السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

شكوتُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنِّي أَشْتَكِي، فقال: «طُوفِي مِن وَرَاءِ النَّاسِ وأنتِ رَاكِبَةٌ، فطُفْتُ ورسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- حِينَئِذٍ يُصَلِّي إلى جَنْبِ البيتِ وهو يقرأُ {وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} الطور: 1، 2».


رواه البخاري برقم: (1619) واللفظ له، ومسلم برقم: (1276)، من حديث أم سلمة -رضي الله عنها-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«أَنّي أَشْتَكِي»:
أي: أَتَوَجَّعُ، أي: شكيتُ (لغة في شكوتُ) مرضي. مجمع بحار الأنوار، للفتني (3/ 250).


شرح الحديث


قولها: «شكوتُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنِّي أَشْتَكِي»:
قال الباجي -رحمه الله-:
قولها -رضي الله عنها-: «شكوتُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أني أشتكي» يريد أنها شكت إليه أنها لا تُطيق الطواف ماشية؛ لضعفها من تلك الشكوى التي كانت بها. المنتقى (2/ 295).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «‌أني ‌أشتكي» هو مفعول شكوتُ، يقال: اشتكى عضوًا من أعضائه إذا توجَّع منه، وشكوت فلانًا إذا أخْبَرت عنه بسوء فعله بك. الكواكب الدراري (4/ 125).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«شكوت» أي: أخبرتُ بالألم «أني أشتكي» أي: أتوجع، وهو مفعول شكوتُ. اللامع الصبيح (3/ 242).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: « أني أشتكي» أي: شكوت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرضي وأني ضعيفة. عمدة القاري (9/ 262).

قوله: «طُوفِي مِن وَرَاءِ النَّاسِ وأنتِ رَاكِبَةٌ»:
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قولها: «فقال: ‌طوفي ‌من ‌وراء ‌الناس وأنت راكبة»؛ وذلك لأنه قد يحصل من المركوب بعض الإيذاء للناس، فكونه يكون من وراء الناس يكون أسلم لهم، وحتى لا يتعرض أحد منهم لشيء من الأذى من المركوب، فهذا يدل على جواز الطواف راكبًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- طاف راكبًا؛ ليراه الناس، وأما هي فلأنها كانت تشتكي، فدل هذا على أنه يسوغ للإنسان أن يطوف راكبًا، وأنه إذا كان يشتكي فالأمر كما قال الله -عز وجل-: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة:286، وإذا كان لا يشتكي، ولكن قد تناله مشقة فله أن يطوف وهو محمول على العربة، وكذلك الأمر في السعي بين الصفا والمروة. شرح سنن أبي داود (221/ 14).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «‌طوفي ‌من ‌وراء ‌الناس وأنت راكبة» دليل على جواز ذلك للعذر.
واختلف قول من كرهه مع عدم العذر، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يعيد ما دام قريبًا من ذلك، فإن بَعُدَ إلى مثل الكوفة ففيه دم، ولم ير الشافعي فيه شيئًا، وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس؛ لأن ذلك سنة طواف النساء؛ لئلا يختلطن بالرجال؛ ولئلا يعثر مركبها بالطائفين فيؤذيهم، وعلى هذه العلة فكذلك يكون حكم الرجل إذا طاف راكبًا.
وفي هذه الأحاديث: حجة لمالك على قوله بطهارة بول ما يؤكل لحمه. المفهم (3/ 381).
وقال الباجي -رحمه الله-:
فأمرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تطوف من وراء الناس راكبة، وفي هذا أربع مسائل:
إحداها: وجوب المشي في الطواف.
والثانية: جواز الطواف محمولًا للعذر.
والثالثة: المنع من ذلك لغير عذر.
والرابعة: طواف النساء من وراء الرجال. المنتقى (2/ 295).
وقال النووي -رحمه الله-:
إنما أمرها -صلى الله عليه وسلم- بالطواف من وراء الناس لشيئين:
أحدهما: أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف.
والثاني: أن قربها يُخاف منه تأذي الناس بدابتها، وكذا إذا طاف الرجل راكبًا، وإنما طافت في حال صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ليكون أستر لها، وكانت هذه الصلاة صلاة الصبح، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (9/ 20).
وقال الباجي -رحمه الله-:
أما طواف النساء من وراء الرجال فهو للحديث الذي ذكرناه «‌طوفي ‌من ‌وراء ‌الناس وأنت راكبة» ولم يكن لأجل البعير، فقد طاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بعيره يستلم الركن بمحجنه؛ وذلك يدل على اتصاله بالبيت، لكن من طاف غيره من الرجال على بعير فيستحب له إن خاف أن يؤذي أحدًا أن يبعد قليلًا، وإن لم يكن حول البيت زحام، وأمن أن يؤذي أحدًا، فليقرب كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما المرأة فإنَّ من سنتها أن تطوف وراء الرجال؛ لأنها عبادة لها تعلق بالبيت، فكان من سنة النساء أن يكنَّ وراء الرجال كالصلاة، ويحتمل أن يكون طواف أم سلمة طوافًا واجبًا، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون طواف الوداع؛ لأنه لا تترك فضيلة إلا لمشقة، أو فوات أصحاب، وليس في فعله على الراحلة شيء من ذلك. المنتقى (2/ 295).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
يعني لم يكن بين طواف الرجال والنساء امتياز باعتبار الوقت، بل كان باعتبار المكان، فكان الرجال يطوفون بالبيت قريبًا منه، وكانت النساء يطفن من حولهم، وإذن دائرتهن تكون أوسع. فيض الباري (3/ 222).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلفوا في ‌الطواف ‌راكبًا أو محمولًا، فقال الشافعي: لا أحب لمن أطاق الطواف ماشيًا أن يركب، فإن طاف راكبًا أو محمولًا من عذر أو غيره فلا دم عليه، واحتج بحديث ابن عباس هذا: «أن النبي -عليه السلام- طاف على راحلته» وبما رواه ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر: «أن النبي -عليه السلام- طاف في حجة الوداع بالبيت وبين الصفا والمروة على راحلته؛ ليراه الناس؛ وليُشْرِفَ لهم وليسألوه؛ لأن الناس غَشُوه»، وذهب مالك والليث وأبو حنيفة إلى أن من طاف بالبيت راكبًا أو محمولًا فإن كان من عذر أجزأه، وإن كان من غير عذر فعليه أن يعيد إن كان بمكة، وإن رجع إلى بلاده فعليه دم، وحجتهم ما رواه أبو داود قال: حدثنا مسدد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، كلما أتى الركن استلمه بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى» قالوا: فدل أن طوافه راكبًا كان لشكوى كانت به. شرح صحيح البخاري (4/ 293، 294).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ما لا خلاف فيه بين أهل العلم، (أن) كلهم يقول: إن من كان له عذر، أو اشتكى مرضًا، أنه جائز له الركوب في طوافه بالبيت، وفي سعيه بين الصفا والمروة. التمهيد (8/ 202، 203).
وقال النووي -رحمه الله-:
نقل الماوردي إجماع العلماء على أن طواف الماشي أولى من طواف الراكب، فلو طاف راكبًا لعذر أو غيره صح طوافه ولا دم عليه عندنا في الحالين، وهذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وبه قال داود وابن المنذر، وقال مالك وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه ولا شيء عليه، وإن طاف راكبًا لغير عذر فعليه دم، قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف، واحتجا بأنها عبادة تتعلق بالبيت فلا يجزئ فعلها على الراحلة كالصلاة، واحتج أصحابنا بالأحاديث السابقة قالوا: إنما طاف النبي -صلى الله عليه وسلم- راكبًا لشكوى عرضت له. كذا رواه أبو داود في سننه بإسناده عن ابن عباس.
والجواب: أن الأحاديث الصحيحة الثابتة من رواية جابر وعائشة مصرحة بأن طوافه -صلى الله عليه وسلم- راكبًا لم يكن لمرض، بل كان ليراه الناس ويسألوه، ولا يزاحموا عليه...، وقياسهم على الصلاة ففاسد؛ لأن الصلاة لا تصح راكبًا إذا كانت فريضة وقد سلَّموا صحة الطواف ولكن ادعوا وجوب الدم، ولا دليل لهم في ذلك والله أعلم. المجموع شرح المهذب(8/٢٧)
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في صحة طواف الراكب إذا كان له عذر، فإن ابن عباس روى «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف في حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن»، وعن أم سلمة قالت: «شكوتُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة» متفق عليهما، وقال جابر: «طاف النبي -صلى الله عليه وسلم- على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة ليراه الناس؛ وليُشْرِفَ عليهم؛ ليسألوه، فإن الناس غَشُوه» والمحمول كالراكب فيما ذكرناه.
فأما الطواف راكبًا أو محمولًا لغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئ، وهو إحدى الروايات عن أحمد؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الطواف بالبيت صلاة»؛ ولأنها عبادة تتعلَّق بالبيت، فلم يجز فعلها راكبًا لغير عذر، كالصلاة، والثانية: يجزئه، ويجبره بدم، وهو قول مالك، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه قال: يعيد ما كان بمكة، فإن رجع جبره بدم؛ لأنه ترك صفة واجبة في ركن الحج، فأشبه ما لو وقف بعرفة نهارًا، ودفع قبل غروب الشمس، والثالثة: يجزئه، ولا شيء عليه، اختارها أبو بكر (الخلال) وهي مذهب الشافعي وابن المنذر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف راكبًا، قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولأن الله تعالى أمر بالطواف مطلقًا، فكيفما أتى به أجزأه، ولا يجوز تقييد المطلق بغير دليل.
ولا خلاف في أنَّ الطواف راجلًا أفضل؛ لأن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- طافوا مشيًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في غير حجة الوداع طاف مشيًا، وفي قول أم سلمة: «شكوتُ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أني أشتكي، فقال: طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة» دليل على أن الطواف إنما يكون مشيًا، وإنما طاف النبي -صلى الله عليه وسلم- راكبًا لعذر، فإن ابن عباس روى «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب» رواه مسلم. المغني (3/ 358).
وقال النووي -رحمه الله-:
فقال أصحابنا (الشافعية): الأفضل أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا لعذر مرض أو نحوه، أو كان ممن يحتاج الناس إلى ظهوره ليُستفتى ويقتدى بفعله، فإن طاف راكبًا بلا عذر جاز بلا كراهة، لكنه خالف الأَولى كذا قاله جمهور أصحابنا، وكذا نقله الرافعي عن الأصحاب.
وقال إمام الحرمين: في القلب من إدخال البهيمة التي لا يؤمَن تلويثها المسجد شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذلك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه، هذا كلام الرافعي، وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، منهم البندنيجي والماوردي في الحاوي والقاضي أبو الطيب (الطبري) والعبدري، والمشهور الأول. المجموع، شرح المهذب(8/ 26- 27).
قولها: «فطُفْتُ ورسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- حِينَئِذٍ يُصلِّي إلى جَنْبِ البيتِ وهو يقرأُ {وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} الطور: 1، 2»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فَطُفْتُ ورسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» جملة حالية، أي: والحال أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «يُصَلِّي». البحر المحيط الثجاج (23/ 504).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«فطفتُ» أي: راكبةً على البَعيْر، وهو وجْهُ دلالتِه على التَّرجَمة.
«إلى جنب» أي: مُنتهيًا إلى جَنْب، وفائدة ذكر هذا: أنَّه قريبٌ من البَيت لا بَعِيْدٌ. اللامع الصبيح (3/ 242).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: في حديث أم سلمة: «فطفتُ ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي إلى جانب البيت، ويقرأ بالطور» قيل: إنها صلاة الصبح، وإنها توخت الطواف حينئذٍ لخلاء البيت عن الرجال؛ لكونهم في الصلاة. إكمال المعلم (4/ 349).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قولها: «فطفتُ ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي إلى جانب البيت، وهو يقرأ بـ{وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} الطور: 1-2» فيه: الجهر بالقراءة في التطوع بالنهار، وقد قيل: إن طواف أم سلمة كان سَحَرًا...
وفيه: إباحة دخول البعير المسجد؛ وذلك -والله أعلم- لأن بوله طاهر، ولو كان بوله نجسًا لم يكن ذلك؛ لأنه لا يؤمَن منه أن يبول، وقيل: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما صلى إلى جانب البيت يومئذٍ من أجل أنَّ المقام كان حينئذٍ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر بن الخطاب من ذلك المكان إلى الموضع الذي هو به اليوم من صحن المسجد.
قال أبو عمر (ابن عبد البر): ما أدري ما وجه هذا القول؛ لأن جعفر بن محمد روى عن أبيه عن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما طاف في حجته أتى المقام فصلى عنده ركعتين، ثم أتى الحَجَر فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، فبدأ منها بالسعي...، والوجه عندي في صلاته إلى جانب البيت: لأن البيت كله قبلة، وحيثما صلى المصلي منه إذا جعله أمامه كان حسنًا جائزًا، والله أعلم. التمهيد (13/ 100-101).
وقال ابن رجب -رحمه الله- معلقًا:
وخرَّجه مسلم أيضًا، وفي رواية لهُ: أنَّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال لها: «إذا أقيمت الصلاة للصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون» قالت: ففعلتُ.
وهذا يرد ما قاله ابن عبد البر: إنَّ صلاة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- هذه كانت تطوعًا، ثم تردد: هل كانت ليلًا أو نهارًا؟ وقال: فيهِ دليل على الجهر في تطوع النهار، وهذا كله ليس بشيء. فتح الباري (7/ 51).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ليس فيه بيان أنَّ الصلاة حينئذٍ كانت الصبح، ولكن تبيَّن ذلك من رواية أخرى أوردها (البخاري) من طريق يحيى بن أبي زكريا الغساني عن هشام بن عروة عن أبيه ولفظه: «فقال: إذا أُقيمت الصلاة للصبح فطوفي» وهكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية حسان بن إبراهيم عن هشام.
وأما ما أخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب عن مالك وابن لهيعة جميعًا عن أبي الأسود في هذا الحديث قال فيه: «قالت: وهو يقرأ في العشاء الآخرة» فشاذٌّ، وأظن سياقه لفظ ابن لهيعة؛ لأن ابن وهب رواه في الموطأ عن مالك فلم يعيِّن الصلاة، كما رواه أصحاب مالك كلهم أخرجه الدارقطني في الموطآت له من طرق كثيرة عن مالك، منها رواية ابن وهب المذكورة، وإذا تقرر ذلك فابن لهيعة لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ وعُرف بهذا اندفاع الاعتراض الذي حكاه ابن التين عن بعض المالكية؛ حيث أنكر أنْ تكون الصلاة المذكورة صلاة الصبح، فقال: ليس في الحديث بيانها، والأولى أن تُحمل على النافلة؛ لأن الطواف يمتنع إذا كان الإمام في صلاة الفريضة انتهى، وهو رد للحديث الصحيح بغير حجة، بل يُستفاد من هذا الحديث جواز ما منعه، بل يُستفاد من الحديث التفصيل، فنقول: إن كان الطائف بحيث يمر بين يدي المصلين فيمتنع، كما قال، وإلا فيجوز، وحال أم سلمة هو الثاني؛ لأنها طافت من وراء الصفوف.
ويُستنبط منه: أنَّ الجماعة في الفريضة ليست فرضًا على الأعيان إلا أنْ يقال: كانت أم سلمة حينئذٍ شاكية، فهي معذورة، أو الوجوب يختص بالرجال...، وقال ابن رشيد: ليس في حديث أم سلمة نص على ما ترجم له (البخاري) من الجهر بالقراءة، إلا أنَّه يؤخذ بالاستنباط من حيث إنَّ قولها: «طفتُ وراء الناس» يستلزم الجهر بالقراءة؛ لأنه لا يمكن سماعها للطائف من ورائهم إلا إنْ كانت جهرية. قال: ويُستفاد منه جواز إطلاق (قرأ) وإرادة جهر، والله أعلم. فتح الباري (2/ 253-254).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قولها: «إلى جنب البيت» أي: متصلًا إلى جدار الكعبة، وفيه تنبيه على أنَّ أصحابه كانوا متحلقين حولها. مرقاة المفاتيح (5/ 1795).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
البيت عَلَم للكعبة شرفها الله تعالى وعظمها، فإنْ قلتَ: الصلاة إلى البيت، فما فائدة ذكر الجَنْب؟
قلتُ: معناه: أنه كان يصلي منتهيًا إلى الجنب، يعني: قريبًا من البيت، لا بعيدًا منه، و«بالطور» أي: بسورة الطور، ولعلها لم تذكر واو القسم؛ لأن لفظ الطور صار علمًا للسورة. الكواكب الدراري (4/ 125).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وهو يقرأ بالطور...» هذا موافق لما قاله العلماء: إنه يستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وأوله من الحجرات، ولعل المناسبة في قراءة الطور دون غيرها أن الصلاة عند الكعبة أمان لصاحبها، كما أن الطور أمان لأمته في زمن عيسى -عليه السلام-، حين يوحى إليه: «أن حرِّز عبادي إلى الطور، فإني قد أنزلت عبادًا لا يد لأحد بمقاتلتهم»، ويبعث الله يأجوج ومأجوج. شرح سنن أبي داود (8/ 510).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: جواز الطواف للراكب إذا كان لعذر، وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس؛ ليكون أستر لها؛ ‌ولا ‌تقطع ‌صفوفهم أيضًا؛ ولا يتأذون بدابتها. فتح الباري (3/ 481).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌طوفي ‌من ‌وراء ‌الناس، وأنت راكبة» فيه دلالة على أن الطواف راكبًا ليس من خصوصياته -عليه الصلاة والسلام-. مرقاة المفاتيح (5/ 1795).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: فيه: جواز دخول الدواب التي تؤكل لحومها، ولا ينجس بولها المسجد إذا احتيج إلى ذلك، وأما دخول سائر الدواب فلا يجوز، وهو قول مالك.
وفيه: أن راكب الدابة ينبغي له أن يتجنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة، وكذلك ينبغي أن تخرج النساء إلى حواشي الطرق، وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث طواف النساء بالبيت من وراء الرجال؛ لعلة التزاحم والتناطح، قال غيره: طواف النساء من وراء الرجال هي السُّنة؛ لأن الطواف صلاة، ومن سنة النساء في الصلاة أن يكن خلف الرجال، فكذلك الطواف. شرح صحيح البخاري (2/ 112).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قد استدل أصحابنا (الحنابلة) وأصحاب مالك بهذه الأحاديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وقالوا: لو كان بول البعير نجسًا لم يدخل المسجد، وقد خرَّج البخاري في كتاب: العلم، حديث قدوم ضِمَام بن ثعلبة، ودخوله المسجد، وعقله بعيره فيه، والنبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- متكئ في المسجد.
ومَن قال: إنَّه نجس كَرِهَ دخولها، وقد صرَّح به أصحاب الشافعي، وقالوا: إنَّما طاف النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- على بعيره لبيان الجواز، وهذا مردود بأمره أم سلمة بالطواف راكبة، وبإقراره ضِمَامًا على عقل بعيره في المسجد.
وأما ما لا يؤكل لحمه من الحيوانات فيكره إدخاله المسجد بغير خلاف، وقد نص عليه مالك في الكلاب وجوارح الطير، ورخص أحمد في غلق المساجد؛ لئلا تدخلها الكلاب.
وقد روي عن عمر أنه نهى عن الطواف بالبيت راكبًا على فرس ونحوها، فروى سفيان عن عمرو بن دينار، قال: طاف رجل بالبيت على فرس، فمنعوه، فقال: أتمنعوني؟ فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: أن امنعوه.
وإنَّما منع عمر من ذلك مبالغة في صيانة المسجد؛ ولئلا يؤذي الراكب الماشين في الطواف، والله سبحانه وتعالى أعلم. فتح الباري (3/ 367).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يقرأ {وَالطُّورِ* وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} الطور: 1- 2»، أي: بهذه السورة في ركعة واحدة، كما هو عادته -صلى الله عليه وسلم-، ويحتمل أنه قرأها في الركعتين.
وكان الأَولى للراوي أنْ يقول: «يقرأ الطور» ويكتفي بالطور، ولم يقل: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} الطور: 2. [مرقاة المفاتيح (5/ 1795).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: فأيّ حاجة إلى قولها: {وكِتَابٍ مَسْطُورٍ} الطور: 2؟ قلتُ: لئلا يتوهم آية أخرى مما ذُكِرَ فيها الطور، كما تقول: زيد العالم أيضًا جاء؛ حذرًا من اللبس. الكوثر الجاري (2/ 148).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: الصَّلاة بِجنب البيت، والجهر بالقراءةِ. عمدة القاري (9/ 262).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث من الفقه: أن النساء في الطواف يكنَّ خلف الرجال، كهيئة الصلاة.
وفيه: إباحة دخول البعير المسجد؛ وذلك -والله أعلم- لأن بوله طاهر، ولو كان بوله نجسًا، لم يكن ذلك؛ لأنه لا يؤمَن منه أن يبول. التمهيد (8/ 202، 203).
قال القنازعي -رحمه الله-:
فيه من الفقه: إباحة دخول البعير المسجد، وطواف النساء مع الرجال. تفسير الموطأ (2/ 637).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: وفيه: أنه لا يجب أن يطوف أحد بالبيت في وقت صلاة الجماعة إلا من وراء الناس، ولا يطوف بين المصلين وبين البيت فيشغل الإمام والناس ويؤذيهم.
وفيه: أنَّ ترك أذى المسلم أفضل من صلاة الجماعة، ومثله قوله -عليه السلام-: «مَن أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا». شرح صحيح البخاري (4/ 313).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان جواز الطواف للراكب، وقد تقدَّم بيان اختلاف العلماء.
2. ومنها: بيان كيفية طواف المريض، وهو أن يطوف راكبًا.
3. ومنها: أن النساء يطفن وراء الرجال، ولا يختلطن بهم؛ لأن ذلك أستر لهنّ، ولأن الطواف كالصلاة، ومن سنة الصلاة أن يتأخرن عن صفوف الرجال، فكذا في الطواف...
4. ومنها: أن من يطوف وقت صلاة الجماعة لعذر لا يطوف إلا من وراء الناس، فلا يطوف بين المصلين وبين البيت؛ لئلا يَشْغَل الإمام والناس، فيؤذيهم.
5. ومنها: أنَّ الراكب عليه أن يجتنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة؛ لئلا يؤذيهم.
6. ومنها: جواز إدخال الدوابّ المسجد، وقد تقدمت أقوال العلماء في ذلك.
7. ومنها: استحباب قرب الإمام من البيت في الصلاة.
8. ومنها: مشروعية الجهر بالقراءة في صلاة الصبح، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (23/ 505).

وللاستفادة من الروايات الأخرى ينظر (هنا) و (هنا)


إبلاغ عن خطأ