَّب»:
بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، والصاد المهملة المشددة: الذي فيه الحصباء؛ والبطحاء والحصباء بمعنى واحد الحصى الصغار، والمراد به هنا موضع مخصوص، وهو مكان متَّسِع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، وهو اسم لما بين الجبلين إلى المقبرة. طرح التثريب، للعراقي (5/ 175).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر والعصر، والمغرب والعشاء»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله فيه: «أنه صلى الظهر» فلا ينافي أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يَرمِ إلا بعد الزوال؛ لأنه رمى فنفر فنزل المحصب، فصلى الظهر به. فتح الباري (3/ 591).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «صلى الظهر» أي: بعد النفر مِن مِنى في اليوم الرابع من يوم النحر، وهذا صريح في تقديم رمي الجمار على الظهر إثر الزوال، وأنه يَنفر مِن مِنى قبل أداء صلاة الظهر. مرعاة المفاتيح (9/ 305).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وكان ذلك يوم النفر الآخر، وهو ثالث أيام التشريق، فإنه -صلى الله عليه وسلم- رمى الجمار يوم النفر بعد الظهر، وأخر صلاة الظهر حتى وصل المحصب، ثم صلى الصلوات فيه كما ذكر. سبل السلام (1/ 656).

‌قوله: «ثم رَقَدَ رَقْدَةً»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم رقد رقدةً» أي: نام نومة خفيفة. مرقاة المفاتيح (5/ 1839).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
يرقد ساعة من الليل، ثم يدخل مكة. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 2018).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«ثم ‌رقد رقدةً» أي: نام نومة خفيفة، وفي حديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود: «ثم هجع هجعةً» أي: اضطجع ونام يسيرًا. مرعاة المفاتيح (9/ 305).

‌قوله: «بالمُحَصَّبِ»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
«‌الْمُحَصَّبُ» بين مكة ومنًى، وهي أقرب إلى منًى، وهو بطحاء مكة، وهو الأبطح، وهو خيف بني كنانة، وحدُّه: من الحَجُون ذاهبًا إلى منًى. مطالع الأنوار (4/ 84).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «‌المحصب» بفتح الصاد الشديدة اسم لمكان متسع بين منى ومكة، وهو بين الجبلين إلى المقابر، سمّي به لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل إليه. الكواكب الدراري (8/ 211).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «بالمحصب» بفتح الصاد والتشديد، وقد تنازع فيه الفعلان، أي: «صلى» و«رقد»، والمحصَّب في الأصل: كل موضع كثر حصباؤه، والمراد به الشِّعب الذي أحد طرفه مِنى، ويتصل الآخر بالأبطح، قيل: فعبّر به عن ‌المحصب المعروف إطلاقًا لاسم المجاور على المجاور. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 2018).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ولذلك لم يفرِّق الراوي بينهما، فروى في هذا الحديث أنه صلى بالمحصب، وفي حديثه الآخر أنه صلى بالأبطح، ويقال له: البطحاء. مرقاة المفاتيح (5/ 1839).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما المحصَّب: فموضع قرب مكة في أعلى المدينة، نزله أيضًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان مالك وغيره يستحبون النزول به، والمبيت والصلاة فيه، وجعله بعض أهل العلم من المناسك التي ينبغي للحاج نزولها، والمبيت فيها، وأكثرهم على أن ذلك ليس من مناسك الحج ومشاعره في شيء، وهو الصواب.
والمحصَّب يعرف بالأبطح وبالبطحاء أيضًا، وهو خيف بني كنانة، والخَيْفُ: الوادي.
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ثم يدخل مكة من الليل، ويطوف بالبيت... وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال حين أراد أن ينفر مِن مِنى: «نحن نازلون غدًا -إن شاء الله- بخيف بني كنانة، يعني المحصَّب؛ وذلك أن بني كنانة تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب» وذكر الحديث. التمهيد (9/ 499).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: صلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- الظهر إلى العشاء في اليوم الآخر من أيام التشريق، ونام ساعة من الليلة التي بعد أيام التشريق، ثم ركب ومشى إلى مكة، فطاف طواف الوداع. المفاتيح (3/ 333).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
قال بعض أصحابنا: يستحب لمن نفر أن يأتي ‌المحصب، وهو الأبطح، وحدُّهُ: ما بين الجبلين إلى المقبرة، فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم يضطجع يسيرًا، ثم يدخل مكة، وكان ابن عمر يرى التحصيب سُنة، قال ابن عمر: يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكان كثير الاتباع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وكان طاوس يحصِّب في شِعب الجوز، وكان سعيد بن جبير يفعله، ثم تركه، وكان ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سُنة، قال ابن عباس: "التحصيب ‌ليس بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وعن عائشة: "أن نزول الأبطح ‌ليس بسنة، إنما نزله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليكون أسمح لخروجه إذا خرج"، متفق عليهما.
ومن استحب ذلك فلاتِّباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه كان ينزله، قال نافع: «كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعة، ويذكر ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» متفق عليه، وقال ابن عمر: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح» قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" ولا خلاف في أنه ‌ليس بواجب ولا شيء على تاركه. المُغني (3/ 403).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد اختلف السلف في التحصيب، وهو النزول يوم النفر به، وصلاة الظهر والعصر والعشاءين به، ويخرج منه ليلًا إلى مكة كما فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- به اقتداءً بالنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقال به بعضهم، وقاله الشافعي ومالك، ولم يره بعضهم، وقال: إنما هو مَنْزِل نزله النبي -عليه الصلاة والسلام- ليكون أسمح لخروجه، يعني للمدينة، مع اتفاقهم على أنه ليس من نسك الحج. إكمال المعلم (4/ 243).
وقال النووي -رحمه الله-:
ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث في نزول النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأبطح يوم النفر وهو المحصَّب، وأن أبا بكر وعمر وابن عمر والخلفاء -رضي الله عنهم- كانوا يفعلونه، وأن عائشة وابن عباس كانا لا ينزلان به، ويقولان: هو منزل اتفاقي، لا مقصود، فحصل خلاف بين الصحابة -رضي الله عنهم-، ومذهب الشافعي ومالك والجمهور استحبابه اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والخلفاء الراشدين وغيرهم، وأجمعوا على أنَّ من تركه لا شيء عليه، ويُستحب أن يصلي به الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل أو كله؛ اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم-. المنهاج شرح مسلم (9/ 59).
وقال المغربي -رحمه الله-:
ذهب ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس من المناسك المستحبة، ولعلهما أرادا أنه ليس من المناسك التي تلزم في تركها دم، لا أنه لا يُقتدى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، وإن كان ظاهر كلام ابن عباس في قوله: "ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وقول عائشة: «والله ما نزلها إلا من أجلي» إنَّ ذلك ليس بمستحب، وإنما هو من ضروريات الجِبِلَّة التي لا يُتأسى فيها، ولكنه يردُّ عليهما اعتياد الخلفاء لذلك، فإنه لولا فَهْمُ الشرعية لما واظبوا على ذلك؛ ولأبانوا للناس أنه ليس بمشروع، وذهب مالك والشافعي والجمهور إلى استحبابه، وأنه لا شيء على تركه إجماعًا، والله أعلم. البدر التمام (5/ 366).
وقال العراقي -رحمه الله-:
ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب للحاج إذا فرغ من الرمي ونفر من منى أن يأتي ‌المحصَّب، وهو المكان المتقدم ذكره، وينزل به ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به ليلة الرابع عشر، وفي صحيح البخاري وغيره عن ‌أنس بن مالك: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به»...
وقال النووي في شرح مسلم: كان أبو بكر وعمر وابن عمر والخلفاء -رضي الله عنهم- يفعلونه، وكانت عائشة وابن عباس لا يقولان به، ويقولان: هو منزل اتفاقيٌّ لا مقصود، فحصل خلاف بين الصحابة -رضي الله عنهم-، ومذهب مالك والشافعي والجمهور استحبابه، وأجمعوا على أنَّ مَن تركه لا شيء عليه، انتهى، لكنه في شرح المهذب حكى عن القاضي عياض أنه قال: النزول بالمحصب مستحب عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيِّين آكد منه عند الكوفيين، وأجمعوا على أنه ليس بواجب، انتهى، ولم يعترضه في نقل الاتفاق، وأخذ ذلك منه الحافظ زكي الدين عبد العظيم، فقال: وهو مستحب عند جميع العلماء، قال والدي -رحمه الله- في شرح الترمذي: وفيما قاله نظر؛ فإن الترمذي حكى استحبابه عن بعض أهل العلم، ثم حكى كلام النووي المتقدم، ثم قال: وهذا هو الصواب، (قلتُ): وقال ابن عبد البر في الاستذكار: هو عند مالك وجماعة من أهل العلم مستحب، إلا أنه عند مالك والحجازيين آكد منه عند الكوفيين، والكل مجمِع على أنه ليس من مناسك الحج، وأنه ليس على تاركه فدية ولا دم.
والظاهر أن القاضي عياضًا إنما أخذ كلامه المتقدم من ابن عبد البر، وسقطت عليه لفظة (من) فبقي: وجماعة أهل العلم، والخلاف في ذلك موجود، على أن بعض العلماء أوَّلَ كلامَ مَن أنكره على أنه أنكر كونه من المناسك لا أصل استحبابه، فحكى الترمذي عن الشافعي أنه قال: نزول الأبطح ليس من النسك في شيء، إنما هو منزل نَزَلَه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال والدي -رحمه الله- في (شرح الترمذي): قول ابن عباس: "ليس التحصيب بشيء" أي: ليس بشيء من المناسك، كما هو مفسَّر في كلام الشافعي، فقد وعدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينزل به، كما في حديث أبي هريرة وأسامة، وقال ابن المنذر في كلام عائشة المتقدم: فدلَّ قولها هذا على أن نزول المحصَّب ليس من المناسك، ولا شيء على مَن تركه من فدية ولا غيرها، وحكى ابن عبد البر في الكلام عن حديث بطحاء ذي الحليفة عن بعض أهل العلم أنه جعله من المناسك التي ينبغي للحاج نزولها، والمبيت فيها، وكلام صاحب الهداية من الحنفية (المرغيناني) يقتضي أنه من المناسك؛ فإنه صحح أن النزول به كان قصدًا أراه للمشركين لطيفَ صنع الله به، وقال فصار سنة كالرَّمل في الطواف، وحكى أبو عمرو بن الحاجب (المالكي) عن مالك أنه وسّع في النزول بالمحصب على من لا يُقتدى به، وكان يفتي به سرًّا، فحصل من ذلك أربعة مذاهب: إنكاره، واستحبابه نسكًا، أو غير نسك، والفرق بين المقتدى به وغيره.
‌‌(فائدة نزول المحصب لا تعلق له بالمناسك):
قال والدي -رحمه الله- في (شرح الترمذي): إذا تقرر أن نزول المحصب لا تعلق له بالمناسك، فهل لكل أحد أن ينزل فيه إذا مر به؟ يحتمل أن يقال باستحبابه مطلقًا، ويحتمل أن يقال باستحبابه للجمع الكثير، وإظهار العبادة فيه إظهارًا لشكر الله تعالى على رد كيد الكفار، وإبطال ما أرادوه. طرح التثريب (5/ 177).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قصد النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- (من النزول بالمحصب) إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته -صلوات الله وسلامه عليه- أن يُقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُبنى مسجد الطائف موضع اللات والعزى. زاد المعاد (2/ 271).
وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله-:
والأصح عندنا: أنه سُنة، وإنما نزله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قصدًا على ما روي أنه قال لأصحابه -رضي الله عنهم- بمنى: «إنا نازلون غدًا بالخيف خيف بني كنانة حيث تقاسم المشركون فيه على شركهم»، يريد به الإشارة إلى عهد المشركين في ذلك الموضع على هجران بني هاشم، فعرفنا أنَّ نزوله إراءة للمشركين لطيف صنع الله تعالى به، فيكون النزول فيه سنة بمنزلة الرَّمَل في الطواف. المبسوط (4/ 42).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قد قال مالك: أسْتَحِبُّ للأئمة ولمن يُقتدى به أنْ لا يجاوزه (المحصب) حتى ينزلوا به، فإن ذلك في حقهم؛ لأن هذا أمرٌ قد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- والخَلَف، فتعيَّن على الأئمة ومن يُقتدى به من أهل العلم إحياء سُنته، والقيام بها؛ لئلا يُترك هذا الفعل جملةً، ويكون للنزول بهذا الموضع حكم النزول بسائر المواضع لا فضيلة للنزول به، بل لا يجوز النزول به على وجه القربة.
فإذا قلنا: يُستحب النزول به، فإنَّ ذلك لمن لم يتعجَّل، فأما من تعجَّل في يومين فلا أعلم التحصيب يكون له، رواه ابن حبيب عن مالك.
وقد روى ابن أبي ذئب عن ابن شهاب: لا حصبة لمن تعجل في يومين، ووجه ذلك: أنَّ هذا إنما هو لمن استوفى العبادة، وأتى بها على أكمل هيئتها، فأما مَن اقتصر على الجائز منها دون الفضيلة، وتعجل بترك المبيت بمنى، ورمي الجمار الذي هو آكد من التحصيب، فمن حكمه أنْ لا يَتَلَوَّم على التحصيب الذي لا يقوى قوة التأخير في القُرَب، وكذلك إذا وافق يوم الجمعة يوم النفر فقد قال مالك: أُحِبُّ للإمام ألَّا يقيم بالمحصب؛ لكي يصلي الجمعة بأهل مكة...
ومَن أدركه وقت الصلاة قبل أنْ يأتي الأبطح فإنه يصلي الصلاة حيث أدركته، فإذا أتى الأبطح نزل به، قاله ابن حبيب، ووجه ذلك: أنَّ أداء الصلاة في وقتها متفق على وجوبه، والنزول بالأبطح مختلف في استحبابه، مع أنه لا يفوت بأداء الصلاة في وقتها. المنتقى شرح الموطأ (3/ 44).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:
والمعروف عن الصدِّيق وعمر -رضي الله عنهما- النزول بالأبطح، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو الأصل في أعماله التعبُّد، فإذا انصرف من منى في اليوم الثالث عشر فالأفضل أن تكون صلاة الظهر والعصر بمكة، لا يصليها بمنى، ينتقل من منى إلى مكة، سواء في الأبطح أو في غيره إن لم يتيسر الأبطح. كتاب الحج من شرح بلوغ المرام (ص: 88).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
المحصَّب حسب وصف الناس: أنه في المكان الذي فيه الآن قصر الملك فيصل في مكة، فنزل -صلّى الله عليه وسلّم- في المحصب ليلة أربعة عشر، وفي آخر الليل أمر بالرحيل فارتحل...
وهذا النزول قال بعض العلماء: إنه سنّة، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: «ليس بسنّة، إنما نزله النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لأنه كان أسمح لخروجه»، فيكون هذا النزول على كلام عائشة -رضي الله عنها- غير مُتعبَّد به، ولكنه أيسر للخروج. الشرح الممتع (5/ 134).
وقال الكماخي -رحمه الله-:
الأظهر أنَّه مُستحبٌ، وليس سُنة مؤكدة؛ إذ المحصب لا يسع بجميع الحاج بلا شبهة، فلا يُقاس على الرَّمَل، أو يقال: إنَّها سُنة مؤكدة على طريق الكفاية، أو متعينة على أفراد الحاج، وهذا أمر تركه الناس بالكلية، إلا مَن نزل فيه من أعراب البادية من غير القصد والنية، والله ولي دينه، وناصر نبيه. المهيأ في كشف أسرار الموطأ (2/ 510).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
لا يخفى أنَّ الأرجح استحباب النزول بالمحصّب؛ اقتداءً بالنبيّ -صلى الله عليه وسلم- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب: 21، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (22/ 595).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
أما الآن فنزول المحصَّب مستحيل؛ لأنه صار بنايات وعمارات وأسواق، لكن لسائل أن يقول: إذا كنتُ أرى أنه سُنة أستأجر شقة بهذه العمارة، وأنزل بها؟ فيقال: إذا فعلتَ هذا، فاتك شيء آخر وهو مظهر الحجيج أن يكونوا سواء في هذا المكان؛ لأنه نسك، وأنت وحدك في هذه الشقة، فالظاهر -والله أعلم- أنه من باب تسهيل السير فقط، كما قالت عائشة وابن عباس. شرح كتاب الحج من صحيح البخاري (ص: 76).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
فالنزول بالمحصَّب، والصلاة فيه...، إذا قلنا: إنَّ المحصَّب وهو الأبطح، وهو المحل الذي تقاسمت به قريش على قطيعة بني هاشم، وكتبوا فيه الصحيفة الجائرة، فيمكث فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- إغاظة لهم، هكذا قال بعضهم، وإذا كان هذا الأمر ملحوظًا فما يفعله النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا القصد تفعله أمّته، فيكون المكث فيه هذه المدة سُنة؛ لكن عائشة -رضي الله تعالى عنها- لم تكن تفعل ذلك، وتقول: إنما نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- يريد الرجوع إلى المدينة، والطريق إلى المدينة غير الطريق إلى نجد، فهل نقول لأهل نجد: اذهبوا مع الطريق الذي ذهب معه النبي -عليه الصلاة والسلام- ومكث فيه، ثم بعد ذلك انتقلوا إلى طريقكم؟ عائشة ترى أنه لا يلزم هذا، ولا يُتعبد بمثل هذا، فإن كان النزول مقصودًا في هذه الأماكن وقلنا بشرعيته اقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- فإذا قصده الإنسان ومُنع منه ثبت أجره. شرح بلوغ المرام (73/ 3).

قوله: «ثم رَكِبَ إلى البيتِ، فطاف به»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم ركب» أي: من المحصَّب متوجهًا «إلى البيت، فطاف به» أي: طواف الوداع، يحتمل راكبًا وماشيًا. مرقاة المفاتيح (5/ 1839).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«إلى البيت فطاف به» أي: طواف الوداع. مرعاة المفاتيح (9/ 305).
وقال الباجي -رحمه الله-:
ثم يدخل مكة من الليل، فيطوف بالبيت إن كان ممن عليه طواف الإفاضة، فيدخل لذلك، وإنْ كان ممن يريد الرحيل، وقد طاف لإفاضته، فيدخل لطواف الوداع، وإنْ كان يريد المقام بمكة، فقد حل، وإن شاء طاف وإن شاء أخَّر الطواف، والله أعلم. المنتقى شرح الموطأ (3/ 45).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«فَطَافَ بِهِ» طواف الوداع لكل حاج ومعتمر لا يكون مكيًّا مِن سُنن الحج وشعائره، قال مالك: وإنما أمر الناس أن يكون آخر نسكهم الطواف بالبيت؛ لقول الله: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} الحج: 32، وقال: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج: 33.
قال مالك: ومَن أخَّر طواف الإفاضة إلى أيام مِنى فإن له سعة أن يصدر إلى بلده، وإن لم يطف بالبيت إذا أفاض، واختلفوا فيمن خرج ولم يطف للوداع، فقال مالك: إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن لم يرجع فلا شيء عليه، وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن تباعد مضى وأهرق دمًا، وحجتهم في إيجاب الدم: قول ابن عباس: «من نسي مِن نُسكه شيئًا فليهريق دمًا» والطواف نُسك، وحجة مالك: أنه طواف أُسقط عن المكي والحائض، فليس من السنن اللازمة، والذمة بريئة إلا بيقين. شرح صحيح البخاري (4/ 424).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
ثم نهض بعد الظهر من يوم الثلاثاء، وهو آخر أيام التشريق إلى ‌المحصب، فصلى به الظهر، وبات فيه ليلة الأربعاء، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة من التنعيم ليلًا، ثم طاف النبي -صلى الله عليه وسلم- طواف الوداع سحَرًا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء، وهي صبيحة رابعة عشرة. شرح صحيح البخاري (3/ 77).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يحتمل أن طوافه هذا غير طواف الوداع، وأنه أعاد؛ لأن منزله بالأبطح كان بأعلى مكة، وخروجه من مكة إنما كان من أسفلها، فلما رحل إلى المدينة، واجتاز بمكة ليخرج من أسفلها على عادته ومرَّ بالمسجد كرَّر الطواف؛ ليكون آخر عهده البيت، وقد جاء في البخاري من رواية الأصيلي في هذا الموضع: «فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن طاف بالبيت» فلم يذكر في هذه الرواية أنه أعاد الطواف، وقد يحتمل أن طوافه -عليه السلام- هذا هو طواف الوداع، وهو أولى تأويلاته، وأنه لم يطف قبل، وأن لقاءه لعائشة كان حين انتقل من المحصب، كما روى عبد الرزاق في مصنفه: «أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- كره أن يقتدي الناس بإناخته في البطحاء، فبعث حتى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها»، يحتمل أن لقاءه لها كان في هذا الرحيل، ثم طاف بعد الوداع، والله أعلم. إكمال المعلم (4/ 250).
وقال ابن حجر -رحمه الله- تعليقًا على كلام القاضي عياض:
القاضي في هذا معذور؛ لأنه لم يشاهد تلك الأماكن، فظن أن الذي يقصد الخروج إلى المدينة من أسفل مكة يتحتم عليه المرور بالمسجد، وليس كذلك كما شاهده من عاينه، بل الراحل من منزله بالأبطح يمر مجتازًا من ظاهر مكة إلى حيث مقصده من جهة المدينة، ولا يحتاج إلى المرور بالمسجد، ولا يدخل إلى البلد أصلًا، قال عياض: وقد وقع في رواية الأصيلي في البخاري: «فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن طاف بالبيت» قال: فلم يذكر أنه أعاد الطواف، فيحتمل أن طوافه هو طواف الوداع، وأن لقاءه لعائشة كان حين انتقل من المحصب، كما عند عبد الرزاق أنه كره أن يقتدي الناس بإناخته بالبطحاء؛ فرحل حتى أناخ على ظهر العقبة أو مِن ورائها ينتظرها، قال: فيحتمل أن يكون لقاؤه لها كان في هذا الرحيل، وأنه المكان الذي عنَتْه في رواية الأسود بقوله لها: «موعدكِ بمكان كذا وكذا» ثم طاف بعد ذلك طواف الوداع، انتهى، وهذا التأويل حسن، وهو يقتضي أن الرواية التي عزاها للأصيلي مسكوت عن ذكر طواف الوداع فيها، وقد بينا أن الصواب فيها: «فمر بالبيت فطاف به» بدل قوله: «ومن طاف بالبيت»، ثم في عزو عياض ذلك إلى الأصيلي وحده نظر؛ فإن كل الروايات التي وقفنا عليها في ذلك سواء، حتى رواية إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري، والله أعلم. فتح الباري (3/ 613).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الحديث فيه: دلالة على أنه يشرع فعل الصلوات المذكورة، والنزول بالمحصب. البدر التمام (5/ 365).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب النزول بالمحصب يوم النفر، وهو مذهب الجمهور.
والحكمة فيه: شكر الله تعالى على نصر نبيّه -صلى الله عليه وسلم- على أعدائه الذين حاصروه فيه مع بني هاشم؛ قصدًا لإظهار شعائر الإِسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر. منار القاري (3/ 149).

وللاستفادة من الرواية الأخرى ينظر (هنا)


إبلاغ عن خطأ